|
|
|
كرنفال أيوب ![]()
عندما يجد الروائي نفسه مسكونا بهمّ عام يخص أبناء وطنه, أو بقضية تمس الواقع اليومي لبني جنسه, أو بتاريخ يشمل تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية يعيشها وطنه, عندما يجد الكاتب نفسه قد وقع تحت إلحاح شديد من ذلك, عندها يطلب التعبير عما يعتمر بداخله نحو قضايا مصيرية . ولأننا إزاء واقع سياسي فرض إسقاطاته على الفرد ومارس ضغوطه وجرائمه ضد الإنسان, كان من الطبيعي أن يتأثر به الكاتب كما يتأثر غيره, ويبدو أن الروائي مهدي عيسى الصقر قد وقع تحت- وبعد عقود من التجارب- وطأة هذه الضغوط بشكل أكثر من محسوس, إذ لا يكاد عمل من أعماله يخلو من جدل هذه المسالة ,ولا تكاد ثيماته تفارقها, مما أدى إلى ثبات الإيقاع العام في رواياته مع تغيير في النغمات الفرعية. إن (الصقر) سعى عبر نتاجاته إلى اكتناه الجدل الاجتماعي والسياسي العميقين داخل المجتمع العراقي تجاه ماضيه وحاضره ومواجهته للآخر, وقد منح هذا نقاطا للارتكاز نلمحها في اغلب نتاجاته, إلا أن هذا الاقتراب والتشابه(1) بين الثيمات عنده لا يعني جمودها أو نمطيتها, فكتاباته تتميز بحيوية عالية ومقدرة على التقاط الخيوط النفسية الداخلية وتوظيفها إلى جانب الإطارات الخارجية, ,مما أدى به إلى الاقتراب العميق من (اليومي) وإعادة تشكيله, بمعنى أن (الكاتب) بقي يؤسس في البنية السردية خاصته ليجعلها أكثر عمقا في استيعاب النماذج الإنسانية أولا, وحركتها وتفاعلها ثانيا. لقد رسم (الصقر)الحدث ومبرراته بفاعلية مع ما يعيشه الفرد العراقي من نكبات وخيبات وآلام, وبعد عقود من التجارب الإنسانية (العراقية) المؤلمة, محققا مقولة: (إن الرواية هي فن المعارضة بامتياز) في كل مرة يتحفنا فيها بإبداع قصصي يلامس جرح النفس النازف, ويمر عبر آلام الداخل, فهو ببساطة يضعنا أمام أنفسنا لنقرأ ما في دواخلنا ولنسمع الصرخات المكتومة في نفوسنا, إلا انه هذه المرة اسمعنا صرخة إنسانية عالية, إنها (بيت على نهر دجلة) حيث التناقضات الحياتية, والإشكالات التي طرحت لنا مجموعة من الشخصيات المتأزمة, شخصيات من هذا الزمان ومن هذا المكان, طرحها لنا وادخلها في لعبة حياتية هي سر الإشارات والرموز التي اكتنفت أحداث الرواية . إن غاية (الصقر) ارتكزت على محورين, محور الشخصيات, ومحور الرموز, ومن خلال هذين المحورين أراد أن يوصل (الرسالة). الواقع أن عوالم هذه التجربة الروائية بالذات فيها تشكيلا وبناءا قويا متماسكا إلى الحد الذي أخذنا نشعر بوجود حلقات وصل بين الشخصية والرمز مما أوصل إلى أن لا وجود للشخصية دون رمز وبالعكس, ولان الرموز الموظفة إنما تحركت وكانت فاعلة على يد الشخصيات. لكن هناك تساؤلات ترد في سياق الأحداث, ومنها :هل وضع (الصقر) شخصياته على المحك إلى الحد الذي جعلنا نلمس التأزم في دواخلنا ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال وعن غيره تكمن في تتبع ادوار كل شخصية ليتجلى لنا موقفها من التجارب الحياتية التي تعرضت لها. ولان (الصقر) جعل مدار الحدث يرتكز حول مجموعة من الشخصيات عاشت واقعا مؤلما خلال سنوات من الحرب أكلت الرجال على حد تعبير (الصقر), ومجموعة الشخصيات تلك ارتبطت بحادث غياب (سعيد) الذي اتضح انه لم يقتل وإنما هناك قوى غيبته وحكمت عليه بالموت والفقد, إلا انه عاد من الأسر, عاد دون وعي لان كيانه تعرض لهزات نفسية متتالية تركت بصماتها على تكوينه النفسي نتيجة المناظر المرعبة التي ثقبت حواسه وداخله, بعد أن كانت أيامه مليئة بمعاني الحياة البريئة, فهو يكمل دراسته, ويحب, ويتزوج, وينجب, قبل أن تسحقه الحرب في اتونها . تبدو شخصية (سعيد) صاحبة أعلى الأصوات في الرواية, فعليها مدار الحدث وكل الشخصيات الأخرى مرتبطة بها . إن داخل (سعيد) متأزم إلى ابعد الحدود وهو يمثل التناقض والتعارض بين جزئيات الحياة ومفرداتها والذي ولد ردات الفعل في داخله, فقد تجلى هذا التأزم في حياته, وفي وجوده الذي الغي, وسنوات الأسر المأساوية, ثم رجوعه إلى الوطن ليجد الزوجة والطفلين قد أُخذا من قبل القوى نفسها التي أرسلته للحرب, فلم تتحمل أعصابه هذا التيه الذي نتج عن واقع الأسر الذي عاناه وحياته التي أُلغيت, ومن خلال هذا جعل منها (الصقر) شخصيه موحية, ومن أكثر الشخصيات التي حمّلها رموزا ودلالات تنتج عبر ردات الفعل التي تظهر على( سعيد). ويبدو أن هناك لحظات وعي وتجلي تنتابه في أوقات معينة, مثل تلك اللحظات التي يتجسس فيها على (ساهرة) و(زوجها) أثناء نومهما, وهو يبدو واعيا تماما لما يشعر به كما يظهر موقفه من زوج أخته: ((يضحك يده على فمه هي لا تدري انه يقف وراء الباب يتجسس عليهما في الليل في مرات سابقة حاول لن يخترق عتمة غرفة نومهما ليرى ما يفعلان على الفراش مد بصره من ثقب المفتاح . إلا انه لم يلمح غير جانب صغير من الستارة المسدلة على النافذة في مواجهة الباب وشريط مستطيل من خليط الخشب والقماش عند نهاية السرير في إحدى المرات رأى قدما واحدة انحسر عنها طرف الغطاء .فبانت أصابعها منتصبة في الهواء عرف فيها قدم الرجل الدخيل الذي التقطته أمه من الشارع وأدخلته غرفة نومها, يدهمه الغضب يتوقف عن الضحك المكتوم ويدع يده تسقط عن فمه يخطر له أن يقتحم عليهما الغرفة ينقض على الرجل يجره من على السرير, وبعد ذلك يحمله إلى خارج البيت ويرمي به في نهر دجله))(2). يتضح موقف (سعيد) من زوج أخته عبر هذه التداعيات لنعرف انه يكرهه لأنه دخيل, ولأنه يتشبث بأخر ما بقي له وهي (ساهرة) التي تزوجت من رجل غريب ينام معها في غرفة واحدة, فنفسيته الجديدة لم تتقبل هذا الوضع, ويبدو واعيا تماما حين يشغله هاجس بكارة ساهرة, حين يلعب دور الرقيب أو الحارس على ما بقي له مع ما يبدو عليه من مرض نفسي: ((يبقى دقائق أخرى واقفا في ظلمة الصالة ملصقا أذنه بالباب الموصد ...لا صوت ولا نأمة .الصمت وحده ينام الآن بين الجسدين هو يحب كثيرا هذا الصمت الخالي من الحركة يشعره بالاطمئنان على بكارة أمه))(3) تبدو هذه الشخصية على وعي تام بإحساسها في تلك اللحظات التي يتجسس فيها على( ساهرة) وزوجها فضلا عن كونها على وعي تام بما وصلت إليه يوضح ذلك محاورته مع ساهرة في عيادة الطبيب:((قلت له :أنت رجل والرجال لا يختبئون. انظر إلى الدنيا وسوف تجد.....,قاطعني"ماذا أجد يا أمي"))(4) هناك حقيقة يجب الإشارة إليها وهي أن (الصقر) لم يرد لـ(سعيد) أن يكون منفصلا عن العالم بصورة كاملة, وإنما خلق لحظات حقيقية ووعيا يتفجر فجأة ليحمل لنا رسالة عبر ما يرمز إليه ,بل هي مجموعة رموز البسها جسد (سعيد) وشخصيته, ففي الوقت الذي كان فيه يعاني من ظروف الأسر والتيه ويرزح تحت ظروف الحرب المدمرة, كانت فاتن (زوجته) تمضي بعلاقتها بمنصور, وهو رمز عبر عنه (سعيد) ويجسده يحمل مغزى أبناء البلد الذين كانوا يقاتلون ويقتلون في حين كانت عوائلهم تغتصب وتؤخذ من قبل الانتهازيين, وقد عبر (سعيد) عن هذا المغزى في محاورة بينه وبين زوجته:((أنا في الحقيقة سمعت بنبأ عرسك أنا وأصحابي نحمل بنادقنا ونمشي بين الخنادق صاحبتي القبّرة جاءت وجلست على كتفي وهمست بالسر في أذني حتى لا يسمعنا احد ثم طارت وأنا كنت مشغولا فلم أتمكن من حضور عرسك))(5) إن إشارة الصقر واضحة على لسان الشخصية في واحدة من لحظات التجلي التي تنتابها بين الحين والأخر, يكيفها الروائي لتظهر في وقتها, وهو جزء من كشفه عن آلامه للآخرين, وجزء من هذه آلالام قد كشفها حتى لطفليه عبر الرموز المستخدمة:((وهناك في السوق شفنا قطة كبيرة سوداء الشر في عينيها تخفي رأسها تحت جناح حمامة جميلة بيضاء وتدفن مخالبها في كومة من حبات القمح وسمعناها ترحب بالعصافير التي حطت على الأرض قريبا من كومة القمح وتقول لهم تعالوا يا أحبابي الصغار وكلوا طعامكم . فانا وأصحابي ننتظر دورنا واقتربت العصافير(....)اذهب أنت أيضا فقد جاءت القطة))(6) انه يدرك بحواسه الأشياء من حوله, ومنصور عنده (القطة)التي انقضت على العصافير (أولاده). وهي رموز استوحاها الروائي عن علاقة منصور بفاتن وتأثير هذه العلاقة على(سعيد) الذي صور (منصور) بحسب ما أدركه كالقطة السوداء التي تختبيء وراء ستار النعومة لتتمكن من صيدها. إن الحالة النفسية لـ(سعيد) جاءت متناسبة مع الرموز التي حملها الروائي لشخصيته. و(الصقر) كغيره من الروائيين الذين عمدوا إلى المشاكل النفسية وتأثيرها في الفرد ليثيروا تضادا بين الشخصية ومحيطها نتيجة اكتشاف زيف الثوابت والمعتقدات أو الأشياء الظاهرية, عندما تكون الانتكاسة فوق مستوى الوعي لتنقلب الموازين والقناعات عند هذه الشخصية, و(سعيد) قد مثل ذلك بوعي تام من قبل الروائي, فقد نجح (الصقر) بإقناعنا بهذه الشخصية وواقعيتها, خاصة حين عبرت عن نفسها في مشهد (في تصوري) انه عماد العمل الروائي كله, فقد حمل هذا المشهد ابلغ الرموز التي أراد الروائي إيصالها . يتجلى هذا المشهد في كونه حقيقة وواقع (سعيد) ,وهو الفكرة التي قامت عليها الرواية, فضلا عن اختصارها لحالة سعيد بأكملها, اخرج (الصقر)هذا المشهد بفنية عبر عرضه أولا, ومن ثم تأتي معانيه على لسان سعيد في إحدى تداعياته, هو تعبير عن حياة ضاعت وشخصية ألغيت, واكتشاف لأوجه خفية, وهو إشارة لواقع مصادر ولتغيير في النظام الحياتي. إن هذا المشهد ( الرمزي بإصرار)هو مشهد الحفر بحثا عن السلاح في بيت (ساهرة) و(سعيد) هو الذي حرك هذا المشهد حين ادعى أن وجود السلاح في غرفة ساهرة بالذات وكأنه يوجهنا لكشف الحقيقة وبأنها موجودة في غرفة (ساهرة) الشخص الوحيد الذي بقي له ويهتم به, انه يشير ببساطة إلى أن الحقائق في تلك الغرفة, وحين يفتش الجنود المكان بحثا عن السلاح لا يجدون شيئا,وهنا يطلق سعيد إشارة أخرى من خلال الجندي: ((قلت انه مدفون تحت سريرها فاين هو؟))(7) وإذ تأتي عملية الحفر بحثا عن السلاح, فإنها ترمز إلى كشف واقع هذه الشخصية من خلال غرفة (ساهرة) ,لان الروائي كان قد دفن حقيقتها, وبالحفر تكشفت حقيقته وحاله, وما آل إليه. وكلما أوغل الجنود في الحفر زاد الاقتراب من الحقيقة إلى أن يصل الحفر مرحلته الأخيرة فيكشف البحث عن وجود قبر قديم, فيقوم الجنود باستخراج عظامه: ((تتسارع دقات قلبها ترى ما الذي تختزنه الأرض من خبايا تحت سريري! تغادر مكانها وتتسلق جدار التراب هي أيضا.ترى ابتسامة ظفر على شفتي الرجل كأنه يعلن متحديا . ماذا تقولين ألان .ولكن هذا مستحيل حتما ليس ما عثروا عليه سلاحا !ولكن ماذا يمكن أن يكون!؟ ترى الفتية يزيحون غشاء التراب فيتكشف من بين سواد الأرض سطح جسم كروي ابيض يميل إلى الاصفرار أحدثت فيه احد المعاول كسرا يشبه ثغرة مظلمة ولكن ما هذا!؟ يتساءل الرجل في خيبة . يقول له احد الأفراد وهو يرفع إليه وجهه الناضح بالعرق .إنها جمجمة سيدي!يحدق الرجل إلى الرأس الأبيض المصفر .ثم يستدير إلى ابنها غاضبا "هذا هو السلاح!؟أنا أيضا فوجئت. ما كانت تدري, وهي تنام كل ليلة إن تحت سريرها قبرا !ولكن لمن هذا القبر!؟ولماذا في غرفة نومها!؟))(8) لقد صور (الصقر)حقيقة (سعيد) في مشهد معبر, فالقبر يرمز إلى قبره الذي دفنت فيه (ساهرة) الجثة المجهولة, وحين عاد من الأسر فتحت( ساهرة) القبر لتخرج منه (سعيد) الذي عاد إلى الحياة, إلا أنها أخرجته ميتا وهو رمز لموته المعنوي, فحقيقته تتلخص في انه عبارة عن مجموعة من العظام بلا روح, فروحه استلبت منه, ولم يعد غير جسم واه وضعت عظامه في كيس الوسادة, وتساؤلات( ساهرة), (لمن هذا القبر؟) توحي بالإجابة , انه قبر (سعيد) ,(لماذا في غرفة نومها؟),لأنها الشخص الوحيد الذي يهتم له, وهي أخر ما بقي له . إن تداعيات (سعيد) فيما بعد هي التي تثبت حقيقة معنى هذا الرمز فيأتي على لسانه: إن القبر المحفور إنما هو قبره:((ثقبوا جمجمتي ثم وضعوا عظامي في كيس الوسادة وأمي تصيح وراءهم خذوني معه))(9) يعرّض الروائي (سعيد) لزيف الثوابت وللخداع عبر رحلة حياتية اختتمها في جبهات الحرب ,وهناك تكشفت له كل الأمور الخافية, و مرضه النفسي كان ردة فعل كشفت له كل القيم والاعتقادات الزائفة عبر اضاءات كانت تتلبس شخصيته وهو يعبر عنها في أكثر من موضع ,نلمسها مثلا في عودته من المعتقل حين أخذوه بعد تفتيش بيتهم بحثا عن السلاح وهو في هذا الموقف يتعرض لهزه أخرى عنيفة تؤثر فيه إلى ابعد حد .إذ لم تكتف الظروف بما عاناه في الأسر فيبقى مطاردا حتى في حالته هذه, ويتعرض لمواقف أكثر بشاعة مما تعرض له في الأسر ,وفي إثناء هذيانه يومض رمز أخر يوحي بصورة من صور الواقع المر الذي عاشه : ((راح يهذي بكلمات لا رابط بينها .قال أنهم وعدوه أن ينصبوه ملكا على متنزه (الزوراء) لكنه طلب منهم علبة ثقاب عوضا عن هذا المنصب))(10) وغير بعيد عن الفهم أن متنزه الزوراء إشارة لبغداد وهو مغزى للمنصب, إلا أنه في خضم مرضه النفسي طلب علبة ثقاب ليحرق كل شيء وكأنه يعي تماما الأزمة التي يحياها , وهو إيحاء لرفضه لكل ما تكشفت الأمور عنه من زيف. وهو رفض لكل ما يقدموه لأنه تعرف إلى مواقع العفن في مجتمعه.و(الصقر) بدا يكشف هذا الزيف للقاريء بالتدريج عبر الرموز التي جسدتها هذه الشخصية, ففي كل موضع نجد هناك حقيقة تتجلى وإشارة توميء لمواضع العفن الذي يعاني منه الفرد, وقد جعل (الصقر) منه مرآة تعكس صور هذا الزيف, كما جعل منه الضحية التي عبرها تجلت أمامنا حقائق المواقف الحياتية التي نعيشها. وكأنه لم يكن مدركا لما حوله إلا بعد أن اخضع لتلك التجربة القاسية . حين يسأل ابن سعيد أباه عندما كان يقص عليهم ما تعرض له في الأرض الحرام , والسؤال عبارة عن رمز, وفي الجواب رمز اكبر: ((سأله ابنه الكبير, كأنه يحقق معه. ولماذا لم تتجنب حقل الألغام !؟ أما كنت تعرف انه خطر!؟ لم ينظر إلى ابنه. ابتسم ابتسامة غريبة وقال وعيناه ما تزالان على وجهها كأنه يرد على سؤال وجهته هي إليه : لا احد يعرف خبايا الحقل المميت حتى يتجنبه ,إلا إذا كان هو الذي بذر البذار فالأرض تلوح بريئة))(11) إن إجابة (سعيد) تشير إلى واقع الشعب الذي كان مخدرا ولا يعي ما الذي خبئ عنه من ادوار أقحم فيها, كما أن فيها تبريرا لما حدث ويحدث كل يوم في البلاد, ومن اقرب نتائج هذا حالة (سعيد) ووضعه حين جرته قسوة السلطة ولوقت طويل إلى قاعها, فاظهر انفعالاته المتنوعة حين قصرت مقدرته عن تحمل كل هذه البشاعة وبالتالي قصرت إمكانياته عن التخلص والانفلات عن هذه الأزمة, فلم يستطع الالتحام بالمجتمع مرة ثانية إلا عن طريق(ساهرة). إن الصقر أراد من شخصية سعيد أن تأتي بنهاية من خلال رمز أخر تماشيا مع لعبة الرموز التي انتهجها في روايته, فقد بدا التغيير من بيت (ساهرة) وهو البيت الذي تربى فيه (سعيد) , وقد تجلى هذا التغيير في اقترابها من زوجها, وفي خروج(سعيد) من هذا البيت بعد أن حصل على (الثقاب) وخرج ليحرق كل شيء بعيدا عنها لأنها الحقيقة النقية الوحيدة في حياته, فآثر التخلص من العالم الفاسد خارج محيط حياتها, احرق المدينة بكل ما فيها, احرق الليل والكلاب الذين كانا يؤرقان (الكاتب) ويشير إليهما كدلالة على البشاعة والظلم. فقد حقق رغبته في إحراق كل ما هو مزيف وخادع وعفن, ويكفي تحقق فعل الحرق بعيدا عن شقيقته دليلا عن ذلك لأنها رمز لبقاء الصحيح : ((ماذا حدث!؟ لماذا. أشم رائحة حريق .. كأنه عند الجيران! يتشمم الهواء ثم يقول. "معك حق .الرائحة قوية .كأن المدينة كلها تشتعل ينزل عن فراشه ويذهب إلى النافذة.لكنها لا تنتظر تقفز عن السرير تفتح الباب وتركض إلى غرفة ابنها. ترى فراشه خاليا وباب الدار مشرعا. وأضواء الحرائق تنير سماء المدينة ))(12). تعبر هذه الشخصية في أكثر من موضع عن رغبتها في التخلص من الأزمة الداخلية والأزمة الخارجية, فهي تطالب دائما ب(الثقاب) رمز الإمكانية إلا انه كان يمنع عنها, فهي تريد إمكانية تحقيق شيء للخلاص, وابسط ما يمكن كان علبة الثقاب الصغيرة التي أحرقت كل شيء,الخداع والانتكاسات والأزمة برمتها. وتقف إلى جانب هذه الشخصية, شخصية أخرى تعاني من درجة التأزم نفسها, إلا أن ظروفها مختلفة عن ظروف سعيد, إنها شخصية (الطبيب) مصدر العلاج وحل مشاكل الناس النفسية. إلا أن هناك مفاجأة كشفت عنها هذه الشخصية, إذ أنها حملت رمزا ودلالة تكشفت عنها الأحداث فيما بعد على عكس ما كان تبدو عليه. إن خطورة دور(الطبيب) تكمن في كونه طبيبا نفسيا يصلح النفوس ويعالج مشاكل الروح والأزمات, وهو دور غاية في الصعوبة, لان (الصقر) أراد منه أن يعالج نتائج أهوال الصدام الكوني الذي يتعرض له الأفراد, فضلا عن تحميله الرموز التي أراد الروائي إفهام مغزاها لنا, وعلى الرغم من دور الطبيب الذي يوحي بالحل والعلاج, إلا أن (الكاتب) أوحى لنا من خلال تصرفات هذه الشخصية بأنها تشكو من المرض أصلا, فهو يستمع إلى شكاوى المرضى على ضوء الشموع, وهذه من أولى الرموز التي تشف عن ضآلة في الإمكانيات, إمكانيات العلاج, فهو يكشف عن التجارب المأزومة إلا أنه يقف عاجزا أمامها لأنه يكتشف بالتدريج زيف العلاج وبان الإمكانية المطلوبة أكثر من المتاح, فهو يتعرض لجو خانق مما يفصله عن عالمه الأصلي لذا كان عليه أن يكشف تلك الحقيقة, ولعل الحالات المرضية التي كانت تمر عليه هي التي أيقظت في داخله تراكمات السلبية التي عاش فيها, إلا أن الصراع الداخلي يتأجج فجأة, وتُثار كوامن النفس, فأفضت به إلى تحطيم كل شيء واحتقاره بالتبول عليه, تحقير كل الحالات والعلاجات والسخرية من الزوائف التي أحاطت به وبمرضاه, فتفجر صراعه الداخلي عن أزمات دفينة كان لها بدايات أو بالأحرى إشارات منذ بدء الأحداث: ((هذا الطبيب الذي أرسلتنا إليه مخبول, هو نفسه بحاجه إلى من يعالجه))(14). إن دواخل (الطبيب) تطفو على السطح مما أوصله إلى نقطة اللاعودة عندما تفجرت كوامنه بطريقه مفاجئة, وإحباطه وتأزمه جاءا نتيجة عالمه أولا, وما تكشفت عنه الحالات المرضية التي يعالجها ثانيا, ويمكن أن نقول انه تأزم جاء عبر المشاهدة واستقراء الدواخل النفسية: ((عندما تنزل في بلاليع المجاري فانك تتوسخ جسدا وروحا ! يتكلم الدكتور سالم بعد الصمت الطويل ويتابع قائلا: وأنا ادخلها كل يوم .سنوات وسنوات وأنا انزل فيها. كل يوم باستثناء أيام الجمع, والعطل طبعا .. كل يوم فهم يقصدونني من كل مكان من البلد يأتون من الجنوب, يأتون من الشمال, يأتون من الوسط ويلقون بثقل عذاباتهم وأحزانهم على صدري))(15). واضح من خلال هذه المحاورة بين الطبيب وماجد إن هموم الناس قد تجمعت كلها في داخله مما أدى إلى اتساع ازمته الداخلية, بل هو أكثر تأزما من (سعيد) نفسه, لأنه حمل همومه وهموم غيره, فتجربته جماعية, في حين تجربة (سعيد) كانت تجربة شخصية. ومثلما يحرق(سعيد) كل ما حوله, دمر (الطبيب) أولياته وأوليات المرضى وكل شيء كان سببا في تأزمه, واحتقر السراب الذي عاش فيه طويلا, كما احتقر علاجاته وإصلاحاته في نفوس مرضاه, ويمكن أن نعزو سبب تأزم (الطبيب) المفاجئ إلى انه كان أكثر قربا من الأزمات النفسية والاحباطات البشرية لنماذج إنسانية كانت تعرض عليه كل يوم. فضلا عن قربه من إحساسات الآخرين في محاولة للكاتب أراد منها أن يوصل لنا عبرها, إن لا فائدة من أي شيء حين يصيب العطب النفس البشرية, ولا يمكن أن تتعافى, إذ لا جدوى مما نعيشه, فلم يعد هناك من متسع لمريض آخر, وفي هذه الإشارة تعرية للواقع العراقي من خلال طرح النماذج الإنسانية التي خرجت من حروب طاحنة, ففي داخل كل فرد همّ ومرض نتيجة الاحباطات و مصادرة الحريات والكبت والظلم: ((تشوف هذا الدولاب ؟ ما عاد في أدراجه متسع لمريض جديد المرضى يملئون الأرض والسماء, ويحاصرونني. تصور أنهم ينامون بيني وبين زوجتي على السرير. يجلسون معنا على مائدة الطعام. يذهبون معي إلى النادي. يمشون معي في الطريق يزاحمونني داخل السيارة ويسدون علي المنافذ .عيونهم تلاحقني عيونهم تساءلني وتستنجد . هؤلاء المرضى جعلوا نهاري شقاء متصلا, وليلي كوابيس مريعة, أنا تعبت وقلبي خلص))(16). يبدو أن المفارقة التي تكشفت لدينا الغاية منها أن يزيد الإحساس بعمق المأساة التي غطت الواقع العراقي حقبا طويلة, فضلا عن اغناءها وإسنادها للدور الرمزي في الكشف عن تجليات هذا الواقع بكل أبعاده. الشخصية الأخرى التي تدور في فلك (سعيد) هي شخصية (ساهرة) أخته التي ربته وأكثر من تأثر بتأزمه من بين الشخصيات الأخرى. (ساهرة) ترتبط برمز مهم, فهي تعيش خطا حياتيا غريبا على واقعها كامرأة, تحتضن أخاها العائد من الأسر وهو لا يعي شيئا, بعد أن ظنت انه قتل في الحرب, تتزوج من رجل(ماجد) تلتقيه صدفة هو الأخر يعيش خطا حياتيا مختلفا, (ساهرة) زوجة عذراء, اختارت أن تكون عذراء فقد اشترطت على زوجها أن لا يمسها إلا بعد شفاء أخيها. وموقفها هذا ينضوي تحت قائمة الاعتبارات النفسية التي تعيشها هي ويعيشها الآخرون معها, ومنهم زوجها (ماجد), فهي تعيش في صراعها عالمين: عالم داخلي تمثل في تردي حياتها وحياة أخويها نتيجة الحرب, فضلا عن الخواء الروحي الذي عاشته دون أهل ودون زوج, حتى بعد أن تزوجت, كانت حياتها سلسلة من الخيبات فلم تستطع الخروج من الأزمة الروحية, فجاء زواجها من (ماجد) صوريا كدليل على عدم مغادرة الأحزان روحها ونفسها, وعالم خارجي تمثل في صراعها مع الحياة وإفرازاتها التي جعلها (الكاتب) متمثلة بالضغط السلطوي الذي طرح أبعاده على كل شيء ,ويبدو انه محكوما دائما بهذه الفكرة وتشكل هاجسا عنده, إذ غالبا ما يجعل شخصياته محكومة بمسارات ملتوية ومعقدة ليظهر لنا جوانب الصراع بمختلف مستوياتها. وعلى الرغم من هذا تبدو (ساهرة) قادرة على بذل الجهد والتركيز والحزم, ويتجلى هذا في عنايتها بـ(سعيد) ومواصلة حياتها التي أصدرت عليها حكما بان توقفها عند حدوده ولا تتجاوزه, أصدرت حكما على نفسها وواقعها ب(الرهبنة)حتى إشعار آخر : ((هاهي وزوجها ينامان متباعدين, يغطي جسد كل واحد منهما شرشف منفصل, وبينهما يتمدد ذلك الدرب من الفراغ الذي تركته هي- منذ زواجها قبل أسبوع- من اجل أن تبني جدارا بين رغبات الجسد. تحاول بذلك أن تهرب من حقيقة وجود رجل ينام معها على فراش واحد فهي لا تستطيع- في هذا الوقت بالذات- أن تسمح لغرائزها بالسيطرة عليها))(17) , ((فانتزعت يدي من بين أصابعه وأنا أتجنب النظر إلى عينيه. لم يقل شيئا هو وافق أن لا يأخذني حتى يشفى ابني))(18). ثمة حمولة دلالية واضحة في موقف (ساهرة)هذا, تتجلى هذه الحمولة في امتلاك ( ساهرة) لكثير من الصفات الشخصية الدالة على عدم مغادرتها القيم الأخلاقية والاجتماعية. وبالمقابل يقف إحساسها إن العيش في خضم حياة زوجية طبيعية إنما هو نوع من الاغتصاب, اغتصاب النفس قبل الجسد. لقد أراد (الكاتب) ان يميط اللثام عن المألوف ليجعلنا نرى ابعد مما تراه العين المجردة,فـ(ساهرة) عاشت تضاد دائم مع واقعها, حين تركت عملها لتعتني بأخويها وحين تكبر ثمرة عنايتها, بدلا من أن تجنيها, تأخذها الحرب منها, الأخ الأكبر يموت في الأسر, والأخ الأصغر يفقد وحين يعود يكون جسدا بلا روح, وهي شهدت تردي حياتها وحياة عائلتها فلم تملك إلا الاستسلام , حتى حدوث الحادث الغريب في عودة أخيها الذي كان قد قتل في الحرب إلى الحياة وهنا تحدث نقطة التحول النفسي لـ(ساهرة) وهي ترى حالة أخيها وقد هدمه المرض النفسي, وزواج (فاتن) زوجته من غيره. إن هذه المتغيرات هي التي حددت سلوكها, فهي تحاول بشكل محموم أن تحقق بأسلوب مرضي صلتها الباقية بأخيها قبل زوجها, ومن ثم صلتها بالعالم فهي على الدوام إيقاعا حزينا وحنونا ومرّا ومتفردا في الرواية, تملؤها لهفة على مصير اخيها الذي تراكم على حبها له حطام الحرب. لقد عرض لنا الروائي لوحة من خلال حالات الصراع التي تعرضت لها (ساهرة) منذ بدء أحداث الرواية حتى نهايتها, حين يبدأ داخل ساهرة بالتغيير فتتجه نحو زوجها وكأن (الصقر) أراد أن يقول إن هناك لحظات خصبة في حياة كل شخصية تنفجر في داخلها فجأة لتحول مسار حياتها:((تنظر إليه بحنان وتلتصق به أكثر, أخيرا تبدو مستعدة أن تمنحه جسدها))(19). وإذا ما تجاوزنا الدلالة الاسمية لـ(ساهرة) فان الكاتب أراد أن يضعها أمامنا رمزا للمألوف والطبيعي, تتحول أما لأخويها بدور غاية في الإيثار طارحة أمامنا مغزى الإيثار من اجل الصحيح والحقيقي والأصيل, إنها رمزا للإصرار والتحدي والعطاء. يسندها في هذا الدور(ماجد) زوجها الذي تعرض هو الأخر لظروف متباينة وضعته على المحك, فظهرت ردات الفعل الداخلية والخارجية بمستويات متباينة, فهو المحامي القادم من الجنوب وهناك ترك خلفه مأساة حكمت حياته لمّح لها (الصقر)بصورة عاجلة, التقى (ساهرة) صدفة وتزوجها. ثمة ما يدفعنا إلى القول أن دور (ماجد) يعد مكملا لدور ساهرة, فهو يظهر منساقا لها ولحياتها, فضلا عن قبوله شرطها بوقف حياتهما الزوجية, إذ يقوم بدور المساير الهادئ لها حين يساعدها في العناية بأخيها على الرغم مما يبدو من كره سعيد له. لم تتوضح لدينا خلفيات عن ماضي (ماجد) سوى إشارة بسيطة إلى مقتل عائلته اثر القصف الحدودي على المدن, وهنا يتبادر إلى الذهن أن( ماجد) قادم من البصرة, باحثا عن (دفء الأسرة الذي افتقده):((ما كان الجنس هدفي الأساس من هذا الزواج أردت أن استعيد دفء البيت الذي فقدته بعد القصف))(20) فهو يعاني من هزات نفسية لم يفصح عنها (الصقر) بل ترك إمكانية حدسها من خلال بعض الإشارات مثل: مقتل عائلته اثر القصف, والنوبات العصبية التي تنتابه فتهز كيانه وجسده. إن هذه الشخصية لم ترفض واقعها, بل حاولت أن تجد البديل في (ساهرة)التي تشبه ظروفها ظروفها إلى حد بعيد, فتحقق هناك قاسما مشتركا جمعهما تمثل في الحرب التي أخذت عائلته وعائلتها, إلا أن هذا لم يغير من جوهره الذي بقي نقيا بالرغم مما الحقته به كبوات الزمن والواقع المتردي الذي يرزح تحت ظله, فيقرر البحث عن انتصارات للنفس في مكان آخر حين التقى (ساهرة), إلا أن (الكاتب) لم يقنعنا بمبرر لقاءه بـ(ساهرة) الذي كان صدفة, ويبدو انه أراد أن يركز على علاقتهما فيما بعد. إن واقع (ماجد) مهدم تجلى في صورة الخواء النفسي والظرفي على الصعيدين المعنوي والمادي, مما دعاه إلى محاولة خلق سبيل للتملص والانفلات عن هذا الواقع الذي يعيشه ليبني واقعا آخر, ولم يكن هذا السبيل سوى حياته مع (ساهرة) وتحملها مع ما فيها من تعقيدات. ان الحمولة الرمزية في شخصيته تعطي قدرا من التفاؤل على مستوى الواقع وإلا لانهار كل شيء وتضيق فسحات طرق الخلاص والتغيير, فمن جميل ما صنع (الصقر)إضفاء تلك الصفات على هذه الشخصية التي منحت الطابع الرمزي الذي تمثل في الصبر والتحمل والإسناد, ففي الوقت الذي كانت فيه تبحث عن ملجأ نفسي وروحي, كانت مطالبة بالتحمل والعطاء. إن طرح الكاتب لمثل هذه النماذج هو من قبيل الواقعية المحضة فكم من شخصيات متأزمة التقت وخلقت الانقلاب والثورة على الواقع, وقد عدها (الصقر)هنا رمزا للطاقة الخيرة التي لابد أن تظهر وسط الوحشية والظلم . وإذا ما عددنا سعيد والطبيب وساهرة وماجد تيار( الحقيقة ) فلابد أن يقف في المقابل تيار(الزيف) الذي يتمثل في واحدة من شخصياته,(فاتن) زوجة سعيد الجميلة, التي وجدت نفسها فجأة مع طفلين دون زوج, تعيش مع أخت زوجها, رسمت (فاتن) صورة المتهمة بجلاء,فهي زوجة الشهيد التي تزوجت بعده من احد الضباط الذي تعرفت عليه أثناء البحث عن جثة زوجها .. لقد جعل(الصقر) من (فاتن) متهمة بالخيانة الجنسية قبل كل شيء, وهو يصورها وهي مهيأة للقيام بهذا الفعل بما تملكه من أنوثة إلا ان الكاتب لم ينس أن يجعل منها شخصية مسطحة وسكونية ارتضت أن تنتقل من ذكرى الزوج الشهيد إلى (منصور الغانم) دون أن تهتز لأنها في أقسى اللحظات كانت عيناها تتجه صوب رجل غير زوجها : ((هذه الابتسامات التي لا تكاد تفارق شفتيه حين يتحدث أو يصغي إليها ,والتي ترف رفيفا مترددا خجلا"هذا كان في الأيام الأولى "على شفتيها وهي ترنو اليه . هذه الابتسامات المحيرة والتي تبدو لي في غير محلها في الكثير من الأحيان , متناقضة تناقضا حادا مع موضوع الحديث))(21). إن فاتن لا تشعر بأي ذنب, بل تشعر بأنها الضحية : ((ماذا كنت تريدني أن افعل قل لي؟ماذا كنت تريدني أن افعل كنت اعتقد أني غدوت أرملة ,وأرامل كثيرات تزوجن مرة ثانية على سنة الله ورسوله.أنا لست الوحيدة التي....))(22) هناك دلالة مهمة حملتها هذه الشخصية وهي أن (فاتن) امتداد لخيبة (سعيد) وخذلانه وغربته التي تجلت في خسارته لوجوده وإنسانيته وعائلته, و(فاتن) تذكرنا بشخصية زوجة بطل رواية (المستنقعات الضوئية)لإسماعيل فهد إسماعيل :((أنت هنا مع المعول وهي هناك تعبّ اللذة...ياللذة))23 مع فارق إن شخصية (إسماعيل) تزوجت صديق زوجها بعد دخوله السجن إلا أن الاتجاه واحد, فكلا الشخصيتين ترميان الحياة الزوجية السعيدة وذكرياتهما إلى الخلف من اجل الرغبة, وقد سارت شخصية (فاتن) في الخط الذي رسمه لها (الصقر)وقد كان موفقا إلى حد كبير في رسم صورة زوجة الشهيد التي تتزوج وتقيم حياتها على حياة طفليها وذكرى زوجها التي سارعت بتحطيمها لترفل بعز الثمن الذي أخذته مقابل استشهاد زوجها . لقد استل الكاتب هذا النموذج من الواقع العراقي في وقت شهد فيه كثيرا من الحالات المشابهة لحاله( فاتن) التي كانت حلقة ضمن سلسلة التضادات التي واجهها (سعيد), ويبدو أن (الكاتب) لم يعول على تأثيرها بقدر تأثير غيرها من الشخصيات, إذ لم نلمس حوارا داخليا لها, وهذا يشير إلى أنها جزء وليست كلا, وهي الجزء المنبوذ أبدا بدليل طلاقها من (سعيد) وإنجابها من (منصور) وهذا يعني أن لا مجال لدخولها حياة (سعيد) مرة أخرى. لقد أراد الكاتب أن يرسم عبر هذه الشخصية رمز السقوط القيمي واندثار المثل من خلالها وهي تتقلب بحسب الظرف, فهي انتقلت من حياة زوجها الأول إلى حياة (منصور) بكل بساطة تحت مسمى الزواج, ولعل ابلغ وصف أسبغه الكاتب عليها ما جاء على لسان(سعيد) وسط هذيانه :((هي المرأة التي كانت تعيش معي في هذا البيت, وعندما حل علينا الشتاء راحت تنام تحت رجل آخر حتى لا يبللها المطر))(24). إن فاتن رمز الأصول الواهية والخداع التي غالبا ما تكون متسترة بهيئات براقة توحي بالحقيقة طرحها (الصقر) بوصفها جزءا من الواقع الذي تعامل معه بذكاء فقدم ضمن تيار (الزيف)) فاتن والى جانبها(منصور الغانم),الشخصية التي تبيح لنفسها كل شيء حتى اخذ ممتلكات الآخرين, اخذ الزوجة والطفلين وتقاسم ثمن حياة (سعيد) مع (فاتن), فهي شخصية لا تعبأ بالآخرين ولا تمتلك صفات إنسانية- يمتلك التخطيط في أحلك الظروف, حتى استولى على (فاتن) وهو من الشخصيات غير المتزنة وذلك يظهر من خلال تصرفاته, فلم يجعل الكاتب له حوارا داخليا وإنما اكتفى بإظهاره في صورة تضاد خارجي والكاتب كان موفقا مرة أخرى في توزيعه للأدوار, وفي اختيار شخصية (منصور) وبناء هوة واسعة بينه وبين باقي الشخصيات, ولعل هذا يرمز بوضوح إلى الهوة بين السلطة والأفراد ,كما غلفها (الصقر) بطابع لا أخلاقي حين أقحمه في مشاهد جنسية مع (فاتن),ومن جديد يحمل(الصقر)رمزا أخر لواحدة من شخصياته, فـ(منصور) رمز القهر بلا منازع , ورمز الضغط لا يمتلك داخلا وهذا يفسر انعدام الأبعاد الإنسانية لديه خاصة فيما يتعلق بوظيفته. لقد أضفى (الصقر)الطابع الواقعي, وهو واقع مؤلم عاشته الشخصيات من خلال ادوار منصور وفاتن. بقي أن نشير إلى جزء آخر فقده (سعيد) هو( طفليه) الذين أُخذا منه ومن عمتهما حين تقر موته, وبالرغم من عدم وضوح دور كل منهما في مجريات الأحداث, إلا أن من الممكن أن نستشف موقف كل واحد منهما تجاه والدهما:((حاولت أن الفت نظرها إلى أن الولدين بدءا يميلان لأبيهما ....الصغير بشكل خاص))(25). فالطفلان رمز الممتلكات ,جزء من حياة سعيد ,جزءا اخر يخسره سعيد من ضمن ما خسر. لقد صاغ (الصقر) روايته صياغة فنية افرزها الواقع الذي عاشه الكاتب مع شخصياته ,وقد أبرزت روايته العلاقة بين دراما الذات والعالم (العالم العراقي) فالرواية حاولت أن تتناول الأشياء كما هي, وان تعبر عنها في ظاهرها على أن تترك للقارئ أن يستلهم من وراء رموزها تصوراته الممكنة . إن تقنية الرواية تكمن في إخراج (الكاتب) للعوالم الوحشية من دواخل شخصياته إلى الخارج, وهي دعوة لقراءة الرواية العراقية بصورة مغايرة مع صرخات الشخصيات والتنديد بالواقع في كافة أبعاده, وهي كشف جماعي إنساني يحفر في بنية هذا الواقع, لان البناء الروائي في رواية (الصقر) قام على المأزق الإنساني في صراعه ضد القوى المغايرة تماما لتطلعاته, والموقف الدرامي فيها كان يشتد ويشحن بدفقات إما جديدة, أو ماضية حين تتصادم معاناة الذات مع الشخوص, والترميز فيها قد لعب دورا خطيرا قام بشحن أحداثها بكثافة الدلالات, ويبدو أن (الصقر) كان يعي تماما انه إزاء واقع سياسي فرض إسقاطاته على الفرد والمجتمع ومارس ضغوطه ضد الأفراد, فجاءت الرواية محملة بالإشارات إلى القمع الذي يبسط سطوته الغاشمة والذي يغدو جزءا من حيوات الناس الذين يعايشونه, ويحاولون التحايل عليه. فقد صور انحطاط الكرامة الإنسانية وقصة الظلم والخيبات حين نفذ إلى أعماق الشخصيات ليودع فيها الصرخات المكتومة والتي ظهرت أخيرا, كما ابرز حوار المشاعر الصامتة حين تسلل إلى عتمات النفس ورصد المشاعر والمواقف وشرح ردود الفعل واستحضر الماضي وأسقطه على الحاضر بواقعية وبألم. لقد سحرنا (الصقر) ببساطته وتدفقه وإيحاءاته القوية التي تغالب الشغف العقلي في كشف شيء ما تحت الحوادث وبصوت اللهفة على المصير الإنساني ,كما انطوت رواية (الصقر)على عمق فني ودلالي يملكان مصداقيتهما في الواقع الذي نبعا منه. ــــــــــــــ 1- يمكن الاطلاع مثلا على رواية (امرأة الغائب) وموضوعها الحرب العراقية الإيرانية, ونجد فيها فقدان الزوج وانتظار الزوجة له طيلة سنوات. 2- بيت على نهر دجلة, ص12. 3- المصدر نفسه, ص39. 4- بيت على نهر دجلة,ص24. 5- المصدر نفسه, ص99. 6- المصدر نفسه, ص106. 7- بيت على نهر دجلة, ص80. 8 - المصدر نفسه, ص80,79 9- بيت على نهر دجلة, ص93 10- المصدر نفسه, ص86 11- المصدر نفسه, ص103. 12- بيت على نهر دجلة, ص189. 14- بيت على نهر دجلة, ص33. 15- المصدر نفسه, ص178. 16- المصدر نفسه, ص189. 17- بيت على نهر دجلة, ص6. 18- المصدر نفسه, ص9. 19- بيت على نهر دجلة,ص197. 20- المصدر نفسه,ص187. 21- بيت على نهر دجلة, ص165. 22- المصدر نفسه, ص99. 23- المستنقعات الضوئية, ص68. 24- بيت على نهر دجلة, ص98. 25- المصدر نفسه, ص105.
مشاركاتها
في النخلة والجيران |