د.كرنفال أيوب

                           حوار مع الناقد الدكتور نجم عبدالله كاظم

حاورته: كرنفال أيوب

 لم أكن أعي، وأنا أبحث- في جدول الساعات المخصصة لدراسة طلبة الدكتوراه- عن أسماء الأساتذة، أني سأجد نفسي أردد اسم الدكتور نجم عبدالله كاظم بعد أن يلتقينا في مادة (مصطلحات نقدية بالإنكليزية)، فقد عرفته صاحب "الرواية في العراق 1965-1980 وتأثير الرواية الأمريكية فيها"، وعليه تصورت أن جل رحلتنا معه ستدور حول هذا المحور. لكنني اندهشت لحجم اهتمامات الناقد المتنوعة والموسوعية، والتي تجلّت أكثر في الجزء الثاني من المرحلة التحضيرية للدكتوراه وهو يلتقينا هذه المرة في مادة (تيارات نقدية حديثة)، حين فتح أمامنا أبواب اتجاهات النقد ومناهجه الحديثة، فضلا عن الممارسات التطبيقية النقدية والأدبية، بل الجميل أننا وجدنا أنفسنا نُشرك الناقد في كل مناقشاتنا. في ظل هذا الحضور الجميل اخذ اسم أستاذنا يتحول إلى ضرورة ملحة نرجع إليها في كل ما يعترض طريقنا، خلال رحلتنا البحثية، وأخذنا نتسابق في الحصول على بعض إصداراته. وكما خرج الكثيرون من تحت عباءة الناقد الكبير علي جواد الطاهر، نجد أنفسنا، وغيرنا كثيرون، نخرج من تحت عباءة هذا الأستاذ الناقد، ونحن متسلّحون بأصول النقد الصحيحة، وأبصارنا شاخصة للمزيد. واليوم، وبعد هذه التجربة نلتقيه في الحوار الشامل الآتي.

كرنفال أيوب

باستحضار المناهج النقدية الغربية، والأصول العربية لبعض النقد العربي، هل الممكن إيجاد نظرية عربية، أو منهج نقدي عربي؟

بصراحة هذا سؤال لا أحبه، ولا أعني سؤالك أنت بالذات، ولكن مضمونه الذي كثيراً ما يجيء بصيغة سؤال، كما يجيء بصيغ مقالات وربما دراسات، وضمن رسائل أكاديمية، وفي بعض المؤتمرات والندوات الأدبية والتلفزيونية، مما تتمركز حول البحث عن منهج عربي. فأنا ابتداءً لا أؤمن بمثل هكذا هوية للنقد، حتى وإن وجد في بعض البلدان، بفعل نشاطات جامعات أو جماعات أو نقاد فرادى يقود وجودهم في بلدان بعينها أو انتمائهم إلى هكذا بلدان إلى ربط نقدهم تسميةً بتلك البلدان، بعبارة أخرى لا أجد للنقد جنسية. أما إذا سلّمنا بإمكانية مثل هذا الانتماء، فأنا لا أجد أن البيئة العربية حضارياً واجتماعياً وثقافياً مؤهلة لإبراز نقد، وتحديداً من ناحيتي النظرية والتنظير، له من القوة والقدرة على فرض نفسه والهيمنة ضمن المهيمنات في النقد العالمي. فتعلقاً بالأدب والنقد، إذا كانت بعض الأجناس الأدبية، وتحديداً القائمة على العاطفة والتلقائية، مثل الشعر، ملائمة لعموم الأمم مهما كان تحضّرها أو تقدمها أو تخلفها، وكانت أجناس أخرى، وتحديداً ما نسمّيها التركيبية والمعتمدة في الكثير من كياناتها على العقل والتفكير مثل الرواية والمسرحية، أكثرَ ملاءمةً للأمم المزدهرة حضارياً وفكرياً وثقافياً بشكل معقول، فإن النقد لهو برأي لا يلائم الأمم عادةً إلا الأمم في مراحل ازدهارها العقلي والفكري والحضاري والثقافي. ومن هنا، فأنت إذ تجدين، في العصر الحديث، شعراء عظاماً، من أمثال إليوت وطاغور والسياب والجواهري وناظم حكمت ورسول حمزاتوف، في كل بلد تقريباً، وتجدين روائيين عظاماً، من أمثال جويس وفوكنر وتولستوي ومحفوظ وكازنتزاكي، في كل بلد متقدم، وبشكل محدود في البلدان الأخرى، فإنك لا تكادين تجدين نقاداً عظاماً، من أمثال إليوت وباختين وبارت، إلا في البلدان المتقدمة. وما يخرج عن تعميمي هذا، هو بظني استثاء.

ما مدى استجابة النص العراقي، والعربي بشكل عام للمناهج النقدية الحديثة؟

لا أعتقد أن هناك نصوصَ بلدً أو أمة تستجيب للمناهج النقدية الحديثة، وأخرى لا تفعل، بل لا تكاد تكون هناك نصوص أديب معين تستجيب، ونصوص أديب آخر لا تفعل ذلك. ولكن يمكن لك أن تقولي إنّ أي نص يمكن يستجيب لمنهج أو مناهج بعينها، ولا يستجيب لأخرى. ويبقى بعد ذلك قناعة الناقد بالمنهج وفهمه واستيعابه له، ثم قدرته على تطبيقه أو توظيفه. وهكذا يمكن القول إذن: إن من الطبيعي للنص العراقي أو العربي عموماً- إن أردتِ- أن تستجيب للمناهج النقدية الحديثة، ولكن استدراكاً وربما إعادةً ضمنيةً نقول: دون أن يعني ذلك أن كل نص يستجيب لكل منهج، وهذا إذا ينطبق على النص العراقي ينطبق على النص العربي عموماً، بل على أي نص.

ما هي السبل التي تراها مناسبة للارتقاء بالنقد العراقي تحديداً؟

تعلقاً بما سبق لي قوله، لنكن صريحين ولا نتردد في رؤية الموجود وتحسس الممكن حين نفكر بالطموح في هذا المجال، فأنا مثلاً لا أجد من ضرورة في التفكير بالوصول بنقدنا، عراقياً كان أم عربياً، إلى درجة الإسهام في أن وضع نظريات أو تيارات نأمل لها أن تغزو النقد العالمي كما غزتنا النظريات والتيارات النقدية العالمية المختلفة، وغالباً بشكل صحي بالطبع. ولكن إذا أردتِ بالارتقاء أن نكون نقدياً في مستوى يمكّننا من استثمار تراثنا النقدي، ومن فهم ما يأتينا من الآخر، والأهم في توظيف ذلك كله تطبيقياً في اشتغالنا على نصوصنا، ولا بأس ضمن ذلك من خصوصية في الاجتهاد والتوفيق والاستنباط، فإن للوصول إلى ذلك سبلاً عديدة، لعل منها: تمتين العلاقات بالآخر، ومواكبة ما لديه في ميادين النقد والأدب قراءةً في لغاتها الأصلية، وترجمةً عنها. ومنها زيادة عدد الدوريات، وانفتاح المؤسسات الأكاديمية (الجامعات) على التيارات والمناهج النقدية الحديثة، آخذين بالاعتبار بالطبع الواقع العراقي غير الطبيعي الذي قد يعيق بعض ذلك وقتياً.

من خلال مشاركاتك في المؤتمرات والندوات الأدبية العديدة، وطرحك لقضايا وظواهر متنوعة، كيف تجد صدى النقد العراقي في هذه المؤتمرات؟

بلا تردد الحضور الثقافي والعلمي عموماً في خارج حاضنته الطبيعية العدائية- العراق- حضور إيجابي غالباً، سواء أكان ذلك في الجامعات وعموم المؤسسات الأكاديمية، أم في الأوساط الثقافية، أم في الدوريات ومجالات النشر. وضمن ذلك يأتي هذا الحضور في المؤتمرات الأدبية والنقدية، إذ هو حاضر وفاعل دائماً في طرح القضايا والظواهر المختلفة، وفي المداخلات والنقاشات التي تدور فيها وعلى هامشها، وفي اللقاء بالمثقفين العرب وأحياناً الأجانب أدباء وكتاباً وأساتذة جامعيين. ومن جميل ما يشار إليه هنا أن المشاركة العراقية، حتى في أيام الحصار والخنق اللذين كان العراقي يعانيهما، حافظت إلى حد طيب على إيجابية الحضور حين كان يأتي وهو في توق إلى الحضور ذاته وإلى التطلع إلى الجديد المحروم منه. فقد كان المثقف العراقي، ناقداً وأستاذاً وكاتباً، يتجاوز سلبية وضعه المفترض في التلقي وحده. وهذا ما كان وراء استمرارية حضور النقد العراقي في الحياة الثقافية أدبيةً ونقديةً كانت أم غيرها. ولعل الترجمة الواضحة لتأثر ذلك وصداه تمثلت في حرص اللجان التحضيرية للمؤتمرات النقدية على الحضور العراقي الذي لم يكن أي مؤتمر ليكتمل تماماً بدونه.

أين تضع اشتغالك النقدي، وتبعاً لذلك اسمك، في النقد العراقي؟   

بالطبع كوني معنياً بالأدب المقارن والدراسات المقارنة، يجعلني موضوعاً ومادةً منشغلاً بما ينضوي تحت ما يُعرف، في ميادين ومعارف عديدة ومنها الأدب والنقد، بـ(نحن والآخر)، ونهجاً نقدياً قريباً من مناهج، قد يكون بعضُها تقليدياً وربما يتعالى عليها النقاد اليوم. عدا ذلك وربما قبله تبقى الرواية عالمي السحري الذي أنبش فيها بحثاً عن موضوعاتي، وأطبق عليها منهجي أو مناهجي. وإذا كنت تقصدين أكثر ما تقصدين بسؤالك المنهج، أقول كان من الطبيعي، وأنا أتبنى ما يُسمى في الأدب المقارن المدرسة الفرنسية التي تفهم الأدب المقارن على أنها دراسة العلاقات أو الصلات الأدبية ما بين الآداب القومية المختلفة وما ينشأ عنها من تأثير وتأثر لتنطلق بذلك بالضرورة من التاريخ والوثيقة التاريخية، أن لا أهجر المنهج التاريخي، على أن يعني ذلك إذ أبدأ به لا أبقى عنده.

وتعلّقاً بذلك، أين تقف الآن من المناهج النقدية الحديثة؟

يمكن لكِ وللقارئ أن يرجع إلى الحوار الذي أجراه معنا الناقد عبد الأمير المجر ونُشر في مجلة الأقلام مؤخراً. ولكن لا بأس بالمرور بما قلته باختصار. فقد ارتبطت، وأنا بعد في بداية تكوّني في السبعينيات بالنقد التقليدي، في ظل هيمنته في الوطن العربي. وحين اطلعت، وأنا في خضم الاستعداد لكتابة رسالتي للدكتوراه، في بريطانيا في بداية الثمانينيات، على النقد الجديد، من خلال بعض أهم أعلامه: وليم أمبسون، وديفيد ديتشس، وريتشاردز وغيرهم، فأُعجبت به وسعيت إلى اعتماد هذا المنهج، إلى جانب المنهج المقارن بالطبع، وبصراحة لم أستطع الالتزام به بشكل صارم. ولهذا تجدينني في أول تفتحي على المناهج النقدية الحديثة أو الحداثوية قد أُعجبت بالنقد الجديد وتعلقت به، وحاولت تبنيه تطبيقياً، ولكن مع عدم الالتزام به التزاماً صارماً، فأنا لا أُؤمن بالنقاء النقدي- على حد تعبير الناقدة المتميزة الدكتورة بشرى موسى صالح- أو بالإخلاص للمنهج الإخلاص الصارم. فإذا كانت رؤية النقاد الجدد للأثر الأدبي مستقلاً قائماً بذاته وعليه فهو يوصَف ويُحلَّل دون اهتمام بنوايا صاحبه وبالاعتبارات التاريخية، فإني لم أستطع إلا أن أخرق هذا أحياناً، ولكن دون أن أسمح لتلك الاعتبارات بأن تسوق تحليلي للنص. ولم أُعجب أو أحب بعض ما تلا النقد الجديد من بنيوية بشكل خاص وما تعلق بها أو تلاها مباشرة مثل التفكيك وإلى حد ما السيميائية، علماً بأنني أدرّس كل هذه المناهج لطلبة الدراسات العليا وإذا لم أكن أؤمن ببعضها، فإني أتفهّم من يقتنع بأي منها من طلبتي فيتبنّاها، فأحترم قناعته واختياره. وحين اقتحم عالمَ النقد منهجُ أو مناهج القراءة والتلقي أحببتها ووجدتها تستجيب لما أريده في قراءاتي النقدية، فتبنيتها ولا أزال أتبناها، ولكن مرة أخرى ليس بالصرامة التي يشترطها البعض.

ما هو تصورك ورأيك بالمنهج التكاملي؟ وكيف يمكن توظيفه؟

كما أظنّك تعرفين، ينقسم النقاد والأدباء في الموقف من هذا الذي نسميّه (المنهج التكاملي)، بين من لا يقّر به، وقد يذهب إلى عد ذلك انعداماً للمنهج، ومن يراه أحد المقتربات المنهجية إلى النص، وقد يذهب إلى عده مقترباً أو منهجاً نموذجياً لغالبية النصوص الإبداعية. وأنا، إذ أتوقف بتحفظ وتردد في الحسم في الموقف من (المنهج التكاملي) ومن كلٍّ من هاذين الفريقين، لا أجد ضيراً فيه على أن لا يكون، أولاً اعتباطياً أو ارتجالياً، وتعلقًاً بذلك، أن يصدر، ثانياً عن وعي بالمرجعيات المختلفة وبالأدوات المستخدمة، وأن يعتمد، ثالثاً على مناهج يمكن الجمع بينهما انطلاقاً من إمكانية المقاربة ما بين مرجعياتهما. يبقى أن هناك أمراً كثيراً ما يُغفل في النقد الأدبي، ذلك هو أن العملية النقدية، باعتقادي، حاضنة نموذجية للاجتهاد، فلم لا نجتهد نجتهد في هذا، ما دام اجتهادنا يصدر عن وعي بما نفعل، وليس بالضرورة أن يتفق الآخرون معنا فيه، أو يقتنعوا بطروحاته؟

الملاحظ، على مؤلفاتك والكثير من كتاباتك، احتلال الدراسة المقارنة مساحة ملحوظة فيها، كما يتمثل ذلك بشكل خاص في كتابك الأول "الرواية في العراق وتأثير الرواية الأمريكية"، ومروراً بـ"في الأدب المقارن"، وانتهاءً بكتابك الأخير "الرواية العربية المعاصرة والآخر". عن ماذا تبحث في مقارناتك؟

كما تقولين، تحتل المقارنة مساحة ملحوظة في كتاباتي، وهذا شيء طبيعي كون تخصصي هو (الأدب المقارن) الذي بدأ من أطروحتي للدكتوراه "الرواية في العراق 1965- 1980 وتأثير الرواية الأمريكية فيها"، ونَيْلي الشهادة فيه، ليكون من الطبيعي أن يستمر بعد ذلك أكاديمياً ونقدياً. نقداً وتأليفاً كان ذلك عبر تتبّع التأثيرات الغربية في الأدب العربي الحديث، ولاسيما الرواية. فمعروف أن هناك مدارس عديدة في الأدب المقارن، أهمها المدرستان الفرنسية والأمريكية، اللتان تجسدان أهم الاختلافات في فهم هذا الفرع الأدبي، وأهدافه، وفي طبيعة الدراسات كما يجب أن تكون فيه. ومعروف أن أبرز اختلاف بينهما هو أن الدراسة المقارنة تقوم، وفق المدرسة الفرنسية، على رصد العلاقات ما بين الآداب القومية، وتناول ما ينشأ عن تلك العلاقات من تأثير وتأثّر، ووفقاً لذلك من الطبيعي أن يبحث المقارِن الفرنسي عن هذه الوقائع ليستعين بالضرورة بتاريخ الأدب، وربما ليكون الأدب المقارن في ظل ذلك تأريخاً. وهو الأمر الذي دفع بمن ستقود مواقفهم إلى تكوّن المدرسة الأمريكية النقدية أو النصية، إلى إنكار ذلك على الفهم الفرنسي، والدعوة إلى مغادرة التاريخ إلى الدراسة النصية بدلاً من ذلك، من خلال عدم الاهتمام بالوثيقة التاريخية المتمثلة في اللقاء بين الآداب وتحقق التأثير والتأثّر فيما بينها، والاهتمام بدلاً من ذلك برصد التشابهات ما بين تلك الآداب ونصوصها المدروسة. ونحن كما هو واضح ننطلق من المفهوم الفرنسي للأدب المقارن، على اعتبار أن من فوائد هذا الأدب هو تتبع مكونات الآداب والنصوص ومرجعياتها التي ضمنها غالباً مكونات أجنبية وهي التي يُعنى بها هذا الأدب، وبما يقود في النتيجة إلى أمرين هما من أهداف الأدب المقارن: الأول هو أن يكون بين أيدينا أدوات مضافة في التعامل مع النص، والثاني هو وضع اليد على ما يدخل إلى اللغة القومية وأدبها من خلال النص المدروس مقارنياً وتقويم هذا الدخيل، الذي قد يكون أداةً أدوات فهم النص.

تعلقا بهذا الموضوع، هل من الممكن، في رأيك، أن نجد دراسات عربية وربما عالمية تتخذ من الأدب العراقي عموما مجالا لدراسات مقارنة، وهل تجد النص العراقي مؤهلاً لذلك؟

بل هي موجودة الآن على المستوى العربي، خصوصاً حين تأتي ضمن دراسة ظواهر وقضايا في الأدب العربي ونصوص، لا بوصفها عراقية أو مصرية أو فلسطينية..إلخ، بل بوصفها عربية. أما على المستوى، لأقل الأجنبي، أو العالمي، على حد تعبيرك، فهي موجودة، وتحديداً في أقسام الدراسات العربية والإسلامية والشرقية بالجامعات الأجنبية المختلفة، مثل جامعات أوكسفورد ودرام وإكستر والسوربون وموسكو وغيرها كثير، وفي الدوريات الأكاديمية والثقافية التي تُعنى بالأدب العربي، أو بالآداب الشرقية، مثل مجلات (بانيبال)، و(الأدب العربي)، وغيرها.

ولكن لماذا لَم تواصل دراسة تأثير الآداب العالمية في الأدب العراقي، وقد عرفنا أن جزءاً كبيراً من اختصاصاتك الأكاديمية يتعلق بالأدب المقارن، ولاسيما من خلال النص الروائي؟

بل واصلت وأواصل.. في الواقع أن الدراسات المقارنة عموماً تهيمن على دراساتي واهتماماتي، وحتى الرواية العربية، التي تصطف عندي إلى جانب الدراسات المقارنة في الاهتمام، فإن دراستي لها في غالب الأحيان تأتي من باب المقارنة، ولك مثالاً على ذلك أن أخر كتبي هو "الرواية العربية المعاصرة والآخر" الذي صدر قبل بضعة أشهر، وضمن فصوله فصل عن "كافكا في الرواية العربية". وتعلقاً بكافكا تحديداً أنا معني الآن باستكمال دراسة تأثيره في الرواية العربية.

وما تقييمك لتأثير هذا الآخر، الذي تُعنى به، في الأدب العراقي؟

هو تأثير شامل، ولكن تنوّع المتلقّين، نعني الأدباء العراقيين، والتلقّي، يجعلوه يظهر في تجاربهم الإبداعية مختلفاً من مبدع إلى آخر، وهذا شيء طبيعي. فوفقاً لتلقي كل منهم وزمنه أو توقيته، ضمن مسيرة تلقي هذا المتلقي الإبداعية، ولوعيه واستيعاب هذا الذي يتلقاه تأثّراً، ثم الأهم وتبعاً لذلك هضمه في جهاز هضم موهبته وتجربته الإبداعية، يخرج هذا التأثير بعد ذلك ضمن إبداعه مكوّناً من مكوناته، وليكون هذا المبدع، حين يكون مبدعاً حقيقياً، مثل (أسد) ناقد القرن التاسع عشر الكبير فاليري الذي يقول: "ما الأسد إلا كباش مهضومة". وفي كل الأحوال التأثير والتأثر أمر لا بد منه لأي مبدع في إبداعه، كما هو في الواقع شأن كل إنسان في حياته وسلوكه وثقافته وعمله وكلامه، إذا أراد أن لا يموت، أو على الأقل ألا يجمد. وهكذا كان التأثير الأدبي العالمي، ولاسيما الغربي، في الأدب العربي والحديث واحداً من العوامل الرئيسة التي أخذت بهذا الأدب، حين كان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بائساً وجامداً وتقليدياً حد التخلف، لتسهم في تطوره فيصل إلى ما وصل إليه. بقي أن نقول لعل الفنون القصصية، ومنها الرواية التي أظنكِ تُعنين بها أكثر، كانت أكثر تجسيداً لهذا كله.

ما هي أكثر الروايات العالمية تأثيراً في الروائيين العراقيين وفي ترك بصماتها، من حيث التوظيف الناضج، في رواياتهم وعوالمها؟

ربما من الصعب وضع اليد على هذه الروايات، ببساطة لأنها كثيرة، وكثرتها تأتي من أن جميع الروايات تقريباً، وكما هو حال جل الروايات العربية، متأثرة خصوصاً إذا ما عرفنا أن الأدب المقارن لا يُعنى أصلاً إلا بالأعمال الناضجة والجيدة أو المتميزة التي تعني، تعلقاً بكلامنا، الأكثر توظيفاً ناضجاً. ولكن، إذا كان لا بد لي من الإشارة إلى أنضج هذه الروايات تأثراً فلا بأس من الإشارة إلى روايات فؤاد التكرلي المتأثرة بكتابات تيار الوعي ومنها كتابات جويس وفوكنر، والأمر لا يختلف كثيراً في روايات مهدي عيسى الصقر، وعبد الرحمن مجيد الربيعي المتأثر بكتابات وليم همنغوي، وعبد الخالق الركابي وتأثره بكُتّاب أمريكا الجنوبية مثل ماركيز. كما أشير إلى سميرة المانع التي تتألق، في بعض كتاباتها، في استيعاب أسلوب فرجينيا وولف وتوظيفه في تقديم روايات عراقية، وجبرا إبراهيم جبرا وميسلون هادي اللذين لعلهما تميزا عن أولئك جميعاً في عدم تفرد مؤثر واحد في كتاباتهم، فكان تأثير فوكنر ولورنس وجويس وكافكا معاً في عموم أعمال جبرا، وكان الجمع بين التجارب الروائية والقصصية العالمية التقليدية وبعض التجارب الأشد حداثةً أسلوبياً وتعاملاً مع العوالم في تجربة ميسلون هادي. أما محيي الدين زنكنه فأجده أنجح من وظف كافكا والكافكوية في بعض رواياته وقصصه. وتتنوع المؤثرات في أدب غائب طعمة فرمان الروائي أكثر من هذا.

وهي تعيش في بيتك مبدعةً وزوجةً وأمّاً، ما هو تقييمك لأدب ميسلون هادي بعيداً عن كتاباتك وتقييمك الذي طرحته سابقا؟

سأقول ما أعتقد أن بعض من يعوزهم النضج سيعلقون سلبياً عليه، لأنه يأتي من زوج الكاتبة، ولكن هذا رأيي وما أعتقده. أقول إنها روائية كبيرة وصاحبة عطاء متجدد دائماً، وهذا التوصيف الأخير تحديداً لا ينطبق، في أي أدب، إلا على عدد محدود من أدبائه الكبار. فإلى جانبها وقبلها، وتحديداً خلال العقود الثلاثة الأخيرة، هناك من أشرت إليهم منذ عشرين سنة، وتحديداً في مجال القصة والرواية، أعني الأديبين الكبيرين فؤاد التكرلي وعبد الخالق الركابي. ومن الممكن إضافة القليل عليهم، مثل: برهان الخطيب، وسميرة المانع، وعالية ممدوح، ولعلّي لم أطلع على آخرين ينطبق عليهم هذا، فعذراً لهم. وهنا أكرر توضيحي الذي أكرره دائماً حين أتطرق لهذه الفكرة، وهو أن هذا التخصيص لميسلون وللأدباء الآخرين معها لا أعني به أن هؤلاء هم كبار القصة والرواية العراقيتين دون غيرهم، بل أعني أنهم، في عطاءاتهم، دائمو التجاوز والوعد بآتٍ. فلا يمكن إغفال أن من روائيينا وقاصينا الكبار، مرة أخرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة، عبد الرحمن مجيد الربيعي، وفاضل العزاوي، وجبرا إبراهيم جبرا، وعبد الستار ناصر، وغائب طعمة فرمان، وجمعة اللامي، وأحمد خلف، ومحمد خضير، ولطفية الدليمي، وعبد الرزاق المطلبي، ومهدي عيسى الصقر، وعلي خيون، وكاظم الأحمدي، ومحمود سعيد، وطه الشبيب، ونجم والي، وآخرين.

في ظل اهتمامك غير العادي بالرواية، وقيامك ببعض الترجمات، هل نتوقع أن نرى روايات عالمية بترجمة الدكتور نجم عبد الله كاظم؟

إذا كانت الرواية معشوقتي في عالم الأدب والنقد، وفي ظل ذلك قمت أحياناً بترجمة بعض الموضوعات المتعلقة بها، فإني لا أَعدّ نفسي مترجماً ولا أبغي أن أكون. أما ما قمت بترجمته فقد ساقني إليه حبي لمقالات ودراسات بعينها فوجدتني أترجمها. ومعظم ذلك كان متعلقاً بوليم فوكنر، ولاسيما بروايته الشهيرة "الصخب والعنف"، التي هي أحد محاور دراستي الأكاديمية واهتماماتي المقارنية، وهكذا جمعت ذلك في كتاب نشرته في دار الشؤون الثقافية العامة تحت عنوان "وليم فوكنر في صخبه وعنفه". عدا ذلك لا تتوقعي مني شيئاً ذا بال.

وماذا عن الشعر؟ إذ لا أجد لك خوضاً واسعاً في عالمه؟

حسناً، أنا لا أجد نفسي وعشقي في الشعر مقارنةً بالفنون القصصية، ولاسيما الرواية، ولذا لا ترينني أخوض بحرَه إلا في النادر. فضمن ما يقارب الخمسة عشر كتاباً وأكثر من مئة وخمسين دراسة ومقالة ليس لي فيها أكثر من خمس دراسات تفعل ذلك. باختصار أنا لا أكتب عن شيء أو أتناوله أو حتى أقرأه، بل لا أفعل شيئاً إلا إذا أحببته واستمتعت به، أو أُجبرت عليه، لسبب أو لآخر. وتشاء الصدفة أن أكون، وأنت تسألينني عن هذا، منشغلاً بديوان شعري صدر مؤخراً بعنوان "الغابة العذراء" للشاعر الرقيق سلمان الجبوري، فلأني أحببته أفكر بالكتابة عنه.

ما هي حدود التجريب في نظر الناقد الدكتور نجم عبد الله كاظم؟

بدايةً، وفي كل الأحوال، إذا كان "التجريب [كما يقول لورنس داريل] أمراً ضرورياً ولا بد منه في أية كتابة روائية، وأن كل رواية يكتبها أي كاتب روائي تُعد تجريباً من حيث يدري أو لا يدري"، فإنه في الواقع  ضروري كذلك، بهذا القدر أو ذاك، في الكتابة في أي جنس أدبي. ومن هنا فأنْ نقولَ تجريباً برأيي يعني، صراحةً إذا ما أخذنا الكلمة بمعناها اللغوي أو الواسع وضمناً إذا ما أردنا المصطلح، أنّ لا حدود له، ولكن بشرط أن لا يكون لغاية التجريب ذاته فقط، أو اعتباطياً، بل أن يكون مقصوداً وواعياً ومنطلقاً من مبررات ودواعٍ موضوعية وذاتية في الوقت نفسه.

صدرت لك، مؤخراً، رواية تحمل عنوان "دروب وحشية" أهديتني نسخة منها، ما هو انطباعك عنها؟ وأين موقعها ضمن نتاجات الناقد نجم عبدالله كاظم؟ وهل هي عمل أول ننتظر أن تتلوه أعمال روائية أخرى؟ بالمناسبة أنا استعد لكتابة دراسة عنها.

هي تجربة سرّتني، ولكن لا يمكن لي أن أعبر عن انطباع عنها، فهذا من شأن من سيقرؤها أكان قارئاً عادياً أم ناقداً. ولذا حين تقولين إنك بصدد كتابة دراسة عنها، أقول لك إن ما ستقولينه عنها سيسرني أكثر مما تسرني هي نفسها، ولأكن صريحاً أني سأُسر كثيراً، ليس فقط إن درسها أحد، بل إن قال أي قارئ فيها ولو كلمة، فدعينا ننتظر دراستك إذن. أما هل هي عمل روائي ستتلوه أعمال روائية أخرى؟ فلا أظن، بل هي بظني روايتي الأولى والأخيرة. وذلك راجع إلى أني حين كنت أكتبها لم أكن أفكر أو أتوقع أن أنشرها، بل أنا بدأت بكتابتها لغاية واحدة وهي أن أعرف كيف يكتب الروائي، أن أعيش حالة الخلق الرائي، لأكون أقرب إلى هذا الفن الذي أعشقه، وتحديداً حين وجدت نفسي ميالاً إلى التخصص بالرواية نقدياً. ومن الطريف أنني استمتعت كثيراً جداً بهذه التجربة التي استغرقت مني أكثر من عشرين سنة لم أكن أتوقع أن تُتوّج بالنشر، ولكن حين وجدتْها أستاذتي في هذا النوع من الكتابة الإبداعية، أعني ميسلون، صالحة للنشر وشجعتني عليه فعلت ذلك. أما عن مكانتها بين أعمالي الأخرى فلا أريد أن أجيبك الإجابة التقليدية الكريهة التي نسمعها من الكتّاب حين يقول الواحد منهم: "إن أعمالي مثل أولادي، ولا أستطيع أن أفضل أيّاً منها على الأخرى". بل أقول: هي واحد من أكثر أعمالي قرباً إلى قلبي، إلى جانب أُخَر، مثل "الرواية في العراق وتأثير الرواية الأمريكية فيها"، و"مشكلة الحوار في الرواية العربية"..

سؤالنا ما قبل الأخير عن آخر نشاطاتك البحثية والتأليفية؟

صدر لي مؤخراً في الأردن كتاب بعنوان "الرواية العربية المعاصرة والآخر"، وهو مجموعة دراسات مقارنة. وسيُعاد خلال الأسابيع القليلة القادمة في الأردن أيضاً طبع كتابين، هما "مشكلة الحوار في الرواية العربية"، و"في الأدب المقارن.. مقدمات للتطبيق". وآمل أن لا يتأخر عنهما كتاب جديد آخر بعنوان "مقالات قصيرة في النقد والأدب والظاهرة الأدبية". عدا ذلك أعمل على الانتهاء من كتاب عن السرد العربي هو عبارة عن دراسات منشورة في الدوريات العربية عن مجموعة من الروايات العربية، كما أعمل على الانتهاء من كتاب شبه كامل من زمن طويل تحت عنوان "كافكا في الرواية العربية" وإنجاز آخر بعنوان "نحن والآخر في الرواية العربية المعاصرة". هذا إضافة إلى استمراري، بالطبع، في الكتابة والنشر في الدوريات العربية المختلفة.

وأخيراً هل لك أن تعطينا رأيك بإيجاز بالأسماء الآتية؟

علي جواد الطاهر

أبو النقد العراقي الحديث، والكثيرون خرجوا من تحت عباءته.

فاضل ثامر؟

هو الآن، وأظنه سيبقى الناقد الناقد، وهو صاحب العباءة الثانية للنقاد العراقيين.

شجاع العاني؟

كان أحد أكثر النقاد جرأةً واجتهاداً وعدم تردد في تعامله مع المناهج النقدية الحديثة.

د. عبد الإله أحمد؟

كبير، لكنه توقف حين كان يجب أن لا يتوقف.

ياسين النصير؟

كان أحد نقاد الستينيات والسبعينيات الكبار، فهل يعود؟

باسم عبد الحميد حمودي؟

همس في أذني يوماً ناقدنا الكبير الراحل علي جواد الطاهر بأنه كان من الممكن أن يكون ناقداً كبيراً جداً، لولا ميله إلى النقد التفسيري والصحفي.

صالح هويدي؟

ما قدمه لحد الآن أقل كثيراً مما يمكن أن يقدمه.

د. عبدالله إبراهيم؟

كان واحداً من أكثر النقاد مثابرةً في سبيل تحقيق نجومية يستحقها، وحين أُضيئت له أضواء النجومية، خفت ضوء نقده.

محمد صابر عبيد؟

ناقد مثابر وذكي لكنه، في صرامة التزامه بالمناهج التي يؤمن بها، يسوق نقده أحياناً إلى ما يريده هو، لا إلى ما يحتمله النص.

د. نادية العزاوي؟

ناقدة متميزة، لكن العمل الأكاديمي يكاد يسرقها من الساحة النقدية.

عباس عبد جاسم؟

أكثر النقاد العراقيين صدقاً وإخلاصاً للمناهج الحداثية وأدواتها التي يؤمن بها.

د. نجم عبدالله كاظم؟

يسعى بإخلاص إلى أن يكون كما يجب للناقد أن يكون، وأتمنى أن يُوفّق في ذلك.

 

 

 مشاركاتها في النخلة والجيران

العودة الى صفحة مقالات