|
|
|
د.خير
الله سعيد
نشر الصديق الشاعر – سَميح القاسم – قصيدة له، بعنوان – بغداد – في جريدة الدستور الاردنية – القسم الثقافي – في العدد 12964 – الصادر في يوم الجمعة 1/رجب/1424 هـ – الموافق 29/آب/2003. ونظرا لأهمية القصيدة – في هذا الظرف بالذات – إرتأينا أن نقرأها من زوايا مختلفة، بغية تسليط الضوء عليها، وإبراز جواهر معانيها، وعمق استنباطات قائلها، باعتبارها واحدة من معلّـقات هذا القرن "ق21" بكل ما تحمله كلمة "معلـقة" من مضامين معرفية، إضافة الى كون القصيدة تُبرز مسؤولية الشاعر أزاء ما يحدث حوله من أمور جسام،، تحّرك فيه وازع الإبداع ووازع الموقف، فيصبح فاعلا ومنفعلا، في لجّة الأحداث، وبالتالي يعلن صوته الرافض ضد كل ما يُسي الى كيانه الحضاري، ومحموله الثقافي وانتمائه القومي، ومن ثم رفضه المطلق لكل محاولة تريد تهميشه – كمبدع – وتكميم صوته – كإنسان – لذلك أطلق سميح القاسم، هذه القصيدة – بغداد – ليقول كلمته في هذا العصر، عصر العولمة الأمريكية، والإذلال العربي والسكوت المطلق، لأنه يعي معنى الموقف ومعنى الكلمة. *الضيم التاريخي، تلبّس الشاعر سميح القاسم منذ ولادته وحتى هذه اللحظة، إذ انه وَلدَ في ظل الإحتلال الصهيوني لفلسطين، وما زال يُعاني منه ومن العرب الذين ساهموا في خلقه، لذلك كان إحساسه المرهف شديد التأثر بالظروف المحيطة به، فأخذ يقاوم بكلمته، حالما وخزهُ الوعي الوطني، منذ نعومة أظفاره، فقال كلماته اللاهبة بين سطور أشعاره، والتي ضمتها دواوينه وأعماله التالية: أ – أعماله الشعرية: 1. مواكب الشمس (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1958 م). 2. أغاني الدروب (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1964 م). 3. دمي على كتفي (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1968 م). 4. دخان البراكين (شركة المكتبة الشعبية، الناصرة، 1968 م). 5. سقوط الأقنعة (منشورات دار الأداب، بيروت، 1969 م). 6. ويكون أن يأتي طائر الرعد (دار الجليل للطباعة والشنر، عكا، 1969 م). 7. رحلة السراديب الموحشة / شعر (دار العودة، بيروت، 1969 م). 8. طلب انتساب للحزب / شعر (دار العودة، بيروت، 1970 م). 9. ديوان سميح القاسم (دار العودة، بيروت، 1970 م). 10. قرآن الموت والياسمين (مكتبة المحتسب، القدس، 1971 م). 11. الموت الكبير (دار الآداب، بيروت، 1972 م). 12. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم (منشورات صلاح الدين، القدس، 1971 م). 13. ديوان الحماسة / ج 1 (منشورات الأسوار، عكا، 1978 م). 14. ديوان الحماسة / ج 2 (منشورات الأسوار، عكا، 1979 م). 15. أحبك كما يشتهي الموت (منشورات أبو رحمون، عكا، 1980 م). 16. ديوان الحماسة / ج 3 (منشورات الأسوار، عكا، 1981 م). 17. الجانب المعتم من التفاحة، الجانب المضيء من القلب (دار الفارابي، بيروت، 1981 م). 18. جهات الروح (منشورات عربسك، حيفا، 1983 م). 19. قرابين (مركز لندن للطباعة والنشر، لندن، 1983 م). 20. برسونا نون غراتا: شخص غير مرغوب فيه (دار العماد، حيفا، 1986م). 21. لا أستأذن أحدًا (رياض الريس للكتب والنشر، لندن، 1988 م). 22. سبحة للسجلات (دار الأسوار، عكا، 1989 م). 23. أخذة الأميرة يبوس (دار النورس، القدس، 1990 م). 24. الكتب السبعة / شعر (دار الجديد، بيروت، 1994 م). 25. أرض مراوغة. حرير كاسد. لا بأس (منشورات إبداع، الناصرة، 1995م). 26. سأخرج من صورتي ذات يوم (مؤسسة الأسوار، عكا، 2000 م). ب – السربيات: 1. إرَم (نادي النهضة في أم الفحم، مطبعة الاتحاد، حيفا، 1965 م). 2. إسكندرون في رحلة الخارج ورحلة الداخل (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1970 م). 3. مراثي سميح القاسم (دار الآداب، بيروت، 1973 م). 4. إلهي إلهي لماذا قتلتني؟ (مطبعة الاتحاد، حيفا، 1974 م). 5. ثالث أكسيد الكربون (منشورات عربسك، حيفا، 1976 م). 6. الصحراء (منشورات الأسوار، عكا، 1984 م). 7. خذلتني الصحارى (مطبعة فينوس، الناصرة، 1998 م). 8. كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه (مؤسسة الأسوار، عكا، 2000 م). ج – أعماله المسرحية: 1. قرقاش (المكتبة الشعبية، الناصرة، 1970 م). 2. المغتصبة ومسرحيّات أخرى (دار الكاتب، القدس، 1978 م). د – الحكايات: 1. إلى الجحيم أيها الليلك (منشورات صلاح الدين، القدس، 1977 م). 2. الصورة الأخيرة في الألبوم (دار الكاتب، عكا، 1980 م). هـ – أعماله الأخرى: 1. عن الموقف والفن/ نثر (دار العودة، بيروت، 1970 م). 2. من فمك أدينك / نثر (الناصرة، 1974 م). 3. كولاج / تعبيرات (منشورات عربسك، حيفا، 1983 م). 4. رماد الوردة، دخان الأغنية / نثر (منشورات كل شيء، شفاعمرو، 1990م). 5. حسرة الزلزال / نثر (مؤسسة الأسوار، عكا، 2000 م). و – الأبحاث: · مطالع من أنطولوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام / بحث وتوثيق (منشورات عربسك، حيفا، 1990 م). ز – الرسائل: · الرسائل/ بالاشتراك مع محمود درويش (منشورات عربسك، حيفا، 1989م). * * * * لم تكن بغداد مجرد إسم لمدينة عربية، بل هو تراكم كمي لمخزون حضاري - تاريخي، أفرزته الحضارة البابلية، وعلمت عليه ألواح سومر، وأنضجته الأبجدية العربية، وشذبت خصائله الفلسفة الإسلامية المتلاقحة مع الثقافة اليونانية، وَرَعتهُ الخلافة العباسية، بعد أن أولدتهُ من رحمها وحياضها، فكان الإسم دلالة تاريخية - حضارية اختزلت العصور، وتخطّت آفاق المعرفة، فصار الشاخص الثقافي الذي تدور حولهُ ثقافة العرب. وأصبح كل اهتزاز لهذا – الشاخص – يؤثر بالوجدان العربي، إن على الصعيد السياسي أو الثقافي، حتى وإن كان هذا الإهتزاز من داخل "الشاخص" نفسه. وأوّل من يتأثر بهذا الإهتزاز هو الوسط الثقافي، لاسيما الشعراء منه، لذلك نشاهد شعراء العصر العباسي – بكامل محيط الخلافة – قد تأثروا بالأحداث التي وقعت في بغداد إثر الصراع السياسي بين الأمين والمأمون وعند انتقال – رمزية الشاخص – من بغداد الى سامراء " سُرَّ مَنْ رأى" أيام المعتصم، اذ برزت "مطولات وقصائد" ترثي بغداد وما حَلَّ بها، محمّلة وزر الأحداث على مُشعلي فِتَنِها، لاسيما – الحكّام –. ومن تلك "المرثيات" كانت: "رائعة أبي يعقوب الخُريمي" التي يقول، في بعض أبياتها – المنظومة على المنسرح –: (1)
وعلى منوال الخريمي يحذو بعض فتية بغداد، وهم يبكونها، فقد نقل الطبري في تاريخه، والمسعودي في (مروجه). (3)
*وحسرة المثقّف على بَلَده أحرُّ من حسرة الإنسان العادي، لأن عامل الإبداع في روحه أكثر إيلامـًا لها، فاحتراقه يوغل في كامل كيانه، فيعبّر عن هذا الأحتراق بأدبٍ مكتوب، كي يبقى مع بقاء الحدث، ويُذكر مَعهُ ساعة الإستذكار، ومن هذه الناحية خَلّدَ الأدباء أقوالهم وأشعارهم في مثل هذه الأحداث الجسام، فهذا عمرو بن عبد الملك الورّاق، يُبكي بغداد ، بنونيّة قاتلة، نظمها على بحر البسيط، فكانت بحرًا من اللوعات، يقول هذا الورّاق: (4)
ويتناوح مع عمرو الورّاق شاعرٌ أعمى إسمه عليّ بن أبي طالب، كإسم الخليفة الراشدي الرابع (5) فيُرثي بغداد، نتيجة حرب الأخوين – الأمين والمأون، بقصيدة عصماء رائية نافت على الأربعين بيتـًا، منها: (6)
وحين تَحّول صولجان الخلافة العباسية في عهد المعتصم الى "سُرَّ من رأى" أي – سامراء – الحالية، كعاصمة بديلة عن بغداد، نتيجة كُره أهل بغداد لجنود المعتصم الأتراك، إخشوشنت طباع الناس على الخليفة والخلافة، وحَسّوا أن هناك مُجافاة متعمدة من "السلطان" لتجاوز هذا – الشاخص – الحضاري، فانفعلت قريحة الشعراء لذلك الحَدث، وتألموا لهذا التحوّل، وكان دعبل الخزاعي ومحمد بن عبد الملك الزيّات، أشهر الشعراء الذين بكوا بغداد ورثوها، يقول الزيّات: (7)
ليسَ فقط رؤية الشعراء تتحدّد في رقعة مكانية ما، ولكن بصيرتهم النافذة تتخطّى تلك الرقعة الى غيرها من الأمور، لاسيما في مسألة سياسة الدولة وشؤون الرعية، وانغماس "السلطان" في الملذات وترك أمور الدولة، دون رقابة أو حسيب، الأمر الذي يدقُّ ناقوسه الشعراء، قبل وقوع الأحداث القاصمة للظهر، فكانوا يسبقون الأحداث بالتنبيهِ عليها، فهذا المجد النشابي (ت657هـ) يصف أحوال الناس في بغداد وسوء سياسة الخلفاء فيها، قبول سقوطها على يد المغول سنة 656هـ/1258م: (8)
وحين لم يصغ الخُلفاء العباسيون الى إنذارات الوسط الثقافي وأجراس الشعراء، سقطت بغداد، وَوَضع المغول السيف في رقابِ أبنائها مُدّة أربعين يوما، كما يقول إبن الفوطي (9)، فيما سقطت بغداد خلال ليلة وضُحاها في ظل "صدام الطاغية" ليلة 9/10 نيسان 2003 م؟! عند سقوط بغداد العباسية، أستشعر الناس سقوط الحضارة العربية - الإسلامية، وليس فقط سقوط الخلافة، ومن هناك، كانت مرثيات ذلك الأوان بمثابة نواقيس دائمة الرنين في آذان الزمن والدهور القادمة، ولكن مَنْ سمع تلك المرثيّات؟ّ! يقول الشيخ تقي الدين إسماعيل بن إبراهيم التنوفي /ت 672 هـ/ وهو ينوح على بغداد، بعد سقوطها، بقصيدة طويلة، تقع في 66 بيتـًا كما يقول إبن تغري بردي(10)، يقول في مُفتتحها:
ومن الشعراء الذين أدمت قلوبهم لسقوط بغداد وبكوا عليها بُكاءً مُرّ ًا، كان أبو عبد الله محمد بن الحسين الموصلي، المعروف بابن الشروني، فرثاها قائلا:(12)
ويلحق موفق الدين القاسم بن أبي الحديد /ت 656 هـ/ بركب الباكين على بغداد فيرثيها بحائية، ملؤها الحزن والأسى، يقول فيها: (13)
ومن هناك، عند طرف الخلافة الشرقي /بلاد فارس/ ينفلت سعدي الشيرازي برائيّة طويلة، تقع في 91 بيتا، نظمها على البحر الطويل، مذكرّ ًا ممدوحهُ "أبي بكر سلطان البلاد" بفجيعة الإسلام بسقوط بغداد على يد المغول، يقول فيها: (15)
* وهناك شاعر آخر رثى بغداد في خمس ِ قصائد هو شمس الدين محمد بن أحمد الكوفي /ت 676 هـ/ ، تطرق الى ذكرها محمد بن شاكر الكتبي (18) الأولى سينيّة، من الخفيف، والثانية قافيّة، من البسيط، وثالثة، كافيّة، من البسيط أيضًا، والرابعة، ميميّة، من الكامل، والخامسة نونيّة، من الكامل أيضًا (19)، وهنا، سنقتطف، بعض المقطوعات من هذه القصائد، كي تكون لنا مقارنة نقدية لشعر المراثي، بين الأوان العباسي وعصرنا الراهن، حول بغداد تحديدا. يقول شمس الدين الكوفي، في ميميّتهِ:
وفي "النونيّة" ينفجرُ الوجد عندهُ فيقول في مطلعها:
|