|
|
|
|
د.خير الله سعيد |
|
|
دراسة بقلم د. خير الله سعيد (*) عضو اتحاد الكتاب العرب
* نشر
د. وليد خالد عبد الحميد
– عضو الكليّّّة الملكيّة للطب النفسي، "MRCPsych"
في لندن، دراسة قصيرة له بعنوان ونظرًا لمهنة الإختصاص في الطب النفسي، فإن الموضوع حَصر زواياه بهذا المنحى، ضمن تطبيقات "الطب النفسي" وعلاقة الإبداع بالأمراض النفسية، وخصوصًا "إضطرابات المزاج – Affective Disorders" – من وازع ٍ مفادَهُ – كما يعتقد د. وليد خالد – "أن مثل هذه البحوث في فهم عملية الإبداع، أنها تؤدّي الى توعية الجماهير ضد الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي، من خلال إبراز كون العديد من المبدعين كانوا مصابين بالأمراض النفسية". (1) ولغرض فهم العلاقة الجدلية بين علم النفس الطبّي، وموضوعات الأدب، سوف نحاول السير مع د. وليد، وفق منهجه الذي اختطه في تلك الدراسة، لعلنا نحقق معه (وحدة بحث منهجية) لا تخل بمنهج علم النفس، ولا تحيد عن منهجية النقد الأدبي، مع تقديرنا العالي لهذا البحث، إذ أنه يساعدنا كثيرًا في الإطلاع على الكيفية الطبيّة لمعالجة شخصيات ونفسيات العلماء والأدباء وأصحاب الإبداع، والحكم عليهم من خلال نتاجهم الإبداعي، منظورًا إليه من تلك الزاوية الطبيّة في "علم النفس". أ – علامات دَلالة: 1 – بغية تطابق مناهج النقد وعلم النفس، نقترح على د. وليد، وزملائه، العاملين في مجال علم النفس، الإنحياز نحونا قليلا في مسألة "التأرخة" عند كتابتهم للمقدمات التاريخية، وضرورة الإلتزام بالتاريخ الهجري والى جانبه التاريخ الميلادي، لسببٍ بسيط هو، اننا أحيانـًا، نعود للمراجع التراثية وبأذهاننا – التاريخ الهجري – كدلالة معرفية تاريخية، تساعدنا بالرجوع السريع الى "عام الحدث" إذا ضاعََ منا المصدر وتعددت طبعاته، – مع الإشارة هنا – الى أن د. وليد – استخدم التاريخ الهجري في ص 2 من بحثه، إلا أننا نحكي في العموميّات التاريخية للتراث العربي – الإسلامي. 2 – يؤخذ من مُقدمة البحث للدكتور وليد، وهو يستعرض حياة المتنبّي، تأثير الأوضاع الإجتماعية والسياسية في شخصيته ومزاجه، التي إنعكست في شعره، ولذا يُعلـِّم على مدى حَسّاسيّة المتنبي، ويقظته المبكرة. 3 – وتوثيقـًا للحساسيّة أعلاه، كان المتنبّي جاهدًا في سقل موهبته الشعرية، إذ أنه كان "ملازمًا لسوق الوراقين في بغداد" (2) وتتلمذ على يدِ أكابر علماء اللغة والأدب والفلسفة والمنطق والتصوف – كما ذكر د. وليد، وكانت بديهيّتهُ حاضرة في الإستشهاد لكلام العرب عند أيِّ مسألة يُسأل عنها. 4 – إن المتنبي عاش فترة "انهيار الحضارة العربية الإسلامية" الأمر الذي جَعَلهُ يسعى لإنقاذ روح الحضارة – كما يستشهد بذلك د. وليد، وهذا يعني، ا الشعور المبكر بالأمور الجسام لما هو أتٍ، وهذا هو التنبؤ بإنكسار بريق الحضارة، وهو من جهة أخرى يُدل على صفاء القريحة، وسِعة الذهن، و على عبقرية مبكرة ليسَ – للمرض – فيها أيّ مكان. 5 – حالة الترحَّل والهروب، وطرق باب هذا "الأمير" أو ذاك "القائد" ومعرفة دقائق الأمور داخل "قصور الامارة والسلطة" ونفور "العبّاسيين" منه، وعدم الترحاب به في "قصورهم" لسببٍ مذهبي، كان يعيه الطرفان – العباسيون والمتنبّي – وهنا تكون المفارقة [سلطة قوية – ضد – شاعر قوي] بمعنى أن هذا "الصراع" غير متكافئ، إلا أن طموح المتنبي أراد العُلو به لجانبه، فهو يشعر بأنه "أعلى منهم نسبـًا" وهمّة وأصالة (3) وهذا الأمر يجعله دائم "القلق" والبحث عن (بدائل) معرفية، إنْ لم تكن سياسية، ليواجه بها تلك الحكومات أو الإمارات، أو أصحاب النفوذ. 6 – يُضاف الى ذلك "خبرتهِ المكتسبة" من معاشرة الأمراء والوزراء الذين قصَدَهم، ولـَمْ يُوفـّوا عهودهم التي قطعوها لهُ،وهنا تكمن خبرته الحياتية الكبرى، إذ أنه / درس معادن الناس/ وتعرّف طينتهم، وعرف "الغث من السمين". لذلك كان يزدريهم، مقامـًا وسلوكـًا، ومعاشرة، فجعل نفسه بمكان الممدوح" وعلى هذا الأساس نـُظِرَ إليه بأنه "مُتعالٍ، ومصاب بجنون "العظمة" وغيرذلك من الصفات. (4) والحقيقة أنه ينطلق من شعورٍ داخلي بأنه الأكفأ والأقدر، لكن الأقدار خالفته، ومالت الى غيره. 7 – ثمَّ أمر هام، ينسجم مع الدلائل الأنفة الذكر، وهو أن مقتل المتنبي، كان بسبب شعرهِ، أولا وأخيرًا، وبسبب هجائه ونقدهِ "لأم فاتك الخزرجي" وهو قاطع طريق – لص متمرّد –" و أخو ضبة" الذي ذكره د. وليد، في مقدمته عن المتنبي، ومن المحتمل أن تكون "السلطة العباسية "وراء مقتله، إذ أن المعلومات التي أُوصلت الى "فاتك الخزرجي" كانت دقيقة، وهذا يعني، أن هناك "عيونا وسُعاة" أوصلوا الأمر الى قاطع الطريق هذا، وإذا عرفنا أن المتنبّي ذمَّ الجميع" بقوله: "أذمَّ الى هذا الزمان أهيَلهُ فأعلمهم فدمٌ وأشجعهم وَغدُ" أو تعالى على الصفوُة العباسية، من ملوك وأمراء، ولم يمدحهِمْ، ومَدَحَ "عضد الدولة البويهي" الشيعي الإنتماء، وهو القائل: "أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي وأسـمـعـت كـلـماتي مَـنْ بهِ صَـمـَمُ" "الخيل والليل والبيداء تعــرفنـي والسيف والرمح والقرطاس والقلم" وهذا التعالي الواضح، يحمل ضد بني العباس، أمرًا سياسيّــًا واجتماعيـًا وثقافيّــًا، وبالتالي /وفق المصادر التاريخية والأدبية/ لم يظهر شاعر من بني العباس – تحديدًا – يكون بموازاته، رغم أنهم أوغروا صدر "الشريف الرضي" الشيعي الموالي لهم، وهو نقيب الطالبين – لأن "يقدح بشعر المتنبي ويعرّض به" باعتباره كان أحد فحول الشعراء في العصر العباسي، إلا أن سطوة المتنبي الشعرية، كانت قد ملأت الآفاق وتجاوزت حدود الخلافة العباسية، وليس عبثـًا أن يذكر "الأعمى" ويقصد به "أعمى المعرة – أبو العلاء المعري" الذي كتب عنه الكثير، لاسيما في كتابيه: "معجز أحمد، و – الحسَنْ من شعر الحُسين"، وأبو العلاء، هو الوحيد الذي دافع عن المتنبي بحضرة صاحب السطوة "الشريف الرضي" وتعرّض بسببها الى الأهانة. (5) وظلت قامة المتنبي هي الأعلى والأبسَْقْ،وعندما قتل رثـَاهُ الناس من أطراف الخلافة العباسية، ذاكرين فضلهُ، ونبوغ شاعريته، وعبقريته النادرة، وقد رثاه الطبسي بقوله: (6) "ما أرى الناسُ ثاني المتنبّي أيُّ ثـان ٍ يُرى لبـكرِ الـزمـان" "هـو في شعـره نـَبّـِيٌّ ولكـن ظهرت معجزاتهُ في المعاني" وهذان البيتان يؤكدان لنا بوضوح، أن هذا "الفرد" وتلك "الفرادة الأدبية" هي نتاج عبقريّـة فذة، ليسَ للمرض فيها نصيب، من أيِّ جهة كان. ب - الدال يَدُل على المدلول: هذا الإفتراض الفلسفي "الدال والمدلول" يساعدُ الباحث كثيرًا على موضوعهِ الذي يبحث فيه – في أغلب نواحي واتجاهات الفكر الإنساني، بما فيه الطب، لاسيما فرعه الجميل "الطب النفسي" ومنه سننطلق لمناقشة د. وليد في بحثه القيّم، ضمن نقطة "أدب ومكانة المتنبي" التي شكلت – النقطة الثانية في منهجهِ الدراسي، لشخصية المتنبي. يقول د. وليد – في مستهل هذه النقطة ما يلي: "حظي شعر المتنبي باهتمام وقراءة وشرح لم يحظ به أيّ شاعر آخر، لا في الجاهلية، ولا في صدر الإسلام ولا في أيِّ عصرٍ بعده". هذا التقييم، بالغ الدلالة، إذ أنه يُدل بوضوح ٍ على عبقرية المتنبي وسيادة شاعريته على الأوائل والأواخر، وهو الأمر الذي دفع ياقوت الحموي لأن يخصّه بعبارةٍ لم يخص بها غيره، إذ قال" "مالئ الدُنيا وشاغل الناس". (6) وبهذا المعنى، فأن المتنبّي ذاته، يعي ذاته، ويدرك مكانته، ويستشعر ردود الفعل عليه من مختلف الأوساط، وهنا تكمن فاعلية "المثقف" ودوره في التعبير عن الظواهر التي تحيط بهِ، وبهذا المعنى فأن المتنبّي سليم الحواس، مُتقد الذهن، يعرف كوامن نفسهِ ونفوس الآخرين، فليس هناك "لوثة" في عقلهِ أو مزاجه، أو سلوكه، فهو يدرك بعناية كل ما يفعل ويقول.. وللدلالة على ذلك، سوف نستخدم البيت الشعري الذي أورده د. وليد نفسه والقائل: [لكِ يا منازلُ في القلوبِ منازلُ أقفرنَ منكِ وَهُنَّ منكِ أواهِلُ] (7) وقد كانت لهذا البيت واقعة مشهورة جرت في مجلس "الشريف الرضي" عندما كان وَفِدَ المعري على بغداد، ليتعّرف مجالسها الأدبية والعلمية، وهنا – أي في مجلس الشريف الرضي، جرى التعريض من قبل "الشريف" نفسه، فردَّ عليه المعري قائلا: "يكفي أبا الطيّب فخرًا أنه قال: (8) "لكِ يا منازِلُ في القلوبِ منازلُ أقفرنَ مِنكِ وهُنَّ منكِ أواهِلُ" فغضب الشريف الرضي وقال: "أخرجوا هذا "الكلب" من المجلس، فردَّ أبو العلاء قائلا: "الكلب مَنْ لا يعرف للكلب سبعين إسمـًا". وبعد ذلك سئِلَ الشريف الرضي عن سبب غضبه على البيت الذي أورده المعري فقال: "لم يقصد المعري معنى هذا البيت، بل قصد بيتـًا آخر في القصيدة هو: "وإذا أتتكَ مذمّتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كاملُ" وهنا ندرك أن "الفعل الشعري" عند المتنبي موظـَّفَ لغاياتٍ وأهداف، كان عَقلهُ يرسمها وفق خطوطٍ بيانية لتصل الى المنحى الذي يُريد، وهو هنا – فعلٌ محكم – بوصلته العقل الذي طوَّع قريحة الإبداع الى الهدف المبتغى، وبتقديرنا – أن فعلا كهذا – لا يمارسهُ مَنْ بهِ إضطرابٌ نفسي. * وثمة دالة آخرى، وثيقة الصلة، يوردها د. وليد نفسه، في النقطة ذاتها إذ يقول: "لكن مكانة المتنبّي تبرز من خلال تعبيره عن خَوالج النفس العربية، على مَدى الأزمان، ممّا جعله أكثر الشعراء شعبيّة"، ثم يُضيف: "لقد جرى شعر المتنبّي مجرى الأمثال الشعبية لما فيهِ من بلاغة وحكمة، وفهم ومحاكاة للطبيعة الإنسانية". إذن، يمكن الإستنتاج، من تلك العبارتين – أعلاه – أن المتنبّي يعرف دواخل الشخصيات وانفعالاتها، ومطامحها وانكساراتها – لاسيما في محيطها العربي – ولنا عودة لهذا الموضوع بعد قليل – ومن هنا ندرك أن – العامل النفسي – عند المتنبّي ذو حسّاسيّة عالية، لأنه مُشبّع بحساسيّة الإبداع، فهو "منفعل وفاعل" وهذه الفاعلية هي التي ميّزت شعر المتنبي عن سواه، إذ أنها صيغتْ ببلاغة وحكمة، وهذا يعني، أن الرجل الحكيم تصدر عنه الحِكـَمْ، ولا يصدر عنه فعلٌ طائش، أو تصرف مرذول يعيبَهُ المجتمع، كالذي يقوم به فاقد التوازن النفسي في سلوكه ومعطياته الحياتية. وبذا يكون المتنبّي شخصية حكيمة وعاقلة، ومعبّرة بعقلانيّتها عن هموم الآخرين. لذلك نشاهد، ونقرأ، ونلمس، أن أبياته الشعرية جاءت على مجرى الأمثال السائرة، يُستشهدُ بها في "التعامل الإجتماعي" والمحمول الأدبي والثقافي. وبهذا المعنى تكون أبياتهُ الشعرية بمثابة "تثقيف للمجتمع" وهي هكذا فعلا حتى هذه اللحظة. وقد وُفق د. وليد في اختياره للنماذج الشعرية للمتنبي، التي جاءت على شكل "أمثال" متداولة، منها: 1 – "ما كـلُّ ما يتمنى المرءُ يـُدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السُفنُ" 2 – "ذو العَقل يشقى في النعيم بعقلهِ وأخـو الجـهالـة فـي الشـقاوةِ ينعــمُ" 3 – "ومَنْ يكُ ذا فم ٍ مُرّ مريض يجد مُــــرّا بـــــهِ الـــمـــاء الــــــــزلالا" 4 – "الرأيُ قـبل شجاعـة الشـجـعان هــو أوَّلُ وهــي الـمـحـلُّ الثـانـــي" * بغية تعزيز "وجهة نظرنا" القائلة بان المتنبّي أعقل من العاقل وأبصر من البصير، إنتخبنا تلك الأبيات الأربعة، والتي يظهر فيها عقل المتنبي على قدر كبير من الرجاحة، فالبيت الأول، صادرٌ عن معاناة وتجربة حياتية طويلة مَرّ بها هو شخصيـًا، وكذلك مَرَّ بها الآخرون، أضف الى ذلك لعِب الأقدار في مصائر "الشخصيات" التي دائمـًا ما تتقاطع مع الطموحات المرجوة، فيما يشير البيت الثاني الى مَدى إيغال العقل في الفعل العقلاني في صيرورة المجتمع، على اعتبار أن حالة التناقض المعرفية / في الجهل والمعرفة/ بين شخصيّتين متضادتين – الأولى عاقلة والثانية جاهلة، وكلاهما يستشعر "الشقاء" من زاويته الخاصة، وموقفه الوجودي، إذ التقيّم لكِلا الحالتين يصدرهُ المجتمع، وترصدهُ العين الثاقبة، لتميّز حُسنهُ من قبحه، كتلك التي يتمتع بها أبو محسد. * البيت الثالث / نفسيٌ/ بحت، بكل محمولات "علم النفس" هو يكشف عن الشخصية المريضة، من خلال تسليط الضوء على إحدى حواسها، "حاسة الذوق"، فالمتنبي، يستخدم "الفم المر" كتعبير عن بقية الحواس، وهو هنا "يُعمِّمْ الخاص" بل يعتبر هذا الخاص "مرارة الفم" هو العام، إذ أن حاسة الذوق، في تسلسل المراتب، لها الأولوية على بقية الحواس، وهنا ندرك أن المتنبي يُحسن اصطياد المفردات الفاعلة في النفس، ليدين بها – الحالات المرضية النفسية والعضوية – بآن ٍ معـًا، وهنا نكرر القول بأن المتنبي أعقل العقلاء. * البيت الرابع، هو الذروة في بَسطِ لجام العقل على "التصّرف" وهو المقياس لمعنى الفروسية والرجولة، إذ لكِلاهما أخلاق وفعلٌ منتظر، والمتنبي يدرك بحسّهِ وخبرته تلك "القوانين" التي تحكم أخلاق الفارس الشجاع، غير المتهوّر، لذلك أعطى المقدمة "للرأي" بمعنى أشمل، تحكيم العقل بفعل الفروسية والشجاعة، وهي – ميزة خلقية عالية – تميّز بها العربي – آنذاك – ولذا أوردها المتنبّي بهذه الصيغة، معطيـًا لها الأولوية، بالفعل والسلوك، كقانون ٍ منجز في الاخلاق والثقافة العربية، ولذلك هو ينحاز إليها، وينظـّر لها، ويجذِّرها في نفسهِ وفي نفوس الآخرين، باعتبارها "فضيلة" للعقل وميزة لهُ تبعده عن "فعل الشهوات" النابعة من سطوة العاطفة، غير المنضبطة في سلوك بعض الأفراد، وهنا يجب أن لا نـَنـْسَى "حرارة الدم العربي" – وقتذاك – والمتنبي هنا، يدرك تمامـًا تلك الخصال، فيخاطب العقل أولا وأخيرًا، ومن يخاطب الناس على قدر عقولهم هو امام العقل فيهم، بلا جدال. ومن الجانب الآخر، أقصد – الجانب الإبداعي في النظرية الجمالية، يرتسمُ أمامنا البُعد التصويري والتوصيف للحالات، مُصاغة بمعادل ٍ موضوعي جَذاب وساحر، لا تدركهُ إلا مخيلة مُبدع ٍ، عَمّقتها المعرفة، وزادتها عُمقـًا تجارب الذات المبدعة نفسها، فتكامل فيها "الذات والموضوع" وكانت النتيجة أدبـًا رفيعـًا يسحر العقول، ويبهر الأبصار. ج – الأبداع وقلق المعرفة: * حين تنتاب فكرة ِما ذهن المبدع – من أي فئة كان – فإن قلقهُ المعرفي يُؤَرّق حالته الشخصية، فتضطرب بعضُ أفعاله وسلوكيّاته اليوميّة، لاسيما إذا تلبستهُ "الحالة" أو الموضوع الذي يَلحُّ عليه، ولا فكاك من تلك الحالة إلا الشروع بفعل الإبداع، والأدباء والشعراء، تظهر فيهم هذهِ الحالة أكثر من سواهم، سألتُ، ذات مرة، الروائي الراحل د. عبد الرحمن منيف، ونحن بدمشق عام 1991 م إبّان أزمة العراق والكويت، كيف تستعد لحالة الكتابة، في حال اختمار الفكرة بذهنك؟! فأجابني: "أتمرّض، وألازم الفراش – حوالي اسبوعين – وينتابني نحولٌ في جسدي، وأرقٌ لعينٌ، مفاده الفكرة التي أريد الكتابة عنها، وما أن أشرع في الكتابة، حتى يزول المرض بشكل ملحوظ". (9) هذه تجربة مبدع – روائي – معروف، عاصرناهُ وقرأناهُ باهتمام بالغ، أردت من ذكر هذه الواقعة أن أناقش – مَرّة ثانية – د. وليد، حول محورهِ الآخر المعنون بـ"هل كان المتنبي مصابـًا باضطراب الإكتئاب المتكرر" –الوارد في بحثه – موضوع دراستنا هذه – باعتبار أنه أثار سؤالا معرفيـًا حول المتنبّي، في موضوع اختصاصه – كطبيب نفسي – لم يشخص الحالة بنفسه، بل اعتمد على "أقوال" كـُتـّاب مشهورين مثل طه حسين، العقاد، علي أدهم، والذين أفتوا بـ"أن المتنبّي لم يَضحك في حياتهِ سوى مرّة واحدة، حين مّرَّ برجلين قتلا جُرذا وهما يفتخران بضخامة جسمهِ فقال المتنبي: "لقد أصبح الجرذ المُستغير أسير المنايا صريع العّطبْ" "رمـاهُ الكنانيّ والعامــريُّ وتـلاهُ للـوجـهِ فعل العــرب" وإذا كان الدكتور وليد قد اتفق والأسماء المذكورة، حول هذه الحادثة، فهذا يمثل قصورًا في الرؤية المعرفية، فالمتنبّي كان لصيقـًا بسوق الورّاقين، وحاضرالبديهة، وواسع الإطلاع على شعر العرب "لا يُسأل عن شيء إلا واستشهد لهُ من كلام العرب" كما يُثبّت ذلك د. وليد في نهاية ص 1 من بحثه؟! والذي يعرف / نوادر الورّاقين داخل سوقهم، ونكات الأعراب/ لا يمكنه تصديق ذلك (10) لأن النادرة في الأدب العربي جزءٌ من سايكلوجية الثقافة العربية، وهي إحدى سمات "الظرف" والمصادر التي تناولت تلك الموضوعات كثيرة جدًا مثل – /نوادر – القالي، ونوادر الأعراب، والظرف والظرفاء للوشاء، والمستظرف للأبشيهي/ وغيرها من المصادر – أ فحقـًا أن المتنبي لم يضحك في حياته إلا بتلك الواقعة الخاصة بقتل "الجرذ" وهو الذي اطلعَ بالضرورة على كتابات الجاحظ ورسائله، الملئية بالنوادر؟! أ فيُعقل هذا الحكم من طبيب نفساني اعتمد على "تشخيص" الغير؟؟! هذا أولا، وثانيـًا، ان د. وليد، يعتمد على توصيف "الحالة المرضية" عند المتنبي على أحكام "طه حسين" الناقد الأدبي، والذي يؤكد على "الإكتئاب" في الوقت الذي كانت فيه قصائد المتنبي تصف "حالته المرضية ـ العضوية" لاسيما تلك القصيدة التي تذكر "الحُمّى" والتي يقابلها الآن "الإﮔريب" أو "الإنفلونزا الحادة" في آننا المعاصر والتي يقول فيها: "وزائرة كأن بها حياءً فليسَ تزورُ إلا في المنام ِ" فالتحسس هنا – بيولوجي، وصّفتهُ الحالة الإبداعية بشكل جمالي، أي أعطته، من خلال التوصيف مظهرًا أدبيـًا، عَلمَ على تلك الحالة المرضية، بمعنى آخر أن "لحظة إرتعاش الأعضاء" رافقتها هزة في مخيلة الإبداع، فبانت "رعشة التجلي" على النفس، فانكشف وجه الإبداع برّاقـًا يعتليه النور. وبعبارة ثانية "خدَع" المتنبّي قراءَه حين اشتكى من سقم ِ المرض، وترك حبل التأويل على الغارب، الامر الذي أشكل على "طه حسين" وبقية الدارسين لشعر المتنبي، الذين انساق معهم "الطبيب النفسي د. وليد"، ومن عظمة الشعر عند المتنبي أنه يقبل القراءة على أكثر من وجه، وهذا الأمر أشكل على السابقين، من نحاة ومؤرخي الأدب، فليس اعتباطـًا أن يكتب "إبن سيدة المرسي الأندلسي" كتابـًا بعنوان "مشكل أبيات المتنبي" أوردهُ د. وليد، ضمن قائمة مراجعه ومصادره، دون أن يطلع عليه، لأن مقدمة المحقق – محمد حسن آل ياسين – أوضحت الكثير من هذه الملابسات الإشكالية، ونوّهت بالغايات في مُضمّر الأبيات وإفصاحاتها، وحتى الأبيات الأربعة، التي يستشهد بها الباحث، ما هي إلا دليلا على ذلك الإشكال، إذ أن تلك الأبيات تفصح عن المضمّرات المعنوية في روحية الشاعر وعنفوانه، والتي ترفض الركون الى "المرض الجسدي": "وملني الفراش وكان جنبي يـمـلُّ لـقـاءَهُ فـي كـل عــام قـليـل عـائـدي سَقِـمٌ فــؤادي كثيرٌ حاسدي صعبٌ مرامي" وحتى البيت الرابع – الذي توقف مَعهُ د. وليد، على اعتبار أن المتنبّي يناقش الطبيب، الذي يرى بأن علتهُ جسمية، في الوقت الذي يشير معنى البيت الى الجموح والعنفوان الذي عاقهُ "المرض الجسدي" عن الحركة، والحركة عند بيت المتنبي هي الدواء. يقول لي الطبيب أكلت شئيـًا وداؤك في شرابكَ والطعام ِ ومـا في طبّـه إنـي جــــــوادٌ أضَن بجسمهِ طـولَ الجُمـام ِ وقراءة البيت تفهم انه "فعلا مريض" والحركة الفيزيائية صعبة عليه، رغم أن – القراءة التأويلية – للبيت ترمي الى أبعد، في الأفق المعرفي، لكنها لا تؤدي الى حالة "المرض النفسي" كما يصوّرهُ د. وليد، إضافة الى أن "المتنبي" حين يكتبُ شعرًا فإنه يَميلُ بهِ الى حياة الآخرين وتفاصيلها، على اعتبار أن خلجات النفس – عند الشاعر – هي نفسها عند الآخرين، الذين يربطه بهم مختلف العلاقات، مُضافـًا إليها قلق الشعور الذاتي للشاعر نفسه، بمعنى أن الألم لديه مُضاعف ومركب، لأن "ألم الصياغة الشعرية" للمعاناة قد يؤذي الذات فعلا، والمتنبّي كان من هذا النمط، ذو القلق الهيّاج والإحساس العالي.
* إن الصدق
عند د. وليد يكشف عن نقاءِ سريرته وإخلاصه وانحيازه لموروثِهِ التراثي
العربي ـ الإسلامي، وهذا الصدق ألزمهُ حتى في منهج بحثه. فهو يشير على ذلك
بالقول: "ليس هناك رواية موثوقة ومفصلة عن سيرة حياة المتنبي، والمصدر
الوحيد الذي يمكن الوثوق بهِ هو ديوان شعره" وهذا صحيح جدًا، ولكن * أن مصداقية د. وليد – العلمية والأدبية والثقافية – طاغية على منهجه، فهو يقول: "في هذا البحث قمتُ بجرد أبيات ديوان شعر المتنبّي بحثـًا عن "الأعراض الإكتئابية" ولقد استخدمت لهذا الغرض معايير أعراض مرض الإكتئاب الرئيسية في ملزمة الإحصاء والتشخيص الأمريكية "إصدار 4" (900) (DSM – IV) ثم يضيف د. وليد "وكما هو مفهوم، فلم يكن الإلتزام بشرط الملزمة الأمريكية، التي تستلزم وجود خمسة من هذه الأعراض على الأقل خلال فترة معيّنة "اسبوعين" لصعوبة تحديد زمان قول القصائد المختلفة بهذه الدقة".
* "هنا
حطنا الجمّال"
كما يقول المثل الشعبي، لأن د. وليد – بصدقهِ المعرفي، طرح، طريقة تفكيره –
في البحث – على الشروط الغربية، والأمريكية خصوصـًا. وهنا تكمن مفارقة
"تحليل الحالة المرضية الخاصة" – فالحالة التي (يعالجها) د. وليد ليست (حالة
غربية)
بل هي، حالة
"عربية"
خضعت بسايكولوجيّتها الى مؤثراتها الحضارية / نفسية، واخلاقية وثقافية/،
وهذه الحالة، هي حالة خاصة، تكمن خصوصيتها في "الإبداع الشعري"، وهذا يعني
أن التعامل مع هذه الحالة "النموذجية" بالضرورة يجب أن تكون مسلمات التشخيص
تخضع الى خصوصية الحالة الإبداعية، بمعنى آخر، أن هذه "الحالة الشاعرية"
تتميّز – بالإنفعال السريع – لأن مخيلتها الإبداعية أسرع في توصيف ما يحيط
بها، لاسيما * ونموذجية الحالة الموصوفة – موضوعة المعالجة – هي واحدة من أبرز قامات الشعر العربي، قديمهُ وحديثهُ، وهذه خاصية أخرى، تفترق عن الخصُوصيات الغربية، موضوعة تطبيق – المسطرة الأمريكية – بعلم النفس، رغم أن د. وليد، أشار الى عدم تطبيقاتها الكلية، على نموذجه المدرُوس.
* ثم أن حالة
– المتنبي – لم تخضع للفحص "السريري
– الإكلينكي"
بل جَرى التعامل معها على أساس "أوراق هذه الحالة" أي – دراسة الحالة من
خلال "الارشيف" الشعري، وهنا يكون – المنهج – الذي حاول تطبيقه د. وليد، قد
خضع للمفارقة والتناقض – بحكم إفتراق الحالات المدروسة، الغربية والعربية،
وهنا – سنقوم بتسليط قليل من الضوءِ على مدارس علم النفس عند العرب، حيث
أنهم ربطوا بين صحة البدن وصحة النفس، والتأثير المتبادل بينهما، الذين
أصبحت النفس "مبحث علم الأخلاق،
فأبو بكر الرازي "251–313 هـ"
كان يؤمن بمعالجة النفوس كما تعالج الأجسام، ويفترض أن يكون طبيب الجسم
عالمـًا بطب النفوس" (12)، والنفس عند علماء المسلمين هي "كمال أول لجسم ٍ
طبيعي آلي ذي حياة بالقوة" وهذا قول فلاسفة الإسلام الأرسطيين، وقد اتفق
الأكثرون – من هؤلاء – على أن "النفس الناطقة البشرية، جواهر مجرّدة عن
الجسمية، وعن الحلول في الجسم، إلا أنها متعلقة بهذه الأبدان، على سبيل
التدبير والتصرف" (13)،
كما إن للفيلسوف إبن سينا
"370–428 هـ"
دراسات وتحليلات هامة للنفس في منظومته الفلسفية، وطرق معالجاته لبعض
الأمراض النفسية – كالوهم – وغيره (14)، وقد أكدّت غالبية المنظومات
الفلسفية العربية ـ الإسلامية على إصلاح النفس من خلال إصلاح القوى النفسية
المحرّكة للإفراط أو التفريط، فبإصلاح
القوة الناطقة،
تنبع الحكمة، ومن إصلاح
القوة الشهوانية،
تحصل العِفة، ومن إصلاح
القوة الغضبية،
تحصل الشجاعة" وقد قسَّمَ العلماء العرب المراكز البدنية الرئيسية، التي
تعمل فيها هذه النفس، وصنفوها فقالوا: "1 –
النفس النباتية
– القوة الشهوانية، موقعها الكبد، 2 –
النفس الحيوانية
– القوة الغضبيّة، موقعها القلب، 3 –
النفس الإنسانية
– القوة الناطقة – موقعها الدماغ. (15) ومن هذه التوافقات النظرية والطبيّة
والاخلاقية، اعتبرت النفس وأفعالها وأمراضها على علاقة بالقوى الثلاث
والأمزجة البدنية، وإن تأثير
الحالة النفسية
يظهر في الاخلاط "الطباع" البدنية، بين إفراطٍ * أردتُ من هذه الإطلالة التاريخية للعلماء المسلمين ومعالجتهم لقضايا النفس أن ألفت إنتباه د. وليد، الى خصوصية الدراسات السايكولوجية في منظومة الثقافة العربية الاسلامية بغية المقارنة بالمناهج الغربية، حتى تكون، نتائج المقارنة المعرفية، متطابقة مع الخصوصيّات الثقافية من جهة، وتحقق دراسة منهجية، تتكامل فيها الرؤية العلمية بين هذه الحالة وتلك، ضمن الخصوصيّات القومية ـ الثقافية من جهة ثانية. * ونعود الآن لمناقشة د. وليد وتطبيقاته لملزمة الإحصاء والتشخيص الأمريكية على قصائد المتنبّي، ونتائج بحثه في تلك الدراسة، وفق نتائجه في البحث: أولا – من حيث النتيجة الاولى، يقول د. وليد: 1 – "إكتئاب المزاج أو هبوط الإهتمام أو سرور أغلب اليوم، تقريبـًا يوميّـًا" وهذه النتيجة تستلزمها "الملزمة الأمريكية" بمعنى أن د. وليد – استقصى الأبيات الشعرية في الديوان، وفق هذا المنحى، ووصل الى هذا الإستنتاج!! إذ بناه على جملة من الأبيات التالية: 1 – أوحَدْنني ووجدن حُزنـًا واحـدًا مـتـنـاهيـًا فـجعـلنهُ لي صاحبـا 2 – أضـمـتـنـي الـدُنـيـا فـلما جـئتها مستسقيـًا مطرت عليَّ مصائبا 3 – تـلـجُّ دمـوعي بـالجفـون ِ كأنمـا جـفـونـي لـعينـي كل باكيّة خدا 4 – ولقد بكيت على الشباب ولمتي مـسـوَّدة ولـمـاء وجـهـي رونـق 5 – أمـا فـي هـذه الـدُنـيـا مــــــكانٌ يـسـر بـأهـلـهِ الـجار الـمـقـيــمُ! 6 – الحـزنُ يُـقـلـِقُ والتجمل يردع والـدمـعُ بـيـنـهمـا عـصـي طيِّع هذه الأبيات الستة، هي التي جعلت الدكتور وليد، يخرج بالمحصلة رقم 1 أعلاه، فأصدر حكمه "النفسي"، على شخصية المتنبي!؟! وقد يقول د. وليد – ليست هذه الأبيات فقط، فهناك الكثير غيرها، وسنوافق على ما يقول. لكننا بدورنا نقول: أن هذه الابيات، ليست قياسـًا، لأنها اولا أبيات مُفردة ضمن بناء هارموني في بُنية القصيدة، ولان ، الحكم النقدي ثانيا يكون دائمـًا على كامل القصيدة، لأن الفكرة، عندما تشتعل بذهن الشاعر لا يحتويها بيت واحد أو بيتان، بل بناء القصيدة الكامل، والموضوعات التي تتناولها، وعلى هذا الأساس أوجدت "نظريات في الأدب العربي" نـَظـَّرت الى "الطللية في الشعر الجاهلي" (18) والقصائد الملحمية، والخمريّات الإلهية في شعر التصوف، وغيرها من النظريات الأدبية في الشعر العربي، ومن ناحية ثالثة، فإن المتنبي في تلك الأبيات – رغم انتقائيّتها – فإنها تفصح عن جَيَشان ٍ داخلي ملئ بالأحزان والأفراح، والتعبير عنها – لديه – يكون بتصوير الحالة الجاثمة عليه، الى صورة نابضة حيّة، تكون دليلا على حاسيّته الأدبية، ومقياسـًا لتصويره إيّاه، وهو ما يُعرف بنظرية النقد الأدبي بإسم "المعادل الموضوعي"، والبيت الثاني – هو أجمل دليل، لهذا المعادل الموضوعي، حيث الصورة البلاغية في التصوير والتشبيه عن المعاناة التي عكسها المتنبي في /العطش والاستسقاء، والمطر والمصائب/ وقد انتظمت هذه المفردات بمرآةٍ جمالية، عكست روح الشاعر، وأظهرت أنه عاشق للجمال، رغم الحالة النفسية التي عّبَّر عنها في ذلك البيت. كما أن – البيت الأول – غارق في مضمرات الحبّ الدفين، وهو يخاطب – على سبيل التأويل – مجموعة من النساء، وعلى سبيل التصريح، هو يخاطب الأيام، وهنا تكمن عبقرية الشاعر، في مراميه البعيدة عند الكتابة، والبيت السادس، تعبير صادق عن جملة الأحاسيس بداخله، إذ أن نوازعهُ النفسية تتقاذفهُ بين – القلق والتجمل – والقلق نفسي – عاطفي، والتجمل، عقلي منضبط. وتلك النوازع صفة للناس العُقلاء، فهو ينطلق من تلك الكينونة الثقافية والإجتماعية التي عاشَ في وسطها وعَبَّر عنها أجمل تعبير، لا لنفسه فقط، بل لكل مَنْ هم حوله، ومن هنا – نعتقد – أن شعر المتنبي "حظي بهذا الإهتمام" من الدراسات والشرح. ثانيا – ضمن / مسطرة القياس الامريكية/ بعلم النفس، يتوصل د. وليد في الفقرة "2" النتيجة التالية: "إنحصار كبير للإهتمام بكل شيء، أو في كل النشاطات لأغلب اليوم، وكل يوم تقريبـًا" ويطبّق هذا "الشرط" على أبيات المتنتبّي التالية: 1 – الـى كــم ذا الـتخـلـف والـتـوانـــي وكـم هـذا الـتمادي في الـتمــادي 2 – وشـغل النفـس في طلب المـعـانـي بـبـيـع الـشعـر في سوق الكســادِ 3 – ضاق صدري وطال في طلب الـر زق قـيامـي وقـل عـنه قـعــودي 4 – أبـــدًا أقــطـعُ الــبــلاد ونـــجمــــي في نحـوس وهـمتي في سعـودي 5 – لـم يـتـرك الـدهـر مـن قـلـــبـي ولا كـبدي شيئا تتيمهُ عـيـنٌ ولا جيـدُ 6 – أصـخـرة أنا مـالي لا تـحــركـنـــي هـذي الـمدام ولا تلك الأغاريـدُ؟! 7 – هـو الـزمـانُ مـُشـتٌ بالذي جـمـعــا في كل يوم ترى من صرفهِ بدعْا 8 – إن شئت مُتْ أسفـًا أوفابق مضطربًا قـد حَـل ما كنت تخشاهُ وقـد وقعا * فالأبيات الأربعة الأولى / وهي مأخوذة من قصيدة واحدة/ تفصحُ في مقدمتها / البيت الأول والثاني/ عن نقدٍ للذات تتجاوز ما هو مألوف، فقلق الحالة النفسية– هنا – حَوّله المتنبي الى – نتاج أدبي – بمعنى أعملَ العَقلُ فيه، وصاغ هذا القلق في "أوامر ناهية" عن حالة الركود والتراخي، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، وجه النقد لنفسهِ وللآخرين، ومع نفسهِ ينتظم الأدباء والشعراء ورجال الفكر، ومع الآخرين، ينتظم رجال السياسة من خلفاء وأمراء ووزراء وغيرهم من ذوي السلطان، إذ كانت مجمل الحضارة العربية الإسلامية في تلك الفترة في حالة تردي وانهيار – كما اشار لها د. وليد – في مقدمة بحثه / ص 2/ وتركز – اهتمام – الساسة والأدباء – في البحث عن "الشكل" لاسيما في اساليب الشعر والترسل الأدبي، وضاع – الجوهر – من وعي الناس، ومن هنا، كان نقد المتنبي لنفسه /ضمن حقل الابداع/ "ببيع الشعر في سوق الكساد"، ثم نقده اللاذع في البيت الثالث، فيما كان الرابع – إدانة لحالة العصر – إذ أن – حالة النحس – هي المسيطرة رغم – الهمّة العالية – الموجودة في ذاتهِ وذوات الآخرين، الذين هُم من صنفه، وهذا يعني، أن الإضطراب والقلق النفسي، قلقٌ مشروع، لانه يشير الى حالة رفيعة من المسؤولية، ازاء ما يحدث، حتى وإن بدأت "فرديّة – خاصة" لأن المتنبي كان صاحب مشروع سياسي وثقافي، يحكم تصرفاته وفعله الثقافي وسلوكهِ الحياتي، ولكن – كما أشرنا أعلاه – حالة التدهور هي الطاغية على سمة الحضارة العربية – وقتذاك – والمتأمّل في البيت السادس، يكتشف رونق الحياة الذي تعيفهُ نفس المتنبّي الحساسة، الطامحة للعُلا وليس للكأس ِ أو الجواري، ومن هنا نلاحظ أيضـًا – في البيت السابع – تشخيص المتنبي لظروف الزمان المتقلبة [في كل يوم] فيما يترك فرصة الإختيار – البيت الثامن – لمن يُريد العيش في تلك الحياة المتقلبة. ومبدأ الإختيار واع ٍ، وهو عقلي بالضرورة، ومسؤولية المبدع تلزمهُ بدقِّ ناقوس الخطر من الحالة التي يعيشها المجتمع، إذن لم تكن إسقاطات الإستنتاج رقم – 2 – ضمن "المسطرة الامريكية" ازاء قلق المتنبي، ومشروعه الثقافي والسياسي، دقيقة، بل، وحتى غير موضوعيّة ، لأنه لا يوجد فيه شيء من أعراض المرض النفسي ، بل ان ما في داخلِه هو طموح معرفي، وبعدُ غورٍ نفسي، يرى الأمور بعين العارف، فيما أعيت تلك الأمور عيون الساسة والخلفاء. ثالثا – ووفق /المسطرة الأمريكية أيضـًا / يشير – المقياس النفسي رقم "3" في تطبيقات د. وليد على شعر المتنبي، الى ما يلي: "فقدان وزن أو كسب وزن بدرجة هامة (مثلا لأكثر من 5 بالمائة من وزن الجسم في الشهر" الخ – هذا المعدل القياسي لحياة شاعر، عاش متنقلا على ظهر جواد، يجول الآفاق، دائم الحركة، طموح، لا يخضع لهذا "المنظار الأمريكي – قطعـًا – لا من حيث البيئة ولا من حيث الزمن، ولا من حيث القرينة، فالمجتمع الأمريكي المعاصر – بوجباته الدسمة، وثقافته الأدبيّة المسطحة، كيف تقارن بحياة "البداوة" وشمس الصحراء الحارقة، وقلق النفوس المتباين بين الثقافتين. تعالوا نناقش د. وليد وتطبيقاته / النفسية/ على شعر المتنبّي. ينتخب د. وليد، في هذه النقطة – خمسة أبيات، كعيّناتٍ، يجري عليها "الفحص السريري" وهي – وثائق – تفصح عن خلجات نفسية لقائلها: تقول أبيات المتنبي الخمسة: 1 – كفى بجسمي نحولا أنني رجلٌ لو لا مخاطبتي إيّاك لم تـرَنـي 2 – شـيـبُ رأسي وذلتي ونحـولــي ودموعي على هواك شهــودي 3 – وخيالُ جسم ٍ لم يخل لهُ الهـوى لحـمـًا فـينـحلهُ السقام ولا دمــا 4 – وإنـي لأعـشـقُ مـن عـشـقـكـــم نحــولـي وكـل أمـرئ نـاحِـــل 5 – ما لي أكتمُ حبّـًا قد برى جسدي وتدعي حبّ سيف الدولة الأمَمُ على ضوءِ "المضامين الفسيولوجية" بنى د. وليد استنتاجه في هذه النقطة – 3 – متخذا من معانيها – مقياسـًا – يُدل بهِ على "نحول المتنبّي" الجسدي، متناسيـًا عُمق المعاني اللغوية في دلالات المصطلح، في هذا البيت أو ذاك، فالبيت الأول، يشيرُ معناه الى "مَدى الرقة الروحية" التي تعتليه ويتعامل بها مع المخاطب، والبيت الثاني، شكوى للحبيب من صدوده وهجره، في الوقت الذي يشكي لهُ "سقمهُ وبكاءة عليه" مُقدمـًا له البراهين والشهود. وفي البيت الثالث، شكوى من ألم الهوى وإستسلامـًا للوجد، والرابع، الإنغماس بالتذاذ الهوى المبرّح وعشق النحول بنفسه وبالآخرين، لأنه جاء نتيجة "عشق ٍ روحي" أذل بقية الجوارح، هذا على صعيد – مضمون الشعر – أمّا على صعيد – شكل الشعر – فالبلاغة الأدبية، واختيار الألفاظ والأوزان الشعرية، للتعبير عن "مضمون الحالة" يشير الى تمكن المبدع من استخدام أدواته الشعرية بشكل لا نظير له، أو بمعنى عبارات النقد أن هناك تطابقـًا أخاذا بين الشكل والمضمون في "تصوير الحالة" الإبداعية، إذ سخر المبدع – الشاعر – كل قِواه وأحاسيسهُ لتجسيد "صورة المعاناة" لذاته وطرحها أمام "الحبيب" كتعبير عن صدق الهوى – وهذه الناحية، خصوصيّة شرقية يفتقدها – الحبّ الأمريكي – بكل مدارسهِ وتاريخيّته. فيما كان "البيت الخامس" سياسي المحتوى، ومعروفا على صعيد تاريخ الأدب العربي، وهو عام، وليس خاصا، بل أن المدح كان وسيبقى دائمامن بين أغراض الشعر العربي – قاطبة– صاحب القدح المعلى ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تشير بقية أبيات القصيدة الى – شكوى المتنبي – من بعض سلوكيات حاشية "سيف الدولة" كقوله: "يا أعدل الناس إلا في مخاصمتي فيكَ الخصام وأنتَ الخصم والحكم أعـيـذهـا مـنـك نـظـرات صـادقـــة أن تحسبَ الشحم فيمن شحمهُ ورمُ إذا رأيـتَ نـيـوب الـلـيـث بــــــارزة فـلا تـظـنـن أن الـلـيـث يـبـتـســــــم إذن – البيت – الذي وظفهُ د. وليد، مستلُّ من سياقه ومن موضوعه. لذلك كنا نقول دائمـًا بضرورة أن تقرأ القصيدة كاملة لمعرفة هدف ومغزى الشاعر وتحليل إنفعالاته. وعلى ضوءِ هذا التحليل، تكون النتيجة "للتشخيص المرضي النفساني" وفق المسطرة الأمريكية، غير منسجمة مع المثال، أو "العيّنة" موضوعة الإستنتاج. رابعا – المقياس الرابع – الموظف – من "الملزمة الأمريكية" – والذي استخدمه د. وليد يشير الى: "أرق، أو فرط النوم، تقريبـًا يوميـًا". وقد طابق هذا الشرط "في التحليل النفسي" على الابيات التالية: "8 أبيات". 1 – أرقٌ عـلـى أرق ٍ ومـثـلــي يـــأرقُ وجــوىً يـزيـد وعـبـرة تـَتـَرقــرَقُ 2 – جُـهـد الصبابةِ ان تـكون كـما أرى عــيــنٌ مــســهــَّدة وقــلـبٌ يـخـفـِقُ 3 – ومـلـنـي الـفـراش وكـان جـنـبــــي يَــمــلُّ لــقــاءَهُ فــي كــلِّ عــــــــام ِ 4 – أرى العراقَ طويل الليل مُذنعُـيـت فـكـيـف لـيـلٌ فـتى الفتيان في حَلـبِ 5 – فـلـيـت طـالـعـة الشـمـسين غـائبـة ولـيـت غـائـبـة الشـمـسيـن لم تـغـبِ 6 – كـأن سُـهـاد الـلـيـل يعـشقُ مُقلـتـي فـبـينـهـمـا في كلِّ هـجـرٍ لنـا وصـلُ 7 – بـعـيـدة مـا بـيـن الجـفـون كأنـمـــا عـقـدتـم أعالي كـل هـدبٍ بـحـاجـبِ 8 – ليت الحبيب الهاجري هجر الكرى من غيرِ جُرم ٍ واصلي صلة الضنى البيتان الاول والثاني، هما من مقطوعة صغيرة للمتنبي يُشكي فيها عن وجده الداخلي، إذ أنه كان يهوى – أخت سيف الدولة – وهنا – المحرمات والخطوط الحمراء، أضف الى ذلك أنه "ضيف وشاعر سيف الدولة" والأعراف العربية، لها قدسيّتها في ذلك الزمان، فالبيتان أعلاه – شكوى من نار الوجد – ورسالة موجهّة الى "مجهول" وهو بنفس الوقت، مخاطب مقصود، هذه "الرسالة" ستتناولها الألسن، وستقرأ في "المنتديات" وقد ألحقها المتنبي ببيت ثالث، هو أوجع وأبلغ من السابقين يقول فيه: "فعذلتُ أهل العشق ِ حتى ذقتهُ فعجبت كيف يموت مّنْ لا يعشقْ" وهذا "التصوير" تعبير بلاغي، قويّ البناء اللغوي في تراكيبه ومعانيه واسلوب فريد، كفرادة صاحبه بين الشعراء، وهو يحمل في "ثناياه" عند القراءة التحتية للنص، أن الشاعر، ذو طاقة فعّالة، متحديّة، لا يوقفها إلا العشق، لأنه رديف الموت، وعلى هذا السياق جاءت معاني الأبيات، وتوصيف "حالة العشق المرضية" بمدلولات فيزيائية، تكشف عن حالة وجد نفسية عالية، قد تزال بزوال المؤثر – وإذن هي "حالة موصوفة" بشكل بلاغي، ليس للمرض النفسي بها من صلة. * والبيت الثالث – من منتخبات د. وليد، هو حالة عنفوان دائمة عند المتنبّي، تأبى الركون والموادعة والسكون والإستسلام للنوم، أي / حالة يقظة/ يملؤها الطموح وتدفعها الطاقة نحو الأمام. والبيتان الرابع والخامس هما رثاء لجدته التي ربَّته، فماتت في الكوفة وهو في حلب، والسادس، تصوير حالة الوجد بمفردات بلاغية، ليس بالضرورة تعنيه هو، بل ربما كانت لأناس ٍ آخرين باثثوهُ شكوى الهوى وألم الفراق، فعبّر عنهم، / لأن الشاعر ضمير الأمة/ ولسان كل حال يشترك مَعهُ في الهموم. والبيت السابع أقرب بمعانيه من السادس، فيما كان البيت الثامن، هو مطلب واشتياق لاختبار – وجد الحبيب – وهو أصدق من غيره – في بقية الأبيات، لأن الالمَ فيه فـَضّاح، ولهيب الشوق ساطعٌ، لا يمكن للنفس مُداراته، فنفثه بألم ٍ حاد للتعبير عما في داخله. في هذا المعنى يحضرني بيت شعر شعبي عراقي، يُعبّر عن صدق ِ هذه الحالة، ومرارة المعايشة فيها، وصاحب الشعر – رجلٌ أمي – ليس لهُ في البلاغة نصيب، لكنه يشعر بحرارة جوى الوجد، فكتب هذا البيت، وهو من نوع "الدارمي" يقول فيه: [ريـت إلـوياي إيصيـر يَــمْــدَلــل أويــاك] [ﭼان اعرفت شوغات ﮔلبي اعلى فرﮔاك] ومعناه يوازي تمامـًا معنى بيت المتنبّي أعلاه، من حيث حِرقة الوجد واضطرام نيران الهوى في النفس، فماذا سيقول – علم النفس الأمريكي – في مثل هذا؟! خامسـًا – في المؤشر الدلالي الخامس، ضمن "الملزمة الأمريكية" والذي يعتمدهُ د. وليد، في تطبيقاتهِ النفسية يكون التشخيص على "هياج أو تخلف في النشاط الحركي النفسي، تقريبتًا يوميـًا يمكن ملاحظته من قبل الآخرين". هذا المؤشر يطبقهُ الباحث على ستةِ أبيات، أنتخبت من الديوان، أجري عليها التحليل والحكم، أوَّلها كان: 1 – مفرشي صهوة الحصان ولكن قميصي مسرودة من حديدِ وفيه المتنبي يصّف "حالته الحربية" إن جاز القول. بحكم ملازمته لركاب سيف الدولة الحمداني، من جهة، قد يكون حنينهُ لدياره "الكوفة, من جهة ثانية أحد البواعث في هذا الشعور، ومع ذلك فان البيت يشير الى ذروة النشاط الجسدي والنفسي. فيما يشير البيت الثانيالذي يقول فيه: 2 – ألفتُ ترحُّلي وجعلتُ أرضي قتودي والغريري الجُلالا الى حالة "المدوامة" و"التعايش اليومي" للترحال – بحكم طبيعة العلاقة مع الامير سيف الدولة، حيث يشير هنا الى أنه جعل من الأرض – قتودهُ – والقتود، رَحْلُ الجمل الذي يوضع على ظهرهِ وهو كناية عن السرج بأكمله بحكم علاقة الجزء بالكل، وفق المفاهيم البلاغية في اللغة، بمعنى أنه "دائم الركوب" على الأرض – الجمل، وليس ذلك فحسب، بل على "فحل الإبل القوي العظيم" إن المعنى اللغوي لكلمتي "الغريري الجُلالا" يشير الى أن "الغريري: هو "فحل من الإبل منسوب الى "غرير" قبيلة جاهلية أشتهرت بتربية كِرام الإبل – والجُلال، من العظمة، فيقال: جُلال كالجليل، كما يقال: طِوالٌ وطويل. (19) وهذا يشير على إستمراريّة الترحُّل والحركة بنشاطٍ وجدّية منقطعة النظير، وهو الأمر الأكثر وضوحـًا في "سلوكه" والذي يؤكدهُ في البيت الثالث: 3 – فما حاولتُ في أرض ٍ مقامـًا ولا أزمعتُ عن أرض ٍ رحيلا وهذا "الطِباق" الجميل في "المقام والرحيل" هو كشفٌ آخر، ليس فقط عن طبيعته كإنسان، بل كشفٌ عن / حالة اجتماعية/ سائدة وقتذاك، حيث كانت المناوشات والحروب – على أطراف الخلافة العباسية – قائمة بين العرب والروم البيزنطيين. فالتشبيه – حالة عامة – أبرزتها الحالة الفردية، وإنسجامـًا مع هذا الوضع فإن – الحالة النفسية – لدى المتنبّي – كمبدع – تبرز من خلال التعبير عنها بالخطاب الشعري المشحون بالعاطفة وما يجول بداخل النفس: 4 – على قلق ٍ كأن الريح تحتي أوجّهها يمينـًا أو شمالا إذن – حالة الفعل الواعية – والتي تشير إليها كلمة "أوجّهها" تعني أن المتنبي مدرك تمام الإدراك لما يفعل، وفق كل حالة يعيشها. والبيتان 5 و6 يؤكدان ما ذهبنا إليه من تصوير – الحالة العامة – من زاوية – الحالة الخاصة، لكن بشعورها الفردي والفرداني، ذي الخصوصية المُبدعة. 5 – دعوتـك لمّا براني البـلاء وأوهن رجليَّ ثقل الحديـدِ 6 – وقد كان مشيهما في نعال ٍ فقد صار مشيهما في قيودِ وهذان البيتان يصوّران – حالة سجين – في تصريح العبارة، لكن التأويل يرمي الى أبعد من ذلك. فعلى أيِّ من هذه الأبيات الستة تنطبق "المسطرة الأمريكية"؟ سادسـًا – يلتفت د. وليد، بشكل علمي دقيق الى "مكونات وحدة قياس المسطرة الأمريكية" وهي الخاصة بالبند 6، والمشخصة لحالة "إعياء أو نفاذ الطاقة الجسمية، يوميـًا تقريبـًا" فيتركها بالتعليق التالي: "تركت لعدم تطابقها مع أبيات الديوان"!؟ ونحن نتساءل بدورنا: لماذا ذكرت ولماذا تركت؟! وهل السبب هو فقط "عدم تطابقها مع أبيات الديوان؟ أم أن "الحالة الحركية" بذهن وجسم المتنبي، وطاقتهُ الإبداعية الواعية، هما التان ترفضان هذا "التمسطر" لأن حالة الابداع – عند المتنبي – أو غيره، ليست مَرَضيّة بالمفهوم العضوي أو النفسي، بل هي حالة / قلق معرفي/ يفرزها الذهن الوقاد، ويعبّر عنها بآيات الابداع، كنتيجة حتميّة لخامة الذهن وجوهرهِ الحسّاس، المنفعل مع حركة الوجود، الذاتية والعامة. سابعـًا – الشرط السابع، في / المسطرة الأمريكية/ يقول: مشاعر بفقدان الأهميّة الشخصية، أو مشاعر الذنب المفرطة، وغير المستحقة، بمعدل يومي تقريبـًا"، كما ينقل د. وليد ذلك في بحثه. ويجد تطابقات هذه الشروط في 8 أبيات، منتخبة، هُن ما يلي: – 1 – فـلــو أنـي حُـسـدتُ عـلـى نـفـيـس ٍ لــجــدتُ بــهِ لــدى الجــد العثـور 2 – ولـكـنـي حُـسـدتُ عـلـى حـيـاتـــي ومــا خــيــرُ الـحـيـاة بلا ســـرور 3 – ألــحَّ عـلــيَّ الـسـقـم حــتـى ألفـتــهُ ومّـلَّ طـبـيـبـي جـانبي والعـوائــد 4 – كيف الرجاءُ من الخطوبِ تخلصا مــن بّــعــدِ مـا أنشـبن بي مخالبــا 5 – وإنـي لـمـِنْ قـوم كأن نفوسهم بهــا أنـفٌ أن تـسْـكـن اللحـم والعظمــا 6 – والـهـجـرُ أقـتـلُ لــي مِـمـّا أراقـبــه أنـا الـغريـقُ فما خوفي من البَلــل ِ 7 – قــد ذقــتُ شــدة أيّــامي ولــذتــهــا فما حصلتُ على صابٍ ولا عَسَل ِ 8 – وهان فـمــا أبــالــي بالـرزايا لأنـي مــا انــتــفــعــت بـأن أبــالــــــــي وكالعادة، فإن د. وليد – بهذهِ المنتخبات الشعرية، يُريد تطويع – معاني الأبيات – لمنظور "المسطرة الأمريكية" جاعلا الحُكم النفسي على أبيات مفردة، نزعت من سياقاتها الشعرية، باعتبار أن "القصيدة – وحدة متكاملة، وضجيج القصيدة، قد يُبرز بعض "شطحات" الشاعر، لاسيما عند سيادة "طقس القصيدة" على روح الشاعر. وهذه الرؤية النقدية، في السياق الأدبي، تلزم الباحث بأخذها والتعامل معها إيجابيـًا، لأنها بمثابة "مفاتيح معرفية" لقراءة "نفس الشاعر" الجوّانية كي يستقيم التحليل بين ما يُريدهُ الشاعر وما يعيه القارئ. وعلى هذا المنوال سوف نشرح تلك الأبيات ونقارنها بأبيات أخرى للمتنبي ذاته، بغية الإلمام بكامل "نوازعهِ النفسية" قدر المستطاع، في البيتين الأول والثاني مثلا– يشعر المتنبي بحسدِ الناس له على ما هو بهِ من / رفعةٍ إجتماعية أو ثقافيّة/ أهَّلتهُ لأن يكون / مالئ الدُنيا وشاغل الناس/ وهي صفة اعتبارية، ليس إلا، ولوعدنا الى أبياته المشهورة التي يقول فيها: "أنا الذي نظرَ الأعمى الى أدبي وأسـمـعـت كـلـمـاتي مَنْ بهِ صَمَـمُ الخيل والليل والبيداء تـعـرفـنــي والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ أنامُ مِلءَ جفوني عن شواردهــا ويـسـهـر الخـلـقُ جَرّاها ويختصـمُ لراينا ان هذه الأبيات الثلاثة تبرز "نفسيّة المتنبي بجلاء واضح، وبتحدٍّ معرفي، يُعارض الآخرين بهِ، من حيث: الفروسية والشجاعة والمعرفة والعلم، والإقدام. والنجدة، ورفعة / السُمعة الشخصية/ وأصداؤها بين الناس، وفي – البيت الأخير – هو يُقدّم نفسه – كعالم ٍ في اللغة – وهنا يبرز لدينا – المؤشر المعرفي الدقيق – إذ تحدّد الشخصية سماتها المعرفية والإبداعية بآن ٍ معـًا. إذ اللغة العربية، كانت وما زالت تـُشكِل على الكثير بفهمها من حيث، النحو والمعاني والصرف والإعراب، والدلالات الأخرى، بالاضافة الى ، إتقانهِ لفن الشِعر وأوزانه، وهذه إشكالية ثانية، لا يعرفها "لا الخلفاء ولا الوزار، ولا السلاطين ولا الأمراء، ولا عُلماء النفس، ولا الأطباء، إلا ما ندر منهم. ومن هذهِ الزوايا المجتمعة في شخصية المتنبي نفهم: لماذا يضع نفسه دائمـًا في مكانة الممدوح – بشعرهِ، وما الأبيات الاربعة الاولى التي اوردها د. وليد – بتطبيقاته –إلا رفضـًا للحالة التي يعيشها، لا بالمعنى السلبي – كما يراها د. وليد – بل بمعناها الإيجابي، الذي يرفضها – كحالة – ويسعى الى تغييرها بالأجود والأجمل. لذلك يقول في البيت 5: "وإني لمن قوم ٍ كأن نفوسهم بها أنفٌ أن تسكن اللحمَ والعظما" وهذا البيت، هو الرفض المطلق لحالة التدهور في وعي الناس، بل والخصوصيّة التي يتمتعُ بها المتنبي، وحين يَرى عزوف الناس عن المكارم، فإنه يتجاوزهم بمفردهِ، ويخطو بخطوته الفردية – وهو ما يظهر جليّـًا في الأبيات 6، 7 و8 – والأوضح من ذلك كله، تحديه لصفوة القوم في مجلس سيف الدولة الحمداني، حين رآهم يزدرون بهِ وهم لا يقدرون على الأتيان بمثلهِ فقال مخاطبـًا الجمع: ليعلم الجمع مِمَّنْ ضمَّ مجلِسُنا بأنني خيرٌ من تسعى بهِ قدَمُ وهذا "تجاوز" حتى على "سيف الدولة" الأمر الذي استفز الآخرين، لاسيما الشاعر الفارس "أبو فراس الحمداني" فرماه بالمحبرة التي أمامه، وكان هذا الحادث، هو الفيصل الذي فصل العلاقة بين المتنبّي والحمدانيين، رغم حبّه لسيف الدولة، وفارقهم على القِلا وهو يقول: يـا مَـنْ يعـز علينا أن نـفـارقهــم وجداننا كلَّ شيء بعدكم عَدَمُ إذا ترحَّلت عـن قـوم ٍ وقد قدروا أن لا تفارقهم، فالراحلون هُمُ إن كـانَ سرَّكـُمُ ما قالَ حاسِدُنـا فمـا لجرح ٍ إذا أرضـاكـمُ ألمُ إذن هناك فعل مقصود – عقلي – سبّبَّ هذا الإشكال "الإجتماعي" ومَن ثمَّ حَز هذا الفعل في نفسية المتنبّي الشفافة أصلا، وقدّر المفارقة، بين البقاء والرحيل، ففضل الثاني على الاول، من مبعث – الكرامة الشخصية – والتي لا تعيرها "المسطرة الأمريكية" اهتمامـًا كاملا، أو حتى جزئيّـًا. بمعنى أن "البُعد الأخلاقي" في منظور "علم النفس الأمريكي" لا يحظى بالأولويّة في سُلم ترتيبات "المسطرة الامريكية" بينما هو في المقام الأول عند "السايكولوجية العربية" لاسيما في الفترة التي عاش بها المتنبّي – ق 4 هـ/10 الميلادي. ثامنـًا – يعود د. وليد في البند رقم 8 في سلسلة تدرجات "المسطرة الأمريكية" الذي يشير الى [إنحصار المقدرة على التفكير أو التركيز، والتردّد في اتخاذ القرار بمعدل يومي تقريبـًا] يُعلق د. وليد قائلا "تركت لعَدم تطابقها مع أبيات الديوان" وهذا – الترك – دقيق وعلمي، والأبيات التي ذكرناها – في الأسطر السابقة تبيّن – مقدرة المتنبّي على اتخاذ القرار وتنفيذه، وتشير من جهة آخرى، الى مَدى الفاعلية العقلية النشطة في حسم الموقف، لا بشكله "الإنفعالي" ذي المردود السلبي، بل بشكله "الإيجابي" الفاعل، والمنفذ للقرار، برؤية عقلية، لم تترك – لحالة التردد – أيّ فرصة "عاطفية" تكسر القرار، ولذلك غادر المتنتي، حَلبْ، تاركـًا إيّاها لسيف الدولة والحمدانيين، دون الرجوع إليها، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تشير تعليقة د. وليد – الخاصة بالترك – الى موقفهِ العلمي، والصادق بطبيعته، وهنا، تظهر أمامنا، مفارقات "شروط الملزمة الأمريكية" التي يتعاطى بها – علم النفس الأمريكي – بل وربما – أخفق د. وليد في تطبيقاته لشروط "هذه النظرية"!؟ لأنه – تعاملَ مع وثائق تاريخية قديمة، ولم يتعامل مع "حالة شخصية لفردٍ عائش وحي" وهنا مكمن هذا التناقض – بتقديرنا – وإلا كيف يُترك "البندان 6 و8" لعدم مطابقتهما المنهجية على أبيات شعر المتنبّي؟! تاسعـًا – البند رقم – 9 – من الملزمة الأمريكية، والذي استخدمهُ د. وليد في الدراسة، يشير الى ما يلي: [التفكير بالموت بصورة متكرّرة (ليس فقط الخوف من الموت). وأفكار انتحارية متكرّرة، أو محاولة انتحار، أو التخطيط المحُدّد له] – وكتطبيق لهذا البند في "شعر المتنبي" يحصر د. وليد اختيارهُ في الأبيات التالية: 1 – ومـا الـمـوتُ بـأبـغـض ِ من حيــاةٍ أرى لــهــم مَــعــي فيها نصيـبـا 2 – كفى بكَ داءً أن ترى الموت شافيا وحـسـبَ الـمـنـايا أن يكن أمانيـا 3 – إذا غـامــرتَ فـي أمــرٍ مـــــروم ٍ فـلا تـقـنـع بـمـا دُون الـنـجـــوم ِ 4 – فـطـعـم المُـوتِ فـي أمـر ٍ حـقيــرٍ كطعـم الموت في أمـرٍ عـظـيـم ِ 5 – نـحـنُ بـنـي الـمـوتـى فـما بـالـنــا نـعـافُ مـا لا بـُدَّ مـن شـر بـهِ؟! 6 – وغــايَــة الـمـفـرطِ فـي سِــلـمِـــهِ كـغــايــةِ الـمـُفــرطِ فـي حـربــهِ 7 – وإني لمن قوم ٍ كأن نفوسهم بـهـا أنـفٌ أن تـسـكـن اللحمَ والعـظما 8 – كذا أنا يأ دُنيا إذا شئتِ فـاذهـبــي ويا نفس زيدي في كرائهها قدما 9 – نــعــدُّ الـمـشـرفـيـّة والـعـوالــــي وتـقـتـلـنــا الـمـنــون بـلا قِـتــال وبدءًا نقول: أن التفكير بالإنتحار أو الموت، ليسَ كما هو في "الرؤية والتفكير" من حيث البُعد الفلسفي ـ الفكري، وإذا كان "علم النفس" يأخذ "بالشكلانية" فإن الفلسفة، تأخذ بـ"الجوهر" والافكار – رؤىً فلسفية، وبهذا المعنى تكون نظرة المتنبي الى "الموت والحياة"، لكنه يُعبّر عنها "نظمـًا" بمعنى آخر، أن الرؤية الفلسفية، في عقلية الشاعر يخضعها الى "كلام ٍ موزون" وفق بحورِ شعرية متعارف عليها، وهذا يفترض تطويع المفردات الفلسفية الى الحالة العروضية، ومن هذه الزاوية أباحت "النظريات النقدية ـ الأدبية" للشاعر، ما لمْ تبحهُ لغيره. وهذه المفارقة "الإبداعية" لم ينتبه إليها د. وليد وكذلك لم تتوقف عندها "المسطرة الأمريكية" في علم النفس، لأن "الكلام" منظوم، والمنظوم "فن" بهذا المعنى يكون شرط النقد المعرفي يخضع للنقد الجمالي أولا، ومن ثم تأتي اضافة النقد الاخر، إذ الأدب، لغة وإسلوب، تنظم بها الأفكار، والقيمة المعياريّة تتجّه نحو هذه الزاوية، أي – زاوية الإبداع الفني، ومن هنا، سوف نحلل تلك الأبيات التسعة الواردة في بحث د. وليد، لمعرفة مدى مطابقتها مع "المسطرة الأمريكية". فالبيت الاول، ينطلقُ منه المتنبي من دافع اجتماعي، يترفع بهِ على "شلة من الأوغاد" أجبرته الحياة على معايشتهم معهم إذ انه تساوت لديه، وفق ظروف حياته معادلة الموت والحياة، وليس هو الوحيد الذي مَرَّ بهذه الوطأة، فهذا أبو العلاء المعري يقول: (20) أرى الأيــام تـفـعـلُ كـلَّ نـكـرٍ وإني في العجائبِ مُستزيدُ أ وليست قريشكم قتلت حسينـًا وكان عـلى خلافتكم يزيدُ!! وهذه / حالة من القنوط واليأس/ يُعبّر عنها الأدباء والشعراء بأكثر وجعـًا لأنهم أكثر حسّاسيّة من سواهم، وفي هذا السلك، ينخرط الكثير من العلماء، فعلى سبيل المثال ذكر الزمخشري في "ربيع الابرار" وهو – متأخر عن زمان المتنبي – حادثة تمتّ بصلة القرينة الى مضمون بيت المتنبي أعلاه، حيث قال: "أعلن – الخوارزمي – سخطهُ على الدُنيا التي ترفع الجاهل التافه وتضع العالِم المثقف فقال: (21) يا حسرة مَنْ لي بصفقة رابح ٍ في متجرٍ، والفضلُ رأس المال يا ويح أهل العِلم كيف تأخروا والسِــبـق كـل الـسِـبـقَ للـجُــهّال ِ في ذمّـة الايـام لـي ديـنٌ متــى أسـتـقـظـــهِ، لاقـيت طول مطال ِ فإلى إلهي المشتكى وبصُـنعــهِ دونَ الأنــام مــنـوطــة آمــالــــي وكتب التراث العربي ـ الإسلامي، مليئة بهذا النمط من الكتابات، ويمكن الرجوع اليها، فهي كثيرة، مثل – رسالة في الصداقة والصديق – لأبي حيّان التوحيدي، ولزوميات أبي العلاء، والرسالة القشيرية للقشيري، ورسائل التوحيدي وأدب التصوف ملئٌ بمثل هذه الأمور. أما البيت الثاني، فإن المتنبّي يُعالج فيه / حالة عامة/ تكرّرت أمام ناظريه، فعبَّر عنها – إبداعيـًا – ليدين تلك الحالة، حيث أنه يرفضها بالمطلق، إذ أنه يخاطب بها – الإنسان – المكلوم، وصاحب العقل الراجح، وبالمآل النهائي أنه يخاطب "الذاكرة الجمعيّة" وهو ما ينسجم ورؤية المتنبي في البيتين 3 و4، حيث يدفع ويحرّض بهما على نيل العلا، لأن "الموت" في أدنى الأمور وأكبرها هو واحدٌ فعلام الخوف إذن، حتى أنه في البيت – 5 – يذّكر – الجموع – بطبيعة وإيقاع الحياة العادية لدى سواد الناس حيث "الموت" نتيجة طبيعية، وهو يدعو الى "تقحّم الأهوال" في سبيل العزة، وهم ما ينسجم تمامـًا مع قول شاعر لاحق عليه، يقول بالمعنى نفسه : "إذا كان من الموتِ بُدٌّ فمن العجزِ أن تعيشَ جبانا" ومن هذه الزاوية، يمكن النظر الى // حالة الإنسان العربي// ضمن تناقضات الصيرورة الإجتماعية، إذ – القرار – بيد "سلطات جاهلة" تتحكم بذوات الآخرين، وهو ما يجدُ صداه بكتابات المبدعين الثريّة – والمتنبّي – واحد منهم – وهذا الصَدى واضح جدًا في الأبيات 6 و7، بل أن المتنبّي – نفسه – يدفع بظاهرة "التمرّد والتحدّي" وحياته وشعرهُ، شاهد على ذلك، وهو ما يؤكدهُ ببيتيه 8 و9 –الذين يظهر فيهما شيء من "النزعة الوجودية" لاسيما عجز البيت الأخير "وتقتلنا المنون بلا قتال ِ". ومن مجمل هذه الأبيات التسعة، يظهر أمامنا "أن الموت أو ذكره أو تكرار مفرداته، أو التفكير بهِ أو الخوف منه" وفق مداليل "مسطرة النفس الأمريكية" لا تمت بصلةٍ الى – الموت – الذي يذكرهُ المتنبي بتلك الأبيات، بل العكس تمامـًا، فهو "يُحرّض عليه" بدراسة وعقل، إذ أنه يفلسف الموت من وازع الحياة ذاتها، نتيجة تعرّض "البشر" الى المذلة والإهانة، ولو تقصينا بقية دوافع المتنبي – بهذا الخصوص – لعثرنا على الكثير منها، وليس فقط تلك التي، حاول د. وليد، أن يجد فيها ما يوائم مرجعيته السايكولوجية ضمن معايير / ملزمة الإحصاء والتشخيص الأمريكية/. د – مناقشات في المنهج: 1 – الدافع المحفز للكتابة: يذكر د. وليد في فقرة "المناقشة" أن هناك "دافعين" أَثـَّرا عليه في كتابة "بحثهِ هذا" الأول: "طه حسين" في كون المتنبي لم يضحك في حياته إلا مرة واحدة!؟! والثاني: "الحملة العلمية للكلية الطبيّة النفسية الملكية في بريطانيا، ضد وصمة الامراض النفسية" على اعتبار أن هذه "الكليّة" تهدف الى توعية الناس ورفع الجهل والتخوّف من الأمراض النفسية "وركزت – الحملة – على مشاهير المبدعين في التاريخ الإنساني" وضمنها وقع اختيار د. وليد على المتنبي، كونه "زميلا مشاركا في تلك الكلية". إذن نستنتج أن "الدافع الإنساني والثقافي" وراء هذا الجُهد المشكور، وهو بلا شك يؤكد روح المسؤولية، وصدق النيّة عند د. وليد. لكن هذا – المنحى الأخلاقي الرفيع – لا يعني الخروج عن شرط الإلتزام "الأكاديمي ـ النظري" لدراسة أيِّ ظاهرة كانت، على صعيد "الطب النفسي" أو النقد الأدبي، ونظرًا لكون "المُهمّة التي إتخذها د. وليد على عاتقه، هي "مهمة صعبة جدًا" لكون – العيّنة – التي جعلها موضع الدرس والتحليل صعبة، وصَعُبت على الأوائل والأواخر، أنها "عيّنة" نادرة الحدوث، وصعبة التكرّر، من حيث تركيبتها النفسية، وبناؤها الفكري والثقافي، وشرطها الحضاري والتاريخي، ناهيك عن تكويناتها الشخصية من حيث المولد والنشأة والإنتماء. وهذا يتطلب فحصـًا دقيقـًا لكل ما يحيط بهذه "العيّنة" لأنها، بشكل أو بآخر، علامة شموخ حضاري للثقافة العربية في العصر الوسيط، عَلـَّمت بميسمها الخاص على فرادة نادرة في الشعر العربي، ومن هنا تكمن خطورة التعرّض لهذه "العّينة" دون الإلمام الكامل بكل ما يحيط بها، أو ما يلفها من إشكالات، ناهيك عن معرفة مكوّناتها الثقافية، وأسرار لغتها، ونفسية صاحبها، ومزاجه الإبداعي القلق، ومن ثم يُفترض أن يكون الباحث فيها غيرُ منقاد "لهوىً" يظهر عند هذا الدارس أو ذاك، مهما عَلـَتْ قامته، لأن البحث – وفق خصوصيّة هذه العيّنة – يفرض على الباحث فيها – هضمها من كل الأبعاد، والتعايش معها في كل السُكنات والحركات وبتعبير آخر، لا بُدَّ من تلبّسها، بغية معرفة دواخلها الجُوّانية، لاسيما إذ عرفنا، أن البحث حولها سيُدرس من ناحية / علم النفس/ أولا، ومن زاوية /النظرية النقدية في الأدب/ ثانيـًا، وهذه المشكلة العسيرة هي التي أغرت وأوقعت د. وليد في حِبالها، لذلك ظهرت في منهجهِ هذه الهنات، إذ أنه سيَّد المنطق "السايكلوجي" على المنطق "الأبستيمولوجي" لـ"ظهاهرة ثقافية" عصية على "التمسطر والنمذجة". 2 – الدراسة وحكم القيمة: ليس عيبـًا في منهج أيِّ باحث بدراسة نتائج السابقين عليه للمادة موضوعة البحث، إذ المعرفة سلسلة متكاملة، تمتد ولا تتوقف عند هذا الباحث او ذاك الدارس، ولكن تبقى "نتيجة" كل دارس "على حِده" بمعنى أنها تُعلـّم عليه وتظهر بصمته الخاصة. والدكتور وليد جذبتهُ في البحث – آراء طه حسين وعبد الرحمن صدقي وغيرهما من العرب – وأثرت فيه "المدارس الغربية" بعلم النفس، فالدكتور وليد يقول: "لقد إتهم المتنبي لكثرة فخرهِ واعتداده بنفسهِ بأنه مصاب بمرض نفسي، دعاه عبد الرحمن صدقي "بداء العظمة". ويضيف د. وليد: "وقد يظن البعض بأن داء العظمة هذا ما هو إلا جزءًا من مرض الهوس mania، إلا ان ابداع المتنبي ورجاحة بلاغته وحكمتهِ في كل ما كتبه ما هو إلا دحضًا لهذه الفرضية. كما إن القارئ لديوان المتنبي ليلاحظ بأن أكثر فخر المتنبي مبالغة قد جاء في سياق أكثر الاحداث حُزنـًا، مثال اختلافه وافتراقه عن سيف الدولة، وفاة جدّته، وتأخر كافور الإخشيدي عن الوفاءِ بوعدهِ وإساءته له، ومن المنطقي الإستنتاج بأن مبالغة المتنبي في الفخر كانت جزءًا من نوبات مرضهِ الإكتئابي". وهنا – يحكم د. وليد بأن المتنبي /مريض بالإكتئاب/ وهو في / مجال الطب النفسي/ أكفأ منا بالتشخيص لمثل هذه الحالات، لكننا نتساءل: كيف تظهر الحكمة عند الشخص ويكون مريضـًا؟! هناك مسالة هامة، أفرزتها الحالة التاريخية والنفسية الإجتماعية في الوسط العراقي (22) هي "الإنفعاليّة النزقة، والإعتداد بالنفس" وهذه محصلة عامة، إستعمالاتها الأوضح تظهر عند المثقفين، وهذهِ "التاريخية" يمكن ملاحظتها منذ أيام سومر وحتى هذه اللحظة، وما فخرُ المتنبي واعتداده بنفسه إلا امتدادًا لهذه الحالة، من جهة، ومن جهة ثانية يعي المتنبي – كما أوضحنا في سياق هذه الدراسة – موقعه الشخصي، من جُملة الأحداث التي مَرَّ بها المجتمع – ضمن الموشور الحضاري – لاسيما بعد التهاوي والإنحدار الذي أصاب الحضارة العباسية، بعد أن كانت في ذروة الصعود، وقد إنتبه د. وليد لهذا المنعطف التاريخي حيث قال: "المتنبي خِلاصة الثقافة العربية الإسلامية في النصف الأول من القرن الرابع للهجرة / 10 ميلادي/ هذه الفترة كانت فترة نضج حضاري في العصر العباسي، وهي في الوقت نفسه كانت فترة تصدّع سياسي، وتوتر وصراع عاشها العالم العربي، فالخلافة في بغداد انحسرت هيبتها، والسلطان الفعلي في أيدي الوزراء، وقادة الجيش، ومعظمهم من الأعاجم". ولقد كان "لكل وزير ولكل أمير في الكيانات السياسية المتنافسة مجلس، يجمع فيه الشعراء والعلماء" يتخذ منهم بطانة له، وهم أضعف خلقـًا وأدبـًا من هؤلاء العلماء، لذلك ترفع عنهم المتنبي، وراح ينشد ضالته عند "سيف الدولة الحمداني" ومع ذلك / نفر/ منه، كما أوضحنا في صفحات سابقة، وهنا نرى أن "المتنبي" رَصَدَ كل هذه الحالات – ونقدها – لأنه عاشها بشكل يومي، وسعى جاهدًا في "تبديلها" ولكنه لم يُوفق حيث تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُفن" كما يقول هو في أحدِ أبياته – ومن هنا نستنتج القلق المعرفي الذي يتلبس حالة المتنبي الشخصية، فهو قلق ملازم للحالة الإجتماعية، وهو جزء منها، ومسألة وصمهِ بـ"الاكتئاب" ربما لا تكون دقيقة، إذ أن "نتاج المتنبي الرفيع" لا يصدر إلا من نفسية مُبدعة، ذات إلهام ٍ عال ٍ. 3 – الطموح المشروع: يبدو أن "علم النفس" الذي يطبّقهُ د. وليد في دراسته للمتنبي لا يتوقف مَليّـًا مع طموحات الأديب السياسي / أقول هذا بناءً على الدراسة / معرض مناقشتي/ رغم أن د. وليد استعرض / في صفحاتهِ – الأخيرة/ حركة المتنبي وتاريخيّتها ورقعتها الجغرافية، ونتاجه الثقافي فيها، ومَرَّ الباحث على 4 أبيات للمتنبي، مرور الكرام، في الوقت الذي هي تفصحُ عن / نفسيّة المتنبي/ وطموحهِ السياسي الواضح، تلك الابيات الاربعة، بعثها المتنبي لأحدِ معارفهِ الغيورين عليه، والذين / حاولوا ثنيهِ عن طموحاته السياسية/ فكتب له المتنبي هذه الأبيات: 1 – أبــا عـبـد الإلــه مُـعـاذ أنـــي خفي عنكَ في الهيجا مقامي 2 – ذكـرتَ جَسيـمَ ما طلبـي وأنّـا تخاطـرُ فيـهِ بالمهـج الجسام ِ 3 – أ مـثـلـي تـأخـذ النكبـات مـنـه ويجزعُ من ملاقـاة الحـمـام ِ ؟! 4 – ولو برز الزمان إليَّ شخصـًا لخضبَ شعرُ مفرقهِ حُسامي هذه الأبيات، تتعارض وتتقاطع كليّـًا مع /ملزمة التشخيص الأمريكية/ من حيث اعتمادها كمنهج دراسي للطب النفسي، لاسيما البنود [5 – 7 – 8– 9] إذ تكشف هذه الأبيات الطموح العالي عند المتنبّي، والرؤية السياسية، والإقدام لمنازلة "الموت" دون تردد، وهذا يعني، أن هناك مشروعـًا سياسيـًا، في / راس المتنبي/، وما حركاته وتنقلاته في أكثر من مكان، إلا لتأكيد هذه الناحية، هذا أولا، وثانيـًا: الخطاب الشعري هذا فيه إصرارٌ واضح على السير قدمـًا في المشروع، وليس هناك توقف عنه، بل اندفاعٌ فيه، ولمَ لا؟! "فالصفوة السياسية" في ذلك الوقت – كما هي عليه في هذا الزمان – ليست بأرفع منه، ولا بأوعى، وهو نفسه القائل: فعلامَ يخشى المرء فرقة روحه أ وليسَ عاقبة الحياة فراق؟! ثم أن المتنبي لا يخفي طموحه السياسي، لكن (إنتماءه العقائدي) لعبَ دورًا سلبيّـًا في مشروعه السياسي، ومع ذلك ظلَّ طموحه هذا معروفٌ في كل الأوساطْ والنخب فهو القائل: | ||