د.خير الله سعيد

 

سرمدية الاحرف المضاءة على صفحات التاريخ العراقي

 قراءة في رواية  وليمة لأعشاب البحر

 يتميز تاريخ العراق بالاضطهاد السرمدي على أبنائه، منذ السومريين وحتى ساعتنا هذه، وبالمقارنة مع هذا الاضطهاد تبرز حالات المقاومة الأعنف، على شكل بطولات متجسدة بحالات فردية أو بهبات جماعية، يفجرها حدث بسيط، ثم يمتد سهل الاحتراق ليشمل بساتين النخيل وسهول الحنطة وقصب الاهوار، والصحارى والبوادي، والتاريخ يحيلنا الى ثورة إبن الأشعث والخوارج والشيعة /العهد الأموي/ ، وثورات الزنج والقرامطة والإسماعيلية، والحروب الأهلية /العهد العباسي/، وثورات الفلاحين 1920، 1952م ـ انتفاضة آل إزيرج الفلاحية، وحركة خان النص 1976/ وصولا الى المواجهة الصريحة في "الردات الحسينية" أيام عاشوراء من كل عام ، وهذه الثورات تقمع بالحديد والنار، ولكن جذوة الروح العراقية النازعة نحو التحرر من كل قيد، تبقى كامنة الى امد ثم تثور كالبركان. والغريب في الأمر، أن أغلب هذه الثورات والإنتفاضات لا يسجلها التاريخ المعاصر، باعتبارها"حركات تمرد ضد السلطة والسلطان"!! بما في ذلك "الأحزاب السياسية" على اعتبار أن "هذه الهبات والإنتفاضات منفلتة من الإلتزام أو ذات نزعة "يسارية طفولية" أو غيرها من النعوت والأوصاف". والأغرب من ذلك أنها تبقى في وعي الشعب وكيانه قائمة وحاضرة، حتى اللحظة الراهنة، بل تصبح محفزات ثورية، وفولكلور نضالي، وإرث يتفاخر به، بين هذه العائلة أو تلك ، وبين قبائل الجنوب والشمال. والمفجع في الأمر أن هذا التاريخ الثوري ـ لاسيما المعاصر منه، ينتقل من مكان الى آخر، عابرا الحدود، بكل مآسيه وأحزانه، وأدبه وتراثه التراجيدي، فيتلقفه الناس /خارج العراق/ ويدرسونه بعناية، و(يوثقونه) كتجربة نضالية، وأدب مقروء، كما هو عليه الآن، والمتمثل فـي "قصائد مظفر النواب" وتجربة الأهوار ـ للقيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، والمدونة بشكل أدب سياسي رفيع في رواية حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر"  تلك الرواية التـي انفردت لتسطير بطولات أولئك المنسيين والمغيبين عمدا، من أبناء الشعب العراقي المكافح ابدا.

* تقوم رواية الروائي السوري حيدر حيدر ـ وليمة لأعشاب البحرـ أو نشيد الموت 1 

على مجموعة من الفصول، تتصدر الفصول الأربعة للطبيعة أسماؤها وتخترق هذه الفصول فصول متقاطعة ـ كنصل حاد ـ يقسم تجليات الفصول، حسب الحالة والحدث: الفصل الأول حمل اسم الخريف، والثاني الشتاء، والثالث ـ الربيع، وبين الفصل الثالث والرابع تقاطعت فصول أطلق عليها اسم: "الأهوار ـ الحب ـ نشيد الموت ـ ظهور اللويثان ـ ثم الفصل الرابع والأخير وهو الصيف" وقد جاءت تقسيمات هذه الرواية على هذا النحو لتكون وعاء زمنيا يمتد بين مطلع الخمسينات ونهاية الستينات من القرن المنصرم، وهذه الفترة من أخصب حالات المد الثوري في العالم العربي. وهو بهذا التقسيم يعالج أفكارا فلسفية، وإيديولوجيات ثورية، من خلال تجربتين هامتين، في بلدين عربيين هما الجزائر والعراق، قامت بهما حركتان ثوريتان هما جبهة التحرير الجزائرية والحزب الشيوعي العراقي ـ وجناحه الثوري "القيادة المركزية" وبغية فهم "حركة التاريخ" من قبل الكاتب، وعكسها ـ كتجربة ـ للمتلقي، أغرى حيدر حيدر قارئه ـ بهذه الرواية ـ لأن يتمعن بالاحداث الجارية وفق فصول الطبيعة الأربعة ، مستفزا عقله للتوقف مع قوانين الطبيعة ـ طبيعة الأرض وطبيعـة الإنسان ـ والتأثير المتبادل بينهما بالخلق والإبداع، جاعلا من "صورة المكان للطبيعة ـ مفصلا للفعل الإنساني، بين مكان وأخر، على اعتبار أن الرؤيا البصرية، تستدعي حالة الحضور الواعية، لخلق رؤية معرفية، ذات بعد جدلي بين الزمان والمكان، ما دام الفاعل هو الأنسان ذاته. كمتحول والطبيعة ـ كثابت. ومن هذه الزاوية سندخل لقراءة الرواية.

1                         ـ التسمية أو عنوان الرواية: "وليمة لأعشاب البحر" ـ نشيد الموت.

الإسقاط المعرفي الأول للعنوان، هو تحفيز وعي المتلقي لأبداء التأويلات وإيجاد ـ معادل موضوعي ـ بين وليمة الطعام العادي ، وبين مقصلة الموت في فضاءات البحر، مادتها الاساسية، بشر مثلنا، تطبخهم نيران المدافع والرشاشات، وسط مستنقعات مائية، يكونوا لقمة سائغة لضواري البحر وأسماكه، إلا ان العنوان الثاني الصغير "نشيد الموت" يتعالى بهذا الإدراك، ليجعل من هذه "الوليمة" فعلا تاريخيا جسده الإنسان، في بقعة من الأرض تسمى "اهوار العراق" جاعلا من هذا الموت التراجيدي إنشودة محفورة أبد الدهر في وعي الأجيال الفطنة.

والتسمية ودلالتها ، تلتزم مفردة "البحر" كنقطة ارتكاز مفصلية ، عليها تدور الأحداث، ومنها تنطلق وإليها تعود، وقراءة هادئة لكل صفحة من صفحات الرواية البالغة 387 صفحة، تكاد لا تخلو من ذكر "البحر" أو ما يشير إليه أو يدل عليه، رغم اختلاف مكاني الحدث الروائي /العراق ـ الجزائر/ وبذا يشكل "البحر" آصرة تنظيميـة مترابطة للشخصيات والمكان وتجليات الحدث.

* كما أن التصدير الشعري لـ "هرمان ملفيف" الذي يتصدر الرواية، يومئ للقارئ بالبعد والترحال ، وطلب المحال، وتجاوز القارات، وإدراك الليل وظلمات الموت، كي يمسك القارئ منذ "الحرف الأول" لأكمال مشوار الرواية.

*  *  *

2 ـ الفصل الأول: الخريف:  دلالة مقصودة، للأفول المبكر للحركات الثورية العربية المطعونة بوعيها ، وتشابك الرؤية عليها، مع أنه يفتتح الفصل بعبارات مشرقة "وكان صباحا مضيئا.. في سماء صافية، النوارس وهي تخفق بدت كأنما تعلن عن غبطتها بذلك الطيران الأبيض، وفوق الأعشاب وأوراق الدغل كان الندى يتلألأ تحت شمس خريفية" (ص9)، إلا أن المؤلف يكسر هذا الإشراق الإستهلالي بوجيس "مهدي جواد"   بكونه مطاردا  وأن شخصا ما يتعقبه، وهو الهارب مـن بلاده ـ العراق ـ وواضعا أقدامه في "الجزائر" "كان ينتظر المفاجأة في المنعطف القادم، وكانت هناك منعطفات كثيرة في هذه المدينة المتوحشة التي فقدت أمانها" "كان الخوف يسري هناك (ص10). بهذه الإشارات ابقى الروائي على حالة التوجس قائمة في ذهن القارئ، كي يستمر معه في رسم الأحداث وتعقب حالة اللاأمان في المدن العربية. "كانت مدينة جميلة، مطوقة بالبحر والغابات، لكنها كأي مدينة عربية، كانت متوحشة، محكومة بالإرهاب والجوع والسمسرة، والدين والحقد والجهل، والقسوة والقتل. مدينة تكره الغرباء… تلك هـي بونه، المضيئة، مدينة الحزن والخوف والحب والذاكرة" (ص11)  اجلى النص سمات المدن العربية من خاص محدد إسمه "بونه" وهو الإسم القديم لمدينة  "عنابة" الحزائرية، وبهذا الاستخدام للإسم القديم أراد الكاتب التأثير الدلالي المسبق لحالة المراوحة، الغير مجدية في التقدم المدني والحضاري لهذه المدينة ـ الدال ـ والذي يعمم المدلول على الجزائر وغيرها من بلاد العرب، وعبارة "مدينة تكره الغرباء" ذات دلالات اجتماعية واضحـة، تجلت انعكاساتها بين سطور الفقرات 1  و2  و3 من الفصل الأول، فيما أشرت بعض الفقرات الى الخروج الأول من الوطن ـ العراق حيث "للمرة الأولى ينفصل مهدي جواد عـن بيت القبيلة" (ص15)، وبغية ربط الأحداث فيما بينها ـ مكانيا ونفسيا، يلجأ الكاتب لتوظـيف الفولكلور الديني ـ كمقدس ـ تؤمن به العشيرة، التي انفلت منها هذا الجنين المشاكس" أخته ـ ترفع القرآن بيد وباليد الاخرى صحنا من الطحين، على الكتاب المطهر يضع راحة كفه ثم يعبر بخشية وجلال، منحنيا بقامته ورأسه تحت قوس الطحين، تمتمات وأدعية تنطلق من أعماق السلالة التي تودع طفلها. أقسم بهذا المقدس وبهذه النعمة أن أكون وفيا، وألا أنسى في الغربة البعيدة رائحة البيت والأرض والخبز وصلوات الأجداد. والحليب والدم وصرخة الحسين وهو يذبح بسيف الشمر" (ص16).

تعويذات إيمانية فطر عليها الناس، شكلت ثوابت عقائدية في معتقداتهم الدينية، وهذه التميمة الفولكلورية "لا يفهم كنهها ومدلولها إلا من عاش في وسط تلك الأرياف الجنوبية من العراق، فهذه التميمة"  هي أقوى قَسَمٍ يجترح عليه الماديون والمثاليون من أهل العراق، كي لا ينسوا تربـة هذا الوطن الذي سلبت منهم بالقوة والتواطئ  والمكر. وهناك ثمة دلالة جاءت في ختام هذه التميمة هي: "عدم نسيان صرخة الحسين بن علي بن أبى طالب وهو يذبح بسيف الشمر" حيث أن هذا الإسقاط الديني الثوري ذو الجذور الشيعية، أراد الإبقاء على حالة المقاومة المستمرة ضد سيف الإرهاب السلطوي، وإن وصل الأمر إلى حالة الإستشهاد كما فعل الحسين ابن علي..

* حالة "التوطن المؤقت " في مدينة "بونة" الجزائرية، شكلت متنفسا "لمهدي جواد" الثوري الهارب مـن العراق، وهو يحمل جراحات السنين، ويبحث عن متسع روحي يبقي حالة التوازن الإنساني في داخله، لذا كانت صدفة اللقاء من الفتاة الجزائرية  "آسيا" هي تلك اللحظة الشاردة التي عثر عليها، لإيجاد حالة التوازن تلك. لكن ـ هذه الصدفة ـ تخضع لمؤثراتها الداخلية، وقوانين حالتها الاجتماعية المختلفة، رغم أن حالة "آسيا" ذو طبيعة خاصة ذات أصالة ثورية،  لذلك جاءت هواجسه /مهدي جواد/ بين الوهم الذي ينسجه الخيال المتشوق لطيف امرأة في مكان ما من العالم "امرأة الحلم والصدمـة التي تباغتك كجنية بحر ذات غسق، تبحر بك في لجة الليل والقمر والعواصف والموت" (ص18)، وبين الخوف المسيطر على أجواء المدينة، ونظرة أهلها الـى الغرباء بوجل وخوف وحقد "كانوا في المدرسة والمدينة يحكون أمورا غريبة، وفزعة، وكئيبة عن المدينة والبشر، أساتذة الشرق الذين سبقوه وعرفوا المدينة أكثر ـ قالوا ـ كن حذرا، المدينة شرسة وفظة، لا تتأخر ليلا. البونيون لا يحبون الغرباء، ولأتفه سبب يسرقونك أو يذبحونك، أوهام الثورة انتهت. وهؤلاء الافارقـة متوحشون، مغلقون كالحجارة. بلد زمّيت، يحكمه الدين والشرطة، وعصابات آخر الليل التي تغتصب وتقتل من أجل دينار" (ص18). إذن ـ حالة اللاأمان ـ هي الصدمة الأعنف بوجه هذا الشريد العراقي الذي ينشد الأمان، لذلك كان توصيف /حيدر حيدر/ له، دقيق وفي مكانه "في الأيام الأولى كان خائفا وغريبا ومذهولا، داخل المدينة الخارجة حديثا من ليل الإستعمار الطويل، المدينة التي تحولت الى مصيدة وسوق لأنبياء الشرق والتعريب القادمين من مطلع الشمس المحمدية" (ص18).

ـ في الغربة، يكون اللقاء مع أحد أبناء بلدك ذو نكهة خاصة، رغم أن المنافي تلوث الناس, وتكسبهم أخلاقا جديدة، لذلك كان ـ مهدي جواد ـ فرحا بلقاء ـ أحد قادة إنتفاضة الأهوارالعراقية ـ مهيار الباهلي ـ وهو إسم ذا دلالة تاريخية أراد منه الراوي، ربط الإسم بدلالة المسمى ـ قتيبة بن مسلم الباهلي ـ مع مهيار الباهلي، للإيحاء بالنسب والسلوك، فالأول ـ فاتح عظيم ـ والثاني ثوري مغامر طموح ـ نجا وحده من  مذبحة الأهوار الرهيبة في نهاية الستينات ـ سيجري الحديث عنها لاحقا.

في هذا اللقاء ـ بين مهدي والباهلي ـ تبدأ شجون النضال، وذكر المآثر البطولية، ويبدأ الحلم الثوري" بالتلألئ والإشراق "ها قد التقينا أخيرا، لنطعم المغرب بلوثة الماركسية. أنتم في الأديولوجيا والفلسفة ونحن في اللغة" (ص19) وبغية تشويق ـ مهدي جواد ـ لبذل أقصى طاقة ثورية في مجال التدريس، يومئ مهيار الباهلي الى قدسية هذه الأرض "الأرض التي فاجأ العرب أنفسهم فيها بالثورة. ثورة المليون شهيد" يقول الباهلي: "عندما هبطت من الطائرة ركعت فوق أرض المطار ولثمت التراب. ويضحك مهدي: باهي. مازلت على حماستك القديمة، ولكن قل لي: وأنت تقبل التراب هل تأكدت من أن رائحة الدم لم تكن عطنة"

ـ هناك تشكيك وإدانة مضمرة بهذا النص، علىاعتبار أن الثورة الجزائرية انقلبت على أبطالها، وأبعدتهم عن سوح النضال، لذلك حالة الحوار تجلى شيئا من هذه الحقيقة: يقول مهيار: "ـ دعك مـن هذا اللمز. دعك ـ سنزور يوما أضرحة الثوار، ومواقع المعارك. أقول لك: جزائر الثورة منارة مشعة فـي ليل هذا الذل العربي، ثم يضيف: أنا فرح كطفل افتقد أمه ثم لقيها بعد غياب، تصور إنني في قلب أصداء الثورة، أولا عينوني في معهد ابناء الشهداء، ثانيا وجدت بيتا لدى أرملة عاشت فـي الجبال مع الثوار، كانت مع  طاهر الزبيري بالذات، أردف ـ مهدي جواد ساخرا ـ :ثالثا. لاكتمال طهارتك الثورية أرى أن تتزوج من هذه الأرملة، هكذا تحقق الحلم الثوري" (ص19).

* هذه الصورة الناصعة لتفكير "الثوري" النظيف عن ثورة الجزائر، وعن الشخصيات الحقيقية لأبطال هذه الثورة، اراد الكاتب أن يظهر من خلالها تفكير المشارقة واعجابهم. لهذه الثورة ـ النموذج ـ لهدف أبعد يرمي الوصول إليه، ضمن رؤية تاريخية تدين الواقع العربي المزيف المبهور بالشكل والهيلمة الإعلامية، وتنقيط هذه الرؤية المشرقية بحبر برّاق كي يدع من زاوية أخرى رؤية المتلقي تتابع الحدث بكل تجلياته التفصيلية، وليثبت ـ ثانيا ـ ان الوعي العربي، هو "سماعي" لا متأمل ومنفعل،ý. وهذه الإشارة الدلالية في النص واضحة جدا للقارئ الهادئ الأعصاب، حيث مجريات الرواية ستكشف أشياء كثيرة ý، إذ أن بقية الحوار ـ بنفس الصفحة ـ يصفع القارئ بلطمة عنيفـة  "يندفع مهيار بالأسئلة، وضع العراقيين. البعثات العربية، المجتمع الجزائري. الثقافة، لا يترك فسحة طويلة للأجوبة ، أحيانا يجيب نفسه، إنه يشرح الخلاف داخل الثورة وصراع السلطة الذي أطاح  ببن بيلا، يلوح معجبا بهذا الثوري المطاح به غدرا: بن بيلا أبو الإشتراكية. انا أرى فيه كاسترو العرب، أعني كنت أتوسم تحوله نحو الماركسية. بومدين هذا لا يوثق به، عسكري. إقليمي، رأس إسلامي وجناح إفريقي، أما قلبه فجزائري، وفي المناسبات يلبس بزة عربية" (ص19). هذا التوصيف أو التقييم، نقطة هامة في مسار الرواية، حدث يكشف منذ البدايات أن هناك أمورا خافية، وأحداثا جساما ستظهر، وبنفس الوقت يعطي هشاشة التقييم لثوري المشرق ورؤيتهم للأمور بشكل عاطفي لأن "اهل مكة أدرى بشعابها"، والصفحات التالية تكشف عن اختلاف هذا التقييم، حيث حزب الطليعة يعمل سرا، والناس "وجفون لا يثقون بأحد بعد شتاتهم، والثورة دخلت عصر الحيض، والثوريون نقلوا "ثورتهم الى باريس وأقاموا "رابطة العادلين أو المنفيين" إسوة بشيوعيي القرن التاسع عشر بعد فشل الثورةالالمانية وقدوم بسمارك (ص20).

* الفقرة رقم 5 ـ من الفصل الأول ـ يستعرض حيدر حيدر ـ رؤى الباهلي باعتباره مثقفا مسحورا  ببلانكي ومجد الكومونة، معرجا على تاريخ ثوري القرامطة، وثورة الحسين بن علي التي سارت الى حتفها وصولا الى   "خالد أحمد زكي"  ومجموعة الأهوار، وحرب العصابات الخاسرة عام 1967 وما تلاها ý، مواصلا ميراث الخسارات الدامية والامثولات التي تتراكم ـ في وعي الباهلي ـ لتشكل ذات صباح أو مساء الصرخة التي تختزنها القرون القديمة لتدوي في القرن العشرين أو الثلاثين أو الخمسين، هادمة جدران الاستبداد والجوع والابادة الجماعية لشعوب قهرت واستذلت، ثـم ما لبثت أن دفنت تحت السطوة الوحشية للخلفاء والأمراء والخلعاء والجنرالات الدمى والأحزاب المستذلة والراكعة (ص21). مناقشة هذي الرؤى تستوضح مدى الإيغال الثوري "واحلامه النرجسية الشفيفة وطهارة الروح لحلم مشرقي يكون فيه الباهلي ـ بطلا موهوما، يفقد فيه أبسط مقومات الموضوعية، لاسيما وان تكالب القوى الشرسة ، الحاكمة ، تعرف كيف تروض شعوبا وليس أفرادا ولكن غوص الروائي في تلافيف هذه العقلية ، هـو لكشف بطلان الرؤيا وانهدام جدران المخيلة الهشة، ذات الاساس الرملي ، "(تلك الرؤى التي تشبه رؤى القديسين أو المجانين في العصر الذي لم يكن عصره) (ص21).

*  تركيبة البنى الروائية، عند حيدر حيدر، في هذه الرواية تحديدا، تخضع الى مقاربة تاريخية، ومقارنات متماثلة بين وضعيتيـن, ونقلات محكمة لحدث ذو طبيعتين وبتسلسل جمالي أخاذ بين الموقف والموقف، /واللقطة ومثيلاتها، مما يخلق حالة متماسكة من الحبكة القصصية في افقها الروائي، لذلك يرى القارئ السلاسـة في الإنتقال دون تضيع الحدث الأرأس.

فمن أحلام الباهلي الثورية الى فضاءات مهدي جواد وبداية تدريسه "لآسيا" اللغة العربية، حيث تنزرع بذرات الحب الأولى لتلك الصبية، ورغم واقعية الحدث، إلا أن التأويل في القراءة يمكن أن يؤدي الى مساحات أبعد في الرؤية، من حيث الأسم /آسيا/ ومن حيث التشابك الإجتماعي لتدريس اللغة العربية. وهذه المسألة تبقى مفتوحة لكل قارئ.

يقول حيدر حيدر: "الدرس التمهيدي بدأ في بيت آسيا الأخضر. ذلك البيت المسرح لكل أحداث بونه وتجليات الزمن المضاء والمعتم" (ص22).هنا ـ في هذا النص ـ وضع الروائي المفتاح بيد القارئ ليدخل الى عمق المجتمع الجزائري بكل تناقضاته، حيث البيت تصغير لمجتمع بونه ـ المدينة ـ البلد ـ والعبارة الأخيرة "تجليات الزمن المضاء والمعتم" دليلا واضحا لهذا الفهم. إذن من هنا ستبدأ بعض الإشكالات الرئيسية في سياق الرواية، وعلينا أن ننتبه إليها جيدا.

ـ ومن دروس اللغة ـ في هذا البيت ـ الى دروس الحياة، الى فلسفة الوجود اليومية الى المنظور الثقافي للعائلة الثورية ذات التاريخ المجيد ـ حيث الاب أحد الشهداء في الجزائر، واثناء ـ الاستراحة من دروس اللغة العربية ، يبدأ الحوار الثقافي بالفرنسية. وكون "اسيا" قد قرأت شيئا من الأدب العالمي مثل  رواية "الغريب" لكامو، ورواية مالك حداد "سأهديك غزالة" والأحمر والاسود" لستاندال، والشرط الإنساني" لمالرو، وعلى هامش الدرس الخاص كانت الفتاة تطرح اسئلة عامة ذكية حينا وساذجة أحيانا، تتراوح بين الشخصي والعام وبين العقل والفطرة ـ أي أن حيدر حيدر، أخذ هذه الفتاة ـ هي وعائلتها نموذجا للشعب الجزائري، وإن كان هذا النموذج يخضع إلى معناه الضيق كونه يمثل مدينة جزائرية واحدة هي ـ عنابة ـ أو بونه. لذلك كان حيدر حيدر يعتني جيدا في مواصفات هذا المثال ـ النموذج. إضافة الى مثال آخر ـ سيأتي في السياق ـ هو مثال ـ فله بوعناب ـ لتمثل شريحة أخرى من مناضلي جبهة التحرير الجزائرية، لكن المثال الأول /عائلة آسيا/ هو الأوضح في المجتمع الجزائري. لذا أراد الكاتب أن تكون بؤرة الحدث والشخصيات من هذا المثال، باعتباره خاص قابل للتعميم، نظرا لتوافر شروط النمذجة فيه من حيث الوعي المتوسط، والارث الثوري والتعليم الثانوي، والتضحية لدى الأم الجزائرية، ناهيك عن مدى التفتح وطموح ونشد الحرية، إضافة الى البلوى "المسلطة من قبل" الأب الثاني" بعد رحيل الأب الأول الشهيد، وهذه حالة عامة لبلد المليون شهيد.

وعلى هذا الاساس راح ينطق تلك الفتاة آسيا" أسئلة تنسجم ووعي الحالة. لا سيما وإن  الأستعمار الفرنسي فرنس ثقافتهم، فهم طموحين للمعرفة، لذلك تسأل أسيا استاذها ـ مهدي جواد ـ القادم من الشرق الحضاري ، سليل وادي الرافدين: "ما الفرق بين العرب والإسلام؟ هل الأنبياء المرسلون حقا من الآلهة أم خرجوا مـن الأرض؟ كيف كلم الله موسى؟ وهل عرج محمد فعلا الى السماء كما تقول كتب الدين؟ وإذا صعد الإنسان الى القمر ما الذي يبقى من الأديان والآلهة؟ أنت لماذا أتيت الى بونه؟ ما رأيك بتحرر المرأة؟ هل تهوى المغامرة في الحياة" (ص23). وبالمقارنة الثقافية يستنطق حيدر حيدر /ثقافة المستعمر الأقوى/ ضمن سياق الحوار الدائر بيـن مهدي واسيا: ـ "هل كان للعرب حضارة كالأوربيين ـ تسأل أسيا. ويجيبها مهدي ـ بسؤال/ ما الذي كانا يقولونه لكم قبل الإستقلال؟

ـ فرنسا أم الحضارة والحرية.

ـ ولكن أي فرنسا منهما. روسو أم فولتير" (ص23).

ـ مبدأ الإدانة هنا منشأه ـ الإستعمار ـ كقوة غاصبة، ولذلك كانت مفارقة الحوار تتجنب العمق الثقافي لرموز فرنسا، فولتير، روسو، مالرو.

ومن الإستعمار الاجنبي الى القهر المحلي تحت سلطة الأنظمة العربية الضالعة بالقمع التاريخي, والذي يسميها الكاتب "زمن إبن ابي ضبيعة الكلبي" سليل هرمونات القتل والتناسل والبكتريا القومية، كما يقول حيدر (ص24) ساحبا ظلال الحدث علـى واقع العراق، لا سيما قيادة "ح. ش. العراقي " والتي راهنت بتواطئها على انقلاب 14 تموز (1958م وزعيمها الأوحد وتطورها اللارأسمالي والحوار بين اسيا ومهدي، وعلى مدى العام الأول، يسحب إسقاطاته بالادانة للمبدأ الاخلاقي للسياسة التي انتهجها "ح. ش. ع. حيث ضيع الفرصة الذهبية من يديه لاستلام السلطة، تحت هذا الوازع الأخلاقي، دافعا ضريبة هذا الخطأ حتى لحظتنا الراهنة و"بعد الحبل عالجرار".

ـ وكنوع من المباشرة يدخل الكاتب لمناقشة آراء الكوادر السياسية العراقية بعد الإطاحة بعبد الكريم قاسم عام 1963م، وتوجيه ضربة قاصمة للحزب ش. ع. ومن ثم بروز حالة المواجهة مع السلطة لرد الإعتبار لذاك الحزب ، حيث كان هناك تياران رئيسيان يحكمان سير إيقاعه، الأول: يمثل رفع السلاح واسقاط السلطة البعثية والقومية التي أطاحت بثورة 14 تموز، وكان ـ الباهلي ـ من دعاة هذا التيار، فيما كان الخط الثاني، هو خط المصالحة والمهادنة والذي عرف فيما بعد بخط آب اليميني. والذي ما تزال رموزه مسيطرة على الحزب "وقي ذلك الزمن لم يكن الرهان على إدارة بوصلة الوقت، إنما كان رهانا على إنقاذ ما يمكن إنقاذه في برهة إنفلات المبادرة ودخول شمس العراق تحت الخسوف الرمادي، حيث لن يعرف لا الحزب ولا الرب متى ستشرق الشمس من جديد (ص24).

ـ هذه المباشرة ، هي نبؤة حيدر حيدر لما آلت إليه أوضاع العراق الحالية، ýبعد أن فقد ح. ش. ع بوصلة الإهتداء، وقسمته الأحداث الى كتل وتيارات "فاستشاط الثوريون واتهموا القيادة بالتخاذل والتواطؤ، وعلا الحديث عن الإنشقاق، وراح الخط التاريخي للرهان على البرجوازية الديمقراطية يقصف بالتهم والخيانات  والإنخذال" (ص24)، وهو ما اثبتته الأيام التالية، حيث انشق الحزب الى اللجنة المركزية ـ بقيادة عزيز محمد، نزيل موسكو الدائم، والقيادة المركزية بقيادة الكادر المتقدم وعلى رأسها عزيز الحاج علي وجماعته، في تلك الآونة (1967 ـ 1968) ـ كان المطلوب راس الحزب ، "ويوم كانوا ينشقون ويصرخون ويتهمون ويذهبون الى الموت المحقق، كان الجنرال ، الكلي القدرة يوطد سلطته من خلال حلفه التاريخي مع العسكر وأعوان رأس المال ورجال الدين، والتقطير الشوفيني للسم القومي: هاي هتلر، هاي كريم هاي عارف، ومن ثم ـ هاي ابو عداي. وسائر الهايات التي ستأتي وتصرخ بصوت طاغ : الله ـ الأسرة ـ العشيرة ـ الطائفة ـ الملك ـ أنا الله على الأرض، أنا الشعب، ويوم ذاك ستصدر الأوامر في كل أرجاء البلاد: من دخل بيت الجنرال ابو الشعب جميعه فهو آمن، ومن دخل بيته الخاص وانزى فهو آمن، اما من دخل بيت الحزب، فالوطن في حل من دمه المهدور. ومن يومها ـ 1963 ـ ابتدأ شهيق وزفير الدم، الذي سيستمر الى يوم الدينونة" (ص25). ـ ثمة احتراق داخلي من الألم يتوضح في ثنايا هذه النصوص، وهي تعبير عن مدى حساسية الكاتب  المبدع ـ الشاعر ـ المؤرخ ـ وهو يستحضر في أدبه مأساة شعب يذبح، وتجربة نضالية رائدة تخنق نتيجة غباء قيادة سياسية لا تفهم معنى صراع الأضداد ولا أبجدية الماركسية وقوانين الصراع فيها، وبالتالي يصبح تخبطها السياسي أخطاء تاريخية قاتلة، يكون الشعب ضحيتها الأولى، ووضع العراق الحالي دليل قاطع لا يحتاج الى برهان، وبالتالي أراد حيدر حيدر بهذا النص المكشوف والمباشر، ادانة قيادة ح. ش. ع. وإعلان تضامنه مع فئة كانت تجتهد لتحقيق هدف نبيل، خذلتها تلك القيادة، ومن ثم أراد للآخرين أن يعوا درس التجربة العراقية، كشاهد حي آخذا نحو الضمور والاندثار، ومن هنا بتأرخة  الحدث، ومناقشة نتائجة وسلبياته، لا كمؤرخ محايد، بل كمبدع تعنيه تجربة الإنسان أنّا يكون ، وعلى هذا الأساس ستكون تجربة "القيادة المركزية" للحزب الشيوعي العراقي هي المفصل الرئيسي  في بنية أحداث الرواية، إما من خلال المنعطفات التاريخية للحركة، أو من خلال رموزها  الأحياء، والذين أمدوه بالمعلومات عن تلك التجربة وهم يمثلون الشخصيات الرئيسية في الرواية.
 
                                      *  *  *

ضمن المسؤولية الأخلاقية للكاتب هو كشف الحقائق للناس بقالب أدبي، تؤرخ وتشير الى وجود هؤلاء الشخصيات في كينونة المجتمع، كمقاربة للتجربة النضالية الفاشلة بمضمونها والناجحة بشكلها، يعرض حيدر حيدر لتجربـة "الثورة الجزائرية"، وكما المحنا من قبل فهو ينظر إليها من زاوية "الحركة الثورية بعد استلام السلطة" وتغير المهام الملقاة على عاتقها، ومن هنا نراه أ اي حيدر حيدر ـ يعقد المقارنة مع تجربة الفصيل الثوري العراقي، مؤشرا على الإخفاق بدلالة الأحداث التاريخية والاشخاص الأحياء، والذين عايشهم بنفسه وسمع منهم، لذلك يستعرض الكاتب حالات الواقع الجزائري (تجربة جبهة التحرير الجزائرية بعد الإستقلال) ومن خلال النموذج المرسوم "عائلة اسيا" يرسم تقاطع اللوحات في ذلك المجتمع

"ـ انت لم تقاس من الجراح كما قاسينا، في كل بيت لا يزال الدم ينزف…. وفي الأعماق يبدو أن موت الأب ترك ندبة، شعور شفاف بفقدان الأمن وفقدان الثقة بالحماية … سي العربي كان الملاذ والمثال، وكان الوطن بعد أن اسشتهد في معارك حرب التحرير، فقدت الطفلة دقة التوازن مع العالم… ذات فجر دموي هوى المثال مرة واحدة، فتصدع بيت سي الخضر ـ والد اسيا ـ ومنذ تلك اللحظة هجرته طيور الغبطة" (ص25).

ـ التضحيات المقدمة من أجل الوطن لا تعد ولا تحصى، والإستشهاد حالة معاشة بشكل يومي بالنسبة للجزائر، ما دام الهدف أعلى وأسمى، تلك هي مناعة الشهداء وأهلهم، بمن  يدركون معنى استقلال الوطن، ولكن حالة الأولاد والتنشئة ومعاناة الأم لفقدان الزوج والأب تبقـى جروحا لا تندمل، فما بالك إذ تغير "مزاج الثورة" وانحرفت عن المسار؟! ومن هنا تبرز حالات شبه الانفصام في سير التطور الاجتماعي عند بعض الأفراد، وتغيب بوصلة الرؤية عن مرمى الهدف، لذلك يسجل حيدر حيدر هذه الحالات كانعكاس للحالة الإجتماعية القلقة، وعلى لسان أبطاله "أن تكون حرا ليس هذا كافيا للسير فوق خط مستقيم، إن خطوط الآخرين تبدو منكسرة أو منحنية، والمنفى هو السير على خط آخر للحفاظ على التوازن لماذا هذه الغربة اللعينة في خضاب الدم!… ينبغي التأكد، دونما اندفاع مع أمواج الرغبة، فيما إذا كانت آسيا لخضر تشكل ميلا في حركة اتجاه البوصلة" (ص27).

* في الفقرة ـ 8 ـ من الفصل الأول في استهلال رأسي، يذكر حيدر  حيدر إسم "فلة بوعناب" وهو اسم جزائري، اشتقه الكاتب كشخصية رمزية وواقعية، بنفس الوقت، متخذا من هذا "الرمز" دال يدين به انكفاء الثورة الجزائرية، من خلال شطح القيادات، واستهتارها بقدرات الكوادر المناضلة، بعدما كانوا ألعن من إبليس على الفرنسي المحتل. هذه الشخصية فريدة، ونادرة المثال، وشاهد حي على فسق "القيادات المناضلة" يصفها مهيار الباهلي ـ والذي يسكن عندها ـ بالقول التالي: "امرأة غريبة، مزيج مستهترة مع مناضلة خائبة، امرأة حرة./… إنسانة مبهمة، عاشـت حياة مثيرة وغنية خلال "حرب التحرير الجزائرية" قضت فترة مع قيادة الجبل إلى جانب الزبيري… بيتها في شارع عبان رمضان، إمرأة نحيلة، في وجهها قسوة وشحوب" (ص30).

عند قدوم / مهيار ومهدي جواد ـ الى بيتها، تستقبلهم ببشاشة وحبور، دون أي تكلف أجوف، يشاهد ـ مهدي ـ على الجدار "صورة داخل إطار لمقاتلين بينهم إمرأة بثياب القتال،

ـ هذا أنت؟ يسأل مهدي.

تبتسم بمرارة: أيام العز". (ص31).

ـ إذن هذه واحدة من /مناضلات جبهة التحرير الجزائرية /شخصية واقعية وربما كانت حية وقت كتابة الرواية ـ 1974 ـ ولم تحصد من نضالها سوى بيت تجلس فيه، تؤجر بعض غرفه كي تعتاش منها، وذكريات عن النضال ودنس علق بها، بعدما وهبت جسدها "لرفاق الدرب" ولم يتزوجها أحد،2 كانت واحدة من اشهر منفذات عمليات التفجير مع جميلة بوحيرد ضد الفرنسيين، تقول (ص51) "الفرنسيون قتلوا اسرتها في مدينة قسنطينة في مجزرة الـ 45 ـ فتربت في بيت عمتها، بعد أن كبرت تزوجت في سن العشرين وأنجبت ولدا، الزوج كان سكيرا فاسقا يهوى المومسات فطلقته، ثم عملت ساقية في أحد البارات في العاصمة كان يرتاده الضباط الفرنسيون، أحبت أحدهم برتبـة كابتن، كان يصحبها معه الى بيته، وذات مساء فوجئت بأربعة ضباط فرنسيين يدخلون البيت وهم سكارى ويرغمونها أن تنام معهم جميعا، وبشكل جماعي، كم كان الامر كريها ومقززا ـ "بعد اندلاع الثورة وجدت نفسي في خلية سرية من خلايا جيش التحرير، كان الرأس يدوي بأصداء الثأر من أولئك الخنازير الذين ولغوا فيها، عن طريق ذلك الإبن الزانية الذي أحبته فقذفها الى الوحل … وتضيف/ أنا وجميلة بوعزة، كنا معا في خلية واحدة، وضعنا حقيبة القنابل في بار الضباط الذي أعمل فيه في شارع العربي بن مهدي، بعد ذلك هربوني الى الجبل ووضعوني تحت أمرة الكومندان طاهر" (ص 52).

هذا النص يشكف عن مرأة حقيقية، مناضلة، باسلة، أعطت كل شيء للجزائر، أهلها، نفسها، شرفها، وخانتها يد الأقدار، ترى أهي وحدها في هذا "السلك" أم هناك أخريات مثلها؟! أعتقد أن الروائي كان يدرك جيدا أن هناك شريحة واسعة من هذه المناضلات وقعن بنفس المطب، إن كان في الجزائر، أو في العراق، أو بقية الدول العربية، وقد كشفت لنا المنافي الكثير من ذلك., فمن المسؤول يا ترى عن هذا الإنحطاط؟! ومن هذا الكشف المعري عن حقيقة "الثوريين" وابناء التجربة المريرة، يدخل حيدر حيدر في ثنايا الروايةن ليدين شريحة أخرى من الناس، تتخذ من الدين عباءة لها تتستر بها، تنطلق من المحرم الديني ـ الأخلاقي فقط، ضمن رؤية ضيقة جدا إسمها "الحشمة" والحياء المزيف، متمثلة هذه الفئة بشخصية "الحاج محمد" زائر مهدالرسول وعاشق كعبتـه، والذي لا يفهم من الدين سوى وجود "الشيطان" بين كل رجل وامرأة، لا سيما بعد أن حاول الدخوال بعنف على "مهدي واسيا" وحاول إثارة الفضيحة الأخلاقية دون ان يعي ما سبب التواجد؟! متناسيا قولة الرسول الكريم "إدرؤا  الحدود بالشبهات" راجع ص 27 ـ 30).

* طبيعة العلاقة بين مدرس شاب وفتاة يافعة تؤدي ـ بشكل أو بآخر ـ الى نوع من المودة، يكبر مع الزمن ويتحول الـى حب وزواج، وهذه المسألة يعرفها  المنفيون ويحسون بها أكثر من غيرهم، لا سيما أبناء شرق المتوسط. لذلك كانت أحد المفاصل الرئيسية في مجريات أحداث الرواية، وتوظيفها يخضع لاكثر من اعتبار يهدف إليه الكاتب، منها، تعرية الواقع المزيف والدجل الأخلاقي، ثم الكشف عن عيوب هؤلاء "العرب والأعراب" للمسلكيات الخاطئة لتلافيف العقل المعصوب عن تجلي ظواهر الحياة. وأخذه بمفهوم واحد إسمه الاخلاق. إن كان على الصعيد السياسي أو الاجتماعي، دون النظر الى التطور التقني الذي يسود في الغرب، بعدما تجاوز أبناءه حقبة العصور المظلمة، ووضعوا اسلحة التدمير ضد شرقنا العربي في رحاب الفضاء، فليس اعتباطا أن تقول اسيا الخضر "أن في دمنا بلازما فاسدة، إنها مستمرة على ما يبدو، وهذا هو المحزن" (ص36).

كما ليس عبثا أن تركز حواراتها مع استاذها ـ مهدي ـ حول الامور الثقافية، الذي يشعر به الجيل الناشئ بعد الثورة وبعد الإستقلال، بغية معرفة كل شي، وهو الواجب الأخلاقي الذي يلقيه الكاتب ـ كمسؤولية معرفيـة وحضارية ـ على مربي الأجيال ـ في مختلف المراحل الدراسية ـ وعلـى القيادات والكوادر السياسية، كي تنشئ جيلا معرفيا معافى ، وليس تستر عنه حقائق الوجود، وأخطاء التجارب، حتى لا تضلله، كما ضلت هي، ومن هنا نرى هذا العري الفاضح في ثنايا الرواية، على كافة المستويات، فمسؤولية بناء الاجيال تقع على كاهل الجميع، وعلى الثوريين تقع المهمة الأصعب لأن هؤلاء يدعون الطهارة والقدسية وبناء الشخصية الكاملـة ـ النموذج ـ بكافة جوانبها، باعتبار أن مسألة حرية الوطن من حرية المواطن، وبنفس الوقت يدين حيدر حيدر، السلطات العربية المختلفة، لقمعها المتواصل حرية الفكر، عاكسا صورة أوربا بشكل آخر، ومقولا اشخاصه ما يريد هو قوله، "لقد قالت آسيا شيئا قابضا حول عبارة مالك حداد عن منفى اللغة، كانت تتحدث عن الإستعمار الثقافي الأقسى والاضرى من السياسي والإقتصادي: "غرسوا في ذاكرتنا إن المسلمين والعرب كانوا غزاة وفاتحين، إستعمروا اسبانيا وصقلية ووصلوا الى  بواتيه. كانوا يؤكدون لنا أن القرآن مأخوذ عن الأنجيل والتوراة، واللغة العربية لغة دين وشعر لا لغة علم، وهذا سبب تخلف العرب في العلوم والحضارة الحديثة" ويجيب مهدي: ـ هذا طبيعي، إنهم منطقيون ومنسجمون مع غاياتهم. الإستعمار في النهاية ليس العنف فقط إنما التزوير والإستلاب والقطيعة مع الأنا الجماعي" (ص37).

المباشرة هنا واضحة، لكنها تخدم موضوعة النص، فالخطاب الغربي موجه ضد عقول الناس، ولغايات محددة، ونحن ما زلنا نشتر "عنتريات الماضي"، والعرب في اتهام مستمر ضد البعض، وهو ما ينعكس في لغة الناس العاديين ـ لالا فضيله ـ مثلا، وهي أم آسيا، تعكس معاناتها لهذا الواقع، "البشر فسدوا وانقسموا، حتى صار الواحد عدو الآخر وعدو نفسه، ما عادوا كما كانوا أيام حرب التحرير. ما كادت الحرب تتوقف ويأتي الفرج حتى ظهرت كل الشياطين والعفاريت المخبأة فـي الرؤوس والصدور، كم هو محزن أن يصلوا الى هذا الوضع! الأعداء يشمتون بنـا الآن، ويقولون: شوفو الجزائريين بعدنا كيـف فسدوا.الحق أقول يا ولدي: أنا لا افهم ماذا حدث ولماذا؟ كيف كانت الحرب تؤاخيهم في الحياة والممات ضد أعدائهم، والآن يتحولون وحوشا يمزقون لحوم بعضهم بعضا. قل لي: هل ينبغي أن يكون هناك دائما عدو حتى نتحد؟" (ص 38).

ـ أليس هذا السؤال كبيرا ولماذا يوحدنا العدو"؟ هل بالضرورة أن يكون العامل الخارجي هو العامل الأرأس في التوحيد؟! اليس "اسرائيل والولايات المتحدة" عدو دائم فلمادا لا تتوحد؟! أين العلة؟! لماذا ينشأ الإرهاب؟! وأسئلة كثيرة يثيرها النص المفتوح على أكثر من مدى.

وكمفارقة بين وعي الأجيال واختلاف نظرتهم للحياة ومئآسيها  ينتقل حيدر حيدر من تفكير الأم الى تفكير البنت آسيا وهي تتحدث عن علاقاتها بالاشرعة والزوارق والبحر والسماء "البحر كان مدينتنا، بين السماء الزرقاء والماء الأزرق يشعر الإنسان بالنقاء، ساعات طويلة ونحن مفصولون عن العالم كاطفال نلعب في عالم غريب مضاء. آه، في البحر يكتشف الإنسان الحلم، كم كنا نبدو بعيدين عن جرائم المدينة والبشر" (ص39 ـ 40).

وهذه النقلة بالتفكير والتخيل هي إحدى اساسيات صراع المجتمع وفهم طبيعة هذا الصراع على أساس من الوعي وضمن شروطه الموضوعية. ولكن ضمن المنعكس الجمالي لوظيفة الأدب، فإن رؤية الأديب، لهذا  الواقع تكون ذات لغة جمالية عالية لتوصيف الحالة، لذلك نشاهد صورة البحر وانعكاسات ظلالة في الرؤيا تؤشر الى عالم آخر، يغري بالتماهي معه، والنزوع نحو الصفاء الذي تنشده الروح، وهي خارجة مـن معمعان المدينة ذات الضجيج والفوضى والفتن.

كما إن هذا الإنعكاس للبحر ـ بكل صفحة تقريبا ـ هو العالم المفضل لحيدر حيدر، حيث أنه نزيل البحر الدائم، فهو ولد على ضفافه وعاش في كنفه في قريته "حصين البحر" التابعة لمحافظة طرطوس السورية، ومازال هناك متسرمدا مع البحر وزرقته. لذلك تكون المقارنة بين البحر والمدينة مسالة غير واردة في عرفه..

ـ ومن حالة الإسترخاء على شاطئ البحر الجزائري في /بونه/ تداهم مهدي جواد ـ أشباح المطاردات /، وصدمة الإسلاك الكهربائية، وتحلل الأجساد المعذبة في أوكسيد الكبريت، وبداية انفجارات الدم التي تغطي أغشية المخ "كانوا يهذون وينوحون، ويعترفون ويتساقطون كالنيازك داخل الاقبية. وفي الشوارع المظلمة وعلى ضفاف الأنهار، وفي عمق مستنقعات البردي، قال مهدي جواد للاشباح: ابتعدي، اريد أن أنجو ـ ونجا" (ص40).

أي رعب هذا الذي زرعته السلطات العراقية في تلافيف مخ هذا الرجل، وأي رفاق استحضرتهم الذاكرة المتعبة؟! اي خصوصية موغلة بانواع التعذيب امتلكتها سلطات العراق، حتى صار وشمها ثابتا في أدمغة الناس، وهي تذكرهم في كل سكنة وهدأة روح، هكذا ترسم الرواية شخصية مهدي جواد ـ المناضل الشيوعي ـ العراقي، فإلى أي مدى استطاع الكاتب أن يدخل الى أعماق شخصياته ليكشف ما يعتلج في داخلهم من هموم ومعاناة.

وتواشجا مع هذه الحالة العراقية يتوقف حيدر حيدر مع ثوري الجزائر ـ اعضاء حزب التقدم والإشتراكية الجزائري، ومعاناتهم وعذاباتهم في السجون الجزائرية، وكأن الأمر سيان بين سلطة قمعية في العراق، وسلطة وطنية في الجزائر، يقول: "في زنزانة" الابيار" يقول بشير حاج علي عن جلاده: "عند وصولي يستقبلني في الظاهر ببشاشة وهدوء، ويحدثني باللغة القبائلية، وفجأة يبدو أنـه مهتم بنزل بوعلام خلفه: أين هو ؟! فأجيبه" لا أعرف، على كل حال لن أدلك عليه، هل سمعت بالشهامة القبائلية؟ وكان يشعر بغيظ حاقد علي من اجل هذه القضية. وهو مهتم بصحة الصادق حجرس وعبد الحميد بن زيد وبشروط حياتهم، وكان يقول لي: النضال السري شكل من أشكار التسول حيث ينتقل الإنسان من باب الى باب. أعطني كلمة إليهم واعطني عناوينهم، وسأذهب إليهم لأطمئنهم ولن يحدث لهم شيء . ولم أجبه" (ص 40).

ومن هذا الإسقاط والمقارنة بين الحالتين، تتوضح رؤى الكاتب التي تدين حالة القمع العربي التاريخية من اقصاه الى اقصاه، ومن ثم تنكشف حالة الزيف الآيديولوجي المروج للقومية وحرية الإنسان وحقوق المواطنة. فإذا كانت الحقوق مهدورة في عراق القومية والجزائر الثورية، فاقرأ على البقية السلام، فالسلطة هي السلطة.

* في الفقرة ـ 10 ـ من الفصل الاول تتضح عدوى قلق أبطال الرواية على المؤلف نفسه ويعود الهاجس السياسي هو الأوضح والاكثر سطوعا على هذه الفقرة  حيث ترتسم ملامح الإنقسام في ح. ش. ع عام 1967م وظهور كتلتين واضحتي المعالم "خط الكفاح المسلح ـ بقيادة ظافر ـ وخط تحريفي هو خط آب التصفوي /ص43/ والأنشقاق هنا بات عموديا، وأغلب كوادر الحزب كانت تواقه الى الخط الثوري المسلح، إلا أن "تواطئ القيادة وذيليتها للبرجوازية هي التي وضعت الحزب ـ كما يقول مهدي جواد ـ هي التي وضعتنا في هذا المضيق، وإذا ما هزمنا فإن دماء الحزب ستكون في عنق تلك القيادة التحريفية ـ يستطرد مهدي جواد حديثه الى خليته في حي الكاظمية ببغداد ـ والآن في هذا المعركة الشرسة واللا متكافئة يقف الحزب على مفترق الفناء أو الوجود، الإنقلاب العسكري الذي نفذته الطغمة الفاشية يستهدف رأس الحزب" (ص 44).

ومن هذا التنظير وصب جام عضب "الكادر المتقدم" على قيادة الحزب الإنتهازية والذيلية تبرز الخصوصية العراقية ذات النكهة المتطرفة على لسان مهدي جواد ـ ممثلا لهذا التيار "إن قيادة حزب شيوعي تتخلى عن تعاليم لينين في استلام السلطة بالعنف وتنتهج النضال السلمي الديمقراطي ليست أكثر من قيادة بيروقراطية تحريفية جبانة، تقدم حزبها بطواعية لسكين الرجعية وتحت اي شعار؟ "عدم نضج الظروف الموضوعية والمراهنة على أنظمة البرجوازية الصغيرة الديمقراطية، هذا هو الشعار الذي اودى بنا الى المذبحة اخيرا" (ص45).

* إن عملية التركيز على إنكسار هذه الحركة الثورية في العراق، هاجس يقلق بال المؤلف حيدر حيدر وتقض مضجعه، بسبب كون هذا الحزب، ذو الخبرة الطويلة، وفي بلد كالعراق لا يفهم حركـة التاريخ، ولا يعي الظروف والمستجدات، ولا يعير أهتمام لآراء قاعدته بالتأكيد سيكون مصيره الفشل، وهذا ما اثبتته الايام والأحداث المتلاحقة التي مر بها العراق، والذي يسبح بدمه حتى هذه اللحظة، ونظرا لعدم دراسة هذه الاخطاء بجدية من قبل الحزب ذاته، فإن الروائي حيدر حيدر، حاول هنا ـ في هذه الرواية، أن ينقل أحاسيس الناس والمناضلين، ضحية هذه التجربة المخفقة وبشكل تاريخي مستمر، من جهة ومن جهة ثانية يكشف خواء العقلية السياسية التي سيطرت على هذا الحزب العريق وحرفته عن إدراك اللحظة التاريخية، الامر الذي يكشف تراكم الأخطاء في عقل ورؤية مثل هذه القيادة والامر بمنظوره الابعد ـ رغم الخصوصية ـ فإنه يشمل تجارب بقية الأحزاب الثورية على الساحة العربية، ومن جهة ثالثة يريد الروائـي أن يرفع عن أعين الناس ذاك الضباب الحاجب لرؤيا العقل على مدى التاريخ الطويل للامة العربية..

* من حالة الحماس العراقية، وداخل اجتماعات الخلايا السرية وتفسيرات أعضاء الحزب لحالة الأنهيار والتمزق، الى حالة الواقع الجزائري بعد الإستقلال ـ الفقرة 11 ـ والذي ترسمه "فله بوعناب" بعد أن غدت مخمورة، وهي ترى الوحل الذي يغوص فيه، والوحل الطائف في الشوارع والمؤسسات والنفوس الخامجة، ورغم اعتراضات ـ مهيار الباهلي، بأنها تبالغ ترد بعناد: "انت لا تعرف هؤلاء الناس، البشر هنا أشرار ووسخون أكثر مما تتصور" (ص48)، ثم تضيف: "ـ كلهم سرقوا الثورة واغتالوها، القوادون الذين لم يحاربوا. لماذا؟"(ص49). إذن هناك حالة تلازم لفقدان البوصلة لحركات التحرر العربية، وإلا كيف تخفق حركة منتصرة بالجزائر ـ بعد تقديم مليون شهيد، إذن أين عقلها الستراتيجي لما بعد الإنتصار؟ وأين رؤية الحركة الثورية العراقية، وهي طليعة الأحزاب الثورية العربية؟! لماذا هذا الجدل وتلك الثرثرات الجوفاءن كل هذه التساؤلات يسمح بها نص الحوار بين فلة بوعناب ومهيار الباهلي (ص49). وبقراءة أخرى يمكن القول إن فشل ح. ش. ع بعدم استلامه السلطة بعد ثورة تموز1958م هو الوجه الثاني لكبوة الثورة الجزائرية، حيث الظروف كلها كانت مهيأة.والعمل يحتاج فقط الـى ازاحة عبد الكريم قاسم، دون إراقة قطر دم، والمتابعون لأحداث العراق المعاصرة يدركون ذلك جيدا، ولكن عقم العقل الذي يقود ح. ش. ع. حال دون ذلك، وها هي الجزائر تقع في نفس المطب. ثم دلالة هامة يضمرها النص في ثناياه، هي ـ ادراك الناس للأمور بحسها الفطري، فتستشعر الخطر قبل حدوثه، والمصيبة أن القيادات بعيدة جدا عن أحاسيس هؤلاء الناس، ومن هنا تأتي تأكيدات حيدر حيدر من خلال أبطال روايته، فله بوعناب، لالا فضيله، آسيا، /الجزائر/ وآراء الخلية الحزبية ـ في الكاظمية /العراق ـ حيث كانت تناقش جل الأمور في ابسط وعي عمالي ـ راجع ص 43 ـ 47.

وثمة مسالة أخرى، تندرج في هذا السياق ـ اقصد وعي الناس في القاعدة الحزبية، هو ميلهم نحو العمل الثوري، وهي مسالة ملفتة للأنتباه ـ لا سيما على الساحة العراقية ، حيث ان خبرة الأحداث وتراكم التجارب في وعيهم جعلتهم يتعشقون روح النضال الثوري لأسقاط الدكتاتوريات المتعاقبة على عرش العراق، حتى أن البعض من هؤلاء الناس، ترك انتماءه السياسي وعقيدته القومية والدينية بمجرد تنامي الأخبار الى مسامعهم باندلاع "الكفاح المسلح" في الأهوار، وهذه المسألة أهملتها قيادة ح. ش. ع، وهي النقطة الهامة التي يتوقف عندها حيدر حيدر في ـ الفقرة 11 ـ من الفصل الأول ـ مشيرا الى تبرعمها في الجزائر أثناء "حرب التحرير" وعلى لسان "فلـه بوعناب" كوعي للمرأة وعامة الناس بنفس الوقت ـ تقول فلة: كنت وما أزال أحب الرجال الأشداء. الكومندان طاهر كان صلبا كصخرة، وحنونا كالحمل، وهو يتحدث يلفحك دفق ناري قادم من فوهة بركان رجل كالإعصار عندما يغضب وكالبحر الهادئ إذ يصفو. فلاح عنيد، لكنه طوباي يحلم باشتراكية الأرض. الفلاحون شجرة الثورة ووقودها، هم الذين أبقوا الجذوة متقدة حتى النصر" (ص49) ـ وعلى الضفة الأخرى ـ العراقية ـ يرسم حيدر حيدر شخصية مهيار الباهلي، وهو يتحول في خضم الأحداث التي سقلته وحولته من رؤية الى أخرى ـ من التيار القومي الى الخط الماركسي الثوري، يقول/ "وقبل أن يلتحق الباهلي بحرب الأهوار، كان يتحول في الجامعة بعد هزيمة حزيران "1967" نحو الماركسية، لقد سقط الرهان على الخط القومي ـ البرجوازي بهزيمة عبد الناصر. وفي كلية الفلسفة وباحة جامعة بغداد كانوا يستفزون تحوله الجديد: "شيخ نجفي بعمامة ماركسية، ويضيفون: من الحسين الـى عبد الناصر الى ماركس. ها عيني! اين تتوطد الثورة؟ وباستفزاز يلمحون الى اصوله الشيعية وأسرته المتدينة التي تنتمي الى الأسياد الحسينيين"(ص50). هذا التحول الأيديولوجي لطالب جامعي، ليس صدفة، ولا حالة فردية في العراق، أنا أعرف رجال دين، يعملون "خدم ضريح الإمام علـي في النجف وهم "رفاق في الحزب الشيوعي ـ "القيادة المركزية" كيف نفسر مثل هذه الإزدواجية عند أهل العراق؟! هناك تفسير واحد هو: الشوق للتحرر من هيمنة الدكتاتورية الفاشية في العراق، أما ما يخص إنتماءهم الديني فكانوا يقولون"إن الله أرحم الراحمين"؟! من يصدق هذه الظاهرة!!؟3

ـ وثمة أمر آخر يسلط /حيدر حيدر/ الضوء عليه هو :فهم "المادية التاريخية" على اساس الواقع وتجربة الماضي، لا اجترار النصوص الماركسية بشكل ببغاوي دون معرفة وتحليل ـ ص50 ـ 51 ـ كاشفا هشاشة أدعياء الماركسية، على الصعيدين ، العملي والنظري.

* سرمدية العنف التاريخي المتناسل من الأجداد للأحفاد في كيان السلطات العربية لم تحرك الشارع العربي على المجازر التي انتهكت فيها حقوق الانسان العربي، وأريقت الدماء في العراق 1963 والجزائر كذلك، ولم يتحرك ضمير أو جفن عربي، مسلم أو مسيحي، قومي أو اشتراكي، تقدمي أو رجعي، بحجة "عدم التدخل بالشؤون الداخلية" هذه الأحداث وجدت صداها في العالم الغربي، خارج عالمنا العربي، وبفرنسا تحديدا، لا سيما بعد أن اقدم شاب جزائري إسمه "علي بومنجل" علـى إلقاء نفسه "من شرفة عالية في الجزائر وسقط ميتا حتى ينجو من التعذيب" فعلى ضوء ذلك احتج الكتاب والمفكرون  الفرنسيون على الأعمال البربرية التي مارسها الإستعمار (ص59) حتى ان "استاذ القانون في جامعة السوربون، قدم استقالته احتجاجا على التعذيب، كون ـ علي بومنجل ـ أحد تلاميذه ، وقال في سبب استقالته: "كان علي بومنجل أحد تلاميذي في كلية الحقوق في الجزائر ففجعني خبر موته، وما دامت حكومة بلادي تمارس هذه الوسلائل الإرهابية، التي لم تمارس ضد اسرى الحرب الألمان، فإنني لا أستطيع الإستمرار في إلقاء دروسي في كلية الحقوق الفرنسية" (ص59).

من من العرب فعل ذلك؟! إن بعض الدول العربية المعاصرة ـ لا تمنحنا إشارة دخول الى بلادها لمجرد إننا عراقيون؟! ولا يميزون بيننا ـ نحن الذين شردناالنظام العراقي، وبين أتباع النظام العراقي؟! وحادثة "سي العربي" التي يوظفها حيدر حيدر في الرواية (ص60) عندما عذب ولم يبح للفرنسيين باي شيء وعندما قابلوه "بالمخبر العربي" الذي وشى  به، بصق بوجهة قائلا: "بيوع قواد، ولد القحبة تبيع وطنك لعدوك يا إبن الزانية!" وعندما اصر بعدم الأعتراف قتل، هذه الحالة، في العراق ظاهرة، وفاشيو البعث في عام 1963م مارسوا أبشع منها، ومن يقرأ كتاب "المنبوذون" يقف علـى حقيقة ذلك. وحيدر حيدر هنا، في نهاية الفصل الأول من الرواية، أراد أن يدين هذا الصمت العربي على تلك الجرائم التي تمارس ضد المواطن العربي في هذا البلد أو ذاك، ومحفزا الذاكرة العربية لعدم نسيان تلك الأحداث وأخذ العبرة منها، لا مجرد توظيف في بناء روائـي بل هو موقف أخلاقي وشهادة على العصر الذي هو فيه، وكونه كاتبا تلزمه الإمانة العلمية والموقف الحضاري أن يدين هذه الاعمال الوحشية بأعماله الأدبية، وأعتقد أنـه شارك عذابات ابطاله المأساة، ودفع ضريبة هذا الموقف، والموقف الذي عرى فيه وكشف مقدمات السقوط العربي للأيديولوجيات، مدينا خيانات"أبناء البلد، ومؤشرا على أمية رجال السياسية والفكر، كاشفا غلبـة العاطفة على العقل عند "ثوريي" البلدان العربية ومشيرا بنفس الوقت، الى أهمية رفع الحجاب الديني عن العقل المبدع.

 

* الشتاء ـ دياجير الظلام وكوابيس، الطغاة.

في الفصل الثاني من الرواية "وليمة لأعشاب البحر" يستخدم حيدر حيدر عنوان "الشتاء" إسما لهذا الفصل ـ وكما ألمحنا في بداية هذه الدراسة، أن الروائي، اتخذ اسماء الفصول وفق تقسيمات الطبيعة من منظور فلسفي، يخضع الى منطق ابستمولوجي "معرفي" تتشابك فيه الرؤية الحاملة للمبدع مع قانون الوجود، في فضاء زمني محدد، وإطار جامع من العمل الأدبي أسمه "الرواية".

ـ في مستهل هذا الفصل، يرسم /حيدر حيدر/ شخصية "يزيد ولد الحاج" الزوج الثاني للسيدة ـ لالا فضيلة ـ إمرآة الشهيد الجزائري ـ سي العربي ـ شخصية متسلطة تكره نظام ـ بومدين ـ وتأمر وتنهي في كل مقدرات البيت، بما فيها الإعتراض على الدروس الخصوصية للغة العربية لآسيا الخضر، ومن ثم الاعتراض ـ بشكل أو بآخر ـ على مجيئ ـ مهدي جواد ـ الى البيت ـ باعتباره "مدرس آسيا" (ص62 ـ 64. وثمة إحساس بالغربة قاتل يعانيه هذا لمدرس /مهدي/ وهو يسمع لعلعة صوت "يزيد ولد الحاج". تفاعلات الوعي باللحظة الآنية تقوده الى فضاءات أخرى، وهو لا يقوى على فعل شيء، وهو يقرأ وجه تلميذته الحزين نتيجة سيطرة زوج الأم على البيت بكاملة. فجأة رجل طويل جهم اسمر، بعينين حادتين, ووجه كجرف هاوية يلج الصالون. يلقي تحية مقتضبة، ثم يسلم وهو واقف. لالا فضيلة تعرف زوجها مهدي: ـ مهدي ـ أستاذ آسيا ـ تشير الى الرجل الجهم ـ يزيد ولد الحاج. زوجي. بعد سلامه المتعالي سأل اسئلة سريعة عن الصحة وعن دروس آسيا، كان يسأل بصلف ولا مبالاة وعلى وجهه ارتسمت علامات مقت لم يستطع اخفاءها" (ص 64).

هذا النفور ـ في مستهل هذا الفصل، هو إشعار بين رؤيتين مختلفتين من حيث الوعي والتوجه، فيزيد ـ كما تقول آسيا "جمـع تجارته من السوق السوداء ابان الحرب، ولم يكن يدفع دينارا واحدا للثوار ـ كان يقول ـ هذه الإشتراكية كفر وكولون جديد، إنها تسرق أموالنا واراضينا. وقفنا ضد بن بيلا لأنه أراد أن يعمل من الجزائر شيوعية" (ص65). وهو بنفس الوقت لديه زوجة ثانية وعائلة أخرى. وهنا تبدو المفارقة بين الرجلين، وبعد المسافة بينهما فيزيد مرابي ـ يمثل البرجوازية الصاعدة، ومهدي ـ بروليتاري النزعة، لا يملك سوى أفكاره وطموحاته، وأمل، ضئيل في التأثير على هذا البيت، من خلال حبه المضمر والمكبوت لآسيا ـ فتاة الجيل الواعي ـ والمفارقة الأخرى تتمثل فـي سيطرة الأول على مقدرات البيت الكلية، فيما الثاني، ـ مجرد مدرس خصوصي، وغريب ـ وهذا يعني إذانا بالمواجهات القادمة، ومن جهة أخرى يريد الروائي الإيحاء لحالة الصراع العنيفة، والتي ستجليها بقية الأحداث القادمة، وما هذا اللقاء بين الرجلين سوى تباشير أولية لعنف مرتقب.

مفارقات المشهد في /بيت لالا فضيلة/ علامة دالة على أكثر من حالة، إن كانت في الجزائر ـ وهي الاكثر سطوعاـ أو في بقية البلدان العربية ـ هذه المفارقة تكمن في كون ـ الزوج الأول كان إنسانا بسيطا ومحياه ينشر البساطة لكنه ممتلئ بحيوية الرجل العامل بين القرى والمدينة، يعمل ليلا ونهارا ليقدم للأسرة الخبز والفرح" تقول آسيا عن ابيها: "ذات ضحى، عندما انطلقت شرارة الثورة أرسل إليه ـ ريزي عمرـ قائد الولاية ليلتحق بالثورة فلم يتلكأ: الوطن بحاجة إليك ياسي الخضر، ما رأيك؟ كما اندفعت الآلاف ثم الملايين التي سلبت العمل والارض والكرامة، اندفع الأخضر حتى لا يظل عبدا أو أجيرا في مؤسسات الغزاة، واضعا نفسه واسرته وشاحنته الصغيرة تحت تصرف الثوار، وذات مساء خريفي قدم دمه وجسده كما يليق بثائر عامل يفتدي وطن الحريـة والخبز القادم" (66)، تلك هي الصورة التي ما زالت عالقة في ذهن آسيا، والتي ترى بعض ملامحها في شخصية استاذها مهدي، ـ النص يكشف تناقض الحالة الجزائرية، قبل وبعد الثورة ، ويدين القيادات التي لم تلتزم عوائل الشهداء ـ الإلتزام الكامل ـ وحرمت الطفولة من أحلامها ـ ومن تداعيات هذه الحالة الجزائرية ينتقل الحدث بإسقاطاته السياسية والإجتماعية الى ذاكرة ـ مهدي جواد ـ حيث ينكب سيل الذكريات المؤلمة عن أحداث العراق عام 1963م، يوم قام الفاشيون بغدر ثورة تموز، وسقط رهان قيادة ح. ش. ع على "الحصان العسكري، وما كان لدى الحزب اسلحـة، المقاومة الشعبية التي درب الحزب فصائلها للدفاع عن الجمهورية، اوقف "الزعيم الأوحد" قبل أعدامه تدريبها توجسا من سيطرة الحزب، أغلق المكاتب ووضع السلاح تحت تصرف الشرطة وجهاز الإستخبارات، سقط الزعيم وجاء جنرال آخر ـ عارف ـ فوقع الحزب تحت السكين (ص 67).

ـ هذا النص ـ ليس روائيا ـ هو حدث حقيقي موثق، وتضميناته جاء ليخدم المسار الروائي، من جهة، ومن جهة ثانية جاء دليلا على غياب الرؤية الستراتيجية لدى الحزب الشيوعي العراقي، حيث أن حدث ـ نزع سلاح فصائل المقاومة الشعبية التابعة للحزب هي الخطوة الأولى لتصفيته، ولم يحرك ساكنا، وظل على قناعاته في الرهان على "عبد الكريم قاسم" لذلك عندما وقعت احداث 1963م لم يعرف الحزب ماذا يصنع ـ خصوصا بعد استشهاد السكرتير العام ـ سلام عادل. هذه الماساة، وتداعياتها اللاحقة، حتى هذه اللحظة يتحمل نتائجها الحزب. وتكشف الصفحات اللاحقة (ص68 ـ 70) عمق المأساة والحيرة المربكة للتنظيم ـ داخل بغاد وخارجها ـ وانجرار نتائج هذا الفعل السياسي على الحالة الإجتماعية، حيث الفصل من العمل، وتشريد العوائل والملاحقات اليومية، المراقبة المستمرة وهنا يدين الروائي حيدر حيدر، هذا الغباء السياسي لهذا الحزب، بعبارة يطلقها على لسان بطله ـ مهدي جواد، تقول: "لا بد أن خطأ قائلا قد ارتكب فيما مضى!" ثم يضيف: "على من يظلون أحياء أن يبحثوا عن جوهر الخطأ" (70) وهذا السؤال الخطير لم يجب عنه ح. ش. ع. حتى هذه اللحظة ـ بين الحدث والنقلة الأخرى لصورة ذات الحدث بين الجزائر والعراق، يحاول حيدر حيدر في لوحات المشاهد، تخفيف وقع المعاناة الحزينة على المتلقي حيث أن رواية "وليمة لأعشاب البحر" تراجيديا سوداء، طغى فيها النفس الكربلائي الحزين، لذلك نراه، بين فقرة وأخرى يلطف سبك العبارات بلغة شاعرية، تدغدغ مخيلة القارئ ـ كصورة مبدعة، وتوقد ذهنه لتحليل الأحداث، وهو بهذا يدرك بحس معرفي وظيفة الادب، وهي النقطة التي لم يدركها بعض "المصريين" الذين هاجموا الرواية4.

وعناصر التشويق في النص الروائي، تلعب اللغة دورا رئيسيا فيها كما أن ـ عالم الرواية ـ هو عالم شامل لكل مناحي الحياة، بسلبيته وإيجابياته، بحيث أن منطق تفكير كل شخصية يختلف ـ بالضرورة عن تفكير الشخصية الآخرى ـ كما أن ثقافة ـ أبطال الروايةـ هي الأخرى تطرح قضية فلسفة الحياة كل حسب وجهة نظره، وعلى ضوء تجربته الخاصة. وبين العام والخاص، هناك روابط ونقاط التقاء، وتواشج وتنافر، لكن الأحداث التاريخية والسياسية، هي التي ترسم مسارات الرواية وفضاءتها وهذه الرواية خير دليل على ذلك.

* ثمة أمر هام يلتفت إليه الروائي /حيدر حيدر/ هو: ذاكرة مهدي جواد، التعبة دائما، والمليئة بالأحداث السوداء والمئاسي المتراكمة، حتى إنه على طول مسار الرواية، لم يتذكر حالة عشق أو حب وما الى ذلك في بلده العراق الأمر الذي يكشف مدى جدية "الإلتزام الحزبي" وعمق المسؤولية في كيان أي مناضل، فحتى الثرثرات في الحديث مع "آسيا الخضر" تقوده بانسياب نحو ساقية السياسة، وحتى اسقاطات الحالة النفسية، إثناء الدرس مع تلميدته كانت تصب بذات الإتجاه "حالة حصار" كتب هذه العبارة على صفحة الكراس المفتوح، وهو منكب علـى المنضدة يستمع للأسئلـة ولا يجيب" (ص75). الكوابيس السوداء والأشباح اللعينة تهاجمه في كل لحظة انفراد مع ذاته، ومع هذه الحالة يرتسم الوطن البعيد كلوحة حمراء "رقصت اللوحة فتغيرت الألوان، صار قوس قزح ما لبث أن انكسر… سمع أصوات طيور تصيح وتئن بينما الرصاص يختطفها، الجوع والمطاردة، والتشرد والفرار من وكر الى آخر تحت رعب الموت، اغتيالات بغداد والموصل والبصرة والحلة، ثم فاجعة الأهوار (ص 75).

* ثم ينفجر خزين الذاكرة بأسئلة أوغاد التحقيق: "إسمك ـ خليتك ـ أماكن الأجتماعات، الأوكار ـ نوع الأسلحة ومصادرها ـ ثم الإستفزاز الأعنف والأكثر رعبا في نفسه /خيانة القيادة/ "قيادتكم خانتكم، إنها في قبضتنا، أتريد الأسماء، إستمع: عامر عبد الله، عبد القادر اسماعيل، زكي خيري، العبلي، صلاح أحمد، جميران، صلاح أحمد، عبد الأمير عباس، عزيز سباهي، كلهم اعترفوا، كتبوا براءاتهم، لقد سمعها ورآها الشعب على شاشة التلفزيون وعلى صفحات الجرائد، كالفئران  سقطوا وكشفوا الجهاز كاملا5 (ص75). ثم تبقى ترن في مسامعة شتائم الحقد، وهم يعذبونه، كوشم عالق في الجلد: "إذا لم تعترف على القيادة الجديدة ستعدم ككلب، إبن القحبة، ماكو شيوعية بعد اليوم في العراق، شنهو هاي الشيوعية… إنتم شنو؟ حفنة جواسيس، عملاء لموسكو، سيدتكم باعتكم، مصالحها معنا. إنت متعرف أنو السوفيات تجار، قواد، إبن القحبة، شنهو هاي القيادة المؤقتة الجديدة؟ كالأخطبوط، كلما قصصت له ذراعا ظهرت أخرى. هيا أكتب كل ما تعرفه عن حسن العبيدي، إلياس ديمتري، إبراهيم العلاوي الأحمدي، خليل كرم. اعطوه الأوراق. إسمع إذا كذبت تعرف نهاية الصامدين في قصر النهاية6 (ص 76).

ويستفيق… لا. لا. ليس هذا العراق، تلك حالة من الهذيان القديم عن رجال كانوا يغنون ويضحكون… والآن انتهي كل شيء، كما يحدث في مسرحية عابثة"(ص 76).

* عابق هذا النص برائحة الدم والقهر وهلوسات الجنون، ترى من يفهم هذه الحالة؟! انقلاب عام 1963 كان في 8 شباط واسماه العراقيون "شباط الأسود" كان الناس صائمون رمضان" حيث وافق حدوثه في 14 /رمضان/ فأفطر الناس صيامهم، وجافوا أفراح العيد في هذه السنة ، لذلك عالق هذا الحدث في وجدان الناس، وسيبقى محفورا أبد الدهر. ومن هنا تأتي تركيزات /حيدر حيدر/ على قراءة تلافيف عقل بطله "مهدي جواد" لأنه شاهد عصر وشاهد عيان بنفس الوقت، وأحد أبطال المأساة، وحدث الرواية مهذب بعض الشيء، فالفضاضة أقبح في الواقع، والرواة الذين رووا لحيدر حيدر هذه الأحداث رووها بصدق وشمولية وتركيز على النواحي النفسية، ومنهم الشاعر كاظم السماوي، والشاعر مظفر النواب وغيرهم، ممن وردت اسماؤهم في سياق الرواية فلا عجب في نقل مثل هذه الاحداث البشعة والمريعة بهذا الشكل وبتلك التوصيفات، لأن الكاتب متضامن ومتعايش مع أحاسيس أبطاله، بل ويعرفهم بشكل شخصي ـ على ما اعتقد ـ لأن صدق مدلول العبارة يقول ذلك . وهذه الحالات من التجلي في سلوك ـ أبطال الرواية ـ هو إدانة دائمة لتاريخ تلك المرحلة، وبنفس الوقت، هو تسجيل إسطوري لأبطال هذه الملحمة العراقية.

وكتعويض عن هذه المأساة النفسية، وخلق حالة تعادل اجتماعية مع الواقع فإن الروائي يسمح بشطحات أبطاله، لأن تفلت بعض الشيء من حاضنها الاجتماعي وفضائها الروحي، لأن حالة القهر المتراكمة متسرمدة في النفوس، وسلوك ـ مهدي جواد ـ دليل على ذلك، فيما كانت /شطحات فله بوعناب إستهزاءا بالواقع، بعد تجربة مريرة عاشتها المناضلة بعيت في سوق النخاسة، وأصبحت "ملاذ الهوى للأغراب من ثوري المشرق ، بعد أن ولغ فيها ثوار المغرب. وما حالة ـ التوازن الإجتماعي ـ الروحي ـ الذي تسير فيه آسيا وأمها لالا فضيلةومهيار الباهلي، إلا نموذج يشير الى ضبط التوازن العقلي بين أجيال مختلفة، كل يرى الحياة بمنظاره ـ أنظر الصحفات 82 ـ 88.

*   *   *

* جريئة هذه الرواية، جرأتها تنبع من جسامة الحدث الذي أودى بشعبين الى هذا التمزق والتشتت، شعبين باسليـن، لم تخرج منها قيادة حكيمة توازن بحكمة ظروف العصر مع مصالحها، والابطال الفرديون لا موقع لهم بين ذئاب الإنتهازية السياسية، إن كانت في السلطة أو في الأحزاب، وهذه الفئة تعرف كيف تداري مصلحتها ، وهنا تكمن جوهر التساؤلات التي تنتاب ـ مهدي جواد ـ وهو في حالة شرود وحداني في منفاه الجزائري: "كان ساقطا على غير ما تشتهي رياح سفنه ، بين أرخبيل الماضي والزمن الراهن. بين الارض التي تميد تحت قدميه والاراضـي الصلبة المترائية على أبواب البحر. ـ كم كانت الهوة عميقة ، وكم كان الخراب كثيفا" ص88 ـ 89.

وما إن تبدأ أحلام اليقظة تداعب ذاكرته، حتى يأخذه طوفان الأحداث الرهيبة في أرض السواد، إسم على مسمى، فتتلاحق السلسلة بأحداثها المؤلمة (ضاغطة) على ذاكرته التعبة: "في المدن والأرياف والشوارع والساحات والمقاهي والجامعات كانت الحوارات تحتدم… كانوا جميعا يترنحون كسفينة باغتها إعصار، تحت الضربة التي شلت مبادرة الحزب، فراحت تشطره يمينا ويسارا، أفقيا وعموديا… ولكن أين توارت تلك الجحافل التي كانت تفيض كالسيل لحظة كانت صرخة الحزب تعلو في الفضاء!؟ … اللجنة المركزية على ضفة المراوغة وشاطئ النضال السلمي الديمقراطي والبرجوازية الوطنية… كان الزلزال يرج أرض العراق … وفي المعتقلات أمام فوهات البنادق وشفرات الحراب سقط المتخاذلون كالطيور في الأشراك، لقد أعدم سلام عادل وجمـال الحيدري عضوا القيادة الثورية، وفي معسكر الوشاش والرشيد خرق الرصاص أجساد الجنود والضباط، بينما كانت فرق الاغتيال القومي ـ الحرس القومي ـ تقوم بمهام صيدها في شوارع وأحياء بغداد والموصل والحلة والديوانية7.

هذا هو المشهد التراجيدي لكربلاء العراق الثانية والأعنف، إن موجات المغول الغازية لارض العراق في العصر العباسي عام 1258م لم تقم بمثل هذه المجازر البشرية كما قامت به جيوش العفالقة، من هنا تصرخ أحرف الرواية بكل هذه الغيض لتدين الصمت الاخلاقي والديني والسياسي وبقية الأعراف ولتدخل ساحة التحدث بكل أنواع المباشرة، لتؤرخ ـ بشكلها الأدبي ـ هذه الأحداث، ولتنصف هؤلاء القلة من الثوريين الذين ابوا الإنصياع لحكم القتلة، كي يبقى تاريخهم مشرقا على صفحات التاريخ العراقي المعاصر.8

"تحت هذه الغمرة بين لمعان الدم والإستشهاد والبسالة، فر قسم من قيادة اليمين الى موسكو، واحتمى قسم آخر بقواعد الثورة الكردية في السليمانية. ومن مواقع قيادة ـ ملا مصطفى البارزاني، شنت قيادة اليمين هجوما ضاريا ضد من سمتهم بالإنشقاقيين من دعاة الخط الصيني والكوبـي المغامر، ودعت كوادر وقواعد  الحزب للالتفاف حول القيادة الشرعية الأمينة لتاريخ نضال الحزب" (ص 90).

* قراءة هادئة لمحتوى هذه الفقرة، نستشف من خلالها أن هذه القيادة اليمينية تهمها مواقعها القيادية لا المأساة الملمة بالشعب، والذين هم سببها، وهي بهذا الخطاب السياسي تريد كسر نفس المقاومة المتبقية في أجساد بعض الخلايا المشتتة وروح القيادات الناهضة، وبالمقابل من هذا التفكير، كانت هناك "مجموعة الكادر اللينيني بقيادة إبراهيم علاوي وجماعة بغداد بقيادة عزيز الحاج، ووحدة اليسار بقيادة أمين خيون، تدعو الى توحيد فصائلها تحت شعار (خوض كفاح مسلح طويل) لكن الصدع كان عميقا والضربة اخترقت القلب، كانت الحالة تشبه إستفاقة ما قبل خفقة الموت. فلقد حزمت السلطة أمرها هذه المرة، ولكي تكون جديرة بأخلاق الخلفاء الذين أبادوا الزنج والقرامطة، صممت أن تكون وفية لميراثهم" (ص 90).

ـ هنا تتوضح علائم التخبط السياسي لقيادة ح. ش. ع، وتظهر روح المغامرة الثورية لدى "الكادر المتوسط" الرافض لهذه القيادة، وبالأفق بان خيط الإنقسام في الحزب كالخيط الابيض من الخيط الأسود، فيما راحت السلطات العراقية تستغل هذه الظروف للإجهاز على البقية الباقيـة، وأخذوا يحلون رموز الشيفرة بوضوح ومهارة: "ضرورة التحطيم الذري لهيولي الجنين الماركسي النامي في رحم الأرض العربية الى أبد الآبدين" كما يقول حيدر حيدر (ص90).

*  *  *

 الربيع ـ ظهور نسغ  الحياة الصاعد في الحب.

عنوان الفصل الثالث من الرواية /الربيع/ وهو يوحي بدلالته الطبيعية الى تفتح الحياة  وحيدر حيدر لم تغب عنه إيحائية الفصل الجميل من دورة الحياة، فهو يحدد ميقاته  بشهر مارس، حيث أشعة هذا الشهر التي تكسر حدود المدينة تتدفق كالشلالات ، ضامة تحت أجنحتها وطيوفها العشاق والطيور وحشرات الارض الدابة بين الأعشاب وتلال البراري (ص93)  

ينكسر هذا الوصف الجميل بسؤال يطلقه /مهدي جواد/ على نفسه: "ما الذي أتيت من أجله الى هنا"؟ وحتى يبقي على نشوة التخيـل بذهن القاري للإنسجام مع النص المشرق، يوحي بأن السؤال "كان صدى للهاجـس الداخلي، حينما اختلط عليه الصوت والسؤال تحت هذا الأصيل الشفاف، الجارح للقلب. فرارا ، فرارا نحو أرض لا تقسو، نحو رحم دافئ"(ص94).

وهذا الجواب كصوت داخلي لذاته، يثير أكثر من تأويل وفي مديات مفتوحة، يغازلها البحر للدخول في لجته، والضياع في متاهات الزرقة الآزوردية، بغية ترك مشاكل الارض والتحليق مع الما ورائية، ولو للحظة . "في ذلك الأصيل، وتحت تأثير بخار البحر ولمعان الأشعة فوق الماء وزقو النوارس، ثرثر قليلا عن أزمنة مضت، حكايات وتواريخ وهرطقات ابتلعها الوحل ومستنقعات الشرق. الزمن الذي يدور حول نفسه. والحادث الناقص الذي لا يكتمل كقمر أو حكاية شهرزاد" (ص 94).

إيحاءات للخروج من حالة الهاجس الوحشي الذي يسيطر على انسجة الخيال، ويعمي البصيرة عن مواطن الجمال في الوجود، صرخات الأنثى القريبة لرجل موغل في صحارى المنافي، "لماذا تتركني دائما معلقة في فضاء الرموز والهوامش" سؤال الرغبة الداخل في الأعماق، والمهيج لكل سواكن الروح والجسد "وحدهم الذين تغربوا أو نفوا أو اعتقلوا وعذبوا يعرفون صرخة الحنين الى المفتقد، الشيء الذي مضى ولن يعود، شيء لا يسمى ولا يرى تماما، يسمع أو يشم أو يتخيل، مزيج من الأصوات والروائح والأطياف والتكوينات الجديدة المغايرة للمضي يرتسم ويتشكل شفافا. جارحا، ملونا في الفراغ الضاوي" (ص 95).

رغم شفافية هذه اللغة الوصفية العالية وما تفيض به من معان، إلا ان سرمدية الجروح موغلة في النفس ومعشوشبة في ثنايا المخ، وما أن تفلت المخيلة بعض الشيء، نتيجة لحظات الصفاء الروحية، حتى تمسك بها ذاكرة الماضي الاسود، فتتكبل بسلاسل الأحزان عائدة الى حيث البدايات، والممرات الموصدة بوجه رؤيا الإنطلاق. "وإذا سالته: أحقا لا تستطيع العودة؟! سمع الريح تبكي في أوراق الشجر والبردي، ورأى الأهوار النائمة في أعماق السماء، وسمع أصوات البجع والبط وهي تذعر في غسق الليل (ص 95).

من أوج الحالة النرجسية الحالمة بمديات للحرية أوسع، يسقط الكاتب حالات الإستيحاش الروحي حيث الماضي يمسك بتلابيب أبطاله ويعود بهم للوراء، "أخيرا قدموا جروه كالكلب وقالوا: "ظفرنا بك  إذن يا إبن الفاسقة، وقال هذا حقيقي، وقالوا له أنك خنزير لا تساوي فلسا وقال هذا صحيح، وقالوا له إنك لن تكون بعد الآن، وقال إني استحق ألا أكون بعد الآن" (ص95).

حالة من تأنيب الضمير وجلد الذات ، تطبق وعي ـ مهدي جواد ـ وراح يعترف أمام جلاديه بلا إنسانيته وهو يتعرض للصدمات الكهربائية القاتلة التي تلسع رأس القضيب والخصيتين متسربة من شريان الإحليل الدقيق حتى بوابة القلب" تماثلات الحالة العراقية مشابهة لحالة مناضلـي الجزائر، فالتعذيب واساليبه يتصدر بالمراسلات وفنون التعذيب تكتسب بالخبرة "راح الجلاد يضربني علـى أعضائي التناسلية بينما سيل من الشتائم البذيئة يسيل من فمه الأدرد، قطرات من سائل حار تنساب بين آليتي: الدم ـ ثم أغمي علي" ـ مرحى، مرحى بشير حاج علي".

شاهد القرن العشرين في عصر بوخروبه وكهوف إبن أبي ضبيعة والسلالة التي ستدخل التاريخ من بوابة الأست الضيقة" (ص96). مرارة الحالة النفسية يفيض بها النص الروائي، ولا يستطيع الكاتب الإفلات منها، فهو يشعر بها أكثر من أبطاله، وحالة الوجع هذه ، وعكسها بهذه الصورة، هو احتجاج صارخ من قبل حيدر حيدر ضد كل ما هو قمعي، وفي اي بلد كان، فليس من المعقول أن يسكت المبدع والأديب والفنان والمفكر على مثل هذه الفعائل بشرفاء الناس، لمجرد أنهم اعتنقوا عقيدة سياسية أخرى، تخالف توجهات الأنظمة العربية المعاصرة.

          ،    ،    ،

في تنويعات الفصول ـ كما ألمحنا ـ أن حيدر حيدر، ضمن عالمه الروائي يعزف على وتر النصف الثاني من الرجل، بغية اكتمال هواجس العوالم الداخلية لأبطاله ، ومن طرف آخر هون يكشف الطاقة المكبوتة عند طرفي المعادلة القائمة بين الرجل والمرأة، يضاف الى ذلك أن رؤية الكاتب الى عوالم أبطاله يجب أن تكون شاملة ، وليس مقتصرة على الجانب السلبي أو الإيجابي وحسب، بل وظيفة الأدب تملي عليه كشف كل جوانب حياة أبطاله، كحد أدنى، فليس من المنطقي أن تغيب الرغبة الجنسية، وشطحات المراهقة، ولغة الجسد الموحية بـ "اللبيدو" الكامن في خلايا الشرايين، على أعتبار أن العامل الفسيولوجي له انعكاساته في سلوك الإنسان اليومي، ثم عناصر التشويق في الرواية، تلعب دورا هاما في شد القارئ الى الأحداث، وإذا كانت الرواية أقرب الى الواقع من الخيال استوجب إدخال هذه العناصر في الحبكة الروائية، فما بالك برواية تتحدث عن وقائع حقيقية وأشخاص احياء لا زالوا، ووحشية وقساوة الأحداث تقتل اللغة الروائية إذا استمرت بنفس المنوال، فيحدث العزوف ويجافي القارئ الروائي، وهذه المعادلة هي أخطر نقطة لربط العلاقة بين الطرفين ـ القارئ والكاتب ـ ومجازفة حيدر حيدر في هذه الرواية ـ ضمن هذه البؤرة ـ كانت خطرة، إلا أنها تكللت بالنجاح، حيث أن أسلوبـه في السرد الروائي كان عاليا، وتوظيفاته لعناصر التشويق تلك كانت في محلها، دون إرباك للبناء الروائي.

ومن هذه الرؤية يدخل لدراسة نفسيات أبطاله الشرقيون، القادمون من الصحراء العربية ذات الشمس الحارقة، والخازنة للطاقة بشكل مخيف، والمحرومة تاريخيا من هذا الإختلاط المفتوح، لذلك نراه يرصد همسات هؤلاء الشخوص.

ـ مهدي جواد، يسجل في يومياته: "في المنفى المرأة وحدها العزاء، مخدر ناعم، يشف كالطيف في أمسيات الحزن وافتقاد البيت، موجة بحر ينغمر فيها وتوغل بين  الطحالب الملساء  والقواقع وفجوات الصخرة بعيدا ـ بعيدا تحت السطوة الجسدية وهذا الدمار الجميل للروح وهي في قبضة الشيطان وقد تقمص جسد إله ارضي أو إمرأة أو بحر أو غابة: آسيا" (ص98).

بينما "فلة بوعناب" تبحث عن شبق الجسد، بعدما طحنتها السنون وذوت نضارتها، وخانتها الرجال، لم يبق من بريقها غير حطام خافت، وهذا الشوق الهاجع في قرارة النفس (ص99) ـ هذه المرأة المجربة ذات التاريخ النضالي الطويل لم تكن خارج ثورات الجسد وفوران الروح عن الشريك أو العشيق. لأن عرق الحياة ما زال نابضا فيها، ورفاق النضال "جعلوها معبرا لشهواتهم ورميت هـي وتاريخها خارج نطاق السرب، وهي بسلوكها هذا تحاول الثأر لنفسها كشاهد على مرحلة، ومن زاوية أخرى، أراد حيدر حيدر، من رسم هذه الشخصية بهذا السلوك ليكشف زيف "النقاء الثوري" وعصمة الأخلاق، وتجاوز المحضور الديني عند فرسان السياسة في العالم العربي قاطبة، ثوري أو رجعي، ديني أو ملحد، ليؤكد حقيقة  إنسانية متشكلة في بنية الانسان ذاته إمسها ـ وظائف الأعضاء ـ ومن ناحية أخرى يشير ـ بسلوك هذه المرأة ـ النموذج  ـ الى اسباب السوقط الأخلاقي، فيدينه في هذا الكشف والذي لا يحتاج الى تأويل.

ـ تقول ـ فلة بوعناب ـ عن نزيلها ـ مهيار الباهلي، وهي تحادث صديقه مهدي جواد: "أنه غارق في لاهوت كتبه هذا المهيار، غريب مختلف عن المشارقة، قل لي هل هو مجنون؟ يا خويا هو إما مجنون أو عبقري".

ـ لماذا؟ وتجيب: "لا أفهم عليه عندما يتحدث، رأسه مليء باختلاطات وسخافات ربي لا يدركها، يخلط الفلسفة بالسياسة بالشعر بالدين بالطبيعة، إنه يحدثني دائما عن شيء يسميه انتربولوجيا العربي، وراسك مهدي ما معنى هذه الأنتربولوجيا اللعينة؟" وعندما يقول لها مهدي "إساليه، تهز رأسها مجلجلة بضحكة فاسقة: اسمع. مهيار يريد أن ينظمني… يحكي لي دائما عن تنظيم سري يقلب الأوضاع عاليـها سافلها في كل بلاد العرب، ويقول بأنه جاء هنا ليتصل بهؤلاء الثوريين" (ص 99).

هذا المسلك الصوفي والطوباوي بنفس الوقت تعزف أوتاره خارج جوقة اللحن العربي والمنوّطة بريشة أمريكية، فلا الجزائر فلتت ولا العراق! ولا هذا الزاهد نفسه،حيث أن ختام مسار الرواية يوقعه بين حرارة الجسد اللعين وشبق الرغبة والإنفلات من صومعة التنسك، والزهد.

وهذه المرأة ـ فلة بوعناب ـ نموذج واقعي ـ رغم إن الإسم مبتدع من قبل الروائي، فهو الحالة الناطقة عن تناقض الواقع العربـي، وزيف الآيديولوجيا المهيمنة عليه، وهي الحقيقة بلا رتوش، "تقول عن نفسها: ـ مـن الوزراء الى ضباط الجيش  الى مديري الشركات الى امناء فروع الحزب عصابة الدولة بكاملها مرت من هنا. قد أكون سكة قطار ومحطة، لكنني آرشيف، تواريخهم كلها عندي. ودقت على صدرها. هنا الثوريون القدامى والماسكون بزمام دولة الأمر والنهي استراحوا في محطة فلة بوعناب حتى الشهداء قبل ان يستشهدوا عبروا تحت السارية، تطهروا في جنة عدن الارضية قبل أن يطيروا الى جنة السماء، المرأة الإفريقية ياخويـا مهدي مصنوع جسدها من حجر النار الشمسي، الحق أقول لك ، طبيعة ظامئة أبدا لا ترتوي من الأمطار على مدار الفصول. المهم ليس هذا. بيتي يوم كنت مهمة كان كبيرا. بيت الدولة كان في شارع العربي بن مهيدي، أكتراه لي وأثثه سرا وزير الداخلية. في الأسبوع كان يمر مرة واحدة، يتعشى أحيانا ويشرب قليلا من الويسكي وينام معي، وأحيانا لا ياكل ولا يشرب ولا ينام في البيت، كان رجلا عصابيا لا يعرف الإبتسام، يعاني حالة كآبة دائمة. فقط كان يبدو منشرحا وهو عارفي السرير كطفل. حتى في تلك اللحظات كنت أخشاه، أخشى الوحش الكامن فيه والجاهز للإنقضاض، لكنه كان خائفا. كان يضع مسدسه تحت متناول يده وطلقة في حجرة النار. مم يخاف ما دامت المدينة كلها تحت رقابته، أسرارها وجرائمها ودسائس مسؤوليها، ومراكز القوى وما يحاك في لياليها من المؤامرات" (ص101).هذا النص يكشف مدى فضيحة "الأنظمة" الثورية وغيرها، ويدين حالة اللاأمان وخيانة الضمير عند مسؤولي الدولة، والشك المتبادل بين قياداتها ومن ثم هو رسالة تحذير خطرة وهامة يؤمئ بها الروائي الى مهمة الأدب في الكشف التاريخي، دون وجل او خوف، لأن قلم الحقيقة تسنده وقائع التاريخ، ومن هنا نفهم هذه الضجة المفتعلة في أكثر من عاصمة عربية ضد الرواية؟!!

وبغية الكشف الأفظع للواقع المأزوم والتناقض الآيديولوجي في رؤية القيادات العربية، يستمر الكاتب في محاورات أبطاله، فاسحا المجال لهم لقول كل شيء فليس هناك أكثر من هذا الطوفان الذي يجرف الكل. "في حمى هذه الصراعات المجنونة كنت أتساءل: أنت يافلة بوعناب، أيتها البقة الصغيرة ماذا تستطيعين أن تفعلي في هرجة هذا الكرنفال؟!

الثورة الوطنية انتهت، والرجال صاروا في موقع السلطة والمسؤولية، وها نحن اللواتي قاتلن في الجبال والمدن نتحول الى الحدمات المنزلية. جميله بوحيرد تزوجت من محاميها وهاجرت معه. جميلة بوغزة دخلت في النسيان، أنا مع آلاف النساء صرن الى ما يشبه المومسات أو الزوجات الصامتات المطيعات للرجال. إنتهى دورنا الإستثنائي فاستدرنا الى وظيفتنا الأساسية" وتضيف وهي توجه كلامها الى "مهدي جواد ـ : "كلانا شجرة مجتثة من جذورها ومرمية على سطح الارض، نحن مهزومان في موقع واحد جغرافيته متباعدة" (ص102). قراءة حيدر حيدر لوقائـع الأحداث التي مر بها ابطاله، قراءة عميقة ومخيفة، تتجلى هذه القراءة في ثرثرات أبطاله ، عندما يمروا بلحظتين، الأولى: حالة الانفراد الشخصي، كل مع ذاته، والثانية في اللحظات التي يكونوا فيها قد انتشوا قليلا من الخمرة، وفي لحظة ود صافية، كل منهم يسمـع الآخر. حيث أن الصدق في نفوس هؤلاء، واندفاعهم المطلق لقضيتهم، هو العامل الموحد للتلاقي وكشف الهموم، بعد أن استووا بنيران تجارب منهارة، تطبق على كامل الكيانات، تأخذ الأحاديث بينهم شكل مكاشفة صريحة، لا يثنيها اي رادع، حيث أن عامل المقارنة بين ضياع الثورة وبين ضياعهم المطلق وانكسار أحلامهم، يجعلهم يكشفون مرارة المعاناة بتحمل المسؤولية وضياع الأهداف. وكإسقاطات شرقية في الرؤية لموضوعة "الجنس" يستغل حيدر حيدر هذه النقطة، ويدخل منها بجرأة غير عادية، لمحاكات موضوعات سر المرآة في التكوين وضديتها المرغوبة، باعتبارها أحد العوامل الباعثة لضعف الرجال الأشداء وكوامن نفسوهم النازعة نحو الرذيلة لحظة تمثيل هذا الجسد الإنثوي في المخيلة والرؤيا، وعندما يخفق فؤاد هذا الذئب الشرقي لقلب تلك الشاة (المرآة) فإن اسوار الحقد والحيازة تتشيد بحجارة غرانيتية داخل الروح، وترسم حدودا خطرة تمنع الإقتراب أو الدنو منها، إذا ما كان هذا الذئب فـي موقع سلطوي فإن شرارة "حرب داحس والغبراء" قيد الإشتعال، ـ تسترسل ـ فلة بوعناب ـ بثرثراتها اللعينة والتي لا تعرف حدود الإنضباط: "في ذلك الزمن كان لي عشيق، في الثامنة والعشرين من عمره، نقيب في سلاح المظليين، فتي، صلب، معتد، كان يأتيني أواخر الليل بعد أن بدأت زيارات الوزير تقل وتتباعد. إسمه، صقر العمراوي، قبائلي من بجايه، متعصب لآيت أحمد والبربر، لم يكن يهمني ذلك. إنني أتذكر الآن عينيه الزرقاوين، وصدره وصلابة ذراعيه وهو يضمني. هذا ما كان مهما في ذلك الزمن… فيما بعد قتلوه غيلة وهو خارج من البيت، افتقدته وقتا ثم نسيته، ضاع في هرجة الموت السائد… كان مستحيلا إيقاف هذا الشلال المتدفق كالنيغارا: صقر العمراوي قاتل مع عميروش في الجبال ولم يمت هناك، ليس الوزير من اغتله، الرجال السريون نفذوا المهمة. قتلوه في الشارع الرئيسي… أوه ـ العفو… نسيت أن أقول لك أن ذلك المغفل كان يرغب الزواج مني وكنت أقول له: أنا لا أصلح لك ياسي العمراوي، إمرآة مثلي مجوفة كالفزاعة، ما عادت تعرف الوفاء ولا الحب الزوجي، سنوات الوحل غمرت قلبي بالطين. يا سي عمراوي غير مسموح لي أن اتزوج وأرتاح، نحن تحت المراقبة. وعليك أن تنتبه لنفسك، لكنه باعتداد وثقة كان يتحدث عن نفسه ويلمح الى رقاب الذيبان التي لابد من قطعها يوما. كنت أفهم ما يعني، وأدري ما يجري في الظلام وتحت الارض وكنت خائفة عليه، لأني أعرف أساليبهم. من النافذة كنت ألمح كلابهم المرابطة في المنعطفات والتي تراقب الداخل الى المنزل والخارج منه" (ص103).

صاعق هذا النص بإدانته لوحشية النفس القذرة، وبكشفه للقيادات الثورية التي تستلم السلطة، ويكشف أيضا عن مدى الإيغال السآدي في رؤية أصحاب النياشين  واسيادهم، فحتى الحب والزواج في عرف هؤلاء السادة محرم تارخيا9.

* كنت وادا لون ان الروائي حيدر حيدر، أنهى حياة بطلته "فلة بوعناب" بعد هذا الحادث المرير كي يكمل "سيناريو تكميم الأفواه العربي" لأن هذه الحالة المقززة لا تقبلها شرائع ولا أديان. لكنه ابقاها معلقة بين الحياة والموت كشاهد إدانة تاريخي يفقأ بها الأبصار التي تحاول "لغمطة" تاريخ الشعوب.

*  *  *

فصل الربيع لم تزهر اوراقه، وحالات الكآبة والسوداوية تلف أبطال الرواية، الباهلي ما زال موهوما بالثورة العالمية ويحلم بثوار خمسة من فصيلة ابي ذر الغفاري وعلي بن محمد وحمدان قرمط ليلهب هذه الدنيا العربية بالحرائق" واعترافات /فلة بوعناب/ توضح أن "ثورة المليون شهيد أغتالها العسكر والتجار في النهاية" ومهدي جواد، يحتضنه اليأس بدلا من أحضان اسيا الخضر، ويحاول الإنتحار، وتحت تلك الأراجيف الثورية الجوفاء يبرز السؤال: "نحن لسنا شيئا في هذا الوقت اللعين… لماذا لا نكف عن هذه الحماقات"؟ وبعد أن سجى الليل تحت سحر بونـة المطوق لشغاف القلب، أقبل من المدى الشرقي موج يحمل رائحة عبقة للوطن. على ذرى الموج لمعت أعشاب القلب التي ماتت" (ص 127).

*  *  *

* تقاطعات الفصول في الرواية ـ كما أشرنا ـ وظفت لخدمة عالم الرواية وهدف الكاتب، ولكي يستمر الإيقاع السردي للرواية في تنقلاته ولوحاته بين حالة وأخرى، بين الجزائر والعراق ـ كحواضن جغرافية لمسرح الأحداث، يبقى هذا السرد محافظا على توتر الحالة لقبول الأحداث ـ عند المتلقي ـ وتشكيلاتها عند ـ المؤلف ـ كتكنيك روائي محكم الحلقات. لذلك يأتي فصل ـ الأهوار ـ تاكيدا لذلك.

*هذا الفصل، ذو الخصوصية العراقية الواضحة، كشف عن حركة "حرب العصابات" في أهوار جنوب العراق، لفئة ثورية انشقت عن ح. ش. ع، راسمة رؤيتها الخاصة في المنظور السياسي لتفاعلات الواقع العراقي. أبطال هذه الحركة، ناس حقيقيون، يعرفهم المجتمع العراقي واحد واحدا، وهذا يعني أن صدق توصيفات الكاتب حيدر حيدر مبنية على الواقع لا الخيال، وشهود الأحداث ورواتة مازالوا على قيد الحياة. لذلك يعرض لهذه الشخصيات على النحو التالي.

1    ـ خالد أحمد زكي ـ والذي سيحمل إسم "ظافر" فيما بعد ـ كان طالبا نشطا في صفوف الحركة الطلابية العالمية وأحد قادتها في المملكة المتحدة، يقول عنه حيدر حيدر: "مذ دخل العراق سرا قادما من لندن، حيث كان عضوا في مؤسسة برتراند راسل للدفاع عن المعتقلين في العراق، توجست القيادة اليمينية من هذا الغيفاري المتهور الملتاث بأفكار اليسار الأوربي الجديد، ومغامرات التوباماروس وحروب عصابات أمريكا اللاتينية رجل رقيق، عذب نحيل الجسم، وأنت تراه لأول وهلة يتماثل لك في الذهن أميرا رومانسيا من أمراء ويلز أو إسبانيا القديمة، وإذا يضحك ترى خجله الإنثوي يصعد كالورد الى وجنتيه البيضاويين. هذا الطفل الرقيق العاشق، 

ـ ما الذي أتى به من شوارع لندن وضبابها في هذا الوقت الغريب! يسأل مهيار نفسه" (ص 133).

مضامين هذا التساؤل ـ تعني بالوعي العراقي أن هذا الإنسان ما زال "طفلا" لم تعلمه التجارب بعد، وهو يقدم على عمل مسلح باندفاع ليس عاديا، وتجربة جديدة من "حرب العصابات" لم تحدث سابقة عليها في كل تجارب العالم الثورية، حيث الأهوار، عالم غريب، وتركة سومرية، لم تكتشف حدودها كاملة، وهذا الفتى الغض يقدم عليها كالعاشق المجنون، "في اعماق الفرات الاوسط، وهما يعبران المستنقعات والوحل والتعب وإيقاعات الرعب، سيدرك مهيار الباهلي ما الذي حدا بهذا الفتى الرقيق الرومانسي للقدوم الى ممكلة الموت الوحيدة هنا" (ص133).

ـ خالد هذا نموذج لحالات مماثلة في العراق كانت تعشق النضال الثوري وتنادي به، وتطرحه بجرأة على القيادة للحزب، لكن هذه القيادة، كانت توصفهم بنعوت محبطة للعزائم مثل "اليسار المتطفل، مراهقين سياسيين ـ وعي غير ناضج ـ طروحات ماوية، رؤية ضبابية" متناسية هذه القيادة روح الشباب والطاقات الكامنة فيها، وبنفس الوقت تخشى من صعود الشباب الى المواقع القيادية، وهذه القيادات الشائخة لا زالت كما هي وبنفس المواقع، ولم تغادر أماكنها إلا بسطوة عزرائيل، ومـن هنا يفهم أحد الأسباب الرئيسية للكوادر الوسطى في الحزب ش. ع. لأن تنجرف مـع خط الكفاح المسلح، ومن هنا ايضا نفهم اندفاعة خالد، والجيل الذي يمثله، "بوعي رجل ثوري عاش التجربة الهزيلة للخط السلمي الديمقراطي التي أودت بالحزب الى الكارثة" (ص134). وعلى أساس من المعارف النظرية والتجارب النضالية لحركات التحرر العالمية، وضمن خصوصيـة الواقع العراقي قدم خالد "وثيقة نظرية تؤكد على ضرورة استبدال التهريج السياسي بالكفاح المسلح والإنطلاق من الأهوار، كما دعا القيادة السياسية لأن تكون طليعة هذا الكفاح. ثم يحدد في الوثيقة كيفية العمل والأعتماد على الريف دون أهمال المدن، مشيرا الى ضرورة وحدة الفصائل التقدمية الأخرى في العمل المسلح، والإنتباه الى الثورة الكردية في الشمال والإستناد إليها كجدار" (ص134).

طروحات عملية كهذه تهز أركان القيادة ، وترتجف عند سماعها في المقابل أنها تلهب حماس المناضلين الأشداء ذوي القناعة المطلقة بقضية الشعب المقدسة.

لذلك سعت قيادة الحزب ش. ع الى فرملة هذه الطروحات، والتشكيك بمصداقيتها لا سيما وإنها "يومذاك ارتفعت أصوات قيادة اليمين تروي بتعقل براغماتي أهمية التحالف مع الديمقراطية الثورية التي استولت على السلطة بانقلاب عسكري جديد، لقد قادها تحليلها العبقري المطعم والمشمول بالهداية الأبوية الخروتشوفية الى المطالبة بحل الحزب والإنخراط في حزب السلطة لتخريبه وتثويره من الداخل بخميرة البراليتاريا الماركسية10134).

هذا النص حقيقي وسياسي ـ حزبي، يشير الى عام 1965م وما بعده، وقد عرف في الوسط السياسي العراقي "بخط آب" وقتها كان يحكم العراق (عبد السلام محمد عارف) والذي أزاح البعثيين عن الحكم، وبدأت السيطرة للقوميين العرب، والغزل المصري العراقي آخذا بالتنامي والتفتح والتقارب اللصيق بين البلدين، ومعاداة القوميين للماركسيين صارت ملموسة في الشارع العراقي. لذلك جاءت صرخات ـ خالد زكي في اجتماع لجنة منطقية بغداد ـ صارخة وغاضبة ضد هذا الطرح اليميني الذي يدعو الى "الانخراط في حزب السلطة" وبالعبارة التاليـة: "اوه ـ اوه ـ يا للعبقرية الخارقة! واضاف: إنهم يأخذوننا الى مقصلة جديدة هؤلاء المناشفة" مشيرا بتحليلاته الى التجربة الفاشلة مع "الزعيم عبد الكريم قاسم" وكيف راهن عليه الحزب وفشل الرهان، ومن ثم جرد الحزب ومقاومته الشعبية من السلاح وبدأت المجزرة والحزب أعزل فذبحنا" (ص135).

حماسة الشباب في هذا الثوري جعلت من قيادة بغداد أن ترهب جانبه لا سيما وان طروحاته النظرية تستجيب للواقع، وعلى ضوء ذلك اكتشفه مهيار الباهلي، "اكتشف الوجه الآخر للطفل الهادئ، ويومها سال نفسه، كيف يحمل الإنسان في داخله قلب طفل وصرخة نمر! لا بد أنه كان مجنونا أو مصقولا بحلم شمسي، وعلى مؤشر هذه لبوصلة كان يتقدم في حقل ألغام، على كتفه بندقية وفوق جسده كفن ابيض (ص135).

*عندما يتعشق الإنسان قضيته فإنه يصبح جزءا منها، وتبدأ كل أحاسيسه الجسدية والفكرية تتفاعل معها، لأنه يدرك أن مصيره مرهون بها، فنجاحه من نجاحها وأي انتكاس فيها سيكون نكوصا عليه، هذه الحقيقة يكشفها نص حيدر حيدر وهو يتحدث عن هذه الشخصية الحقيقية، بل ونلمح تعاطفـه معها لأنه يدرك بحاسة الفنان اهمية مثل هذه الشخصيات في الواقع الاجتماعي والسياسي، كي تبقى حالة الذهن في الوسط الذي يعيشه، متوقدة دائما، لذلك نراه ملما بكثير من جوانب حياة "خالد زكي" ولا غرو في ذلك، ما دام معاصروه ورفاقه هم نقلة الرواية عنه، ليس العراقيون وحدهم بل وحتى الأجانب "قال عنه أحد اصدقائه الأنكليز بعد أن سمع بغيابه الطويل ـ عن لندن ـ كان خالد مزيجا من غيفارا ودانتون، ما كان مجرد إنسان ثوري: نادر وعظيم، لكنه كان حميما وقريبا من كل إنسان يعرفه، كان واضحا وهو في لندن، أنه يعد نفسه للقيام بأعمال عظيمة، لا كفرد إنما كأنسان جماهيري يحب شعبه حتى الاستشهاد" (ص 135).

هذه النعوت والصفات الثورية لم يتصف بها أي من قادة الحزب /في تلك المرحلة/ يضاف الى ذلك أن هذه العقلية الشابة لخالد زكي كانت متقدة ذكاء في الأمور النظرية، فهو إضافة لطرحه وثييقة "الكفاح المسلح" للقيادة، بدأ مع تيار الكادر اللينيني حربا فكرية لا هوادة فيها ضد العقل اليميني" (ص135).

كان هذا الفتى الحالم "يرى النجوم لامعة في ذلك الزمن، كما كان يسمع اصطخاب الموج وهو يسير مع مهيار الباهلي في أزقة بغداد المعتمة، ومن قلب الأهوار كان يتراءى الشعاع الوحيد والأخير الذي ينير هذه الظلمة"(ص136).

صاخبة تلك الفترة بأحداثها والحزب تتنازعه عدة تيارات، وقيادته اليمينية تقوقعت بتنظيراتها الداعية للانخراط مـع حزب السلطة، والتيارات الثورية لم تتوحد بعد، فهناك جماعة "الكادر المتقدم، وجماعة أمين خيون، أحد ابطال المقاومة في منطقة الكاظمية ببغداد 1963م. والذي نجى باعجوبة، ثم هرب الى أهوار الجبايش مع عشرة رفاق أسسوا أول بؤرة ثورية هناك، وهناك خط "الكفاح المسلح" الذي شكل مجموعة سرية سميت بخط "حسين" تحولت الى خط "هاشم" فيما بعد، كان خالد زكي أحد أبرز عناصرها ولقب وقتها بإسم "ظافر". (ص137).

كان قلق ـ خالد زكي ـ الدائم يتمثل بسؤال ملح "كيف تزلزل قناعات آلاف الأعوام الراسخة في الدم كالجراثيم (ص138). وضمن تلك الأحلام كان ينسلك فـي رهط الكفاح المسلح اضافة الى خالد كان هناك "مهيار الباهلي وأمين خيون، وابراهيم علاوي، ونوري كمال ومظفر النواب مع عصبة من الفتية الجامحين المأخوذين بالهجوم على "سانتا كلارا" وسقوط ـ هافانا ـ بعد مغامرة الغرانما، كانوا تحت تأثير وهج ذلك النصر الهائل ـ كدافع خارجي ـ اندفعوا بطاقة "المغامرة نحو تخومها القصوى في محاولة يائسة وفريدة في تاريخ الشرق الجديد، لتدمير طقوس الإستبداد الشرقي وغوائل الجوع والميراث الاسود للزمن القديم…  كانوا يقولون بأن تلك المغامرة كانت طيفا جميلا وملونا في سماء الرأس، لكنها الآن تتحول الى نيزك يندفع من السماء بقوة الجذب والخذلان ليدخل جلد هذا الصلصال الكامن" (ص139).

وعلى الجهة الأخرى لسلطة الحزب اليمينية، يتابع حيدر حيدر رصد افق السياسة هناك حيث الالتزام بخط آب وتنفيذ تعليمات خروتشوف القاضية بحل الحزب إسوة بالحزب ش. م. والدخول في الاتحاد الأشتراكي العربي، مركز جذب القوى الثورية كما يسميه "بوجكاريف" في صحيفة "النيوتايمس السوفيتية" (ص144).

وبغية ترسيخ مبدأ "الإلتزام الحديدي" بالخط اليميني للحزب وفق إرادة "السوفيت" فإن حيدر حيدر يلجأ الى "التوثيق السياسي" للحدث بعيدا عن أفق الرواية ـ لضرورة يقتضيها السياق ـ يحددها بقوله: "وحتى لا تصدأ الذاكرة فيتداخل الماضي بالحاضر على نحو عشوائي ليوضع زمن الإنحدار والهزيمة على مشجب التاريخ البائس، العام، والمغفل من التوقيع والمسؤولية المحددة، سيكتب الرفيق منير أحمد عضو اللجنة المركزية للحزب في مجلة "قضايا السلم والأشتراكية ـ الوقت" في ك1/1964 ما يلي: "إن النضال من أجل الطريق اللاراسمالي يحتم علينا إعادة النظر في برامجنا في جميع ميادين النشاط الجماهيري. كان الحزب الشيوعي العراقي يعتقد في الماضي بأن إقامة حكم شعبي تحت قيادة الطبقة العاملة هو شرط جوهري لتحقيق الإصلاحات الجذرية ولبناء الإشتراكية في العراق، إلا أننا غيرنا وجهات نظرنا حول هذه المسألة في ضوء الظروف الجديدة، حيث يشكل النضال من أجل الطريق اللارأسمالي الخط السياسي لحزبنا" ثم يشير بصراحة الى الدور الفعال والقيادي المتنامي للبرجوازية الصغيرة ونضالها الديمقراطي الثوري" (ص144).

ومن هذه "الوثيقة" الدامغة، يتجلى الإنحراف في خط الحزب، وتظهر الى الأفق بوادر أزمة داخلية، وبلبلة فكرية في عموم قواعد الحزب، وباتت وشائج الإنقسام تأخذ بالنمـو، حيث أن الكثير من الكوادر الوسطى والمتقدمة، دون