|
|
|
د.حسن الأسدي
تقديم: يضيف الإنسان بين الحين والآخر مجموعة من المقولات والنظريات المعرفية التي تنسجم مع معطيات التطور الثقافي الذي تشهده المجتمعات ، ولاسيما تلك التي تسعى للبحث عن كل ما هو جديد ونافع لها ، ومن بين تلك النظريات المعرفية الجديدة التي أضافها علماء اللسانيات إلى المنظومة اللغوية العالمية ( اللسانيات الحاسوبية أو الرقمية Computational Linguistics ) التي أفادت من الطفرة المعرفية المهولة التي شهدها العالم مع بداية ثورة المعلوماتية (The Infomedia ) . وتشهد الساحة المعرفية التأسيس لبروز منحى آخر من مناحي الإبداع المعرفي الإنساني المنجز يتمثل هذا المنجز في الإفادة من المنجز الرقمي الذي قدّمته الثورة الألكترونية وشبكتها المتشعبة ، بإبداع فني جديد هو الشعرية الرقمية . إذ بدأ منذ وقت قصير التمهيد له في عالمنا العربي من خلال بعض المؤلفات التنظيرية لهذا المجال ؛ ولم نكن إلى أيام خلت قد رأينا من يلج هذا المجال البكر من الإبداع الشعري – تحديداً - ، إلى أن خرج علينا المبدع الشاعر د مشتاق عباس معن بقصيدته الرقمية التفاعلية الأولى ( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) باللسان العربي لتكون رائدة في هذا المنحى الأدبي الجديد ، لتكون = كما سنوضّح – ( مدوّنة رقمية وحيدة اللغة "monolingual corpus " ) ؛ لأنها استثمرت اللسان العربي فقط في تكوينها اللغوي. وعلى أثر هذا المنجز الإبداعي برزت طائفة من البحوث والمقالات التي تناولت هذه التجربة الرائدة للعمل على إقامة جنس شعري جديد يستجيب لوجود القصيدة الرقمية ، وهذا الجنس الأدبي الجديد هو النقد الرقمي ، ولم يكن الأمر مقتصراً على هذا فنحن أمام مجال بكر وهو مجال متوسع ليتداخل مع كثير من المشاهد المعرفية المنجزة . ويأتي بحثنا ( المدونة الرقمية الشعرية ) في سياق التفاعل مع بروز هذه القصيدة الرقمية التفاعلية ؛ وسيكون اهتمامنا منصبّاً على إبراز المفهوم الجديد للمدونة من خلال مصطلح ( المدوّنة الرقمية أو الحاسوبية computer corpora ) . المدوّنة الرقمية computer corpora : إن المسعى الذي يتّخذه الباحث في قراءته اللسانية للقصيدة الرقمية التفاعلية الأولى التي نُسجت بلسان عربي هو د مشتاق عباس معن يتمثّل في جانب هو غاية في الأهمية ذلك هو إبراز ما نسميه ( المدوّنة الرقمية computer corpora ) التي ظهرت عند الشاعر المبدع لتكون بُعداً إبداعياً يؤطّر به القصيدة الإبداعية لسانياً . ويعدّ هذا المصطلح ( أعني : المدوّنة الرقمية computer corpora ) مصطلحاً رقيماً جديداً يضاف إلى ميدان النقد الخاص بالأدب أو الشعر الرقمي ؛ وإذ كان مفهوم المدوّنة يتمثل في مجموعة النصوص المكتوبة التي تكوّن كياناً مستقلاً سواء أكانت النصوص مكتوبة على الورق أو مكتوبة على الألواح الطينية والعسب والرقاع الجلدية وأوراق القصب والبردي بل حتى ما سجّل على الأسطح والجدران ، بل حتّى تلك النصوص التي تمّت كتابتها وحفظها على أجهزة الحاسب الآلي والأقراص المدمجة ؛ إذ لا يعدو أمر هذه الأخيرة إلاّ أن تنقل من مكان إلى آخر باستعمال وسيلة متطورة هي الآلة الألكترونية ، أقول إذا كان مفهوم المدوّنة إلى وقت قريب يشمل كل ذلك فإننا نجد ولادة لمفهوم آخر للمدونة يمثّل امتداداً متنوعاً للمدونة يواكب الإبداع الشعري على النظام الرقمي الذي تمثّله القصيدة الرقمية ( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) ، ذلك المفهوم الذي من ألرز معالمه أن المدوّنة لم تعدّ مقتصرة على البُعد الكتابي ، بل إننا أمام مدوّنة متشعبة المظاهر ومتداخلة الأبعاد ( الصورية والسمعية والكتابية ) بكل تنوعاتها التي يمكن الإفادة منها وتوظيفها داخل كيان المدوّنة الجديدة ! وقد نكون أمام مدوّنة مترامية الأطراف ، إذ هي تتسع بتوسع الإفادة من التقانة الألكترونية وابتكاراتها التي تتوسع يوماً بعد آخر . إذ سنجد في هذه المدوّنة الأصوات الموسيقية والأصوات المفهومة وغير المفهومة بل حتى أصوات الحيوانات ، وقد نجد الإنشاد ونجد الرسومات التي تتنوع أصولها من العائدة إلى لوحات عريقة تمثل رمزية معينة أو منحوتات لتماثيل ومنها ما قد يمثل تراث أمة أو منحى أخلاقياً عند جماعة ونحو ذلك مما يعمد صاحب المدوّنة إلى توظيفه في عمله لإيصال المتلقي إلى مرحلة ما من التفاعل مع عمله . بل لعله يعمد إلى توظيف طريقة التصماميم الإنشائية والإفادة من الألوان لإيصال بعض الدلالات وغير ذلك مما قد يتمّ الإفادة منه . سواء منها ما كانت الإفادة منه على . سواء منها ما كانت الإفادة منه على نحو مستقل في نصوص المدوّنة أو كانت متداخلة بعضها مع بعض من نحو أن يتمّ تشكيل الصورة بنص مكتوب أو بناء مكون من نص شعري أو نثري . أو أن تكون مجموعة من الصور نصاً مكتوباً أو كلمة ما . ونحو ذلك وهو طريق طويل ممتد ما امتد الإبداع الرقمي . ويقترب ما نريده من تعريف المدوّنة الرقمية من تعريف المعجمي اللساني المعروف " ديفيد كرستال " الذي عرّفها في معجمه (A Dictionary of Linguistics and Phonetics ) بأنها : (مجموعة من البيانات اللغوية المكتوبة أو المُحَوَّلة لمادَّة مكتوبة من تسجيلاتٍ صوتية، يمكن أن تستخدم كنقطة بداية لوصف اللغة أو طريقة لإثبات الفرضيات اللغوية ) [1] وعليه فإن القول المختصر في مفهوم المدوّنة الجديدة ( المدوّنة الرقمية computer corpora ) : أن كل ما يمكن أن يظهر من العمل الأدبي على الواجهة الألكترونية ( الرقمية ) سيكون جزءاً من تلك المدوّنة . المدوّنة الرقمية والمتلقي : ينعكس توسع مفهوم المدوّنة ههنا وبروز مفهوم المدوّنة الرقمية على قارئ النص الرقمي ، إذ يتحول إلى متلق ٍ متفاعل ، إذ تمكّنه البنية الجديدة التي تتأسس عليها المدوّنة الشعرية ( أن يتفاعل معها ، ويضيف إليها ، ويكون عنصراً مشاركاً فيها ) [2]. ويعود ذلك للبنية الجديدة المتشعبة الذي يظهر عليها النص الرقمي الإبداعي ، فهو نص ( يتيح للقارئ وسائل عملية عديدة لتتبع مسارات العلاقات الداخلية بين ألفاظ النص وجمله وفقراته ، ويخلصه من قيود خطية النص ، حيث يمكّنه من التفرع من أي موضع داخله إلى أي موضع لاحق أو سابق ، بل يسمح أيضاً للقارئ بأن يمهر النص بملاحظاته واستخلاصاته ، وأن يقوم بفهرسة النص Indexing وفقاً لهواه ، بأن يربط بين عدّة مواضع في النص ربما يراها مترادفة أو مترابطة تحت كلمة واحدة ، أو عدّة كلمات مفتاحية Vie words ) وذلك ما ترجم للمصطلح الرقمي Hypertext [3]. وهو أسلوب ينقل القارئ ( المتلقي ) إلى ميدان لا يظهر في النصوص الخطية أو غيرها من الإبداعات الفنية فبينا كان متلق ٍ مستمع منفعل قد يهزّه الطرب أو لا يهزّه إذا هو متلق ٍ متفاعل بل فعّال يستطيع الولوج إلى النصّ ( المدوّنة ) عبر مؤشر تحت يده يتحرك بكل الاتجاهات المحتملة وهناك حول أذنيه ما يزيده ولوجاً في النصّ عبر البُعد الصوتي الذي يظهر مع هذا النص أو ذاك في تلك المدوّنة . ويبدو أننا نلاحظ أن مثل هذا التصوّر للتفاعل مع المنتج الأدبي الرقمي بل حتى المنتج الفني قد أفقد المدوّنة استقلاليتها التامة التي اتسمت بها في المرحلة الخطية السابقة لزمن القصيدة الرقمية التفاعلية . إن فعّالية المتلقي وليس " تفاعله " حسب ، تنحو به ليكون شاعراً مع القصيدة الرقمية وليكون روائياً مع الرواية الرقمية ويكون قاصاً مع القصة الرقمية ، وهكذا في كل مجالات الإبداع الفنية الرقمية الأخرى التي لا بد أنها ستظهر من نحو الرسم الرقمي والنحت الرقمي والسينما الرقمية والمسرح الرقمي ... إلخ .فنحن بصدد ثورة رقمية يصاحبها ثورة في التفاعل و يتحدد مدى المقدرة على التفاعل بمستويات الإدراك والتذوق لدى القارئ مع إمكانياته في الإفادة من التقانة الحديثة ومبتكراتها ، بل لعل المتلقي يتجاوز إلى أن يكون مبدعاً فيضفي ملامح جمالية وقيمية جديدة على المنتج الفني الرقمي لم تكن فيه ولم تكن في ذهن المبدع الأول ، وبمثل هذا لا يعد الشاعر والقاص والروائي حاكماً لنصّ قيماّ عليه بل أننا بصدد طغيان التفاعل الفني الرقمي للمتلقي مع النص أو مع المدونة .التي تضم النص وما حول النص من الأبعاد السمعية والبصرية ولا يغيب عن الأذهان أن مثل هذا التفاعل يكسب النص والمدوّنة هوية جديدة مع كل تصفّح وتنمو هذه الهوية وترتقي كلما ارتقت القدرات الإدراكية للمتلقي والإمكانيات التقنية للآلية الرقمية وبرامجها . المدوّنة الرقمية والمتلقي الفعّال : أبرزت بزوغ القصيدة الرقمية التفاعلية عرضاً تطبيقياً لمفهوم المدوّنة الرقمية والمتلقي الرقمي إذ تبدأ بتكوين هويتها الجديدة مع اللحظة الأولى للولوج إلى موقعها في الشبكة الدولية للمعلومات وهو موقع ( النخلة والجيران ) فيصبغها بمصاحبة رمزية عراقية هي " النخلة " وهي بين جيرانها ، ثم من خلال صورة الشاعر المبدع يلج إلى المدوّنة فيقع أمامنا في الواجهة الزرقاء صورة ذلك الرأس المكمم الصارخ الذي تعددت فتحات فمه لأنه لا بد له من أن يصرخ مع لونه البني الغامق وإلى ميمنة وميسرة ذلك الرأس بعض الكلمات كوّنت كل منها مفاتيح لفتح مجالات أخرى لتمتد بها المدوّنة . ففي يمين الصورة جملتان هما " اضغط فوق ضلوع البوح " الأولى ومثلها الثانية ، فإذا ضغطت عليها ولجت إلى نصوص أخرى لهذه القصيدة والمدوّنة ، أما في ميمنة هذه الصورة فقد تم وضع الجملة ( النص ) الشعرية ( أيقنت أن الحنظل موت يتخمر ) بصورة عمودية ، وما أن تضع المؤشر على كلمة منها حتى يظهر نص شعري أوله تلك الكلمة ، فيختفي بعد قليل ، وذلك هو : [ أيقنت ] : ( أيقنت حين قرأت كتاب الدنيا أن الناس توابيت والأحلام برأس الموتى كطراز القبر المنقوش بأحلى مرمر ... أيقنت أن المولودين ضحايا ونعيش لكن كي نقبر ) . [ أن ] : ( ان الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وأرضي تنثّ ملوكاً كان آخر من أورق فيها ، ملك الموت ) [ الحنظل ] : ( الحنظل أدمن شرب بوح المنصاعين لبوح الحزن ... فتحنظل ) . [ موت ] : ( موت يعدو ... ماذا يبغي هذا العدّاء المسكين ) . [ يتخمر ] : ( يتخمر ظلي في الغرفة وأنا عار ٍ في طرقات الروح أتلمسني لعل الغربال المتلفع جلدي يوقظ ظلي الموغل في التوحيد بدوني كي يشرك بي ) . فإذا جئنا إلى الميمنة وجدنا ( اضغط فوق ضلوع البوح ) مكررة مرتين ، لتكون كل منها مدخلاً إلى ثلاثة مجالات رئيسة متشعبة عنونت بكلمات "متن " " حاشية " " هامش " . تظهر هذه الكلمات في الواجهة بوصفها مواضع للتشعب ، وتظهر في ثلث الواجهة نصوص شعرية بعضها ثابت وأخرى متحركة على هيأة الشريط الإخباري ، بدلالة متداخلة ( من المرئي والمكتوب ) ومصاحبة لموسيقى بعضها عراقية حزينة وأخرى غيرها ، ويظهر في الواجهة بعض الصور الخلفية لتلك النصوص المكتوبة من نحو أرض مجدبة جفّ ماؤها فتشققت أخاديد صغيرة على متنها ، و صورة للوحة الساعات المائعة لسلفادور دالي مع واجهة صفراء وزرقاء . ويظهر في هذه المدوّنة الشعرية الرقمية امتداد نصي آخر في بعض مراحلها ففي نص الحاشية تبرز مفاتيح لـ " نصيحة " و لـ " من يرغب بنصيحة أخرى " وبعضها يعمل على غلق هذا الامتداد كما يظهر في الحاشية التابع لـ " اضغط فوق ضلوع البوح " الثانية بمقتاح " أوبة نصوح " . ونجد في مفتاح " هامش " التابع لـ " اضغط فوق ضلوع البوح " الثانية أمراً شبيهاً بما في الواجهة الأولى ، فمع صفحة صفراء وعينين شاخصتين كتب عليهما : أشجار الزيتون قطعت أوراقها لأن الربيعرحل وعلى يمين النص كتبت الجملة ( النص ) الشعرية المحذرة ( إياك أن تقترف الأمل ) مكوّنة أربع نوافذ إلى أربعة نصوص شعرية تظهر وتختفي بعد قليل ، يبدأ كل نص بكلمة من هذه الجملة ( النص ) الشعرية : [ إياك ] : ( إياك أن تبترك سنبلة فالأرض صلعاء ... وفحيح القحط يغني ... الخلود لي !! ) . [ أن ] : ( ان تحيا ... أمل موصد !! ) . [ تقترف ] : ( تقترف البوح ؟؟؟ والكلام مرتجف على شفتيك !!! ... إذن سينمو عليك الصخر في وضح الانتظار ... ) . [ الأمل ] : ( الأمل مثل ظل كسيح ،،، لا يجيد سوى النوم وقت الغروب ) . ومن جملة المدوّنة الرقمية ما قد يقوم به القارئ أو المتلقي في إعادة قراءة نص ما والعودة إلى إظهاره أكثر من مرة إذ إن مثل هذا التكرار والعود الواعي يؤدي إلى امتداد تشعّبي يلبّي المدوّنة إحساس ذلك القارئ وتفاعله ، إن مثل هذا المفهوم للمدوّنة الرقمية يضع المدوّنة على حافة تطورات غير محدودة مع سلبها الاستقلالية المعهودة في المدوّنات الخطية ، بل أننا أمام مدوّنات متعددة ، يصنعها المتلقي المتفاعل ، تأسست على مدوّنة واحدة أنشأها المنتج الرقمي شاعراً كان أم ناثراً أو غيرهما من المنتجين الفنيين . الإحالات [1] David Crystal, A Dictionary of Linguistics and Phonetics, Blackwell, 3rd Edition, 1991
[2] مدخل إلى الأدب التفاعلي : د فاطمة البريكي : 74 . [3] الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرّع : د . حسام الخطيب .
************ |