|
|
|
|
د.خير الله سعيد |
|
موسوعة الورّاقة والورّاقون في الحضارة العربية الاسلاميه المقدمة : - أهمية العمل : تعد الثقافة، لأي شعب من الشعوب، المقياس الحضاري، الذي يميز _ كمَاً ونوعاً _ هذا الشعب عن ذاك، وهذا البلد عن سواه، وتعد صناعة الكتاب والمدونات الأخرى، من أبرز تلك العلامات للمفاضلة فالموشور الحضاري،إذا ما جرت المقارنة بين مختلف الحضارات، إذ أن » الثقافي « هو المقياس الأبرز في تلك المقارنات، ومن هذا » الثقافي« تشمخ الثقافة المكتوبة، أولاً، وتليها الثقافة الشفهية، ثانياً، بمعنى أن الأبعاد المعرفية، لهذه الحضارة أو تلك، تنطلق أولاً من المخزون الثقافي بشقيه » الفلكلوري والعلمي المدون « وعلى هذا الأساس تميل بوصلة التنافس الحضاري في هذين البعدين، ومن هنا نفهم أهمية المكتشفات » الآركيولوجية « واهتمام غالبية الدول فيها، بل ويكاد يلحظ اشتراك أغلبية دول العالم في » نبش وتحقيق « تلك المكتشفات الأثرية، للعهود القديمة، ولاسيما تلك التي وجدت في بلاد ما بين النهرين "حضارة سومر " وبلاد وادي النيل " الحضارة الفرعونية "إذ أن هذه المكتشفات تظهر للعالم كيف كـان " العالم القديم" يعيش حياته، ويسير أمور معاشه، ويسجل تاريخ سلالاته، وتاريخ شعوبه، وعلى أيّ أرضية يستند في ذلك التاريخ، وما هي سبل حفظ تلك المآثر، وكيف ظهرت " المدونات" بتعاقب الأزمان . إلى أن تتكشف للباحث سبل حفظ ذلك التراث، وآليات، وأشكال الممارسات العملية في ذلك، حتى يتم الكشف عن " سر"حياة تلك الشعوب، لا سيما تلك التي احتلت مكان الصـدارة - تاريخياً -في النمو الحضاري، وأثرت في بقية الحضارات التي توالت بعدها، أو تفاعلت معها، ونقصد بذلك حضارة سومر العريقة . وبغية فهم جدلية " السابق يفسر اللاحق " فإن المتواليات الحضارية لبلاد الرافدين، تستوقف الباحث، الذي يروم البحث عن التواصل الثقافي، بين حضارة سومر - القديمة - وحضارة العراق - الحديثة - والتأثير المتبادل / ثقافياً / في الوسط الاجتماعي، باعتباره الوعاء الحامل لذلك التراث الســومري، والمنطلق نحو الحضارة الإسلامية ، حاملاً بطريقه، كل العلامات الدالة على النضج في المجال الثقافي، عبر الحقب التاريخية المتوالية، التي أنجبت ذلك الشعب، وأعطته هويته الثقافية، ومن ثم انطلق منها لاستكمال صيرورة البناء الحضاري، عندما استقرت الخلافة الإسلامية « في العهد العباسي في بغداد ،كعاصمة للخلافة، وكمركز ثقافي عالمي، يبدأ مرحلة جديدة من التطور والرقي في مختلف العلوم، الأمر الذي فرض قانونيته على ذلك الحامل الاجتماعي، لأن ينهض بالمسؤولية الثقافية، التي أنيطت به، بحكم التاريخ، وعليه أدرك هذا » الوسط « تلك المسؤولية، وراح يتفاعل مع حكم التاريخ ، ليربط ثقافة تلك الفترة الذهبية بما سبقها من تواريخ تمت لذات الحامل بصلة، وذلك من خلال إيجاد عملية " الوراقة " تلك المهنة الحضارية - الثقافية، والتي أوجدها - الوسط الاجتماعي - قبل أن يفرضها - الوسط الرسمي - ممثلاً بالخلافة العباسية، وهذا الأمر، يؤشر على مدى وعي » الحامل الاجتماعي « لمعنى الضرورة التاريخية في سياقها الحضاري، وبذا تكون هذه / الإلتفاتة/ بمثابة، نقلة حضارية كبرى في تاريخ الثقافة العربية - الإسلامية، إذ سن هؤلاء الوراقون « سنة » الثقافة المكتوبة بكتاب جامع لكل فن من الفنون . ومن هنا ندرك أهمية هذا الإنجاز الثقافي، بشكل عام، على صعيده العالمي، وبشكل خاص على الثقافة العربية - الإسلامية فمن المعلوم أن صناعة الكتابة والكتاب تعد من أهم الصناعات البشرية وأنفعـهـا، عبر مختلف العصور، ويعتبر زمن اختراع الكتابة،هو الحد الفاصل بين العصور التاريخية وعصور ما قبل التاريخ . وليس اعتباطاً أن يجري ربط " التاريخ الثقافي " للأمم بنشوء الكتاب، فقد جرى استعمال وجود الكتابة باعتباره خطاً فاصلاً بين ما قبل التاريخ . . وضمن هذا التفاضل التاريخي، يمكن النظر إلى تاريخ العراق في هذه القضية المحورية » تاريخ الثقافة « اذ أنــه يمتلك إرثاً كبيراً ، فهـو مهد الحضارات الأولى ، ومبدع أولى الصيغ المتطورة للكتابة، ابتداءً »بسومر « وانتهاءً بالخلافة الإسلامية ، كما أوضحنا أعلاه ، وبغض النظر عن الإنقطاعات الثقافية ، فيما بين نشوء الحضارة في العراق وصيرورة الكيان العربي - الإسلامي، إلاّ أننا نستطيع أن نعثر على استمرارية خفية لما يمكن دعوته بـ " روح الكتابة " في هذه المنطقة من العالم، وليس صدفة أن تنشأ أولى المدارس اللغوية والخطيّة العربية في الكوفة والبصرة، يمكن القول بصيغة أحرى، إن تاريخ الكتابة في العراق يتميّز بخصوصية فريدة . وقد وجدت هذه الخصوصية انعكاساتها الكبيرة في "المرحلة العبّاسية " وهذه المرحلة، ليست وريثة الخلافة الراشدية والأموية وحسب بل، وكل تراث المنطقة ، الفارسي، الهندي، اليوناني، السرياني …الخ . لقد شكلت المرحلة العباسية الانعطاف الأكبر في توليف مختلف الثقافات وصهرها في بوتقة الثقافة العربية ، الأمر الذي أعطى للكتابة دورها المتميز في ترسيخ الإنجازات العلمية والأدبية ، وإعادة إنتاجها من خلال نشوء فئة متميزة في الثقافة هي فئة الوراقين . إن نشوء هذه الفئة، يعكس في آن واحد متطلبات الثقافة وإعادة إنتاجها، إذ أنه حدد بدوره قيمتها التاريخية والعلمية من جهة، وأهميتها الأدبية والروحية والجمالية، من جهة أخرى . إن قيمتها التاريخية والعلمية، تتبلور في حفظها الإنجازات الثقافية وإيصالها لنا،ليس إبداعات الحضارة العربية – الإسلامية فقط ، وإنما أيضاً كتابات الفلسفة الإغريقية، والأدب الهندي والفارسي . أمّا قيمتها الروحية والأدبية والجمالية ، فتقوم في استلهامها البعد الحقيقي للثقافة العربية - الإسلامية ، باعتبارها ثقافة كلمة ، فكلمــــــة " قرآن " لها علاقة بكلمة قراءة، » والحديث « له علاقة بالكلام . واللاهوت الإسلامي ارتبط بمفهوم الكلمة "الكلام "، والأدب، سواء في الشعر أو النثر، تفنّن بصناعة الكلمة، وكذلك الرسم والنحت، وفن العمارة، مرتبط وثيق الارتباط بالكلمة العربية . ومهنة "الوراقة "أوجدت الإحساس الفني عند الوراق، لا سيما في مسألة "الخط العربي " وتجويده، حتى أصبح مفهوم /حسن الخط / من الركائز الأساسية في عمل الوراق، الأمر الذي أفرز أنواعاً جديدة من الخطوط العربية، رافقت الوراقين في مهنتهم، ومن ثمّ برز نمط متخصص من الوراقين، استقل بفن الخط، وأصبح "الخط العربي " فناً قائماً بذاته، برز فيه أعلام مشهورون . إضافة لذلك، إن مسألة " الاستقلال الفكري " من أهم عوامل وجود مهنة الوراقة، فأغلب الوراقين كانوا من رجال الفكر والفلسفة والأدب والدين واللغة، مـمّـا فرض عليهم أن لا يكونوا تحت "بطانة "أحد، لذلك مالوا إلى ابتداع هذه المهنة، لحفظ كرامتهم، من ناحية، وعدم الاعتماد في المعاش على مؤسسة حكومية، إضافة إلى نشر أفكارهم بعيداً عن أيّ تأثير أيديولوجي، من أي طرف كان . كل ذلك يكشف عمّا للكتابة والخط من أثر هائل في فهم الثقافة العربية - الإسلامية، ومن هنا، فإن دراسة تاريخ الخط العربي وتاريخ الوراقين أنفسهم، باعتبارهم الفئة الحاملة للمخزون الثقافي، لا يمتلك قيمة عالمية مجردة فحسب ، بل وعملية أيضاً، انطلاقاً من أن اللغة والكتابة هما كيانات حية . وعلى هذا الأساس، كان التفاعل الثقافي - عند الوراقين - ومهنتهم، يأخذ طابعاً تفاعلياً، بين الحِرفية والإبداع، من جهة وبين الوعي والثقافي والمسؤولية الشخصية، من جهة أخرى . ومن هنا، تنبع أهمية العمل ، الذي قمنا برصده وجمع مادته وتحليله، وتوثيق مصادره، لمدة زادت على 22 سنة، من البحث والتنقيب، والمتابعة والتقصي، وتحقيق الخبر في مظانّه و مراجعه، والمسألة ليست مجرد نزهة، كما قد يتصور البعض، بل هي _ مسؤولية الكلمة - التي نقولها، أو ننقلها، على اعتبار، أن تاريخ الكلمة، هو تاريخ ثقافي، يحدد مسؤولية كل شعب من الشعوب، وهو في الوقت نفسه ، الأمانة التاريخية في وعي الباحث، لتتبع مسار الكلمة الصحيحة، عبر كل المطبات والمنعطفات، في كل مرحلة . وعلى أساس من هذه الأمانة التاريخية . كان مشوارنا في هذا البحث، والذي أخذ كل هذا الوقت، إذ أن ظاهرة الوراقة والوراقين في الحضارة العربية - الإسلامية، هي واحدة من أبرز المعالم في المدنية والتحضّر التي أفرزها العصر العباسي، وبدورها هي، أفرزت تلك الفنون المتعددة، وأنبجست عن خواص ثقافية أخرى، دلت عليها بالشاهدة والمكان، والأثر والعين، منها - المكتبات - وفن الزخرفة، والترجمة، وغير ذلك من أمور إبداعات الثقافة للكلمة المكتوبة أن موضوع الدراسة الموسوعية هذه، يحمل بعنوانه "الوراقة والوراقون في الحضارة العربية - الإسلامية " هو محاولة أولى وجادة ، غير مسبوقة في البحث الدقيق حول إيجاد دراسة متكاملة لبدء نشوء صناعة الكتابة في الحضارة العربية - الإسلامية، وإثبات دليل معرفي، كمرجع تاريخي، يؤكد وجود هذه الظاهرة في التاريخ العربي - الإسلامي،يلم بالجوانب المعرفية وشواهدها كافة ، على أساس من البحث العلمي - الأكاديمي – وفي الوقت نفسه يشير إلى أناس كانوا هم صنّاع هذه الظاهرة، باعتبارهم الأداة الأولى والفاعلة لوجودها، وبالتالي هم الشهود الحقيقيون على ذلك الوجود التاريخي في البعدين الزمني والثقافي، ناهيك عن فتح الآفاق لنظريات جمالية ومعرفية في فنون الخط والتجليد والتذهيب، وأساليب الكتابة والتصنيف، ورسم المناهج في إعداد الكتب وطباعتها ، على أسس دقيقة، لا تتغير في المعنى، بل تزيد التركيز على الفكرة المعرفية، رغم اختلاف الأساليب وتعدد الوسائل، فلقد أوجدت هذه المهنة، عند الورّاق، الإحساس بالجمال معنى ورسماً وتدويناً، وخلقت له الألفة المحبّبة بين العين والحرف، حتى غدا التماثل بينهما شيء لا ينفصل . هدف العمل : تهدف هذه الدراسة الموسوعية إلى تسليط الضوء على ظاهرة الوراقة والوراقين في الحضارة العربية الإسلامية، أو ما يعرف اليوم، على الصعيد المهني ب " دور النشر" والدور التاريخي الذي اضطلعوا به، باعتبارهم صانعي أسس الثقافة العربية - الإسلامية، على الصعيد المهني والثقافي والإنساني، وفي الوقت نفسه الإشارة إلى المراكز الحضارية الإسلامية التي تبرعمت فيها هذه الظاهرة الثقافية، بدءاً من بغداد كعاصمة للخلافة العباسية، ومروراً بدمشق والقاهرة وأشبيلية وبلاد فارس وبقية أطراف الخلافة الإسلامية، الممتدة بين حدود الصين شرقاً وأقاصي الأطلسي غرباً، مارّة بتأثيراتها في كل الإثنيات والأعراق والثقافات المتواجدة في تلك الأماكن الجغرافية، لذلك تنطلق هذه الدراسة - الموسوعية - من بغداد إلى أن تصل إلى تلك البقاع أو الأمصار الإسلامية المذكورة، لتؤشر بشكل إيجابي في النهوض الحضاري، في تلك الأماكن، رافدة كل ثقافات تلك البلدان "الأمصار الإسلامية " بمنهج معرفي يعلّمهم أسلوب "صناعة الكتابة والكتاب" وفق شرائط مهنية و إبداعية يظهر فيها التأثير الإسلامي واضحاً، من الناحيتين العقدية والحضارية، وفي الوقت نفسه يبين دور الإنسان المبدع في عملية الخلق الثقافي، في شروط زمنية واجتماعية محددة، رغم اختلاف ظرفي الزمان والمكان، من بلد لآخر، ومن شخص لسواه، ولكن يبقى القلق المعرفي هو الخيط الرابط بين كل هؤلاء الوراقين،مبدعي هذا العمل الحضاري، المؤثر والفاعل في ثقافة العرب والمسلمين في العصر الوسيط، وامتداد تلك المؤثرات في آننا الحالي، وحتى هذه اللحظة . ومن أجل بلورة الغاية والهدف المعلن أعلاه، وضعنا المهمات التالية نصب أعيننا، بغية إضفاء الصدق والشرعية التاريخية للعمل: 1. تحليل ماهيّة العمق الحضاري - السومري - البابلي، وامتداداته التاريخية في الوعي والصيرورة الاجتماعية على مناطق العراق وشبه الجزيرة العربية، وبلاد الشام، وكيف بدأت تلك الحضارة الرافدية، بوضع الخطوات الأولى لصناعة الكتاب والكتابة، كمؤشر حضاري لإنسان البيئة تلك، وأهمية وجود الإبداع في عقله، في المسألة الثقافية، كي يوصل حضارته إلينا، مشفوعة بتراث هائل من المكتبات والرقيمات في مختلف العلوم الإنسانية، وليعطي في الوقت نفسه المعنى الجوهري للإنسان، باعتباره سيد الخليقة، وعقله المميز على سائر المخلوقات، وعليه إثبات تلك الميزة، من خلال عمله الإنساني في كل مرحلة من مراحل التاريخ . 2. - تحليل ماهية الوراقة والوراقين، وأثرهم في تطوير صناعة الكتاب وتطور فنون الخط العربي والتجليد والتذهيب، وبروز فن الزخرفة "الأرابسك " كمرافق لفن الخط والتزويق في بناء العمارة، ضمن الطراز الإسلامي العام، وضمن خصوصّيته المحلية (خاص ) في هذه البيئة أو تلك. 3- تقديم صورة جامعة عن الوراقين وأخلاقهم ومعاناتهم، وسلوكهم الاجتماعي والسياسي في تلك الفترة الزمنية، من عمر الخلافة الإسلامية في عصرها الذهبي - العصر العباسي . 4 - دراسة الكيفية التي منهجوا على ضؤها صناعة الكتاب العربي،وتأثير الوعي الديني - الإسلامي - في أخلاقية العمل الإبداعي . 5 - الكشف عن دور " سوق الوراقين " وأهـميتــه في هذا البلد أو ذاك، انطلاقا من سوق الوراقين ببغداد، وموقع هذا السوق في الحياة الثقافية العامة . 6 - البرهنة على ثقافة الوراقين الواسعة، وحسهم المعرفي العالي، وكيفية بناءهم الفكري، ودورهم في رفع الوعي الثقافي لدى جمهورالناس، ومن مختلف المشارب والملل . 7 - إثبات الدور الحضاري لمهنة الوراقة، في الثقافة العربية - الإسلامية، كإبداع أفرزه الوسط الاجتماعي، الحامل للثقافة . 8 - إيجاد الدليل والبرهان القاطع على سعة الثقافة العربية، وتلاقحها مع بقية الثقافات العالمية / هندية، فارسية، يونانية / وذلك من خلال "توريق وترجمة " كتب تلك الثقافات إلى الثقافة العربية - الإسلامية . المرحلة التي تتناولها الدراسة : يؤرخ موضوع الدراسة الموسوعية من فترة ظهور مدينة بغداد كعاصمة للخلافة العباسية سنة 145 هـ/757 م، إلى سنة سقوطها على يد المغول - التتار سنة 656 هـ/ 1258 م، كمفصل رئيسي وأساسي، إلا أن مديات البحث امتدت إلى نهايات القرن 8 هـ/ 14 م، حيث ظهرت هناك - في بعض الأمصار الإسلامية، الأندلس - مصر - فارس، استمرار للتعاطي مع مهنة الوراقة، رغم سقوط الدولة العباسية، وبداية النكوص الحضاري للثقافة العربية - الإسلامية وهذه الفترة - لاسيما الأولى منها - شهدت أوج الازدهار الحضاري، على يد الخلفاء الأكفاء من بني العباس، من أمثال (أبو جعفر المنصور 138 - 158 هـ / 750 - 790 م) ، وهو باني مدينة بغداد، و (هارون الرشيد 170 - 193 هـ / 782 - 805 م) ثم ابنه (عبدالله المأمون 198 - 218 هـ / 810 م - 830 م)، وهؤلاء الخلفاء، كانوا ميالين للثقافة والعلوم، الأمر الذي أعطى دافعاً قوياً لتطور مختلف العلوم والفنون، إذ تطورت الوراقة وصناعة الورق في بغداد ودمشق والقاهرة المعزية - أيام الفاطميين - لاسيما الخليفة المشهور ( المعز لدين الله الفاطمي) وكذلك تجاوبت الأندلس الأموية، مع هذا الإيقاع المتصاعد، حتى غدت إشبيلية المنافس الأرأس لبغداد في الوراقة والتوريق، حيث لعب الخلاف السياسي بين الدولتين - الأموية والعباسية - دوراً أساسياً في تطوير صناعة الكتاب، وثقافة الكلمة ، إذ كانت إشبيلية تستقطب كل وافد إليها من أهل المشرق، لاسيما أصحاب الإبداع في الفن والكتابة . مستوى دراسة البحث : إن موضوعاً حضارياً - ثقافياً، كموضوع " الوراقة "أو صناعة الكتاب، هو موضوع عالمي، يخص كل شعب من الشعوب أو أمّة من الأمم، وهو في الوقت نفسه ، موضوع يخص الحضارات العالمية المختلفة . والمتتبع للحضارات القديمة، كالسومرية والبابلية والأكادية والفرعونية، والإغريقية والصينية، يتلمس تلك الكتابات، التي كانت تكتب على الطين والرقم، أو أوراق البردي والخشب، وعلى الصخور، والرقوق ولحاء الأشجار،وغيرها، بغية حفظ تراث تلك الحضارات، وهو ما وصل إلينا عبر الدراسات الآركيولوجية . وتعد الحضارة الفرعونية / الألف الرابع قبل الميلاد / أقدم الحضارات التي اكتشفت ورق الكتابة من قصب البردي، والتي ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم في مصر، وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الفينيقيين / الألف الثالث قبل الميلاد / والذين سكنوا الساحل الشرقي للبحر المتوسط، قد توصلوا إلى إيجاد " أول أبجدية " للغتهم، ونشروها في كل بلدان حوض المتوسط، وحفظوها بسجلاتهم، وأودعوها في مدينتهم الخالدة " قرطاجة" . وعندما انبثق الإسلام من الجزيرة العربية، كانت مؤثرات بيزنطة وبلاد فارس، واضحة في تلك المنطقة العربية، ناهيك عن وجود الديانات السماوية فيها من "يهودية و مسيحية " وهذه المسألة تفرض على العرب والمسلمين تحدٍ حضاري وعقائدي، يفرض وجوده بين تلك الثقافات، باعتباره ديناً جديداً، خاطب العرب بلغتهم، فقد كان "القرآن "كتاب العرب والمسلمين الأول، لذلك ارتبطت به اللغة العربية أيّما ارتباط، بحيث أصبح هذا الترابط، يشكل وحدة عضوية متكاملة لا تعرف الانفصال ولا التجزؤ، لذلك انص اهتمام المسلمين الأوائل على جمع القرآن وتدوينه، وشكلت عظام الجمال وأوراق سعف النخيل وجلود الحيوانات والرقوق، المواد الأساسية الأولى للتدوين . عندما أمر الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان / 23 - 31 هـ / 648 - 655 م / بأن يجمع القرآن من صدور الرجال "الحفاظ " وأوكل تلك المهمة الجليلة والخطيرة إلى (زيد بن ثابت) وهو صحابي، من الرعيل الأول للمسلمين، وأول كاتب للوحي عند الرسول محمد /ص/ وبذا يكون هذا الصحابي هو أول وراق في الإسلام، يقوم بهذه المهمة، حيث قام بوضع منهج خاص لوراقة القرآن، اعتمدت الأمانة العلمية مبدأً أساسياً، ثم الوضوح في الخط، والتوقف عند الفواصل الواجب التوقف عندها، ولذلك سار كل من جاء بعده على المنوال نفسه ، من الصحابة المسلمين، الذين تفرغوا لنسخ المصاحف القرآنية . وعندما تطور المجتمع العربي - الإسلامي، إبان الخلافة العباسية، أصبح من الضروري فهم الفلسفة اليونانية الوافدة على المجتمع العربي - الإسلامي، الأمر الذي أبرز الحاجة إلى وجود تراجمة يحولون اللغة اليونانية إلى اللغة العربية، وما رافق ذلك من تطور ثقافي، فرض وجود الوراقين ،لنسخ الكتب المترجمة، وإيجاد المتخصصين بذلك الفن . ويعد ابن النديم ، وهو من أشهر الوراقين في العصر العباسي، أول من صنف كتاباً يتطرق لسيرة هؤلاء العلماء والأدباء والفلاسفة والمترجمين والوراقين، بكتابه الهام " الفهرست " وهذا الكتاب - الفهرست - يعد أول التفاتة ذكية في وضع المعاجم لتراجم الرجال في الثقافة العربية - الإسلامية، ثم جاء بعده ورّاق ثان اسمه "ياقوت الحموي " ليضع موسوعة أكبر وأضخم من »الفهرست « لحياة هؤلاء العلماء أسمها " معجم الأدباء "أو "إرشاد الأريب لمعرفة الأديب" وهذه الموسوعة تقع في عشرين مجلداً، ضمنها الكثير من تراجم الوراقين . وعلى الصعيد المهني لحرفة الوراقة، كممارسة وإنتاج للإبداع، تصدى الفقيه ( الشيخ عبد الباسط بن موسى بن محمد العلموي/ توفى سنة 981 هـ / 1593م ) لموضوعة منهجية الوراقة، ضمن الرؤية الإسلامية، وذلك في كتابه المعروف ب "المعيد في أدب المفيد والمستفيد" وتحديداً في الباب السادس من الكتاب، وظلت هذه المقالة من أقدم وأبرز ما كتب في الموضوع الوراقي، في الثقافة العربية - الإسلامية . ثم جاءت مقالة الباحث ( حبيب زيّات)، والتي حملت عنوان »الوراقة والوراقون في الإسلام« والمنشورة في مجلة »المشرق« البيروتية، الصادرة عام 1947م، وهي واحدة من أمتع الدراسات في هذا الموضوع، إلاّ أنها قصيرة لاتتجاوز 16 صفحة، إذ كانت بمثابة عرض مقتضب لبعض سيرة حياة الوراقين المعروفين، وبعض ما يعانونه في مهنة الوراقة . أما على صعيد الكتاب الأجانب - غير العرب - والذين كتبوا حول صناعة الكتب والورق والمكتبات، بشكل عام، في حضارة العرب وثقافتهم، دون التوقف الدقيق لمعرفة أسرار مهنة الوراقة في الحضارة العربية - الإسلامية، فيمكن ذكر الأسماء التالية من الباحثين : 1. R . S Mackensen : « Four Great Libraries of Medieval . - Baghdad the librar quarterly - 2/1930 N° 3 - p 279 - 292 2. F . Milku - j - : « handbuch der bibliothek, swissensch aft 1955 . 3. J . Gerny : peper and books in Ancien Egypt . London 1952. 4. ويعد كتاب »يوهانس بيدرسون« المسمى ( الكتاب العربي - منذ نشأته حتى عصر الطباعة) ترجم وطبع بدمشق 1989م، واحداً من أهم الدراسات التي استعرضت بعض أدوات الكتابة والطباعة، إلا أنه لم يتوقف مع ظاهرة الوراقة والوراقين، بشكل دقيق ، من حيث المنهج والأسلوب، وهو معذور بذلك، فربما أشكلت عليه بعض خوافي وأسرار اللغة العربية .
5.
ثم يأتي د . ألكسندر ستيبتشيفج، أستاذ علم المكتبات والكتب في جامعة
زغرب في يوغسلافيا، بكتابه الهام/ تاريخ الكتاب/ والمترجم إلى
العربية في عام
1993
م، حيث ذكر في الفصل السادس - من الجزء الأول بعض مراحل الكتابة العربية،
لاسيما في الأندلس، بعد فتحها في عام
711
م من قبل عبد الرحمن الداخل - أول خليفة أموي فيها، إذ سلط الضوء
على ازدهار المكتبات، ومعرجاً في الوقت نفسه على / بغداد / في
القرن
9
م /
3
هـ ، مشيراً إلى تطور صناعة الكتاب العربي على القوالب الخشبية، لاسيما في
مصر، ولو أنه اطلع على كتابي : ابن النديم وياقوت الحموي، المذكورين أعلاه،
لكان توسع كثيراً في موضوعة " الكتاب العربي " ولكنه / على ما أعتقد ، و
وفق ما أخبرني به - مترجم كتابه أعلاه - د . محمد الأرناؤوط - وهو خريج
يوغسلافيا، بأنه لم يعرف اللغة العربية
!
وهذا الإشكال يصعب على الكثيرين إنجاز مهمتهم المعرفية بصدد صناعة الكتاب
العربي . ينطلق البروفيسور " الكسندر ستيبتشفيج "مؤلف كتاب " تاريخ الكتاب " ¹ من أن تاريخ الكتابة يبدأ من السومريين² والشواهد على الكتابة السومرية تظهر على الرقم الطينية الصغيرة التي نقشت عليها " الكتابة التصويرية "والتي تعود إلى منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، ويضيف : “وربما يكون السومريون قد بدأوا الكتابة قبل هذا التاريخ، على مواد أخرى ذات تركيبة عضوية، وأن تكون هذه المواد قد تحللت وتلاشت للأبد” لكنه يضيف عبارة أخرى، يخضعها إلى " الشك المنهجي" الذي يحكم تصوره، باعتباره أستاذ علم تاريخ الكتاب والمكتبات في جامعة زغرب في يوغسلافيا ³ حيث يورد هذا الشك في العبارة التالية :“ ومن المحتمل أن لا يكون السومريون هم أول من توصل إلى تطوير الكتابة، كوسيلة جديدة للتواصل، أي أن يكونوا قد أخذوها عن شعب آخر غير معروف، كان يعيش قبلهم في الجزء الجنوبي من بلاد الرافدين” ويضيف أيضاً :“وربما تجدر الإشارة إلى الفرضية الجديدة التي تقول أن السومريين قد تعلموا الكتابة من أحد الشعوب التي كانت على ضفاف نهر الدانوب، وقد أصبحت هذه الفرضية مقبولة أكثر منذ أن تم العثور في عام 1961 م على الرقم الطينية التي تعود إلى العصر الحجري في منطقة تاتاريا برومانيا، فالتشابه بين الإشارات الواردة في هذه الألواح وبين أقدم الكتابات التي خلفها السومريون واضح للغاية ”. . ويضيف : “ولذلك فلقد استخلص علماء الآثار أن هذه الإشارات، بالإضافة إلى الكثيرين من أمثالها، التي تم اكتشافها قبل وبعد 1961 م في ضفاف الدانوب ، قد نشأت تحت تأثير الحضارات الكبيرة للشرق الأوسط، إلاّ أن نتائج التحاليل» الراديوكربونية« قد فاجأت وحيرت الخبراء، لأنها أوضحت أن تلك الإشارات من 1. صدر الكتاب بترجمة د . محمد الأرناؤوط - ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية ، تحت رقم 169 و 170 في رجب 1413 ه / يناير - كانون ² / 1993 م . 2. المصدر أعلاه / ص 12
3.
أنظر مقدمة المترجم للمصدر أعلاه . ونحن نرى أن “الشك المنهجي” من حق كل دارس أن يأخذ به، لاسيما إذا كان قد اعتمد على نتائج خبراء مختصين من الآركيولوجيا أو غيرها، لكن مسارات تطور تاريخ بلاد سومر، أيضاً يشير إلى مدى التأثير العالمي، الذي أحدثه السومريون في باقي شعوب الأرض- في تلك الحقب الغابرة - هذا أولاً، وثانياً، أن مركز العالم الحضاري كان في بابل، وهذا يعني أن انتقال لغة الكتابة السومرية، بحروفها المسمارية وارد جداً، فلربما نقلها سومري أو غيره من بابل إلى تلك البقاع النائية عبر البحر المتوسط، ولربما وقع أسير بابلي بيد أحد الأعداء، وهناك علّم أهل الدانوب أو غيرهم تلك الكتابة، وتاريخ المكتشفات الأثرية، منذ بدء عمليات التنقيب الآركيولوجية، كلها تشير إلى "أن التاريخ يبدأ بسومر" وعلى هذا الأساس ، كان شك الخبراء الذين حللوا تلك الإشارات بواسطة "التحاليل الراديوكاربونية " ولو كانت للدانوب حضارة سابقة على بلاد سومر لما خفيت على علماء الآثار، وعلى أساس صحة التاريخ وقدمه، يعترف ستيبتشييفج في نهاية مقالته “بأن السومريين هم أول من ابتدع الكتابة التصويرية، ثم طوروها إلى نظام كتابي تضفي عليه السمات الصوتية” ² . أما المستشرقين الروس، والذين انتبهوا إلى صناعة الكتاب العربي والورق في الحضارة العربية - الإسلامية، فيسجل السبق في هذا الميدان إلى المستشرق الروسي الكبير " آ - غ كراتشكوفسكي " وهو مخضرم من العهدين - القيصري والسوفيتي - حيث كان أول من ترجم القرآن إلى اللغة الروسية، واهتم بالأدب العربي أيما اهتمام، وهو بهذا يكون قد فتح الباب أمام المستشرقين الروس للدخول إلى الثقافة العربية – الإسلامية . أما أهم باحث روسي من المستشرقين كتب عن الخط والمخطوطات العربية، والذي لامس بشكل قريب موضوعة الوراقة فهو - البروفيسور - الراحل خاليدوف .KHALEDOF)) A . B) ) من معهد الإستشراق في سان بطرس بورغ - بمقالتيه - باللغة الروسية، الأولى بعنوان » الثقافة الكتبية « والمنشورة بكتاب " دراسات في تاريخ الثقافة العربية " والمطبوع بموسكو عام 1982 م . ومقالته الثانية، تحت عنوان » المخطوطات والكتب في الثقافة العربية . والمنشورة في كتاب » مخطوطات الكتب في ثقافة الشعوب « الصادر من معهد الإستشراق في موسكو عام 1987 م . ثم تليه المستشرقة الروسية » ي . ن ميشيرسكايا "بمقالتها "مخطوطات الكتب السورية " والمنشورة في الكتاب نفسه السابق أعلاه والصادر من معهد الإستشراق في موسكو، وقدّ يسَّر لي الوقت للإلتقاء يها في إحدى الندوات العالمية حول الثقافة العربية ، إذ كانت من المشاركات، ثم تأتي - ثالثاً - المستشرقة الروسية " ل . ف ديمتريفا بمقـــالتهــا "المخطوطات من الكتب - التركية والعربية " - والمنشور بالمصدرنفسه.. ومن الجدير بالتأكيد عليه / هنا / أن مقالتي خاليدوف من أكثر الدراسات عمقاً وتحرياً في بعض جوانب صناعة الكتاب العربي كمخطوط وكان حري به أن يطور تلك الدراسات في كتب مستقلة لا دراسات منفردة ضمن كتاب مشترك، وكان قادراً على ذلك، إلا أن - رداءة الأحوال الثقافية في روسيا - بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كان عائقاً كبيراً لنشر أيّ ثقافة عربية ـ إسلامية في روسيا الاتحادية . الجديد في البحث : إن متابعاتنا الدقيقة والحثيثة لموضوعة صناعة الكتاب العربي، أو ماأطلقنا عليه تسمية (الوراقة والوراقون في الحضارة العربية الإسلامية) ، ومقارنة بكافة دراسات المستشرقين والمختصين في الثقافة العربية، حول هذا الموضوع نقول بثقة أكيدة : إن دراستنا هي أول دراسة في العالم العربي والإسلامي تتصدى لموضوع - صناعة الكتاب العربي - بكل جوانبه، التاريخية والعلمية والفنية والمهنية، بدءا من التبرعمات الأولى في المساجد وبيوت العبادة، إلى تطور الظاهرة - الوراقية - إلى أن تتخذ لها أسواقاً خاصة في المدن العراقية أولاً، مثل بغداد والبصرة والكوفة وواسط ، ثم انتقالها إلى بقية الأمصار الإسلامية، على نفس الإيقاع والوتيرة . وقد قمنا برصدٍ دقيق لهذه الحركة الثقافية، ومتابعة الوراقين في كل صغيرة وكبيرة، في حياتهم المهنية والشخصية، ومن ثم استطعنا أن نكشف ونثبّت في البحث، مسار تطور الخط العربي، على يد هؤلاء، وإبداعاتهم في توليد خطوط أخرى، تساعدهم في عملية فن الوراقة، لاسيما ابتداعهم خطاً يسمى الخط الوراقي حيث كان هذا وهو السائد في نسخ الكتب ، وهو أقرب شكلاً من الناحية الفنية ، إلى خط النسخ المتداول حاليا . 1. تاريخ الكتاب / ص 12
2.
المصدر السابق / ص
13
والمرحلة الثانية، هي مرحلة "النسخ والمقابلة " حينما أصبحت مهنة الوراقة تتطلب المطابقة الحقيقية على أصل المخطوط، وبمصادقة المؤلف والقراءة عليه، فصلاً فصلاً، وعند الانتهاء من ذلك، تؤخذ موافقته العلنية وأمام الناس وداخل المسجد، ويكلف شخصا أو أشخاصا محددين، يسميهم المؤلف ويعطيهم" الإجازة " ويشهد الناس عليه بذلك . أما المرحلة الثالثة، في مسار حركة تطور صناعة الكتاب، فإن مهنة الوراقة أوجدت في مسارها ما يعرف بـ" منهج التخصص بالوراقة"وهي المرحلة الأكثر نضجاً، في العملية الإبداعية للوراقين، فقد أصبح الوراق الناسخ، يتخصص بفن من الفنون، وينسخ به فقط، كالشعر أو النثر أو اللغة أو الحديث النبوي، أو التاريخ أو الفولكلور، أو الفلسفة، أو غيرها من بقية فنون الإبداع، وقد أضيف إلى هذه المرحلة تقيدات كثيرة على الوراقين، حيث توجب على الوراق أن يكون "عالماً " بتخصصه ، أي أن يكون - ناقداً - وهنا ظهر مبدأ "الحاشية " في التوريق، لتوضيح ما يقع فيه - المؤلف - من أخطاء نحوية أو لغوية أو عروضية وصححها الوراق بيده ، وهذا إبداع ثقافي، أضفى حالة من الرقي المعرفي على تقاليد الكتابة العربية الإسلامية . إذ بهذه العملية ، حافظ الوراقون على الأمانة العلمية ، في عملية النقل من الأصل - المخطوط . ثم إننا أوضحنا الفرق في المعنى لكلمة "وراق " وما المقصود منها، فهذا المصطلح يعني أن كل إنسان اشتغل بمهنة نسخ الكتاب أو تجليده ، أو تزويقه، أو خطّ عناوينه، أو التوسط في بيعه، أو بيع أدوات الكتابة، أو الورق أو الرقوق، وما لحق من أمور تخص نشر الكتاب، من حيث التوزيع، وشكل الإعلان عنه وتسويقه، وكل هذه الأمور، يقوم بها مجموعة من الاختصاصين من الوراقين ،ومجمل هذه العملية بكل إجراءاتها، تسمى الوراقة ولا يصح إطلاق كلمة " وراق " على الناسخ فقط لأنه، ضمن سلسلة متكاملة، متخصصة، فالوراق أشمل وأوسع من الناسخ . وهذا الإشكال ، هو أحد المطبات الرئيسية التي يقع بها المستشرقون الذين يعنيهم - الناسخ - فقط، من كل عملية الوراقة، والأمر ذاته ينسحب على الترجمات المختلفة، التي تنقل المصطلح» الوراق ،حيث تسميه " ناسخ « . موضوعات العمل : كأي عمل موسوعي، لابد لموضوعاته أن تكون بارزة وواضحة، لأن الباحث يهتدي بسير عمله، أثناء البحث، وهذا يعني، أن "مخطط الموضوعات " قد أعد سلفاً، ضمن الرؤية المنهجية للعمل، ولكن هذا "المخطط " يخضع إلى الحذف والإضافة، والنقصان والزيادة، بحكم طبيعة العمل المبحوث فيه، لأن سير العملية يؤكد أفكاراً جديدة، تستوقف الباحث لأن يدرجها في عمله، ومن ثم يخصص لها أبواباً وفصولا، وهو الأمر الذي /حدث/ معنا أثناء بحث هذه الموسوعة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، أملت علينا - الثقافات المتعددة، ونحن ننتقل من بلد لآخر - أن نجد مسوغ المقارنات النقدية، في ذات الموضوع، مع تلك الثقافات، فقد واجهتنا عدة أسئلة حول الموضوع، لاسيما ونحن / ندافع عن تلك الأطروحة / في روسيا الاتحادية، وبالتالي أصبحت الزيادة المفروضة على العمل من صلب الموضوع، فشغلت الحيز الخاص بها، في جسم الموسوعة، ناهيك عن التقاط بعض المظان، التي كانت غائبة عنا، أو صعوبة الحصول عليها، هنا وهناك - لاسيما في البلدان الأوربية، وهذا أيضاً فرض قانونية وجوده على العمل، وأمور معرفية أخرى، ومن هنا يلاحظ المتتبع ضخامة العمل، من حيث الحجم وكثرة العناوين الرئيسية والفرعية، حتى اكتمل هذا البناء المعرفي بعد 22 عاما من الجهد والمتابعة والتحقق والتدقيق والقلق النفسي الرهيب، والذي كثيراً ما أقض مضاجعي - في أكثر من بلد - ولازال هذا القلق كامنا في الروح إلى أن ييسر الله له، فيطبع، واستريح من عناه، ولو أن الأمل ضعيف جداً، بأن يخرج إلى النور، ولكن الأمل باق . وعلى العموم، تمركزت الموضوعات الرئيسية في هذه الموسوعة على عدة أجزاء، حيث بلغت « 6 أجزاء "كلها تخص الموضوع ذاته "الوراقة والوراقون "وكل جزء يتمم الآخر، وهي موزعة على النحو التالي : الجزء الأول : حمل عنوان: الممهدات التاريخية والحضارية،والتي سبقت ظهور مهنة الوراقة الإسلامية، أي أننا توقفنا - تاريخياً - مع الحضارات القديمة على أرض الرافدين ومصر، ودرسنا تأثيراتهـا الثقافية والحضارية، في كينونة المنطقة العربية، وصيرورتها، وما انتقل إليها من إرث تلك الحضارات، بعبارة أخرى، يمكن القول إن المورّثات الحضارية ظلت كامنة قي نفوس وأرواح تلك البقاع، ومن ثم برزت اللحظة التاريخية، لولادة جنين حضاري من تلك المورّثات، يستفيد من ذلك الموروث، وينطلق منه، ليحقق ذاته، وكان ذلك هو العصرالعباسي في تاريخ الثقافة العربية - الإسلامية، إذ فيه شمخت الحضارة العربية - الإسلامية، كما شمخت حضارة سومر و بابل ، في تلك الأزمان الغابرة، وفي الحاضن الجغرافي نفسه ، والذي اسمه العراق . ومن هنا كانت موضوعات الجزء الأول، شبه مواصلة تاريخية لربط اللاحق بالسابق، فتوزعت الموضوعات - بهذا الجزء - على بابين في ثمانية فصول : مضافاً إليه، التمهيد التاريخي للدراسات المقارنة، التي عرّجت على موضوع الوراقة من الدراسات الأجنبية، فكان الباب الأول ، يشمل الفصول التالية : الفصل الأول : تمهيد تاريخي، تمّ فيه التطرق إلى البدايات الأولى لوعي الناس، ضمن الثقافة الإسلامية، وهم يعبرون مرحلة الجهل، ونقل الأخبار مشافهة إلى التدوين والنقل، واختراع الآليات المعرفية لحفظ تراث تلك الأمة من الضياع ، فبدأ القلق المعرفي يشغل أذهان المفكرين الإسلاميين ، من العرب وغيرهم لإيجاد وسيلة معرفية يعبر بها عن هذا القلق، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، كانت أمور المسلمين تفرض عليهم معرفة مبادئ إسلامهم وقوانينه وفلسفته، كمؤثر خارجي على بنية الذات ، وتستجيب له الحالة الفردية كمبعث داخلي، لتشكل وحدة متراصة، لها ما يميزها ثقافياً وعقائدياً، فنشأ عن ذلك تبرعمات أولية على وجود ظاهرة الوراقة بدأت في المساجد الدينية ومنها انطلقت إلى رحاب أوسع شملت قارات فيما بعد . وهذه الظاهرة نشأت مع نشوء المهن الإسلامية الأخرى، فهي تشترك مع هذه المهن بالثقافة الدينية والروحية ، لكن في مجال الإبداع الفكري، وليس العضلي أو الجسمي، وتلك هي أهم الأمور التي تمّ مناقشتها في - الفصل الأول - . أما في الفصل الثاني : فتناول كيفية إنشاء بغداد من قبل الخليفة العباسي / أبو جعفر المنصور / وأهمية وتأثير هذه المدينة في بقية المدن والأمصار الإسلامية، باعتبارها عاصمة الخلافة الإسلامية ومركز التمدن الحضاري في العالم الوسيط، وبروز تأثيرها الثقافي الواضح، حتى أصبحت قبلة العلماء والأدباء والفلاسفة وغيرهم . والفصل الثالث : يناقش - من خلال المعطيات، التطور الاقتصادي الهائل للمجتمع العباسي، وانتعاش مختلف الطبقات، وبالتالي سحب ظلال هذا الرفاه الاقتصادي على الحالة الاجتماعية ، والتي بدأت تظهر فيها، نزعات نحو الثقافة الروحية، بشكل ملفت للانتباه ، حتى صار التعليم والتثقيف، إحدى سمات " الظرف البغدادي " تلك الحالة الثقافية النادرة، والتي أغرت النساء والرجال لأن يتسابقوا للدخول في حلبتها الثقافية . والفصل الرابع : ترتسم فيه معالم ثقافية لمجتمع كامل الآهلية ، من حيث الشكل والمضمون، إذ صارت متطلبات الحياة الثقافية كضرورة حتمية، ليس فقط لصفوة المجتمع، بل للسواد الأعظم من الناس، فظهرت المكتبات، والحانات وملاهي الغناء، وبرزت أسماء فنية لامعة، وسجلت قفزات حضارية للمجتمع العباسي، في تلك الفترة من حكم / هارون الرشيد، و وصولاً إلى خلافة ابنه المأمون / إذ تعتبر بحق - هذه الفترة - من أخصب فترات الازدهار الثقافي والروحي في الخلافة العباسية، وقد كان للوراقين في تلك الفترة، السمعة العالية والحظوة عند مختلف الأوساط العلمية والثقافية والسياسية . الفصل الخامس :يكمل فيه مشوار التطور الثقافي - في حياة المجتمع العباسي، إذ تظهر على السطح ظاهرات علمية - ثقافية ، تتمحور حولها تيارات سياسية وثقافية، تفرض نمطاً من السلوك الاجتماعي العالي، حيث تشمخ الترجمة ويسود التفكير الاعتزالي، وتظهر المذاهب والفرق، وتبدأ الصراعات الفكرية، وكان سوق الوراقين / في جانبي بغداد - الكرخ والرصافة / مسرحاً لتلاقي تلك التيارات الفكرية، ومجلساً ينعقد لها في كل يوم، عند عتبة هذا الوراق أو دكة ذاك الناسخ، أو حلقة ذاك الفيلسوف، فتشعر وأنت تدخل سوق الوراقين - بأنك في رحاب عالم آخر، شغله الشاغل الثقافة وحدها . حتى تميزت تلك الفترة بظهور " طبقة خاصة من الكتاب والمفكرين " بدأت تقلق كيان السلطة السياسية العباسية ، حين ظهر بين أوساط هذه الطبقة، مفكرون وقادة تيارات سياسية، مبطنة بالعباءة الدينية، وهناك في تلك الفترة ، ظهر التصوف الإسلامي، وفلسفته العالية، التي أحدثت نقلة نوعية في الثقافة العربية - الإسلامية، وكان لكل هذه التيارات ورّاقوها المخلصون . أما، الباب الثاني - والذي أخذ عنوان :تطور صناعة الكتابة في بغداد والأمصار الإسلامية ،فهو يكشف لنا عن الأساليب الفنية التي بدأت تظهر عند نمط من الكتّاب أمثال - الجاحظ - والصولي وغيرهما، حيث بدأت هذه الأنماط الكتابية، تقرض قانونيتها الإبداعية في الترسّل والكتابة، حتى غدت قبلة الكتّاب للوصول إليها، وارتقاء سلمها العالي، وهي بهذه "الأنماط " أوجدت شيئاً من المنافسة الإبداعية بين الوسط الثقافي، وكان للوراقين الدور الأبرز في إظهار هذه لأنمـــــــاط والترويج لها، بل انحاز قسم من هؤلاء الوراقين إلى ملازمة هؤلاء النخبة من الكتّاب، والتوريق لهم فقط، وبهذا التفرّد صارت هناك "طبقة مثقفة من الكتاب " تلتزم بهذا النمط من الكتابة، وهو الموضوع الذي يعالجه - الفصل الأول - من هذا الباب، والذي حمل عنوان : » ظهور الكتّاب كطبقة مثقفة أما الفصل الثاني ، فكان يحمل عنوان : مقومات الكتابة والكتّاب، وهو بمثابة، استمرار للفصل السابق - كحالة ثقافية - حدّدت لها ميزات خاصة لحامل لقب"كاتب "تلزمه التمسك بها، كعرف إبداعي - معرفي، ضمن شروط خصوصية الحالة الاجتماعية، في مجتمع عربي - إسلامي ، له خصوصيته الثقافية وشرطه الزمني . أما الفصل الثالث، والأخير - في هذا الباب - فإنه يتحدث عن : أدوات الكتابة ،. حيث أفرزت تلك الفترة، عدة أدوات لممارسة الكتابة، يتوجب توفرها في حوزة الكاتب ، مع العناية بها، واعتبرت تلك الأدوات جزء من شخصية الكاتب، لاسيما القلم والدواة، وما لحق بهما ، وقد كشفت الدراسة عن أكثر من أربعـــين أداة من أدوات الكتابة لكل منها وظيفته الخاصة في العملية الإبداعية "الكتابة " . الجزء الثاني : حمل عنوان : ظهور مهنة الوراقة . إن التمظهرات التاريخية ، التي أفرزها العصر العباسي الناهض على مختلف الأصعدة ، ولاسيما في الحالة الثقافية، استوجبت أن تكون هناك ، صناعة خاصة بالكتاب العربي ، تخضع بشرطها المعرفي إلى المستوى العقلي والروحي للمجتمع العربي - الإسلامي باعتباره، كينونة اجتماعية، وإثنية، تملي مقوماتها على أهمية إبراز خصوصيتها القومية والعقائدية، انطلاقاً من روح الإسلام الحضاري بوصفه يمثل ثقافة المنطقة الشرق أوسطية، من جهة، وبوصف العرب الساميين كونهم حاملين لتراث الثقافات القديمة، السومرية والبابلية والأكدية والآشورية، من جهة ثانية ، تلك التي خلفت جذورها في المنطقة، وعلى خلفية هذه اللوحة، بكل تراكماتها التاريخية، ظهرت تلك الإفرازات الحضارية في فن الخطابة والشعر - في المرحلة الجاهلية، ثم تفجرت تلك " المخزونات " في العصور الإسلامية المختلفة، حتى وصلت إلى قمة الذروة في العصر العباسي، إذ فرضت الحالة الحضارية، وجود صناعة خاصة بالعرب والمسلمين، تعبر عن روح الثقافة فيهم، وتكون بمثابة مشعلاً وهاجاً يدل عليهم ثقافياً، أثناء احتدام حالة المنافسة الحضارية، فكانت" مهنة الوراقة "أصدق تمثيل لهذا المنحى، وأعمق وأخطر ظاهرة حفظت لهم شكل خطابهم العقلي والروحي والبلاغي، وعبّرت –في الوقت نفسه - عن مكامن الإبداع اللامحدود، في عقليتهم الخلاقة المنتجة، وبمعنى آخر، إن ظهور مهنة الوراقة، هي الهوية المعرفية، التي ميزت الثقافة العربية - الإسلامية في العصور الوسطى من التاريخ العالمي، حددت سمات الشخصية الثقافية العربية الإسلامية، ووضعت قدماً راسخاً لها في كل ثقافات العالم، من خلال ما تركته من نتاج ثقافي، لازال حتى اليوم يبهر العقول . وبغية أن تكون هذه الصنعة الثقافية هي المعبرة الحقيقية عن روح الإبداع العربي - الإسلامي، فإن العامل الذاتي، يجب أن يكون ، هو الدافع الأرأس في تكوين تلك الصنعة، وهو ماكان فعلاً، إذ بدأت المبادرة من الوسط الثقافي العربي، ذاته / وكما أوضحنا في بداية هذه المقدمة / من أن المثقفين ورجال الفكر والأدب هم الذين أسسوا هذه المهنة الثقافية الخالدة . ينقسم البحث - في هذا الجزء - من الموسوعة، إلى بابين رئيسين يشكلان العمود الفقري، والرافعة الأقوى لبنية العمل الموسوعي برمته، وحوله تدور بقية الأجزاء ولأبواب والفصول، وهو الأكبر حجماً في العمل - بحكم طبيعة البحث المنهجي - الذي رسمناه، لإبراز هذه الظاهرة . الباب الأول : وقد اشتمل على ( تسعة فصول ) كل فصل منها، يعالج قضية محددة، تنتمي بحلقيّتها ،إلى سلسلة طويلة من الترابط المنهجي في البحث، فكانت تلك الفصول التسعة، تعبر عن مدلولاتها ، حسب ما يلي : الفصل الأول : حمل عنوان" تمهيدات تاريخية واقتصادية واجتماعية ، إذ فرض السياق المنهجي هذه التمهيدات ، بغية إيقاف الدارس أو الباحث، على الأسس التاريخية التي صاحبت تطور حركة المجتمع العباسي اقتصاديا وسياسياً واجتماعياً، لأن قانونية التطور تفرض وجود هذه الحالة من السمو الثقافي والروحي، لإيجاد مثل هذه "الصنعة ". الفصل الثاني : حمل عنوان: الورّاقون، كصنف من الأصناف الإسلامية . وهذا الفصل حددنا فيه ، معنى الأصناف الإسلامية ، أي " النقابات " بالمفهوم السياسي - الاجتماعي، المعاصر إذ أن حالةالأصناف الإسلامية ، تؤشر إلى البواكير الأولى من "الوعي الطبقي " لدى المسلمين، وفي الوقت نفسه , يشير إلى مدى النضوج المهني لدى هذه " الأصناف " لأن تشكل وحداتها النقابية، وقد كان للوراقين الدور البارز، في بلورة هذه الأشكال المهنية، إذ أن / ممثل الوراقين / كان في طليعة من يقررون - قبول العضويات والعقوبات - في بقية الأصناف الإسلامية، ويجد المتابع « طقوساً خاصة في عمليات الشدّ والشعيرة " لقبول العضو في تلك الأصناف، والتي بنت وعيها النقابي على أساس من الفكر الديني، والمكيف عملياً، وحالات النقابات تلك، وهو أثر لم يسبق لحضارة موازية - في تلك الفترة - للحضارة العربية - الإسلامية، لأن تبدع مثل هذا النمط في وجود النقابات، ضمن روح الإسلام الحضارية، وهذا الأمر يُغفله المستشرقون عن عمد وإجحاف، لاسيما الذين اشتغلوا في التراث العربي - الإسلامي، من دافع آيديولوجي مناهض للعرب والمسلمين . الفصل الثالث : حمل عنوان : تعريف معنى الوراقة والوراقين . حيث ميزنا فيه عن معنى الوراق والناسخ، والمجلد والبائع، والمنادي وبقية أصناف الوراقين، وفق المصــادر اللغوية والتاريخية، التي تطرقت لهذه التعاريف، وحددت مضامينها . ثم عرّفنا معنى " الوراقة " اعتماداً على تلك المصادر، وما وقفنا عليه من تتبع سير العملية، في كافة مراحلها التاريخية . الفصل الرابع : أخذ عنوان "منهج الوراقة في الإسلام " . بهذا الفصل أوضحنا مجموعة القواعد والطرق والأساليب الواجب إتباعها في عملية " توريق الكتاب " من دافع معرفي ووازع إسلامي، يخضع بمضمونه إلى البعد الديني - الأخلاقي، في التعامل مع المهنة " الوراقة " بوصفها مهنة إسلامية، تتعامل مع - صناعة الكتاب . وقد أظهر "منهج المقابلة مع المنســوخ " وهو النقطة الجوهرية في موضوع منهج الوراقة الإسلامي ، الأبعاد الدقيقة، والمسؤولية العالية، والأمانة العلمية لدى الوراق، أثناء عملية النقل ، وألزمه ضرورات علمية ودينية وأخلاقية، يتوجب التمسك بها، ثم ظهر في سياق البحث الأشكال المتطورة في عمل الوراقة، إذ ظهرت "الحاشية والتعليقات "والإشارات للخطأ والصواب، ومفردات دالة على الاختصار - لاسيما في كتب الحديث - ثم تطور هذا المنهج لدى الوراقين، واصبح فيه ،النقاد والمختصون في مختلف فنون الكتابة، ثم ظهر فيه "عملية الإخراج الفني للكتاب" وكل ذلك، كان يظهر - بشكل يوحي - من خلال عملية الوراقة برمتها، والمتابع سيقف على مقدار المسؤولية الأخلاقية، والمسؤولية العلمية، في إخراج الكتاب أو - المخطوط - سليماً وخالياً من العيوب . الفصل الخامس : حمل عنوان : أثمان النسخ والتجليد . وفيه تتبدى أخلاقية الوراقين العالية، إذ أنهم، كانوا يسعون إلى انتشار المعرفة أولاً وأخيراً، وهو ما نلمسه في أسعار وأثمان النسخ لكل صفحة، أو لكتاب، أو بأسعار التجليد، إذ أن الوراق، يكفيه قوت يومه، من كسب المال، حيث أن الهم الثقافي، كان هو الأبرز في سلوكه في هذه الناحية . الفصل السادس : حمل عنوان : أصناف الوراقين . وبهذا الفصل، حددنا، من هو الذي ينطبق عليه "لقب وراق"وما هي مهمات كل صنف من هذه الأصناف، وكيف يؤدون عملهم، كل حسب اختصاصه في مهنة الوراقة، وعلى ضوء هذا الاختصاص، تعرف شخصية الوراق، وتحدد مسؤوليته، وبها يعرف، وعلى ضوئها يقيّم، لاسيما حملة الأخبار والمرويات الإسلامية، في كتب الحديث والفقه، إذ أنه يشكل عالماً قائماً بذاته . الفصل السابع : أخذ عنوان : أخلاق الوراقين . وفيه جرى البحث عن التعارضات العلمية والدينية ، من جهة، ومصلحة الوراق المهنية من جهة ثانية، بمعنى أن أخلاقية العلم ترفض الغش أو التحريف أو ابتســـار النصوص، وكذلك الوازع الديني الإسلامي، الذي يرفض هذه المسلكية من قانون الرسول محمد / ص / "من غشنا ليس منا "وهنا يكون الدافع الديني عامل موازنة، بالجانب الروحي والأخلاقي، الأمر الذي يشكل وحدة متكاملة مع الوعي المعرفي في نقل العلوم والإبداع، وبهذا تكون أخلاقية الوراق - المهنية والشخصية - خاضعة لهذين النازعين، الأمر الذي فرض علينا - منهجياً - أن نستوقف ملياً، مع هذه الحالة ونحن في إطار عملية البحث العلمي . الفصل الثامن : أخذ عنوان : معاناة الوراقين . وفي هذا الفصل، جرى التطرق إلى الآلام النفسية عند الوراق، لما يعانيه في المهنة، بغية كسب العيش، وقد أظهرت النصوص المجلى عنها بالبحث - مقدار القيمة الأدبية لنصوص أدبية عالية، تركها هؤلاء الوراقون، وهي تصف معاناتهم - سلباً وإيجاباً - حتى أن القارئ ليقف على حالات جمالية ممتعة للأدب في هذا المضمار، وتظهر أمامنا اللغة العالية والأسلوب الفريد، في التعبير عن هذه الحالات الأنسانية الشخصية العديدة، وهي ترسم بعمق عوالم الوراق الداخلية، وما يكابده من عسر وضيق، ويكفي أن نذكر هنا - عملاق الثقافة العربية في القرن الرابع الهجري " أبو حيّان التوحيدي " حيث أدت به الحالة - إلى حرق كتبه ومسوداته، وهو من ألمع الوراقين الأدباء، في تلك الحقبة . الفصل التاسع :حمل عنوان : الانتماءات السياسية للوراقين . في هذا الفصل، يظهر الوراقون بأنهم جزء هام من النسيج الاجتماعي - العباسي، إذ أن المذاهب والفرق الإسلامية، كانت لها اتجاهاتها الفكرية والعقدية، وكان لها - في سوق الوراقين - مروجون بين هؤلاء الوراقين، وهنا نصطدم بحقيقة تاريخية، تظهر أمامنا في "مخطوطات ذلك العصر" إذ أن عملية "التحريف والوضع " للنصوص الدينية - لاسيما في الحديث النبوي - كان مثار جدال في ذلك الوقت، إضافة إلى بروز - نزعات عنصرية، شعوبية - أخذت تظهر في مخطوطات الوراقين . وكان للإحتراب المذهبي - ظهوره الطاغي في سلوك الوراقين السياسيين، وقد تجلّى هذا، بشكل واضح عند وراقي المعتزلة والإسماعيلية ( وإخوان الصفاء ) والمرجئة والشيعة، والسنة، والأشعرية، الأمر الذي أثار اهتمام المؤرخين الكبار، في تلك الفترة، وأشاروا إليها، لاسيما مؤرخ بغداد المشهور " الخطيب البغدادي "حيث أشار بموسوعته " تاريخ بغداد " إلى أكثر من وراق، وقد قام بعملية "وضع الحديث وانتحاله "وهذه المسـألةأربكت الكثير من المؤرخين والعلماء - قديماً وحديثاً - لاسيما عند الحديث حول" المذاهب الفقهية "وكذلك انسحب الأمر، على الأدب والمقولات السياسية والفلسفية، ومن هنا، جاء هذا الفصل ليكشف عن الانتماءات السياسية للوراقين، باعتباره فصلاً مهماً، يعلّم على التطور السياسي للمجتمع العباسي، وتأثيراته الثقافية على الخطاب العربي، منذ ذلك الأوان، وحتى هذه اللحظة . الباب الثاني - من هذا الجزء - حمل عنوان : ســــــــــــــوق الورّاقـــــــــــــــــــــــــــين . وبه ينكشف عالم الثقافة العربية - الإسلامية، على كافة الاتجاهات، والعوالم، ومنه" يصدر " الكتاب، وبه يعرف الكاتب، وفي ساحاته، تتبدى الأندية الثقافية، وتظهر مختلف الآراء السياسية والفكرية والمذهبية، ومنه تخرج "البدع والإبداعات" كافة ،ولا غرو في ذلك، إذ أن هذا المحيط الثقافي، كان له أكثر من مئة حانوت وله فرعان رئيسيان . في بغداد وحدها ، واحد في الكرخ وآخر في الرصافة - ناهيك عن بقيةالأمصار الإسلامية، وخصوصاً مدنها الرئيسية، ولكن أسواق بغداد للوراقة، هي الأعرف والأشهر، ومنها خرج المثال والتماثل، وكثير من الوراقين، تخرجوا من سوق الوراقين ببغداد، ورحلوا إلى بقية الأمصار، بكامل عدتهم الوراقية من أمثال ظفر الوراق ، الذي ذهب إلى الأندلس، وافتتح حانوتاً للوراقة هناك، وخلاصة القول، أن عالم الثقافة العربية - الإسلامية،كان هناك موقعه، ورقعته، ونقطة انطلاقه، وملتقى العلماء والأدباء ورجالات الفكر والسياسة، بل وشكّل سوق الوراقين ببغداد، إحدى المعالم الحضارية التي تتباهى بها المدن والحواضر، وبها يقاس التفاضل بين مجتمع وآخر، وهو الأمر الذي أشار إليه / أبو حيان التوحيدي / في رسالته البغدادية المشهورة، وهو يفاخر به أهل " أصفهان "وهذا السوق ذاته، الذي اتخذ منه الجاحظ، ملاذاً له، وإقامة دائمة فيه، حتى عرف عنه "بأنه كان يكتري حوانيت الوراقين ويبيت فيها للنظر " وكفى بهذا المثال ذكرى . . وعلى هذه الأهمية، جاءت فصول هذا الباب، موزعة على النحو التالي : الفصل الأول : وحمل عنوان : تعريف معنى الأسواق . حيث أشرنا في هذا الفصل إلى المعنى العام، المتعارف عليه للسوق، ثم حددنا، ماهية سوق الوراقين . الفصل الثاني : حمل عنوان : الأسواق الإسلامية وميزاتها . حيث تناول البحث في هذا الجانب، معنى الأسواق الإسلامية، من حيث شكل التعامل، وإشرافها تحت سلطة " المحتسب" ناهيك عن أشكال بضاعتها، بالمقارنة مع بقية الأسواق في الثقافات الأخرى، وعلى هذا الأساس، خضع سوق الوراقين إلى هذه المواصفات، مضافاً إليها مواصفات المكان، تأثيرات البرودة والحر عليه، وانعكاس ذلك على طبيعة المواد التي يتعامل بها الوراقون، من أوراق وأحبار، وأمور الكتابة الأخرى . الفصل الثالث : حمل عنوان : الأبعاد الهندسية والمعمارية للسوق . وهذا الفصل، جاء اكتمالاً للفصل السابق، حيث مال تصميم البناء الهندسي للسوق إلى ما تتطلبه مواد الكتابة، كي يحافظ عليها ذلك الطراز من البناء، والذي بالضرورة يخضع "تصاميمه " إلى طبيعة الأجواء الحارة، في العراق، من جهة، وبقية أمصار الخلافة الإسلامية، من جهة أخرى، فالفروقات بفن العمارة ، لهذه الأسواق، تختلف بشكل طفيف، وفق متطلبات الحالة الاقتصادية والثقافية لهذا المصر أو ذاك . الفصل الرابع : حمل عنوان : موقع سوق الوراقين ببغداد . بهذا الفصل تمّ معرفة خطط بغداد، ومواقعها الجغرافية الهامة، إذ أن موقع سوق الوراقين كانت على ضفة نهر دجلة ،إن كان في الكرخ أو الرصافة، حيث يتميز ذلك المكان بموقعه القريب من النهر - حيث كان دور المواصلات المائية هاماً، بالنسبة إلى ذلك الوقت، مع انسيابية مويجات النهر عند الأصيل، الأمر الذي يزيد الرائي بهجة وهو يقوم لشراء ما يحتاجه من ذلك السوق، إضافة إلى كونه قريبا من قصر الخلافة، وهناك أمور أخرى ميّزت هذا الموقع . الفصل الخامس : حمل عنوان : كيفية بيع الكتب في سوق الوراقين . وبهذا الفصل تتجلى روح الدعابة والفكاهة والفطنة، للورّاقين الدلاّلين، هذا الصنف الذي يعرض البضاعة، وكيف يروجها بعملية تدعى " النداء " والتي تكون شبه ندوة مفتوحة، يستعرض فيها كتاب أو عدة كتب ، وقد حذق الدلاّلون بهذه - الوظيفة - الممتعة . الفصل السادس : حمل عنوان : روّاد سوق الوراقين من العلماء والأدباء والساسة . وهذا الفصل يكشف عن صفة رجــالات المجتمع، الذين يتوافدون على سوق الوراقين، ليس فقط للتسوق، بل للسماع والمشاركة أحياناً، لما يعقد فيه من ندوات ثقافية وغيرها . الفصل السابع : نوادر في سوق الوراقين. هذا الفصل هو أمتع الفصول - في العمل كلّـه - حيث أن المحمول الثقافي، وديمومة التعاطي مع القضايا الفكرية والعلمية، تخلق حالة من اليقظة المبكرة في ذهن الوراق، تظهر بشكل نادرة - أو ملحة تطلق بتعليق، أو بيت شعر، أو مثل سائر، ومتى ما أطلق، فإنه ينتشر كالنار في الهشيم، وقد تفنن الوراقون من خلق هذه النوادر، لكسر حالة الملل والرتابة في عملهم . الفصل الثامن : حمل عنوان : مجالس العلماء في سوق الوراقين ومناظراتهم . حينما تدخل - سوق الوراقين - لاسيما وقت الأماسي فإنك تدهش، من ذلك التخالط الإثني والثقافي العجيب، فهذا يطالعك عن اسم كتاب وصل حديثاً، عند الوراق - الفلاني - باللغة الهندية، وآخر باللغة الفارسية، وثالث باليونانية، وكلها تتحدث عن مختلف العلوم، وصدى كل كتاب قد وصل مداه في أرجاء السوق، وكل متسوق يبحث عن ضالته، فيما انتصبت عند هذا الوراق المعتزلي ، أو الصوفي ،حلقة علمية وافترشت الأرض، وتحلّق حولها المريدون وطلبة العلم، وبالقرب من المحدّث أو الشيخ جلس النساخون، والكل يحمل ( محبرته وأدوات كتابته ) ليسجل ماينطق به الشيخ، أو ما يرد عليه شيخ آخر، ضليع بالفن نفسه ، والجمهور من حولهم، قد أخذته الدهشة لما يسمع ويدور، وهو ما جلب انتباه أبي حيان التوحيدي ، وسجل ذلك بكتابه الهام المقابسات ، حيث حلقة أبو سليمان السجستاني، رئيس مناطقة بغداد / 4 هـ / كانت كثيراً ما تعقد جلساتها العلمية في سوق الوراقين، كي يزداد جمهور العامة معرفة بالأمور الفلسفية ، وتلك هي أهم المفاصل التي كشفنا عنها في هذا الفصل، إضافة إلى تسليط الأضواء على" المناظرات الفقهية " التي كانت تدور في السوق بين أئمة المذاهب الإسلامية المختلفة ، وكيف أن بعض هذه المناظرات يبقى إلى ساعة متأخرة من الليل، قرب أحد الدكاكين الوراقية ، ولعمري أن مثل هذه الظواهر، لن تتكرر قط في عالمنا المعاصر، إذ أن الكلمة الحرة، تهز مضجع السلطان، فلا يهنأ بنومه، فيأمر بعدم السماح بمثل هذا . الجزء الثالث - من الموسوعة : حمل عنوان صناعة الــــــــورق وظهــــور المكتبات . يمثل الورق باكتشافه وصناعته، قفزة حضارية واضحة المعالم في كل مجتمع من مجتمعات العالم، فهذه المادة - الورق - تعني رقياً ثقافياً واضح الدلالة على المجتمع، والمجتمع العربي - الإسلامي، كان سباقاً لاقتناء تلك المادة، وبغية تدوين ثقافته وأمور دينه ودنياه فيها. والعباسيون الأوائل، كان طموحهم السياسي عالياً، فكانت الفتوحات الإسلامية ، مازالت تغازل أفئدتهم وعقولهم، وقد لعبت الصدفة دورها في تلك الفتوحات، إذ أسر المسلمون، على حدود الصين، بعض أهالي تلك البلاد، وأخذوهم إلى "سمرقند "وكان بين هؤلاء الأسرى من يجيد صناعة الورق فعاملوهم بالأحســان، وتعلموا منهم صناعة الورق، وأسسوا أول مصنع للورق في سمرقند ، ومن ثم أسس مصنعان للورق في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، أيام هارون الرشيد ، ثم انتشرت صناعة الورق بعد ذلك، في بقية الأمصار الإسلامية . وموضوعة صناعة الورق - هي مدار البحث في الباب الأول - من هذا الجزء من الموسوعة، حيث اشتملت فصوله الثلاث على العناوين التالية : الفصل الأول : أهمية الورق الحضارية . الفصل الثاني : أثر الورق في تطور الثقافة العربية - الإسلامية في العصر العباسي . الفصل الثالث : أنواع الورق ومقاساته . | |