|
|
|
|
د.خير الله سعيد |
|
|
الفلسفة العربية الإسلامية الكلام والمشائية والتصوف عرض
وتحليل
د. خير الله سعيد عن دار الفارابي في بيروت، صدرت عام 2000م الطبعة العربية لكتاب (الفلسفة العربية الإسلامية - الكلام والمشائية والتصوف) لمؤلفيه "د. آرثور سعدييف و د. توفيق سلوم"، وقد جاء صدور هذه الطبعة متأخراً، قياساً إلى طبعات الكتاب في الروسية والإنجليزية ولغات أوروبية أخرى، والتي صدرت قبل حوالي عشر سنوات. · والمتتبع لنشاط المؤلفين - سعدييف و سلوم - في مجال الفلسفة العربية الإسلامية، يقف مدهوشاً للأعمال الهامة التي قدماها في هذا الميدان، فهما ينطلقان بإخلاص نادر المثال لحب الفلسفة، بشكل عام، والفلسفة العربية، بشكل خاص، فقد تملكت الفلسفة بسطوتها المعرفية على عقل هذين الرجلين وسحبتهما للأعماق، فكراً وممارسة واجتهاداً، فالحديث عن الفلسفة العربية الإسلامية في روسيا، يكاد يتوقف على هذين الرجلين، فالثاني تتلمذ على يد الأول، والأول أعطى للثاني سر مفاتيح الفلسفة ومنطق التفكير بها، وكلاهما يكتب بأكثر من ثلاث لغات وكلها في مجال الفلسفة. · فمؤلفات البروفيسور آرثور سعدييف في الفكر الإسلامي، يمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو التالي: 1- علم الجمال الإسلامي: وهي موضوع أطروحته للدكتوراه في اللغة الروسية. 2- المشائية الشرقية: باللغة الروسية صدرت عام 1985م. 3- ابن سينا: باللغة الروسية. ترجمه الدكتور توفيق سلوم إلى العربية. 4- ابن رشد: باللغة الروسية. 5- ابن طفيل: باللغة الروسية. · إضافة إلى كم هائل من الدراسات والبحوث في مجال الثقافة العربية الإسلامية، منشورة في اكثر من مجلة متخصصة في مختلف أنحاء العالم وبأكثر من لغة. · أما البروفيسور توفيق سلوم، فهو أستاذ الفلسفة العربية الإسلامية في أكثر من جامعة ومعهد في روسيا الاتحادية، إضافة إلى كونه قد أشرف على سلسلة الدراسات الفلسفية والاجتماعية التي كانت تصدرها "دار التقدم" ومن ثم "دار رادوغا". وبحق يمكن القول أن الدكتور توفيق سلوم هو اكثر المثقفين العرب في روسيا أعطى جل جهده وتفكيره إلى الفلسفة العربية الإسلامية، ونتيجة لهذا العطاء المستمر، جعلت العلماء الروس لأن يدرجوا اسمه ضمن قائمة الفلاسفة المعاصرين في "موسوعة الفلاسفة الروس في القرن العشرين". · أما أهم مؤلفاته في مجال الفلسفة الإسلامية، فيمكن ذكر أهمها : 1- المذهب الذري عند المتكلمين: باللغة الروسية. عام 1978م، وهو موضوع أطروحته للدكتوراه. 2- فلسفة المتكلمين: باللغة الروسية. عام 1984م. 3- الثقافة العربية الإسلامية: باللغة الروسية. عام 1995م، وهو كتاب مدرسي معمم على الجامعات الروسية، ويدرس كمنهاج مقرر. 4- دليل معاني القرآن الكريم: باللغة الروسية. عام 1998م. 5- موسوعة التاريخ القدساني في الإسلام-في ثلاثة اجزاء: باللغة الروسية. صدر الجزء الأول منه عام 1995م والذي حمل عنوان (تاريخ الرسل والأنبياء)، والجزء الثاني حمل عنوان (السيرة النبوية)، سيصدر عام 2000م. والجزء الثالث-قيد الإنجاز- والذي يحمل عنوان (اليوم الآخِر)وهو يبحث في يوم القيامة. 6- ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الروسية: وهي من أجلّ الأعمال له، يعمل فيه منذ أكثر من عشر سنوات · أما أهم كتبه باللغة العربية فهي مايلي: 1- نحو رؤية ماركسية للتراث العربي: صدر عام 1989م عن دار الفارابي، بيروت. 2- معجم العلوم الاجتماعية: (روسي - انجليزي - عربي)، صدر عام 1992م. 3- سلسلة أضواء على الفكر الماركسي الكلاسيكي-ثلاثة أجزاء. 4- معجم علم الأخلاق: صدر عن دار التقدم - موسكو عام 1984م. 5- المعجم الفلسفي المختصر: صدر عن دار التقدم - موسكو عام 1986م. 6- المنطق: معجم مدرسي لدارسي الفلسفة، موسكو عام 1989م. 7- موجز تاريخ الفلسفة: صدرت بعدة طبعات عن دار الفارابي - بيروت ، ودار الجماهير - دمشق. * * *
ارتبط ظهور الفلسفة العربية الإسلامية وتطورها بتاريخ دولة الخلافة، بعد الفتح الإسلامي، وتعمق هذا التطور وظهر للعيان في عصر ازدهار الخلافة العباسية،حيث تلاقحت الفلسفة العربية الإسلامية بالفلسفة اليونانية، وامتزجت معها، وأصبحت وثيقة الصلة بتقاليدها الفلسفية، لاسيما القديمة منها، والتي كانت قد انتشرت في آسيا، خارج إطار الإمبراطورية البيزنطية، بفضل نزوح جملة من العلماء البيزنطينيين إلى بـلاد فارس، بعد إغلاق الإمبراطور الرومانـي ( زينون )للمدرسة الفلسفية في الرها عام 489م وإقفال بوستنيانوس لمدرسة الفلسفية في أثينا عام 529م، ونتيجة ملاحقات الكنيسة البيزنطية للنساطـــرة والمونوفيزيــــة / دعاة مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح/، وبين أبرز المراكز الفكرية التي أقامها هؤلاء، كانت مدينة ( نصيبين )، والتـي عرفت بتراجمها وشروحها باللغة السريانية، ومدينة ( جند يسابور ) التـي اشتهرت بنقل المؤلفات الفلسفية، المحررة باليونانية والسريانية، وكذلك الأعمال العلمية الهندية، إلى اللغة البهلوية. · لقد استطاعت اللغة العربية أن تحل محل اللغات الأدبية الأخرى، كالسريانية - الآرامية، والفارسية، في سوريا وإيران، واليونانية في سوريا ومصر، واللاتينية في الأندلس -إسبانيا، وأصبحت اللغة العربية أداة فعالة في التفاعل الثقافي بين العرب والفرس والأتراك والبربر وغيرهم من شعوب دولة الخلافة، ومـع دخول هذه الشعوب فـي الإسلام، صارت العربيـة تتحـول - تدريجياً - إلى لغة العلم والثقافة، وغدت وسيلة التخاطب والتفاهم بين الأوساط المثقفة من أبناء مختلف الشعوب والطوائف والملل والنِحل. · وقد نشطت ( حركة الترجمة ) التي كان للنساطرة السريان دور مرموق فيها -كما يقول المؤلفان-، فصيرورة الإسلام ديانة سائدة ورسمية لم تؤثر كثيراً في الحياة العقلية للمسيحيين الشرقيين، فثابروا على نشاطهم الفلسفي، بما في ذلك تعريفهم قراء العربية بالتركة الفلسفية اليونانية. /المقدمة ص12. · إن تطور الترجمة - بشكل ملحوظ - أيام المأمون /813-833 م/ الخليفة العباسي السادس، إذ بادر هذا الخليفة بإنشاء " دار الحكمة " في بغداد، حيث لمعت طائفة من المترجمين الأفذاذ، كان على رأسهم: سهل بن هارون، وحنين بن اسحق وابنه حنين، وحبيش بن الحسن، وثابت بن قرة، وعيسى بن يحيى، وغيرهم. · ومن خلال الفكر اليوناني المترجم، تعرف المسلمون على المدارس الأساسية في الفلسفة اليونانية القديمة، وكان أرسطو محط اهتمامهم الأول في ق 9م. حيث نفلت أعماله الرئيسية إلى العربية، إما مباشرة أو من اليونانية أو بتوسط السريانية، حيث أن أغلبية الترجمات السريانية قد تمت بعد الفتح الإسلامي، أما في ق 10م، فقد أعيدت ترجمة بعض مؤلفات أرسطو، بهدف تدقيق معناها وإصلاح أسلوبها وتهذيب مصطلحاتها، وكان من بين هذه المؤلفات ما ترجم أربع مرات، مثل كتاب ( تفنيد الحجج السوفسطائية )، وبهدف التفهم الأعمق لفلسفة أرسطو، كانت تستخدم أعمال شُرّاحه المتأخرين مثل: فوفيريوس، ثامسطيوس، يوحنا فيلبيونوس، سيمبيليفيوس، أوليمبيودورس، كما نقلت إلى العربية بعض حوارات أفلاطون، بينها ( النواميس، السوفسطائي، طيماوس )، وقد اهتم العلماء العرب بمؤلفات أرسطو تلميذ أفلاطون، أكثر من أستاذه، نظراً لكون مؤلفات أرسطو تستند إلى المنهجية الدقيقة، والوقائع الثابتة، والتي تشكل نسقاً متكاملاً من المعارف. · ولعبت دوراً كبيراً في قيام الفكر العربي الإسلامي ترجمة الأعمال التي تعود إلى المدرستين، الإسكندرانية، والأثينية في الإفلاطونية المحدثة، حيث تعرف العالم على آراء إفلوطين من خلال مايسمى بـ( آثولولوجيا أرسطو طاليس)، كما ترجمت إلى العربية أعمال الإسكندر الإفروديسي و ثامسطيوس وأوليمبيودورس و يوحنا فيليبيونوس ونقولا الدمشقي. · كما أن الفرق الإسلامية المتعددة الآراء والملل لعبت دوراً هاماً في التعايش الثقافي-المعرفي، حيث غدا التعرف على الآراء المخالفة ذا أثر بعيد في شحذ العقول وحثها على الدرس والبحث في أوجه الخلاف وأسبابه، وفي تحرير الأذهان من اسر التقاليد الدينية الضيقة، وقد نوه المفكرون الإسلاميون أنفسهم إلى التأثير المعرفي الإيجابي لتباين الآراء هذه، حيث تجسد ذلك في القول المأثور: " لا يعرف الرجل خطأ معلمه حتى يسمع الاختلاف ". وأدى الحوار بيـن الفرق الإسلامية إلـى تفهم تعذر الاعتماد على النص/ حتى القرآني منه / حجة حاسمة لنصرة هذا المعتقد أو ذاك، فقد عرف عن اثر الصحابة بأنهم قالوا: "القرآن حمال اوجه، وما من فرقة إلا ولها في كتاب الله حجة". وفي خضم هذه المناقشات وتلك الاختلافات والاجتهادات برز دور العقل حكماً أعلى في المناقشات اللاهوتية. وفي فهم العقائد الدينية نفسها، وفي خضم هذه المشاهدات، ظهرت وتطورت النزعة العقلانية في "علم الكلام" أول التيارات الفلسفية في الفكر العربي الإسلامي. وإذا كان "علم الكلام" وليد المناقشات بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين ممثلي الديانات الأخرى فإن "الفلسفة" بالمعنى الخاص للكلمة - أي المذاهب الفكرية التي طورت التقاليد الفلسفية اليونانية القديمة - جاءت وليدة "حركة الترجمة". وكان الفلاسفة يردون الفارق بين علم الكلام والفلسفة إلى كون علم الكلام يعتمد الأساليب الجدلية أو"الديالكتيكية" بالمعنى الأرسطي، أما الفلسفة فتقوم على الأساليب البرهانية، ولكن السمة التي تجمع بين الكلام والفلسفة كانت التعويل الأول على النظر العقلي والاستدلال المنطقي وذلك خلافاً للإيمانيين النصيين من الفقهاء ورجال الدين من جهة، و"لأهل الذوق والكشف"من المتصوفة من جهة أخرى. ومنذ القرن الثاني عشر الميلادي بدأ التقارب بين الكلام والفلسفة، والذي انتهى بانصهارهما معاً في "كلام المتأخرين". · وفي ذلك العصر - تقريباً - بدأ التلاقي بين المذكورين وبين التصوف. والتصوف اتجاه بالغ التنوع في الفكر الإسلامي، حيث ضربت جذوره في حركة الزهد التي شاعت منذ فجر الإسلام وتطور إلى مذهب المحبة الإلهية والاتحاد بالله والفناء به. فالنظر الفلسفي الناحي منحى "البانتيئية - Panthism" / مذهب وحدة الوجود /، والذي تمثل،قبل كل شيء في مدرستي الإشراقية والوجودية، وفي الوقت ذاته، مال قسم من المتصوفة نحو الحنبلية، ووقفوا موقفاً معادياً إزاء متصوفة وحدة الوجود، لا سيما تيار ابن عربي ومدرسته، وقد شن قسم منهم نقداً عنيفاً على الفلاسفة، وخاصة لعقلانيتهم الجافة، التي تقف حاجزاً بين الإله وبين المتصوف السالك دروب المحبة إليه. * * *
كتاب الفلسفة العربية الإسلامية المرحلة الكلاسيكية في الفلسفة العربية الإسلامية، من أوائل القرن 3هـ/ 9م إلى أوائل القرن 7هـ/ 13م، وهو يتعرض لموضوعات - علم الكلام والفلسفة والتصوف النظري -، كتيارات فكرية موحدة ومتكاملة، وقد توقف المؤلفان بكتابهما هذا عند الفلسفة في أوسع الأبواب، متوقفين أساساً عند المشائية الشرقية، مولين الاهتمام في كافة الأبواب للقضايا الأنطولوجية "الوجودية" و الأبستيمولوجية " المعرفية. تلك هي أهم المسائل الفكرية والنظرية التي تناولها الكتاب بشكل دقيق ومفصل. وقد قسم المؤلفان كتابهما حسب الموضوعات على الأبواب التالية: آـ الباب الأول: كان عن " علم الكلام " وامتدت الدراسة فيه من ص25 - ص112، ونظراً لكون علم الكلام هو أول الاتجاهات في الفلسفة العربية الإسلامية، حيث طوره مفكروا المعتزلة والأشاعرة، ونظراً لتشعب واختلاف الآراء - القديمة منها والمعاصرة - حول مدلول "علم الكلام" لفظاً ومصطلحاً، فقد قسّم المؤلفان القسم الأول من هذا الباب، والذي حمل عنوان "السمات العامة والمدارس الأساسية"إلى النقاط التالية: 1- في تسمية علم الكلام و تعريفاته: وقد أورد المؤلفان قائمة "التفتزاني"، المتوفى سنة 1390م عن كتابه /شرح العقائد النفسية/ فيردها إلى مقابلة المعتزلة للفلاسفة في تسميتهم فناً من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان - انظر الملل والنحل ج2/29 - أما المؤلفان، في هذه النقطة بالذات فيفسران علم الكلام بالقول التالي:"وأما في الحقيقة فإن علم الكلام لا يرد إلى الجدل ولا إلى اللاهوت، فالمشكلة اللاهوتية لا تشغل إلا بعض ميدان اهتمامات المتكلمين، وهي تمثل ما يسمى بـ(جليل الكلام) الذي يقابل (دقيق الكلام) أي قضايا الأنطلوجيا - علم الوجود - والفلسفة الطبيعية -الفيزياء -أساساً، وهي القضايا التي كانت لها الغلبة - أحياناً - في إبداع عدد كبير من المتكلمين، ثم أن ما يميز "علم الكلام" عن "علم اللاهوت" هو توجهات المتكلمين "الأبستيمولوجية" /المعرفية/ المنافية "للنصية والإيمانية - Fideism" و"الصوفية - Mysticism". فالمتكلمون قالوا بالعقل مرجع أعلى في الحكم على المسائل النظرية والفكرية، بما فيها اللاهوتية. راجع ص29. 2- المعتزلة: وهي النقطة الثانية والأهم في هذا الفصل، حيث يستعرض المؤلفان تاريخ هذه الفرقة بدقة ودراية، عارضين مذهبهم وآرائهم بشكل دقيق، نظراً لكونهم /أي المعتزلة/ هم أولى وأكبر المدارس المؤسسة لعلم الكلام، والفكر الفلسفي الإسلامي عامة، وقد ظهر لقب "المعتزلة" أول الأمر للدلالة على الجماعة الذين وقفوا موقف الحياد في النزاع بين أنصار علي بن أبي طالب وخصومه، وخاصة في معركة الجمل عام 656م. ومعركة صفين عام 657م. أما المعتزلة أنفسهم فيربطون تسميتهم بما يرونه -من "إعتزال واصل بن عطاء" ت 748م - و "عمرو بن عبيد" ت 761م - حلقة الحسن البصري ت 727م كبير علماء الدين بالبصرة في زمانه، وكان المعتزلة يرتبطون فكرياً بالدوائر المثقفة والمتنورة، ومن الفئات المدينية المتوسطة والعليا، وكانوا من الأحزاب الدينية - السياسية المعارضة للأمويين، وفي زمن المأمون في العصر العباسي الأول، صار لهم نفوذ واسع في الدولة العباسية. راجع ص30-31. 3- الأشاعرة: هي النقطة الثالثة من الفصل الأول، وفيها يتحدث المؤلفان عن تاريخ هذه الفرقة المنشقة عن المعتزلـة وأبرز أعلامها وعلمائهـا في القرن 4هـ /10م وحتى القرن 6هـ / 12م، حيث برز منهم " أبو بكر الباقلاني، الملقب بالقاضي - ت: 1013م، وابن فورك - ت: 1015م، وأبو اسحق الإسفراينـي الملقب بالأستاذ - ت: 1027م، وعبد القاهر البغدادي - ت: 1037م، وأبو المعالي الجوينـي الملقب بإمام الحرمين - ت: 1085م، ومحمد بن عبد الكريم الشهرستاني - صاحب كتاب الملل والنحل - ت: 1153م، وفخر الدين الرازي - ت: 1210م. · وكان الأشاعرة قد اختلفوا فيما بينهم، كما اختلف المعتزلة قبلهم، وقد اختلفوا ليس في مسائل "دقيق الكلام" فقط، بل في "جليله"، ولم تكن لهم ثمة "أصول" توحد بينهم كالمعتزلة، وإن كانت تجمعهم بعض التوجهات العامة في حلّ عدد من المشكلات اللاهوتية، وقد ناقشوا مشاكل عويصة، كمسألة- الصفات الإلهية، وقدم الكلام الإلهي، وما يتصل بهما من قول بقدم القرآن، كما كانوا مثل المعتزلة من خصوم التشبيه والتجسيم، وطرحوا مسائل كثيرة ذات صفة فلسفية إشكالية. راجع ص34 - 36. · لقد انتشر مذهب الأشاعرة في العراق، كما المعتزلة - وبلاد الشام، ومصر خاصة، أما في بلاد ماوراء النهر فقد راجت منذ القرن العاشر مدرسة الماتريدية، أتباع أبي منصور الماتريدي - ت: 944م، والذي لا يختلف مذهبه عن الأشعرية إلا في بعض النقاط الجزئية الفرعية، على حد تعبير المؤلفين ص37. · لقد حلّ المتكلمون - في سياق بحثهم لـ (جليل الكلام) - عدداً من القضايا المحورية المميزة للعصر الوسيط، بينها مسألة العلاقة بين الإيمان والعقل، والعلاقة بين الإله والعالم. وبين "دقائق الكلام" تبرز المسائل المتعلقة بالتركيب الفيزيائي للأجسام، بتآلفها من الذرات "الأجزاء التي لا تتجزأ". * * * · أما الفصل الثاني من الباب الأول، والذي حـمل عنوان: "الإيمان والعقل"، حيث أن هذه المسألة واحدة من الإشكالات الفلسفية، باعتبارها إحدى النقاط المحورية في الصراعات الفكرية، فقد اكتسبت هذه المسألة في الأوساط الكلامية صيغة العلاقة بين العقل والنقل، وقد انحاز المتكلمون في حلّهم للمسألة إلى طرف العقلانية، فقالوا بتقدم العقل على النقل، وأنكروا التقليد والمقلدين، وأكدوا على الشك، كمرحلة تمهيدية تسبق الأخذ بأي من الآراء المذهبية، وقد قوبلت هذه الآراء بالردود العنيفة عليهم من قبل رجال الدين، من "أنصار الإيمانية - Fidesim". وبهذا الأمر، ترتب على المتكلمين الرد على مجمل الاتهامات التـي كيلت لهم، والدفاع عن حق العقل في النظر في كافة المسائل الفلسفية منها واللاهوتية، وإزاء هذا الجدل الكلامي والفلسفي، قسّم المؤلفان ردود علماء الكلام إلى نقاط معرفية، يسهل تناولها منهجياً، لا سيما وأن الخوض في الاتفاق والاختلاف، أخذ الكثير من جهد الباحثين السابقين والمعاصرين، ولذا، جاءت تقسيمات هذا الفصل على النقاط التالية: 1ـ مشروعية النظر الفلسفي: حيث أفرد المؤلفان رسالة "أبي الحسن الأشعري - استحسان الخوض في علم الكلام" في بداية هذه النقطة، باعتبارها من أولى المحاولات الرامية إلى إضفاء المشروعية على النظر العقلي، وعلى تفنيد حجج خصومه من الحنابلة وغيرهم، وتبدأ الرسالة بعرض آراء معارضي علم الكلام، الذين أشهروا في وجه أصحابه سلاح التبديع والتضليل والتكفير. /راجع نص الرسالة على ص41 -42. 2ـ أولوية العقل: تلك النقطة الثانية من الفصل الثاني، والتي أوضح المؤلفان فيها، لجوء المتكلمين - وهم يعملون لمجابهة الإيمانية وإرساء العقلانية- إلى التسلح بالآيات القرآنية، الداعية إلى التأمل والنظر فقط، واستندوا أيضاً إلى جملة من الأحاديث المروية عن النبي (ص) في امتداح العقل والثناء عليه، وقد عرفت مجموعة هذه الأحاديث بـ (كتب العقل). راجع ص 49 - 50. - ومن تجليات قول المتكلمين بالعقل، يتطرق المؤلفان إلى البعد الفلسفي الثاني، الخاص بمذهب المتكلمين، حيث أنهم ينظرون إلى أن الآيات القرآنية، إذا تعارض ظاهرها مع العقل، ينبغي أن تؤول بما يتوافق مع مقتضيات العقل وأحكامه، باعتبار أن العقل - كما يقول الأشعري - "لا يجوز عليه شيء من ذلك، وليس من ورائه ما يقضي عليه، ويوضح عن حقيقته"، فحيثما يتعارض النقل مع العقل، يكون العقل هو الحكم. "إذ العقل أصل النقل، وتكذيب الأصل لتصديق الفرع محال، لاستلزامه تكذيبه أيضاً". راجع ص 51. 3ـ زندقة ابن الريوندي: بهذه النقطة من الفصل الثاني، يتطرق المؤلفان إلى موقف هذا المعتزلي المنشق، وكيفية هجومه على المعتزلة، وتأليفه الكتب العديدة ضدهم، وبالرغم من مشاداته العنيفة مع المعتزلة، كما في كتابه "فضيحة المعتزلة"، إلا أنه لم يفعل في حقيقة الأمر - كما يقول المؤلفان - إلا المضي بالنزعة العقلانية المعتزلية، حتى نهايتها المنطقية. راجع ص 59 - 63. · إن مسألة العلاقة بين الإيمان والعقل، والتي انبرى المتكلمون لحلها من مواقع النزعة العقلانية، هي بمثابة البعد المعرفي ( الغنوصيولوجي ) لمسألة أعم وأشمل، هي العلاقة بين الإله والعالم. · أما الفصل الثالث -من باب علم الكلام فقد حمل عنوان "الإله والعالم"، حيث أن العلاقة بين الإله والعالم، في متناول الإسلام وغيره من الديانات المنزلة هي،في المقام الأول، العلاقة بين الخالق والمخلوق، وعلى أساس حل هذه الإشكالية، تنهض،وقبل كل شيء، المسائل المتعلقة بطبيعة عملية الخلق، ضمن سؤال فلسفي يطرحه المؤلفان تحت الصيغة التالية: " هل خلقت الأشياء من مادة سابقة أم من عدم محض؟ … ، وهل كان الخلق في لحظة زمنية معينة؟ … ، وما مدته؟ … … الخ / ص 65. وبغية الإجابة المنطقية لتلك الصيغة من السؤال، فإن المؤلفين، ضمن سياق الوحدة المنهجية للبحث، يقسمان هذا الفصل إلى نقطتين أساسيتين، هما: 1ـ مشكلة الخلق: وفي هذه النقطة يناقش المؤلفان هذه المشكلة من منظور رؤية الأديان السماوية في وعي مفكري الديانات الثلاث،حيث ينطلق مفكروا اليهودية والمسيحية والإسلام، في رؤيتهم للعلاقة بين الإله والعالم، كخالق ومخلوق، من اللوحة التوراتية لتكوين العالم، ولكن سواء في التوراة أو في القرآن، ليس ثمة إشارة دقيقة وجلية إلى أن خلق العالم كان( من عدم )، كما يقول المؤلفان. وأن كان القول بالخلق من العدم قد صارت له السيادة في الأوساط (الأرثوذكسية)، للملل الثلاثة، وصار القول المقابل - الخلق من مادة سابقة - ينسب إلى ( الهرطقة والبدعة ). ص 65. ومن هذه الأفكار والطروحات، تبدأ مناقشة مشكلة الخلق، على كافة المستويات، بدء من جمهور العامة إلى علماء الكـلام، فالفلاسفـة واللاهوتييـن. ويناقشـون - بنفس الوقت - الأفكار الواردة عند علماء السريان وقبلهم اليهود، وصولاً إلى علمـاء الإسلام. فعلى صعيد فكرة (الخلق من العدم) يجري الحديث في ص 66، عن أنه، من الصعوبة بمكان تحديد من سبق إلى هذه الفكرة من اللاهوتيين اليهود، وكـل ما نعرفه هو أن (فيلون الإسكندراني) - ت: حوالي منتصف ق 1 م.- الذي أخذ بمذهب أفلاطون في الخلق من مادة قديمة، قد اعتبر هذه المادة نفسها مصنوعة (من العدم). وثمة معلومات تدل على أنه بين المفكرين اليهود، الذين عاشوا في القرون الأولى للإسلام، وحرروا أعمالهم بالعربية، كان هناك (هراطقة) قالوا بخلق العالم من مادة أزلية، وسعوا لإثبات توافق رأيهم هذا مع لوحة التكوين المرسومة في التوراة -ص 66. فيما كان مفكروا المسيحية في - ق2 و ق3 م - توصلـوا إلى الطـرح الواعي لمسالة الخلق من العدم، إلا أن هؤلاء المفكريـن لم يستطيعوا أن يسوقوا نصوصاً من الكتاب المقدس تؤيد صراحة مذهبهم في الخلـق من العدم، بيد أنهم وجدوا في (سفر المكايين الثاني) عبـارة يسهل تأويلها بمعنى الخلق من العدم، فهي تذكر أن الله صنع السموات والأرض وجميع الأشياء ( لا من أشياء موجودة - 28:7 ) وعلى هذا الأساس، راح آباء الكنيسة مـن هرماس (ق2 م) وحتى يوحنا الدمشقي (ق8 م) يصفون صنع العالم على أنه خلق (من غير الموجود) ويفهمون (غير الموجود) بمعنى (العدم) ص 66. أما لوحة الكون القرآنية، فليس فيها ما يشير إلى الخلق "Extnihilo" الذي يقابله بالعربية " من العدم - من ليس - لا من شيء - لا عن شيء - من لا شيء - من لا وجود "، وأما العبارة في الآية القرآنية التي تتحدث عن خلق الناس، ( من غير شيء ) - الطور -35-. فهي قد تعني (من غير غرض - بدون توسط شيء) - وليس بالضرورة من العدم - كما يقول المؤلفان /ص 67. ثم أن عبارة: ) بديع السموات والأرض ( - البقرة -117-، الأنعام - 101-، إنما صار لها معنى الخلق من العدم بتأثير مذاهب الفلاسفة (المشائيين) من مفكري الإسلام /نفس الصفحة. ومن هذه الحقيقة، أي كون القرآن خلا من الإشارة الصريحة إلى (الخلق من عدم) استخدمها فلاسفة المشائية الشرقية تأييداً لقولهم بقدم العالم. /انظر تفصيلات وتحليلات الفلاسفة المسلمين لهذه النقطة، على ص67 -74. 2ـ باتجاه وحدة الوجود: وهي النقطة الثانية من الفصل الثالث، وبها يناقش المؤلفان الطروحات الفكرية للعلماء والفلاسفة المسلمين، مقارنة مع مفكري العالم غير الإسلامي، منطلقين من أن تاريخ الفكر عرف نزعتين أساسيتين في فهم العلاقة بين الخالق والمخلوق، الإله والعالم، هما: "التيئية - Theism"، مذهب التأليه الديني، و"البانتيئية - Pantheism"، مذهب وحدة الوجود. والإله في التيئية مطلق - Absolute، خلق العالم من عدم صرف في زمن محدد وخلال فترة معينة، وهو يعلو على العالم المخلوق، ويتدخل كما يشاء في سير العمليات الطبيعية والاجتماعية، ( فهو الفعال لما يريد ). وتبلور التيئية عادة في إطار اللاهوت - Theology،الذي له رؤية عقلانية للإله، ويقترب اللاهوت -أحياناً - من الفلسفة، وتخلي التيئية مكانها للبانتيئية، وفي البانتيئية يغدو (العقل) الإلهي رمزاً لقانونية الكون، لمنطقيته وانتظامه وأحكامه، أما الإله نفسه فيصير مرادفاً للعالم المأخوذ في وحدته وكليته. / ص 75. وهاتان النزعتان المتضادتان تعايشتا في إطار الإسلام أيضاً، لا سيما عند المعتزلة، وتحديداً عند أصحاب (الجهمية)، فقد طرح المعتزلة ( تطابق الفعل الإلهي مع السيرورة الكونية، وبالتعارض مع الرؤية التيئية للخالق، المطلق الحرية في أفعاله). طرح المعتزلة مفهوم ( العدل ) ثاني الأصول الخمسة، فليس ثمة فعل إلهي إلا ويجب أن يتوافق مع مقتضيات العدل، فالعدل واجب على الله وهو " لا يخل بما هو واجب عليه" كما يقول المعتزلي عبد الجبار في (شرح الأصول الخمسة) ص 132. وقد بالغ شيوخ الاعتزال في هذا الاتجاه، حتى اتهمهم خصومهم بأنهم رتبوا على الله شريعة في الواجب والمحظور أعظم مما رتبه على عبيده. وبالاتفاق مع الرؤية البانتيئية للعلاقة مع الإله والعالم، عمل الأشاعرة، وعلى غرار المعتزلة، لتغليب الجانب المنطقي في الألوهية على جانبها العقلاني لتنصيب (العلم)على (الإرادة) /ص 80 - 81 ./ وبالعمـوم فـإن متكلمي الإسلام عامـة يرون أن النظام الكوني يستند إلى أساس متين راسخ، إلى العلم الإلهي، الذي يتطابـق وإياه، ومعقولية الكون هذه تمثل، بدورها، ضمانة إمكانية معرفة الناس لـه، واستجلاء قوانينه، وتوظيفها لمنافعهم. /راجع تفاصيل هذا الجدل على ص 81 -85. أما الفصل الرابع من هذا الباب /علم الكلام/ فيتحدث عن (المذهب الذري) باعتباره أحد أهم القضايا التي دار حولها نقاش حامي الوطيس بين المتكلمين أنفسهم، وكذلك أغلبية الفرق الإسلامية ذات الرؤى الفكرية، فقد شغلت مشكلة التناهي - Finitism - أي وحدة وجود تنتهي عنده قسمة الأجسام - مكان الصدارة بين القضايا المعروفة بـ(دقائق الكلام) وقد احتدم الاختلاف حولها، سواء في أوساط المتكلمين أنفسهم، أو بين أنصار المذهب الذري منهم، وبين مفكري المدارس الأخرى ( وخاصة المشائية الشرقية ) وكانت هذه المشادات بمثابة بعث واستمرار للمناظرات التي كانت في الفكر اليوناني، كما يقول المؤلفان./ص 87. ففي الأوساط الكلامية، صارت المناقشات حول الفرضية الذرية، ظاهرة ملحوظة منذ مطلع ق3 هـ / 9 م، فقد قال هشام بن الحكم، من متكلمي الشيعة، وبعده إبراهيم بن سيار النظّام، من مفكري المعتزلة، بانقسام الأجسام إلى ما لانهاية، وأنكر ذلك العلاف، وكثير غيره من المعتزلة، فذهبوا إلى أن قسمة الأجسام تنتهي عند حد، هو الذرة، أو (الجزء الذي لا يتجزأ). ووقف بعض المعتزلة- وبينهم أبو الحسين البصري – ت: 1044 – 1045 م. زعيم معتزلة بغداد في أيامه – موقفاً حيادياً في النزاع القائم حول وجود (الجزيء) وانتفائه. وانتقل هذا الخلاف في الرؤية على الأشاعرة وكذلك الماتريدية، ومتكلمي الكرامية، حتى قالوا عن هذا المذهب " قول باطل اخترعه قدماء المعتزلة، و انتحله الأشعرية "، وعاداه من اللاهوتيين السلفيين، ابن كلاّب و ابن حزم و ابن تيمية. / راجع ص 87 - 88. ونظراً لشدة الخلاف في وجهات النظر في هذا المذهب الإشكالي، اضطر المؤلفان إلى تقسيم هذا الفصل إلى أربع نقاط رئيسية بغية تبسيطه، معرفياً، وإضفاء المشروعية المنهجية عليه، فقسموه إلى النقاط التالية : 1ـ موقع المذهب في علم الكلام. 2ـ صفات الذرة. 3ـ في ذرية الحركة والمكان والزمان. 4ـ حجج المؤيدين والمعارضين. وامتد هذا التقسيم على ص 88 – 112. وقد وضعنا المؤلفان، على جدية الآراء والأفكار التي كانت محل خلاف وقبول بين مختلف المتكلمين والفلاسفة وأهل الرأي، حتى تشعر – وأنت تقرأ النصوص – وكأنك في عالم مليء بالجدية العلمية، وتندهش إلى سخونة الحوار بين المتجادلين، وكيفية الرد على كل فكرة صدرت من (النظّام ، أو العلاّف أو أنصارهما) وكيف يتدخل الآخرون لتوسط الفكرة، فتقف مذهولاً أمام تلك العقول التـي تتحاور، فالنظّام مثلاً، يعد من أصحاب المذاهب الذرية -Discrete، في الحركة، حيث قال بـ(الطفرة). فيما كان العلاف من بين أنصار المذهب الذري الذي قال بمذهب (الوقفات) - السكنات - فيروى عنه قوله: "إن للفرس في حال سيره وقفات خفيّة، ولهذا كان أحد الفرسين أبطأ من صاحبه، وكذلك للحجر في حال انحداره، وقفات خفيّة، بها كان أبطأ من حجر آخر، أثقل منه أرسل معه". / انظر الأشعري (مقالات الإسلاميين). /ص 322. و النيسابوري (مسائل الخلاف). / ص 200 -201. وقد روت المصادر الإسلامية أن النظّام الذي كان من أنصار تجزئة الأجسام إلى ما لانهاية، قد قال (بالطفرة)، ردّاً على السؤال الذي وجهه إليه العلاف، وطرحه من قبل - زينون الإيلي - من الفلاسفة اليونانيين في حججه الشهيرة ضد الحركة، وكان سؤال العلاف: "كيف يقطع مالا يتناهى من المسافة في مقدار متناه من الزمان ؟. كيف يمكن للنملة - مثلاً - أن تقطع الصخرة من طرف إلى آخر، إذا سلّمنا أن الصخرة تنقسم إلى أجزاء غير متناهية ؟.". فأجاب النّظام:"بأن النملة تقطع بعض الصخرة مشياً، والآخر بالطفرة، والطفرة هي أن يكون الجسم في مكان ثم يصير في ثالث، دون المرور بالثاني المتوسط بينهما، ولا محاذاة أو مقابلة.". وقد جاء النظّام وأنصاره بعدد من الأمثلة من شانها توضيح مذهبهم. / راجع ص 103/. ولكن أنصار العلاف ردوا على النظّام بأن إجابته لا تحل المسألة التي طرحها العلاف، وإنما ترجعها إلى مسألة من نفس النمط، إذ يقال "جزء المسافة الذي قطع بالطفرة، هل هو متناه، أم غير متناه ؟. فإذا كان متناهياً، ظلّ السؤال قائماً حول قطع الجزء الباقي -اللامتناهي- … الخ". وتعقيباً على هذه الإشكالية يذكر الجرجاني أن النظّام التجأ إلى القول بالطفرة حلاً لمشكلة قطع مالا يتناهى في زمان متنـاه -إلى آخر الحـوار- (راجع شرح المواقف 7/10 . ). تلك هي بعض المطارحات الفكرية التي يوردها المؤلفان حول اختلاف المتكلمين لهذا المذهب. /راجع ص 101 - 112. إسهامات المتكلمين في تطوير المذهب الذرّي، وتـأثـيراتـه عـلـى أوروبـا: إن المتتبع للطروحات التـي قدمها (أصحاب علم الكلام) يلمس مدى الفاعلية العقلية التـي يتمتع بها هؤلاء، حيث أنهم اشتغلوا أساساً بالمسائل المتعلقة بإثبات وجود حد تنتهي عنده قسمة الأجسام: "عدد الذرات المؤلفة لأقل الأجسام، وامتداد الذرة وجهاتها … الخ."، وقد أسهم علماء الكلام في حلهم لهذه المسائل بقصد ملحوظ في تطوير المذهب الذري، حيث أن الفضل يعود إليهم في المحافظة على التقاليد الذرية اليونانية، التي طوتها يد النسيان في أوروبا المسيحية في العصر الوسيط، ثم انهم جاءوا - على نحو أكثر جلاء ودقة منه في الفكر اليوناني - بجملة من الأفكار الهامة للمذهب الذرّي، منها:" التمييز بين الامتداد والجسمية، والقول بتماس الذرات عبر أطرافها "، والتي هي (أقسام رياضية - هندسية من الذرة، وليست أجزاء فيزيائية لها، مما يسمح بتكوين (مقدار متصل -Continum) من الذرات المنفصلة). والتفرقة بين (الحد الأصغر - Minimum)الفيزيائي - الجوهر الفرد - وبين الحد الأصغر الرياضي -النقطة-، ونظريتا (الوقفات - السكنات) و(الطفرة). كما وتبلورت في أعمال المتكلمين أهم الحجج الفلسفية والرياضية للمذهب الذرّي أو المعارضة له، والتي سيتكرر صداها في أشكال وقوالب مختلفة ومتنوعة لدى الأجيال اللاحقة من المفكرين، وعلى امتداد قرون عديدة. · لقد كانت الأفكار الذرية في مذاهب المتكلمين، أكثر اجتذاباً لأنظار أوروبا المسيحية، وبرغم رفضها من قبل البعض (توما الإكويني) -مثلاً- في إحياء اهتمام الأوروبيين بالمذهب الذري، والذي كاد أن ينسى في الغرب، حيث أخذ المفكرون الأوروبيون بعدد من آراء المتكلمين المسلمين الذرّية، التـي طوروا فيها جوانب معينة من الذرية اليونانية، والتي خففت من حدة المطاعن الموجهة إليها (التفرقة بين القسمة الفيزيائية والقسمة الرياضية، والامتداد والجسمية، والحيز والمكان) ونظرية الطفرة، ومختلف الحجج - المؤيدة والمعارضة - للمذهب الذّري. · ولم يقتصر تأثير المتكلمين الإسلاميين في الذريين الأوروبيين على المراحل الأولى، والتـي رافقت (عصر التراجم)، أو أعقبته، أمثال: (أدلبارد البائي، دانييل المورلي، ويلهالم الكونشي،… وغيرهم).بل وامتد إلى العصور اللاحقة،(نيكولاي الكوزاني، جوردانو برونو). ومن الجدير بالذكر أن ليبنتز - صاحب (المونادولوجيا) - كان قد لخص - قبل وضعه لهذا الكتاب - آراء المتكلمين الذّرية، وذلك أثناء قراءته لمؤلف (ابن ميمون - دلالة الحائرين)، وفي ضوء التأثير الكبير للمذهب الذّري في أوروبا، لم يكن من الصدفة أن نجد بين أعلام المذهب الذّري في مطلع القرن العشرين (بيترونيفيتش) من يضع المتكلمين على رأس قائمة أسلافه وأساتذته. / راجع ص 385، لتشاهد تاثير الفكر الإسلامي على أوروبا. ب ـ الباب الثاني: حمل عنوان (المشائية الشرقية) وهو الباب الأهم في بنية الكتاب، باعتباره عملا منهجيا، حيث أن هذا الباب هو بمثابة القلب من الجسد، وهو العمق المعرفي الأكثر أهمية عند المؤلفين، نظرا للاختصاص الأكاديمي لهما، من ناحية، ومن ناحية ثانية، هو العمق لأكثر إشراقا في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، وهو الوهج الحضاري الذي قدمه العرب والمسلمين الى بقية الإضافات الحضارية في العالم، لذلك امتدت مساحة هذا الباب من ص 114 - ص 272 . ونظرا لكون الفلسفة تدخل في صلب هذا الباب، فقد شمل الفصل الأول على أسماء أهم الفلاسفة العرب والمسلمين وحمل عنوان: " الفلاسفة " - وبغية فهم معاني الفلسفة والفلاسفة ، فإن المؤلفين يعرجان بالذكر على تاريخ هذا الباب المعرفي، منطلقين من أن الأدبيات العربية - الإسلامية، قد درجت على قصر اسم " الفلسفة " و " الفلاسفة " على تيار معين من تيارات الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية، وهو الذي طور التقاليد الفلسفية اليونانية، حيث كان رواد الفلسفة الأول مفكرين فرادى، أبرزهم : الكندي و الرازي ، وفي ق 4 هـ/ 10 م، ظهرت جماعة فلسفية تحت اسم " إخوان الصفاء " والتـي ارتبطت بالحركة الإسماعيلية بشكل أو بأخر، أما كبار فلاسفة الإسلام، الفارابي و ابن سينا و ابن رشد، فيمثلون مدرسة المشائية الشرقية، والتي نسجت أساسا على منوال ارسطو واتباعه من المشائيين اليونانيين، وهذه المدرسة، هي المحور الأساسي في هذا الباب، لذلك اهتم بها المؤلفان أيما اهتمام، وراحا يقسمان، بشكل تفصيلي، تاريخية ظهور هذه المدرسة وتأثيرها على عموم الفكر العري الإسلامي، ومن الناحية التاريخية، قُسم هذا الفصل على النقاط الثلاث التالية: · 1- أوائل الفلاسفة : وشملت على تاريخ فيلسوف العرب الأول - الكندي - وتأثيره العلمي على مسار الفكر الإسلامي،وعلى اللاحقين عليه من الفلاسفة، فقد وضع هذا الفيلسوف أكثر من 00 3 مؤلف، شملت الفلسفة وعلم النفس والطب والهندسة والفلك والموسيقى والكيمياء ومختلف الصناعات، وكان له الفضل الكبير في تعريف العرب بأعمال المفكرين اليونانيين، وفي إصلاح ترجمتها إلى العربية. " راجع ص 116 - ص 123 عن نشاط الكندي ". · 2- إخوان الصفاء : وهي النقطة الثانية المتناولة في هذا الفصل، وفيها يتعرض المؤلفان تاريخ ظهور هذه الجماعة الفلسفية، حيث يشيران إلى أن ق 10 م، شهد مرحلة جديدة في تطور الفلسفة العربية، ارتبطت إلى حد كبير بالحركة الإسماعيلية ، حيث أن هذه الحركة كانت الراية الفكرية لعدد من الحركات المناهضة للسلطة العباسية، وهي ترتكز، كمذهب دينـي، إلى التفريق بين ( باطن ) النص القرآني و ( ظاهره )، والظاهر موجه لـ ( العامة )، للجمهور، أما ( الباطن ) وفيه حقيقة الكتاب المنزل، فهو خاص بالعلماء والمفكرين. ثم يُشرع المؤلفان باستعراض تاريخي لتطور تاريخ الحركة الإسماعيلية فكرياً وسياسياً، معرجين على تطور أجنحتها، لا سيما جناحها الراديكالي ( القرامطة) و (الفاطميون) - الجناح المعتدل في الحركة الإسماعيلية، وبالارتباط بهذه الحركة الإسماعيلية ظهرت في ق 10 م - على الأغلب - جماعة الفلسفة الذين وضعوا الموسوعة الفلسفية الشهيرة (رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء)، وكانت هذه الجماعة تسير بشكل سري دقيق. / راجع عن هذه الجماعة ص 125 - 129 /. 3-المشائيون : وهم النقطة الثالثة والاهم في هذا الفصل، حيث يستعرض المؤلفان بدايات التأسيس لهؤلاء الفلاسفة المهمين في ثقافتنا العربية الإسلامية، حيث يعود لفضل في تأسيس " المشّائية الشرقية - الإسلامية " والعرض المنظم لأفكارها إلى الفيلسوف " أبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي "، والذي لقب بالمعلم الثاني، بعد المعلم الأول - أرسطو -، و قد وُلد الفارابي في مدينة فاراب، ببلاد ما وراء النهر، يُرجح انه من أصول تركية، تلقى علومه في حرّان، ومن ثم في بغداد، وفي عام 942 م. وصل الى حلب، واتصل بأميرها سيف الدولة الحمداني، وحظي برعايته، وقد قضى سنيه الأخيرة في حلب ودمشق، ووافاته المنية عام 950 م. · وضع الفارابي عددا كبيرا من الكتب والرسائل والشروح، حيث كان شارحاً مبرزاً للمنطقيات اليونانية، وأول فلاسفة الإسلام الذين ألفوا كتابا في تصنيف العلوم، هو (إحصاء العلوم). كما ألف رسائل مستقلة مكرسة لكل من علمي الفلسفة اليونانيين ( الارسطي والافلاطوني )، لكنه اشتهر برسائله في الأخلاق والسياسة، وخاصة منها ( أراء أهل المدينة الفاضلة )، والتنبيه على سبيل السعادة، والسياسة المدنية، وفصول المدني، وهو في هذه الرسائل والأعمال يهتدي بمثال " جمهورية أفلاطون " ليطرح مذهبه في " المدينة الفاضلة " التي تقابل " المدن الضالة " و " الجاهلة " وللمرة الأولى في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية، يطرح نظرية " الفيض"، وتقسيم الموجود الى واجب الوجود و ممكن الوجود، وقد أشار حاجي خليفة في " كشف الظنون " الى أن الفارابي وضع عملا جامعا بعنوان " التعليم الثاني "، نسج عل منواله ابن سينا في كتاب " الشفاء "، وأيا كان الأمر، فان هذا الكتاب يُقدم لنا أوسع واكمل وأدق عرض لمذهب المشائية الشرقية./ ص 130 . ثم يلي - بالاستعراض التاريخي والأهمية المعرفية بعد الفارابي - الفيلسوف والطبيب البارز " أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا " الملقب بالشيخ الرئيس، ولد عام 980 م. في قرية " آفشنة " من ضياع بخارى، وفضلا عن موسعته " الشفاء " ترك ابن سينا مؤلفات جامعة مثل " النجاة ، العلم أو الحكمة العلائية، دانش نامه علائي - كتبه بالفارسية - " واتبع ابن سينا اسلوب الرمز في ثلاثيته الفلسفية " حي بن يقظان " ، ورسالة الطير و سلامان و ابسال". وبين أهم مؤلفاته العلمية - غير الفلسفية - يحتل مكان الصدارة كتاب " القانون في الطب " الذي جمع فيه معارف عصره الطبية، وهذبها وعممها، واضاف اليها ملاحظاته ومشاهدته الأصلية والمبتكرة. v لقد تمثل ابن سينا في مذهبه، نظرية الفارابي في " المدينة الفاضلة " ، لكنه لم يضع مؤلفات خاصة بالعلم السياسي، إلا أنه عنـي – في الجزء العملي من فلسفته – بمشكلة " النبوة "، والتي ينظر اليها من زاوية عقلانية محضة، فيردها الى احتياجات المجتمع، فحياة الناس تطلب اجتماعهم القائم على تقسيم العمل بينهم، وهذا يتطلب " سُنة وعدلا "، فلا يجوز أن يترك الناس وآرائهم في ذلك فيختلفون، " ويرى كل منهم ما له عدلا و ما عليه ظلما". / راجع كتابه "النجاة" – ط. القاهرة ص. 303 . كما أنه يتحدث على غرار الفارابي عن " فيض الموجودات وصدورها عن الإله "، ولكن فكرة الفيض ليست عنصرا ثابتا في مذهبه - كما يرى المؤلفان / ص 131 - 132 . ثم بعد وفاة ابن سينا، ظلت مدرسته قائمة، ولأجيال عديدة، بحيث يمكن تتبع سلسلة أخلافه، من " بهمنيار - تلميذ الشيخ الرئيس _ واللوكاري - تلميذ بهمنيار - وحتى نصير الدين الطوسي " 1273 م. " . وفي العهود اللاحقة تميز تطور المشائية الشرقية في أقطار المشرق الإسلامي باقترابها التدريجي من علم الكلام، انتهاء بالانصهار معه./ راجع ص 132 . v أما في الأندلس، فصادفت المشائية الشرقية ازدهارا ملحوظا - وإن كان قصير الأمد _ كما يقول المؤلفان، لا سيما على يد (أبو بكر محمد بن يحيى الصايغ المعروف بابن باجة) رائد المدرسة المشائية الأندلسية. فقد ولد ابن باجة في سرقسطة، أواخر ق 10م، وعاش فيها وفي أشبيلية و غرناطة و فاس، وشغل مرتين مصب الوزارة، وتعرض للملاحقات ولمكائد الحساد، ومات مسموما في فاس عام 1138م. v " رسالة الوداع " كانت من بين أهم أعماله الفلسفية، ثم (اتصال العقل بالإنسان، وتدبير المتوحد، وكتاب النفس، وكذلك شروحه على طبيعيات أرسطو ومنطقيات الفارابي). وقد لقيت فكرة "سيرة المتوحد" تطورها في الحكاية الرمزية "قصة حي بن يقظان" لابن طفيل، أبي بكر محمد بن عبد الملك، حيث كان هذا لرجل فيلسوفا وشاعرا وصاحب مؤلفات في الطب والفلك. v أما ثالث أعلام الفلاسفة في الأندلس، وآخر كبار مشائيي الإسلام عامة، فهو ابن رشد - محمد بن احمد بن محمد بن احمد المكنى بأبي الوليد، المولود في قرطبة عام 1126 م. في أسرة عريقة الاشتغال بالفقه والقضاء، عاش فيلسوفنا في الأندلس و مراكش وشغل منصب القاضي وطبيب البلاط، ونٌقم عليه قبل وفاته التي كانت في مراكش عام 1198 م. v كان إنتاج ابن رشد ضخما ومتنوعا، غطى ميادين الفلسفة والعلوم الطبيعية والطب والفقه. تنقسم أعماله من - حيث الشكل - الى شروحات ومؤلفات أصيلة، وقد عرف عن ابن رشد في أوروبا اللاتينية بالشارح الأكبر، وكان ابن طفيل هو الذي قدمه الى الخليفة ( أبي يعقوب بن يوسف ) الذي طلب منه التوفر على تفسير كتب ارسطو، وقد وضع الشروح على كافة المؤلفات الارسطية، تقريبا، ما عدا " السياسة " الذي لم يصله. ومن بين اعماله الاصيلة يبرز كتابه الهام " تهافت التهافت " الذي يرد فيه على كتاب الغزالي " تهافت الفلاسفة " . ثم كتابه الأهم " فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال " ومعه " ضميمة في العلم القديم " و" مناهج الأدلة في عقائد الملة " اللذان يساعدان في استجلاء نظرته الى العلاقة بين العقل والإيمان. / راجع ص 134 /. v ولفهم جانب أساسي من جوانب اختلاف فلسفة ابن رشد عن مذهب الفارابي وابن سينا، يتمتع بأهمية خاصة شرحه على " سياسة " أفلاطون، حيث يُبسط آراءه الخاصة عن المدينة المثلى. / راجع كتابه - تهافت التهافت- ج 2 / 868 - و ص 134 - 135 من الكتاب المعروض /. v أما الفصل الثاني من الباب الثاني، والذي حمل عنوان " النظر والعمل" فقد قسمه المؤلفان الى نقطتين هامتين، هما: 1- الفلسفة واللاهوت والدين: وفي هذه النقطة يجري الحديث عن رؤية مشائي الإسلام حول ارتباط العقل النظري بالممارسة العملية، فهم يرون أن هذا الارتباط يتم من ناحيتين، فهو من جهة يرتبط بـ(الصناعات العملية) كالطب والفلاحة والملاحة، وهو من الجهة الأخرى، يتولى ضبط نشاط العقل العملي في نطاق (اختصاصه) في (العلوم العملية) … الأخلاق وتدبير المنزل والشؤون السياسية. يرى المؤلفان، أن مسألة العلاقة بين الإيمان والعلم تشغل المكانة المحورية في إطار مشكلة الارتباط بين العقل العملي والعقل النظري، حيث في هذه المسألة تنعكس بشكل واضح، الطبيعة المعقدة لتلك الروابط، والتي تعود لعدم التطابق بين بعدي الماهية البشرية، اللذين تمثلا في التعريفين الشهيرين للإنسان: "كائن عاقل، وكائن مدني(سياسي)"، وهما التعريفان اللذان انطلق منهما أرسطو في تفرقته بين وظيفتين اثنتين للفكر. نظرية: غايتها تحصيل المعرفة الحقة، وعملية: هدفها تحصيل الخير، عبر ضبط سلوك الناس وتنظيم العلاقات فيما بينهم. مما كان يتطلب في ظروف العصر الوسيط، إضفاء طابع القداسة على القواعد والمعايير الأخلاقية والسياسية، وذلك بصبغها بصبغة الدين. /راجع ص 137./ * يذكر المؤلفان، أن المشائيين العرب انبروا لحل مسألة العلاقة بين العلم والإيمان، من زاوية التمييز بين خمس من (الصناعات القياسية)، أي طرق الاستدلال: 1- "برهانية": وهي حصر بالفلاسفة. 2-"جدلية". 3-"سفسطائية": تقوم في صلب اللاهوت - أي الكلام - بالمعنى الواسع للكلمة. 4-"خطابية". 5-"شعرية"، يستند إليها الدين. ويفصّل المؤلفان /ص138/تلك الطرق الاستدلالية على النحو التالي: إن الأقوال البرهانية تتربع على راس هذه الصناعات من زاوية قيمتها المعرفية، فهي تفيد ( اليقين بالإطلاق ). وتأتي بعدها الأقوال الجدلية، التي تكون (صادقة بالأكثر) ذلك أنها تشكل محور المناظرة المبنية على موضوعات ظنية، من (المشهورات) وغيرها، وليس بوسع الطرق الجدلية، بحد ذاتها، تحصيل المعرفة اليقينية، وإنما يحتاج إليها لغلبة الخصم في ( الأشياء المشهورة) وخاصة منها الأمور الدينية والأخلاقية. وتلي تلك الأقوال الخطابيّة ( الخطبية )التي يتساوى الصدق والكذب فيها، والتي تهدف إلى إقناع السامع برأي ما والتصديق به و ( تسكين نفسه) دون إيراد الدليل وسوق الحجة، ودون بلوغ المعرفة الحقة. والأقوال السفسطائية "كاذبة بالأكثر"، فالسفسطائي يسعى إلى (غلبة مظنونه) على خصمه، إلى التفوق عليه بأي ثمن، فيوهم فيما ليس بحق، أنه حق، وفيما حق، بأنه ليس حق. وفي أدنى المراتب من حيث القيمة المعرفية، تأتي الطرق الشعرية، التي تكون (كاذبة بالإطلاق )، لأنها لاتتوجه إلى الموضوعات الموجودة خارج الذهن، وإنما تتوجه إلى (خيالاتها )، التي هي من نسيج مخيلة قائلها، والتي تهدف إلى التأثير على خيال السامع بدلاً من عقله، طمعاً في توجيه عواطفه في الاتجاه المطلوب. / ص138 /. من هذا التبسيط في الشرح، يعرج المؤلفان على إيراد أهم النظريات والمقولات الفلسفية لمتلف الفلاسفة العرب مبتدئين بالفارابي، كرائد للمشائية الشرقية، ثم ابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد، ومتوقفين عند الأخير بتأن ودراية، حيث أن ابن رشد يورد في ( رسالة فصل المقال ، في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال )، حججاً دينية - فقهية، مصدرها القرآن والسنة، ويصوغها بمنظور فقهي، وعبارة أدبية سلسة، يقول في مستهلها: "إن الغرض من هذا القول، أن نفحص، على جهة النظر الشرعي، هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع أم محظور، أم مأمور به، إما على جهة الندب، وإما على جهة الوجوب". ثم أنه يبين كون دراسة الفلسفة ليست مناقضة لمذهب المسلمين، بل ومأمور بها من قبل الإله نفسه،منطلقاً من أن القرآن قد دعا إلى النظر إلى الموجودات بالعقل ومعرفتها به، فلا يمكن التوصل إلى معرفة الخالق إلا بتأمل المخلوقات، والتعمق في ماهيتها، ومن ذلك قوله تعالى : } فاعتبروا يا أولي الأبصار {، الحشر-13 ، }أولم ينظروا في ملكوت السماء والأرض وما خلق الله من شيء{، الأعراف - 184 ، }أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت و إلى السماء كيف رفعت{، الغاشية - 17 ، وغيرها . والفلاسفة عند ابن رشد، هم المقصودون بـ(الراسخين في العلم)، لذلك كان توقف المؤلفان عند هذا الفيلسوف، وبسط آرائه، لأنه كان ضليعاً في الفلسفة وعلوم الدين. /راجع ص 141 - 143/. 2- تصنيف العلوم: وهي النقطة الثانية في هذا الفصل الشيق، حيث يتتبع المؤلفان ترسم مشائيي الإسلام في تصنيفاتهم للعلوم على خطى أرسطو ناحين منحى جامع مؤلفاته /أندرونيقوس الروديسي ق1 ق م/ الذي رتبها وفقاً للتقاليد الرواقية، بتقسيمها الفلسفة إلى منطق وفيزياء وأخلاق، ويبدو أن هذا الجامع - كما يقول المؤلفان - قد اعتبر المقالات "الكتب" المدرجة في "ما بعد الطبيعة" أعمالاً ملحقة بالمقالات الخاصة بالعلم الطبيعـي، تبحث في المشكلات الأساسية لهذا العلم. وكانت هذه الرؤية تتفق تمام الاتفاق مع نظرة رجال المشائية الشرقية، فالفارابـي ينطلق بتقسيماته للعلوم إلـى فئـات خـمس أساسية: 1- اللسانيات. 2- المنطقيات: "المقولات - العبارة - القياس، البرهان، الجدل، سومنطيقا، الخطابة - الشعر". 3- الرياضيات: "علوم العدد - الهندسة، المناظر النجوم، الموسيقى، الأثقال والخيل". 4- الطبيعيات: (السماع الطبيعي، السماء والعالم، الكون والفساد، الآثار العلوية، المعادن، النبات، الحيوان، النفس) والإلهيات (قسم يعالج الموجودات والأشياء التـي تعرض لـها بما هي، قسم مبادئ البرهان الأولى التـي تستند إليها جميع العلوم الجزئية، قسم خاص بالموجود الأول ومراتب الأشياء الصادرة عنه). 5- السياسات: "الفقه والكلام". / أنظر ص 146 - 147 / ومن هذه التصنيفات الأساسية للعلوم، يتابع المؤلفان، تقسيمات بقية الفلاسفة العرب والمسلمين لهـا، مع الاختلافات الجزئية عند هذا وذاك، مستندين إلى آراء الفلاسفة، كل حسب حجته في اختلافه ودرجة معرفته في العلوم/ص147-152/. * أما مشائيو الاندلس، فلم يرسموا لوحاتهم الخاصة بتصنيف العلوم، غير أنهم، شيمة مشائي المشرق كانوا يبسطون العلوم في نفس الترتيب بمثابة التمهيد لهذه العلوم. * * * * أما الفصل الثالث: من هذا الباب، والذي حمل اسم "المنطق"، فقد قسمه المؤلفان إلى نقاط ثلاث، وهي: 1- التعريف العام. 2- في التصورات والتصديقات. 3- القياسات. ونظراً لمعرفة المؤلفين بإشكاليات علم المنطق، راحا يبسطان هذا المفهوم، من خلال البعد المعرفي الذي سار عليه (مشائو الإسلام) حيث يقوم في صلب منطقياتهم، المبدأ القائل بأن ترتيب الأفكار "المعقولات" وترابطها يماثل ترتيب الأشياء "الموجودات" وترابطها، وعلى أساس هذا الفهم، وذكر تطبيقاته في موضوعات الفلسفة /راجع ص 153/. 1- التعريف العام : إن المؤلفين يعرفان (المنطق) بعدة تعاريف، تسهيلاً لفهمها واستيعابها، منها: أولاً: إن المنطق من حيث طبيعته المعيارية ( كميزان تكال به المعقولات ) هو صناعة شبيهة بعلم النحو، لكنه يتميز عن هذا الأخير بأن له قيمة كلية عامة، فالفارابي يقول :( فعلم النحو إنما يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة ما، وعلم المنطق إنما يعطي قوانين مشتركة تعم ألفاظ الأمم كلها )./راجع إحصاء العلوم للفارابي /ص 60 /. ثانياً: إن المشتغلين بالمنطق ينسجون فيه على منوال العلوم الدقيقة وخاصة الهندسة وعلم النجوم، الذين ترتبط صحة موضوعاتهما بإمكانية اختبارها في ضوء المعطيات الحسية./ راجع ص 154 /. كان مشائيو الإسلام – كأرسطو – ينظرون إلى المنطق على أنه أداة ( آلة ) للمعرفة ومدخل إلى العلوم كلها، ولكنهم اعتبروا أيضاً، بالإتفاق مع الرواقيين، علماً مستقلاً جزءاً من الفلسفة، وليس في ذلك – كما ينوه ابن سينا وأتباعه – أي تناقض، فالمنطق من حيث دراسته للمجهول، يكون علماً مستقلاً، ومن حيث استخدامه في غير ميدانه الخاص يكون آلة ( أورغانون ) للمعرفة ومعياراً لصحتها . / راجع ص 155. إن هدف المنطق عند المشائيين العرب هو تحصيل المعرفة التي تتجسد في "التصورات"/"المفاهيم" أو في "التصديقات" (أي الأحكام التي تربط بين المفاهيم)، والتصورات، تكتسب بالحد و (ما يجري مجراه) كالرسم، والتصديقات تحصل بالقياس وما يشبهه (كالاستقراء والتمثيل) والقياس و الحد يتألفان من "مادة وصورة" والمنطق هو الصناعة النظرية التي تعرف أنه من أي الصور والمواد يكون الحد الصحيح الذي يسمى "حداً" والقياس الصحيح الذي يسمى "برهاناً". /راجع بقية استطرادات التطبيق على ص 156. وقد أخذ الفلاسفة العرب بالتقاليد المعمول بها لدى المتأخرين من الشُّراح اليونانيين، فأدرجوا في المنطق – عدا المسائل المثارة في "أورغانون" أرسطو - قضايا الخطابة والشعر، وكذلك المشكلات التي يعرض لها في ( مدخل إيساغوجي ) فرفوريوس الصوري. 2- في التصورات والتصديقات : ضمن مبحث المنطق نفسه، يبحث المؤلفان هذه النقطة منطلقين من منطلقات مشائيي الإسلام المشارقة، بدءاً من الفارابي وابن سينا، اللذان بحثا مشكلة المنطق، بالنظر في القضايا المثارة في ( إيساغوجي ) فرفوريوس، وفي هذا القسم من المنطق وكذلك في القسم الذي يليه، والذي يتوافق مع كتاب (المقولات) لأرسطو، يعرض مشائيو الإسلام للضرب الأول من المعارف، للمعارف المتجسدة (في التصديقات) أو (المعاني) التـي هي (مادة) القضايا. ولمصطلح المعنى عندهم مدلولات مختلفة، يذكرها الجرجاني في /التعريفات – طبعة استنبول ص 149/ حيث يقول : " المعاني هي الصور الذهنية من حيث أنه وضع بازائها الألفاظ والصور الحاصلة في العقل، فمن حيث أنها تقصد باللفظ سميت بمعنى، ومن حيث أنها تحصل من اللفظ في العقل سميت مفهوماً، ومن حيث أنها مقول في جواب "ماهو؟" سميت ماهية، ومن حيث ثبوتها في الخارج سميت حقيقة، ومن حيث امتيازها عن الأغيار سميت هوية ". ومن هذا المنظور المعرفي، يعرف المؤلفان (التصور) بأنه إدراك المعنى المراد بلفظ مفرد ما، كإدراكنا لما يدعو إليه لفظ "العالم"، "الجسم"، "الشجر". وأما (التصديق) فهو إدراك نسبة المفردات بعضها إلى بعض نفياً أو إثباتاً، كعلمنا أن العالم حادث، وكل تصديق يتقدمه بالضرورة تصوران ("العالم"و"الحادث") في مثالنا./ راجع ص 157. وكما ذكر، من أن المعرفة بالتصورات تكتسب بالحد، وهو تعريف لشيء من خلال صفاته الجوهرية (كتعريف الإنسان بأنه "حيوان ناطق" أو بأشباهه، كالرسم، وهو تعريف غير جوهري، كتعريف الإنسان بأنه "حيوان ضاحك" والمعرفة بالتصديقات تأتي بالقياس ونظائره، كالاستقراء والتمثيل والضمير، وبالحد والقياس تكتسب المطلوبات التي تكون مجهولة فتصبح معلومة). / ص157. وبالاستناد إلى هذه المعارف النظرية، يستعرض المؤلفان آراء الفلاسفة المسلمين حول النظر في الألفاظ، المفردة والكلية، والجنس والنوع، والخاص والعام، والجوهر والعرض، والماهية والوجود، والنظر في العلاقة بين الأسماء (الألفاظ) ومدلولاتها، والعلاقة بين الموضوع والمحمول، والمقولات العشر، و"التقدم" و"التأخر" و"المعية" و"القوة" و"الفعل" و"العلل الأربع" و"التقابل"./ راجع ص 158-159. ثم أنهما – أي المؤلفان – يتوقفان بعناية ودراية على مذاهب الفلاسفة العرب والمسلمين ونظرياتهم في العلاقة بين الألفاظ ومدلولاتها. /ص 160-167.
3- القياسات : وهي النقطة الثالثة في موضوعات (المنطق) التي يتطرق إليها المؤلفان، والقياسات واحدة من أهم المواضيع في مذاهب المشائية الشرقية، فقد شكلت أهم منحى في تصنيف (المقدمات الأُول) فالفارابي وزعها على أربعة أصناف: المقبولات. المشهورات. المحسوسات. اليقينيات. / انظر كتاب الجدل للفارابي ضمن كتاب المنطق عند الفارابي جـ3ـ ص 19/، وجاء بعده ابن سينا ففصل فيها، إذ ذكر منها: الأولويات، المشاهدات، المجريات، الحدسيات، المتواترات، القضايا التـي معها قياساتها، المشهورات، الوهميات، المأخوذات – ومنها المقبولات -، المظنونات، المشبهات، المتخيلات. / راجع ص 167-170. وضمن هذه المقدمات النظرية للقياس، تكتسب مسألة العلاقة بين الفلسفة واللاهوت ( صناعة الكلام) أهمية خاصة ضمن تقسيمات المشائيين الإسلاميين للمقدمات المذكورة، تبعاً لأصناف القياس الخمسة: الأقيسة البرهانية، المعمول بها في العلم والفلسفة، والأقيسة الجدلية والسوفسطائية، التي يستند إليها رجال اللاهوت، والأقيسة الخطابية والشعرية، التي تشكل أساس دين (العامة) كما يقول المؤلفان. /ص 170-177. v و الفصل الرابع من الباب الثاني الخاص بالمشائية والذي حمل عنوان "الفيزياء"، يحصر المؤلفان مباحثه في نقطتين هامتين و أساسيتين في الفلسفة هما – عالم المادة وعالم النفس. 1- عالم المادة: وهو الموضوع الفيزيائي المتعلق بـ(الطبيعيات) – العلم الطبيعي – والذي يعالج التغيرات الحاصلة على الأجسام الموجودة بما هي واقعة في التغيير، أي الحالات التـي يكون تصورنا عنها لا يكون منفصلاً عن المادة، والطبيعة هي موضوع هذا العلم. والموضوع الأقرب إلى الفيزياء هو الجسم الطبيعي، بما هو واقع في التغيير أو السكون، والجسم بما هو جسم، ليست الحركة ملازمة له، فكون الشيء جسماً لا يعنـي إلا أن لمادة ما أبعاد ثلاثة متعينة، لكن للأجسام –بالإضافة إلى الصورة الجسمية- صور جوهرية وأعراض وطبائع. وطبيعة الشيء ربما تكون هي بعينها صورته (وذلك في البسائط الأربعة: النار والهواء والماء والتـراب)، وربما تكون جزءاً منها (وذلك كما في المركبات). (فالصورة الإنسانية) مثلاً تتضمن قوى الطبيعة وقوى النفس النباتية والحيوانية والنطق، أما القوى التـي للأجسام بطبيعتها فهي على أقسام ثلاثة – وفق تحديدات المؤلفين -: 1- قوى سارية في الأجسام. 2- قوى تفعل في الأجسام أفعالها. 3- قوى تفعل مثل هذا الفعل لا بآلات ولا بأنحاء متفرقة، بل بإرادة متجهة إلى سنة واحدة لا تتعداها، وتسمى نفساً فلكية. / راجع ص 180، حيث التفصيلات لهذه القوى. ونظريات الفلاسفة العرب لهذه القوى، هي مجال البحث المفصل الذي يسلط المؤلفان الضوء عليه، بكل تفصيلاته وتعقيداته والآراء المختلفة فيه، ومدى تطابق هذه الرؤى عند مشائي الإسلام مع أرسطو، وتفرداتها من فيلسوف لآخر. / راجع ص 181-186. وضمن مبحث عالم المادة يركز المؤلفان على إبراز نظرية (المثل) والتـي يذهب فيها ابن سينا إلى أن كل ما ينفعل عن شيء هو سبب قريب لتغيره، فإن ما يحصل منه عند تغير كيفيته هو (مثاله) وليس تلك الكيفية بعينها (إن كل منفعل عن سبب قريب فإنما ينفعل بتوسط مثال يقع منه فيه، وذلك بيّن بالاستقراء، فإن الحرارة النارية إنما تفعل في جرم من الأجرام بأن تضع فيه مثالها وهو السخونة). / انظر رسالة العشق لابن سينا /. وانطلاقاً من نظرية "المثل"هذه بالذات، ينبغي النظر إلى مفهوم (الميل القسري) الذي طرحه الشيخ الرئيس، والذي عرفته أوروبا القروسطية، من خلال ترجمات (كتاب الشفاء) لابن سينا وكذلك شروحات ابن رشد التي تضمنت معلومات عن "النظرية المماثلة" التي طرحها ابن باجه، وقد استخدم الأوروبيون – كما يقول المؤلفان – المصطلح السينوي بالذات Inclinatio Violenta، وتأثروا إلى حد بعيد بهذا المفهوم في تطويرهم لنظرية (الدفع) (Impetus). / راجع ص 186. ثم يستعرض المؤلفان مختلف النظريات الخاصة بالحركة وتغير الأجسام عند الفلاسفة. / راجع ص 186-200. 2- عالم النفس: وهي النقطة الثانية في الفصل الرابع، و التـي تشغل حيزاً كبيراً في فكر مشائي الإسلام، والتـي يعالجها المؤلفان بشيء من التركيز والدقة، منطلقين من ضرورة فهم فلاسفة الإسلام لهذه النفس، باعتبارها (كمال أول لجسم طبيعي آلي) كما يقول ابن سينا – كتاب النجاة – ص 157/. ويبرهن ابن سينا على وجود النفس انطلاقاً من إثبات قوتين للأشياء زائدتين على الجسمية، هما "التحريك" و "الإدراك"، وتعزيزاً لهذا القول يورد المؤلفان رأياً لابن رشد مفاده أنه "في صلب المادة نفسها توجد النفوس كقوى هي أصل البدايات الجنينية للحياة"، فهو يذكر في ( تهافت التهافت 2/860-861 ) في معرض الحديث عن بقاء النفس، أنه "لا يختلف أحد من الفلاسفة أن في الاسطقسات (العناصر) حرارة سماوية، وهي حاملة للقوى المكونة للحيوان والنبات" وأنه "لا خلاف عندهم في أن في الاسطقسات نفوساً مخلقة لنوع من الأنواع الموجودة من الحيوان والنبات والمعادن، أما حامل هذه القوة الحيوية فهو مادة روحانية أو أجسام لطيفة لا تحس، وهو منتشر في الكون تعود إليه الأنفس بعد مفارقتها للأبدان عند موتها". ويعلق المؤلفان على هذا الطرح بعبارة ابن رشد:"ولكن الفلاسفة إنما يختلفون هل هذه النفوس هي النفوس العادية التـي في الأجسام أو هي من جنس آخر غيرها"، وهنا يطابق فيلسوف قرطبة بين وظيفتها وبين وظيفة (واهب الصورة)، أو العقل الفعال في مذهب ابن سينا./ راجع ص 202. إن الأجسام (اللطيفة) التـي يتحدث عنها ابن رشد هي "الروح" التـي يذكرها ابن طفيل وهي "البنويما" – النفس – عند متأخري المفكرين اليونانيين الذين وصلت إلى المسلمين مختلف آرائهم عنها. ومن تلك التفسيرات والمقولات، يستعرض المؤلفان كافة النظريات الخاصة بالنفس الحيوانية والنباتية والمعادن وغيرها، عارضين خصوصية كل "نفس" من هذه الأنفس./راجع ص 202-224. v أما الفصل الخامس من موضوع (المشائية الشرقية) فقد حمل عنوان (الميتافيزيقا) وهو الإشكالية الكبيرة التـي واجهت اغلب الفلاسفة المسلمين، ومناظراتهم مع اللاهوتيين، ناهيك عن كون هذا الموضوع شغل الفلسفة الكلاسيكية منذ الأزل، ونظراً لسعة الموضوع وإشكالياته المتعددة، فقد انبرى له المؤلفان لمعالجته بشكل دقيق وتاريخي، لذلك قسماه إلى خمس نقاط رئيسية، موزعة على شكل منهجي يخدم في تقسيماته دارسي الفلسفة والباحثين فيها على حد سواء، فالنقطة الأولى حملت عنوان: 1- موضوع الميتافيزيقا: يذكر المؤلفان أن فلاسفة الإسلام يتفقون مع أرسطو إلى أن موضوع الميتافيزيقا أو (علم ما بعد الطبيعة) أو (الفلسفة الأولى) أو (الحكمة الأولى) أو (الإلهيات)، هو الموجود بما هو موجود، وهنا لا ينظر إلى "الموجود" من حيث لواحقه الكمية، فهذا موضوع الرياضيات، أو من جهة ما يتحرك ويسكن، فهذا موضوع الطبيعيات، إن موضوع المحاكمات الميتافيزيقية هو الأمور التـي تلحق الموجود بما هو موجود، أي الوجود. وبعض هذه الأمور هو من قبيل "الأنواع" (الجوهر – الكم – الكيف) وبعضها الآخر من قبيل "العوارض" الخاصة مثل (الوحــدة والكثرة، القوة والفعل، الكلي والجزئي، الممكن والواجب) ، ويؤكد المؤلفان /ص225 ، أن الوجود من المفاهيم الأولية ، التـي لا يمكن استنباطها من مفاهيـم أخرى –تماماً كالمقدمات الأولى – لا تستخلص من غيرها من المقدمات، وكذلك ليس للوجود (جنس) ولا (فصل) ولا "تعريف" إذ " لا شيء أعرف من الوجود ولا أعم منه" / انظر بهمنيار – التحصيل - ص285. · إن الهدف الأسمى للميتافيزيقا، ومعرفة المبادئ العليا للوجود، معرفة ما سماه قدامى الأغارقة بلفظ (Aç) وقد ترجم هذا اللفظ إلى العربية بكلمة (الأول) التـي استخدمت لتأدية المدلولات الرئيسية لمقابلها اليوناني، كما وردت عند أرسطو في كتاب "الميتافيزيقا": أبستيمولوجياً "معرفيا" – المقدمة الأولى للبرهان – وأنطلوجياً "وجودياً"، ثم أن (الفلسفة الأولى) نفسها قد وصلت إلى العرب من اليونان، باعتبارها العلم الذي يدرس (القائم بنفسه وغير المتحرك) أي "الأول" في الوجود / راجع ص226. · ومن الأول هذا، ينطلق المؤلفان بعرض كل ما له صلة وعلاقة به، والمقولات التـي جاءت على ذكره، وارتبطت بفلاسفة معينين – أغارقة أم مسلمين – بتتبع منهجي يشفي الغليل. /راجع ص227 2- قدم العالم : هي النقطة الأخرى التـي يعالجها فصل "الميتافيزيقا" حيث أن مشائي الإسلام كانوا يرون مثل أرسطو أن العالم غير مخلوق، وكانوا يعتبرون ذلك من الحقائق الأولية البديهية بحد ذاتها، لكنهم – كما يقول المؤلفان – كانوا يراعون الجو الدينـي المحيط بهم، فأخذوا بمصطلحات (الخالق) و (الخلق) وما إليهما، غير أنهم ضمنوها مدلولهم الخاص، وقد استندوا في تدليلهم على قدم العالم، سواء بآراء (المعلم الأول) أو بالحجج الثماني عشرة التـي طرحها برقليس، و التـي عرفها المسلمون من ردود يوحنا فيليبيونوس عليها./ ص228. وفي المشرق الإسلامي، كان ابن سينا من المشائيين الذين ترد عندهم حجج لصالح قدم العالم، أما في المغرب الإسلامي، فقد كرس ابن رشد جزءً من مؤلفه (تهافت التهافت) لإثبات قدم العالم، وقبله كان ابن طفيل قد تطرق إلى هذه المسألة في حكايته الرمزية (حي ابن يقظان) ويورد ابن رشد جملة من الحجج على قدم العالم يمكن توزيعها إلى فئات ثلاث، فمنها ما يستند إلى الأدلة التـي ساقها "أرسطو" ومنها ما يقوم على تأويل القرآن، ومنها ما يتسم بطابع جدلي، وقد ساقها ابن رشد ذوداً عن مذاهب من قبله من الفلاسفة، ودفاعاً عنها في وجه النقد الذي وجهه إليها الغزالي. /راجع ص 228-229. · وفي مسألة (قدم العالم) يورد المؤلفان المناظرة الهامة التـي وردت عند صاحبي (التهافتين) – تهافت الفلاسفة للغزالي وتهافت التهافت لابن رشد – ويسوقان الأدلة والحجج في تلك المناظرة على الصفحات 230-233، وبعد الفراغ من المناظرة حول مسألة قدم العالم، ينتقل ابن رشد لتفنيد اعتراضات الغزالي على قول الفلاسفة بأبدية العالم. / راجع تهافت التهافت – ج1/204 / ويقوم في صلب محاكمات مشائي الإسلام هنا المبدأ التالي:"كل ما له أول له آخر، وما لا أول له فلا آخر له". / راجع ص 234. 3- ترتيب الوجود بحسب التقدم والتأخر: هذه هي النقطة الثالثة في الفصل الخامس، والتـي يعرج فيها المؤلفان على تقسيم الوجود عند ابن سينا وأتباعه إلى ما هو متقدم و إلى ما هو متأخر، والتقدم والتأخر إما بالمرتبة أو بالطبع أو بالشرف أو بالزمان أو بالذات والعلّية. فالتقدم بالمرتبة هو، كالقول أن بغداد قبل الكوفة، وأما التقدم بالطبع، كتقدم الواحد على الاثنين، والخطوط على المثلث، والمتقدم بالشرف، هو كقولنا، أن أبا بكر متقدم على عمر وعلى الصحابة أجمعين، والمتقدم بالزمان معروف، والمتقدم بالذات، هو الذي وجوده مع غيره، ولكن وجودَ ذلكَ الغيرُ بهِ، وليس وجودُه بذلكَ الغير، كتقدم العلّة على المعلول، وكتقدم وجود الحركة في يد زيد على وجود حركة القلم في الكتب (فإن الحركة لا تتقدم الحركة هنا، ولكن وجودَ حركة اليد متقدمٌ على وجودِ حركةِ القلم، وإن كانتا موجودتين في زمان واحد، وعلى ضوء تلك المفاهيم والمقولات يستعرض المؤلفان ذلك "الترتيب الوجودي" المعالج فلسفياً عند مشائي الإسلام و المدارس التـي نحت منحاهم. /راجع ص 234-250. 4- العلم الإلهي: يتمحور هذا المبحث حول فكرتين، الأولى، فكرة "واجب الوجود" في علاقته بـ"ممكن الوجود". والثانية فكرة "فيض-صدور- الثاني عن الأول"، وهنا ينهض السؤال – كما يقول المؤلفان – عن ما هي المصادر التـي استقى فلاسفتنا التصور عن المبدأ الأول للوجود كـ"واجب الوجود" وعن صدور "ممكن الوجود" عنه ؟. ويذكر المؤلفان أن أول ذكر لهاتين الفكرتين قد ورد في رسالة الفارابي "شرح رسالة زينون الكبير اليوناني". وتتألف رسالة الفارابي تلك من أقسام ستة هي: ( 1- في الدلائل على وجود المبدأ الأول. 2- الكلام في صفاته. 3- الكلام في نسبة الأشيـاء إليه. 4- الكلام في النبوة. 5- الكلام في الشرع. 6- الكلام في الميعاد. ). وفي ضوء مضمون هذه الرسالة، يتأكد صحة القول – على حد تعبير المؤلفين – بأن فكرة الفيض إنما كانت ذلك "الجسر" الذي يصل في مذاهب مشائي المشرق الإسلامي، بين العلوم النظرية وبين العلوم العملية، والدين معها بالتالي. / راجع ص251 . إن "العلم الإلهي"، كما جاء عند الفارابي وابن سينا، يرمي إلى التعبير بلغة الرموز الواضحة والمفهومة عن أفكار فلسفية، بحيث تبدو في ردائها الرمزي هذا، وكأنها تتفق مع عقائد الديانة الإسلامية فيما يخص الإله وخلقه للعالم، وبحيث لا تتناقض – من جهة أخرى – مع الرؤية الفلسفية للكون، بل على العكس، فإنه يتوجب على هذا العلم أن يساعد من عنده الاستعداد والهمة لسبر أغوار تلك الرموز، وعلى استيعاب هذه الرؤية الفلسفية، وذلك بحل التناقضات التـي قد تظهر عند التأويل النظري، العقلي، للرموز المعنية، وبهذا المعنى – كما يقول ابن سينا – تكون مبادئ الفلسفة النظرية (مستفادة من أرباب الملّة الإلهية على سبيل التنبيه، أما تحصيلها بالكمال فيكون "بالقوة العقلية" على سبيل الحجة، وعلى نحو مواز تستمد مبادئ الحكمة العملية من الشريعة الإلهية، أما القوة العملية فتتصرف فيها بعد ذلك بمعرفة القوانين العملية، وباستعمالها في الجزئيات). / راجع ابن سينا – "عيون الحكمة"– ط القاهرة 1954 / ص17. من هذه المقدمات النظرية لفهم "العلم الإلهي" يستطرد المؤلفان بشرح مقولات الفلاسفة المشائيين الإسلاميين بهذا الصدد، ذاكرين الأفكار الرئيسية الواردة في النظريات الفلسفية على ضوء الديانة الإسلامية./راجع ص 225-262. 5- من الميتافيزيقا السينوية إلى الميتافيزيقا الرشدية: إن الملاحظ لفلسفة أهل المشرق أنها ترعرعت في الأوساط الشيعية، في المقام الأول، وكان رمزاً للاستقلالية الإيديولوجية عن دولة الخلافة السنية. /كما يرى المؤلفان ص 263، أما في المغرب فكان الوضع مغايراً تماماً فهنا لم تكن ثمة أرضية صالحة لأفكار مثل الإعداد لتحصيل مذهب فلسفي باطنـي، عبر درجات متفاوتة يسلكها المريدون، أو وضع ديانة مثلى "ملّة فاضلة" لـ" المدينة الفاضلة" المنشودة، تحاكي الفلسفة الحقة، فابن رشد كان همه الرئيسي عند اشتغاله بالقضايا الميتيافيزيقية، هو تخليص أنطولوجيا أرسطو من الشوائب الأفلاطونية المحدثة (لاسيما نظرية الفيض) التـي ادخلها عليها مشاؤو المشرق، فإن الفوارق بين الآراء الميتيافيزيقية لابن رشد ولابن سينا – كمفكرين – توجب تطور الفلسفة في مغرب العالم الإسلامي ومشرقه. /راجع ص 263، وبعد استعراض مسهب لآراء ابن رشد وابن سينا على الصفحات 263 – 270 ، يتو | ||