|
|
|
لميس الامام
أدب المرتحلين عن أوطانهم ليس بالأمر الحديث في ساحة الإبداع عموما ، فلنا في التجارب الابداعية للعديد من الأسماء التي اقترنت كتاباتها بالغربة والتغريب حتى وان كان العديد منهم يكتب بلغة مغايرة للغته الام ، حيث كان استحضار المكان ووجدان البدايات ، ورابطة الدم وعشق الارض وكيان الوطن حاضر بقوة في اعمالهم لحظة الكتابة في نصوصهم الإبداعية. فالأمكنة والصور والوجع ولوعة اللحظة الإبداعية وحنين الإنتماء الى الجذور كلها تعود الى حميمية الوطن وهو الحضن الدافيء للمبدع لحظة التماهي والولوج الى عتبات الكتابة النصية بكل تفاصيلها المريرة واوجاعها اللاهبة. ومهما بلغ احساس المبدع بالمكان الذي يحكي عنه النص فان الشعور بالضيم ووشيجة الدم تعاوده دون ارادة اوقصد ليذهب بنصه الى تلك الجذور المقدسة بعشق طاغ في التعلق بالارض الوطن، ، إن المبدع من اكثر الناس ارتباطا ووجدا بهذه التفاصيل وهي مصدر الهامه وعطائه وتبقى ارض الرحيل اطمئنانا للمبدع من عسف التغريبة وإقصاء موت الوطن ودربه العتيق الجميل داخله. عنوان قصيدة الشاعر \ الدكتور مشاتق عباس معن هو مفتاح لتفاصيل تلك السيرة التي عايشتها حرفا رقميا مدرجا في اطار تصميمي يواكب النص ليحيي حروفه وليفتح شهية المتلقي لمعايشة مزدوجة . نعيش مع بعض حزن الشاعر مع الدرب العتيق الذي كان يتوهم انه سيفتح ذراعيه لاحتضانه ليفاجأ بذاك التغيير الذي طرأ على كل شبر ووقع خطى فوق دربه العتيق......... الا ناموس الكون الذي بقي على وتيرته التي نظمها له الله عز وجل.. تصوير الوجود في لاوعي الشاعر الدكتور مشتاق عباس معن وتصوير الوعي بنفس القلم وبتباين الحس في الوجهين ، ابداع حقيقي على وجه العموم ، وهذا ما ارتئيته من خلال القصيدة الرقمية الرائعة التي تفجرت في النهاية بدهشة في اوردته الحمراء ويكأنها انفجار البداية.. المفردات التي استخدمها الشاعر في قصيدته بسيطه ومعبرة تماثل في الاحساس مفردات كُتِبَتْ في نَثْرُ نَثْرٍ ضمن نصوص اخرى في الفكرة لكنه اخرحها ككل متكامل من نبتة في هذا القصيد الذي يشع تطورا بهذا النمط المتميز من القصائد رأيتها أكثر ألقا مما توافّرت في قصائد أخرى على ذات النمط. الشاعر د. مشتاق . شاعر الظلال والدروب والحسّ الإنساني الشفيف الباحث عن سر الدروب في ظلال العودة ظلّ في إطار قصيدته منحصراً في ظلال الماضي والحاضر جامعا بين الوحدة التأمّلية والحرص على التشكيل الشعري الهادئ في تآلف جميل مندفع بكلّ هدوء متأملا ، باثا ما يعتمل في صدره من صور الماضي لبيئة حفظ تضاريصها عن ظهر قلب برقي ورقة مواهب وإمكانات، ماضيا متبوّأ مكاناً رفيعاً في أدب العالم الرقمي الحديث كشاعر صاعد للغد بعذوبة تشد المتلقي رغما عنه.. عبّر الشاعر فيه عن منظوره المتطوّر للشعر، دون أن تتراجع الفكرة عنه في سياق القصيدة ككل..متماسك .. هذه القصيدة التي ستكوّن محور حديثنا في هذه القراءة. في قصيدته ينطلق الشاعر على عادة شعراء التغريبة من الإعلان عن عملية المزج بين الذات والوطن ، وهو مزج في حدّ ذاته يعبير عن رؤية متقدّمة للشعر الذي أتاه هامساً منساباً، في هدوء واستسلام لماض ارتكز فيه كلية علي سمت القصيده ، مُعْلَناً جلياَ هذا في المزج ، ما جعل من الذات الشاعرة ودروب الوطن المحور الذي تدور حوله فكرة القصيدة بأكملها، والتي تظهر واضحة في تنقله السائد بين خلجاته والدرب العتيف الذي بقى مرتبطا كخلفية وطن في اللاوعي عنده.. بحرصه على تكراره كلمة العتيق اكثر من مرة ، حيث يفسح الشاعر لنفسه مقاربة الحياة من زوايا بعيدة تنحو نحو الفلسفة البسيطة الواقعة تحت تأثير النمط الجبراني. لكنه وهو يشيد قصيدته هذه معتمدا فيها على البناء المتوازي، متأرجحا بين الماضي والحاضر والمستقبل في نظرته للشعر، يخطو مرغما عن وعي، الى الفروق بين الصور الإدراكية الواعية واللاواعية . استخدم الشاعر هنا في هذه القصيدة اسلوب التشخيص والانسنة لتصبح «الديار» بطلاً، وتصبح خطى السنين صوتا وإبصارا مشخصاً اياها ، لينجح ببث لقطات سينمائية هادئة بتتبّع خطواته مؤشرا إلى الناموس الكوني الذي ما زال يقوم بدوره . معتمدا على الرسم بالكلمات لتلك اللوحة التي ترك المتلقي ، يذهب بخياله بعيدا ليراها وكأنها حاضرة امامه ..وهذه في نظري تجربة تتوائم والنشر الرقمي حيث يتطابق ترادف الكلمة مع الصورة بتركيبة شعرية متكاملة ، معتمده في بنائيتها على محاور تشكيلية تستند الى التوازي والتكرار والتقابل بشكل محكم داخل اطار كلي موحد. لا شكّ أن هذه القصيدة قد أثّرت كثيراً في نفسي حيث كما ذكرت آنفا الصورة مكتملة البناء، وحيث الذات الشاعرة تصف دون أن تظهر، وحيث الصور تتوالى، واحدة تلو الأخرى، في تناسق محكم الصنع وبعيد المرامي رسم الشاعر صوراشعرية للانفعالات والخواطر حين انشغل العقل المصدوم بالتفكير فيما توقع وفيما لم يتوقع من تغيرات طرأت على دروب الوطن ، لأراه في المقاطع النهائية بقي منشغلاً حتى عاد إليه وعيه وأدرك فداحة المأساة التي نزلت به». \ هفهفاتِ المسير التي بذرتها خطاي فوق ذاك الطريق العتيق \ كلـّما أبصرتني خطاي أربكتها الدروبُ التي باركت كل خطو سواي ... ! \... فتّشت خطوتي عن طريق جديد في مدار جديد ... يحتوي هفهفات المسير التي ضيعتها الدروبْ\ في مساء غريب ،عانقت خطوتي خصْرَ دربٍ جديد ... غير أن الطريق الذي باركته خطاي لفـّني من جديد نحو ذاك الطريق العتيق ... ؟! هكذا تنتهي القصيدة، التي كتبها الشاعر ، بـ « الطريق العتيق» التي كانت تصلح ان تكون عنوانا للقصيدة الشاعر وهو هنا، يحاذي تأسيس نمط شعري جديد، على مستوى النشر الاليكتروني مرتديا ثوب التشكيل الشعري، ، يكون قد منح الشعر الرقمي العربي فرصة الابداع الحقيقي ، على يديه وعلى ايدى شعراء آخرين قاموا بذات المحاولة ونجحوا.. اتمنى لك ايها العائد الى ارضك الامان ان تلاقي مكامن الحيرة في نفسك ... مودتي وباقة ورد اهديها الى روحك الشفاف
************ |