لؤي قاسم عباس

بسم الله الرحمن الرحيم

حرمة الدم في الكتاب والسنة ومصادر التشريع

الفصل الثاني
حرمة الدم في القرآن الكريم

اولاً:- ( وَمَن ْيَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا )

ثانياً :- ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا )

تكفير المسلم

من هو المسلم ؟

الغلو والتعصب في الاسلام

ثالثاً :- ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)

القتل قرين الشرك

رابعاً:-( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

تمهيد   لقد بعث الله سبحانه محمداً   rرحمة للعالمين ، بشيرا ونذيراً وسراجاً منيرا ونزلت آيات الله تترى بعضها اثر بعض تؤسس للحياة الجديدة وتنبذ الجاهلية المقيتة وتعلن مبادئ الانسانية الجديدة ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(1) (، ويصدح المسلمون السابقون يرددون ايات الله في الافاق يبشرون الناس والمستضعفين منهم بالدين الجديد وهم يتلون (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي   الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) (2) .. لم يكن الاسلام ليرضى بالقتل والذبح اسلوباً  للحوار فقد سن الله لنا الحوار الايجابي فقال( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (3) ويرشدنا الله سبحانه الى ان الانسان حر الارادة( انا هديناه السبيل اما شاكراً واما كفورا) وارشد المسلمين الى اسلوب جديد للحوار )وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)(

كان القتل من بين العادات التي حرمها الله تحريماً قاطعاً وانذر مرتكبيه بالعقاب الشديد لما فيه من فساد كبير وظلم عظيم فلقد قرن الله سبحانه بينه وبين الشرك في مواضع عديدة من القرآن الكريم

( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (4)

( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا  )(5).

)وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا )  (6). ويقص الله على نبيه قصة ابني ادم لتكون عبرة لنا ، فما كانت قرابة قابيل من أبيه  ادم ،  لتشفع له عند الله فكان من الخاسرين .

وينزل الحكم الالهي ليشمل جميع بني ادم ولجميع الاديان ولبيقى الى قيام الساعة ( أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) (7) .

والقتل من اكبر الكبائر التي حرمها الله على عباده لذلك وعد الذين يجتنبونها بالمغفرة والرحمة ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) (8).

(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى )(9).

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)  (10).

ويدخل القتل في البغي والعدوان الذي نهى عنه القران واحياناً أخرى يدخل في آيات النهي عن الفواحش والآثام والمعاصي وتارة اخى يدخل في الفتنة التي حذرنا منها الله سبحانه وتعالى والقتل كما يقول القرطبي : بأنه مفسدة كبيرة  ...

وفي هذا الفصل نعرض بعض آراء المفسرين فيما يخص بعض  الآيات التي تحرم القتل ونحن هنا لسنا في موضع الافتاء ولكننا نعرض النصوص امام القارئ الكريم ليرى بام عينيه ان الدين الإسلامي برئ كل البراءة من أحكام القتل والدمار التي تحيق بالمسلمين باسم الدين ونترك الحكم لمن يقع بصره على هذه اللمحات المشرقة من كتاب الله المبين .

اولاً :- وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) النساء

  في هذه الآية يتوعد الله سبحانه وتعالى من ارتكب هذه الجريمة – القتل – أبشع أنواع العذاب فيتوعده في جهنم ومن ثم الخلود فيها وغضب الله سبحانه ولعنته والعذاب العظيم الذي لا يعرف مبلغه الا الله سبحانه وعن ابن عباس (رض) انها محكمة وما  تزداد الا شدة وفيها تكاثف الوعيد و عن أبي الزناد ، قال : سمعت شيخا ، في مسجد منى يحدث: ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا) (11) الآية نزلت بعد الهينة يعني ( ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) الآية بستة أشهر حدثني أبي ، حدثني النفيلي ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن مجالد بن عوف ، عن زيد بن ثابت ، بنحوه . وروي عن أبي هريرة ، وابن عمر ، وأبي سلمة ، وعبيد بن عمير ، والحسن ، والضحاك ، وقتادة قالوا : ليس لقاتل المؤمن توبة ، والآية محكمة ، وعن  سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ فَرَحَلْتُ فِيهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ .

قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يقتل مؤمنًا عامدًا قتله، مريدًا إتلاف نفسه ، "فجزاؤه جهنم"، يقول: فثوابه من قتله إياه  "جهنم"، يعني: عذاب جهنم"خالدًا فيها"، يعني: باقيًا فيها و"الهاء" و"الألف" في قوله:"فيها" من ذكر"جهنم " , "وغضب الله عليه"، يقول: وغضب الله عليه بقتله إياه متعمدًا "ولعنه" يقول: وأبعده من رحمته وأخزاه "وأعد له عذابًا عظيمًا"، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره. (12)

وفي تفسير ابن كثير : ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (13) ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه.

اما عن سبب نزول هذه الاية فقيل أنها نزلت " في أبو الدرداء او مقيس بن ضبابة الكناني (14) ومما جاء : أنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاماً ذات يوم قتيلاً في الأنصار في بني النجار فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية فلما جاءهم الرسول قالوا : السمع والطاعة لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم والله تعالى ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدّي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه ، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة ، وبينهما ساعة عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله وارتد عن الإسلام ، وفي رواية أنه ضرب به الأرض وفضخ رأسه بين حجرين وركب جملاً من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة ، وهو يقول في شعر له :

قتلت به فهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب (قارع )

وأدركت ثأري واضجعت موسدا...وكنت إلى الأوثان أول راجع (15)

ورُوِيَ عن بعض العلماء؛ أنهم كانُوا يَقْصِدُونَ الإغلاظَ ، والتَّخْوِيفَ أحياناً ، فيُطْلِقُونَ ألاَّ تُقْبَلَ توبته؛ منهم ابن شِهَابٍ ، وابْنُ عَبَّاسٍ ، فكان ابْنُ شِهَابٍ ، إذا سأله مَنْ يفهم مِنْهُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَ ، قال له : تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ ، وإذا سأله مَنْ لم يفعلْ ، قال : لاَ تَوْبَةَ لِلْقَاتِلِ ، وعن ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة (16) ، قال الدَّاوُوديُّ وعن أبي هُرَيْرة؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " وَاللَّهِ ، لَلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَمَنْ أَعَانَ على قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ مَكْتُوبٌ على جَبْهَتِهِ : آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ " (17) ، وعن معاويةَ ، أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : " كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إلاَّ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ، أَوْ مَاتَ كَافِراً " ، وعن أبي هريرة؛ أنه سُئِلَ عَنْ قَاتِلِ المُؤْمِنِ ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ : لاَ ، وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ ، لاَ يَدْخُلُ الجَنَّة حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخيَاطِ ، قَالَ : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَشْرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ إلاَّ كَبَّهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فِي النَّارِ» (18).

ثانياً :- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (94) النساء

    أدعو القارئ الكريم ان يقف عند قوله تعالى ( ولا تقولوا لمن القي إليكم السلام لست مؤمناً) لأننا اليوم أحوج ما نكون إليها لنتأمل فيها جيداً ونتدبرها حتى نطرد من أنفسنا وساوس تكفير الآخرين ونحمل لبعضنا البعض المودة والالفة بدل التنازع والخصام فالاية واضحة وصريحة ومحكمة ... فقد وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهما وأبي جعفر القاري أنهم قرؤوا { مُؤْمِناً } بفتح الميم الثانية أي مبذولاً لك الأمان (19) .

وعن سبب نزول هذه الاية فقد ورد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : - مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنْكُمْ فَعَمَدُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غَنَمَهُ فَأَتَوْا بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)  (20) .

وقيل انها نزلت بحق اسامة بن زيد (رض) (21)  ،  عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك وكان مسلمًا لم يُسلم من قومه غيره، فسمعوا بسريةٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم، وكان على السرية رجل يقالُ له غالب بن فُضالة الليثي، فهربُوا وأقام الرجل لأنه كان على دين المسلمين، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقُول من الجبل، وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيلُ سمعهم يكبرون، فلمّا سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكبرّ ونزل وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدًا شديدًا، وكان قد سبقهم قبل ذلك الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قتلتموه إرادَةَ ما مَعَه"؟ ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد، فقال: يا رسول الله استغفر لي،

 فقال : فكيف بلا إله إلا الله ؟

 فكيف بلا اله الا الله ؟

 فكيف بلا اله الا الله ؟

 قال أسامة: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وَددْتُ أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ.

 وروى أبو ظبيان عن أسامة رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله إنّما قال خوفًا من السلاح، قال: "أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفًا أم لا"  ؟.

ادعو القارئ الكريم ان يقف عند قول الرسول الكريم (ص) ...

- فكيف بلا اله الا الله وقوله (ص)

- ( افلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفاً ام لا ) .

وهنا يشير الرسول الكريم حول هذه المسألة في قوله ( الاسلام علانية والايمان في القلب ثم يشير الى صدره ثلاث مرات ( التقوى هاهنا ) (22) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَخُونُهُ وَلَا يَكْذِبُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ( 23) .

وجاء في تفسيرالالوسي ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام ) أي حياكم بتحية الإسلام والمعنى لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدل على إسلامه : { لَسْتَ مُؤْمِناً } (24) وفي بعض الروايات عن عاصم أنه قرأ السلم بكسر السين وفتح اللام ، ومعناه في القرائتين الاستسلام والانقياد... لا تردّوا إيمان من حياكم بتحية الإسلام وتقولوا إنه ليس بإيمان عاصم ولا يعد المتصف به مؤمناً معصوماً لظنكم اشتراط التواطؤ في العصمة ومجرد التحية لا يدل عليه ، فإنكم كنتم أنتم في مبادىء إسلامكم مثل هذا الملقي في عدم ظهور شيء للناس منكم غير ما ظهر منه لكم من التحية ونحوها ، ولم يظهر منكم ما تظنونه شرطاً مما يدل على التواطؤ ، ومجرد أن الدخول في الإسلام لم يكن تحت ظلال السيوف لا يدل على ذلك فمنّ الله تعالى عليكم بأن قبل ذلك منكم ولم يأمر بالفحص عن تواطؤ ألسنتكم وقلوبكم ، وعصم بذلك دماءكم وأموالكم ...

ان الاية الكريمة تفتح افاقاً واسعة للنقاش في الأمور عديدة منها :-

تكفير المسلم

من هو المسلم

حرمة الغلو والتعصب في الاسلام

وسنتطرق الى هذه النقاط الثلاث بشئ من التفصيل  :

1:- تكفير المسلم

ظاهرة تكفير المسلم للمسلم ظاهرة قديمة تتجد مع تتجدد الخلافات السياسية في  المنطقة العربية والإسلامية وهي بحد ذاتها ليس ظاهرة ذات طابع ديني وان كان البعض يحاول ان يلبسها هذا الثوب فللسياسة اليد الطولى في هذه الظاهرة وحتى عندما نشأت في بادئ الامر كان بسبب خلافات سياسية والتي كانت دائرة بين الإمام علي (ع) ومعاوية بن ابي سفيان ...

لقد رفع الخوارج أول شعار للتكفير عندما خلعوا بيعة الإمام علي كرم الله وجهه وكفروا الفريقين وأعلن صيحتهم الشهيرة ( لا حكم الا لله ) حينها قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قوله المأثور ( كلمة حق يراد بها باطل ) ...

وظاهرة التكفير هي من اخطر المظاهر لما فيها من تفتيت لقوة المسلمين وإضعاف وحدتهم وتفريق شملهم ،  فالإسلام لم يفسح المجال لمن يريد تفريق صفوفه فلقد ورد عن النبي (ص) " من اراد ان يفرق امر هذه الامة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائن من يكون " ( 25) ،لان وحدة المسلمين هو الهدف الاسمى ولا يمكن لنا ان نتصور امة إسلامية بدون وحدة طوائفها فالمسلمين لم يوصلوا الى ما وصلوا اليه ايام كانت دولتهم تمثل أرقى حضارات الكون بسبب تناسيهم للخلافات الداخلية والتي في حقيقتها خلافات فقهية مباحة وإنما الإطار العام هم متفقون عليه فالاسلام بمختلف مذاهبه يتفق على أساسيات الإسلام ويختلف في الجزيئيات وهذا اختلاف طبيعي يتولد نتيجة اختلاف المدارس الفقهية وتقادم الزمان فتتولد رؤى متعددة لكنها تصب في نفس الاتجاه . فالأختلاف كان موجود حتى زمن الرسول في المسائل الفقهية فقد جاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم عن كهيل بن حرملة ، قال : قدم أبو هريرة دمشق ، فنزل على أبي كلثوم السدوسي ، فأتيناه فتذاكرنا الصلاة الوسطى فاختلفنا فيه ، فقال أبو هريرة : « اختلفتم فيها كما اختلفنا فيها ، ونحن بقباء عند بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة ، فقام فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان جريئا عليه ، ثم خرج إلينا فأخبرنا أنها العصر » وجاء في المعجم الكبير للطبراني قول الرسول لأصحابه " قَدِ اخْتَلَفْتُمْ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، فَأَنْتُمْ بَعْدِي أَشَدُّ اخْتِلافًا ".

ولا أستطيع ان استوعب معرفة كيف يتولى بعض مشايخ المسلمين الحركات التكفيرية بالنسبة للمذاهب الإسلامية ما لم يكن له غرض سياسي والا فلا مصلحة تحتم عليه قيادة حركة التكفير او إصدار فتوى ضد مذهبٍ معين ومهما تكن المصلحة فهي تعارض المصلحة العامة للأمة الإسلامية وتعارض الكتاب والسنة المطهرة وسيرة الصحابة الكرام ومنهج ال البيت القويم . يقول تعالى " يا ايها الذين امنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن القي إليكم السلم لست مسلماً تبتغون عرض الحياة الدنيا " لقد شخص الله سبحانه وتعالى العلة وشخص الغرض من اجل قبر مثل تلك الدعوات التكفيرية. 

و" لم تعان أمة الاسلام من آفة نزلت بها مثل معاناتها مع آفة تكفير المسلمين التي عشعشت في عقول نفر من ابنائها ، وجعلتهم يكفرون المسلمين بغير مقتضى شرعي . ومن ثم أهدروا دماءهم واستحلو أموالهم ، دون أن يكون في حيازة أي منهم  دليل من الشرع الحنيف ، أو حجة من الدين أو برهان من أقوال السلف ، ولم يكونوا في الوقت نفسه مؤهلين للخوض في هذه اللجة العميقة ، والسباحة في هذا البحر العميق الذي لا يجيد العوم  فيه سوى العلماء التقات الأثبات الصادقين الذين تسلحوا بالعلم وتجردوا عن الهوى" (26) ، ان أي فتوى تكفر المذاهب الإسلامية هي فتوى باطلة لأنها لا تستند إلى كتاب الله ولا إلى سنة نبيه الكريم ولا الى أي مصدر من مصادر التشريع الإسلامي الأخرى ، فلقد كان النبي ( ص) منتبهاً لما ستوؤل اليه امور المسلمين لذلك نهى عن تكفير المسلم وأوضح الإطار العامة الذي نستطيع من خلاله ان نطلق على ذلك الشخص بانه مسلم . لقد ادرك النبي (ص) ما ستؤول اليه الامور في اخر الزمان فقال  (ص) كما ثبت عند ائمة الحديث "  إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ ) .

وادرك الامام علي بن ابي طالب خطورة ان يكفَّر فريق من المسلمين فريقاً اخر عندما سمع بعض افراد جيشه يسبون جيش معاوية بن ابي سفيان بصفين فقال : " اكره لكم ان تكونوا سبابين ، ولكنكم لو وصفتم اعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وابلغ في العذر وقلتم مكان سبِّكم إياهم : اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به " (27) .

لقد أراد الإمام علي بن أبي طالب ان يتصف أصحابه بهذا الخلق النبيل الذي لا يقوم على السب والطعن والشتم فهو يسير على نهج أخيه وابن عمه  رسول الله (ص) الذي قال : لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ " (28)

 فعن عبد الله ابن عمر ( رضي الله عنهما ) عن النبي (ص) انه قال: " كفُّوا عن أهل لا اله الا الله ولا تكفِّروهم بذنب ، فمن كفر أهل لا اله إلا الله فهو إلى الكفر اقرب " (29) عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا تكفروا أحدا من أهل قبلتكم بذنب وإن عملوا بالكبائر وصلوا مع كل إمام ، وجاهدوا مع كل أمير » (30).

 وروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ( رضي الله عنه ) : جاء رجل الى النبي ( ص) فقال : أن لي جاراً منافقاً يصنع كذا وكذا ، فقال رسول الله ( ص) : " يقول لا اله الا الله " قال : نعم قال : " أولئك نهيت عنهم " (31) .

عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  لَا تَقْتُلْهُ

فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَطَعَ يَدِي

 قَالَ :رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ (32) .

 وعن سهل بن سعد الساعدي ( رضي الله عنه ) ، ان رسول الله (ص) قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله "  (33) ، ان الإسلام لم يقبل بسب المسلم فكيف يرضى بقتله فقد ثبت عن النبي (ص)قوله : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (34) . وان صفة الإيمان تنفى عن المؤمن اذا اتصف باللعن والسب لقول الرسول الكريم "   لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ " (35) ،وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره … كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) (36) .

وبإسناد الإمام جعفر الصادق عن آبائه عليهم السلام قال رسول الله (ص) : المسلم اخو المسلم هو عينه مرآته ودليله ، لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه ولا يغتابه . (37)

وباسناده ايضا (ع) فقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله : " من زار أخاه في بيته قال الله عز وجل له : أنت ضيفي و زائري علي قراك وقد أوجبت لك الجنة بحبك إياه "  (38)

وعن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما ) ان النبي (ص) قال " اذا كفَّر الرجل اخاه فقد باء بها احدهما ، ان كان كما قيل والا رجعت عليه " (39) وعن ابي ذر الغفاري ( رضي الله عنه ) انه سمع النبي (ص) يقول " لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق ، ولا يرميه بالكفر الا ارتدت عليه ، اذا لم يكن صاحبه كذلك "  (40)  ، وعن ثابت بن الضحاك _ وكان من اصحاب الشجرة _ ان رسول الله (ص) قال: " من حلف على ملة غير الاسلام ، فهو كما قال، وليس على ابن ادم نذرٌ فيما لا  يملك ، ومن قتل نفسه بشئ من الدنيا عُذَِب به يوم القيامة ، ومن لعن مؤمناً فهو كقتله ، ومن قذف مؤمنأً بكفر فهو كقتله " (41)

وعن انس بن مالك (من آذى مسلماً بغير حق فكأنما هدم بيت الله) (42) ، وثبت عن النبي (ص) قوله  الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ (43) ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :- قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)) (44)

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (45) ...

قال الامام البخاري( رحمه الله )  في بَاب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (46) .

وقال النووي :" واعلم ان مذهب اهل الحق لا يكفر احد من اهل القبلة بذنب ولا يكفر اهل الأهواء والبدع (47) .

وقال ابن حجر ... ان المؤمن اذا ارتكب معصية لا يكفر (48).

ان حملات التكفيرية والتي يقودها بعض رجال الدين ضد بعض المذاهب الإسلامية أشبه بقول الرسول الثابت في الصحيحين عن ابي هريرة : ان رسول الله (ص) قال :" اتدرون من المفلس " ؟

قالوا : المفلس فينا من ليس له درهم او متاع .

فقال ان المفلس من امتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا واكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا ، فيعطى من حسناته ، وهذا من حسناته ، فان فنيت حسناته قبل ان يقضى ما عليه اخذ من خطاياهم وطُرحت عليه ، ثم طرح في النار" (*)

فهذا جزاء مستحق لمن يكفر ويشتم ويسب ويكفر ويطعن في المسلمين وان الفتاوى التي تصدر من اولئك المشايخ ينطبق عليهم قول الرسول الكريم  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا... (**)

...والآن هلم معي عزيزي القارئ الكريم لنتعرف على شخصية المسلم الذي ثبت في النصوص الشريفة حرمة تكفيره ... فمن هم المسلم ؟

2:- من هو المسلم ؟

تكاد تتفق كتب الحديث على اختلاف مذاهبها على ان المسلم من شهد ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله ، فالاسلام هو قول باللسان ونية في القلب ولأن القلب صندوق مغلق فآمره متروكٌ الى الله سبحانه هو الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور ولم يكلف الله سبحانه احداً من عبادة ان يمحص القلوب ليرى ما فيها ، لذلك كان امره متروك الى الله سبحانه ولعل قول الرسول (ص) المتكرر – وحسابهم على الله – يعني ذلك – عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّه" (49)

ويبين  الحق عز وجل : ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(50) . ومع ان الله سبحانه قد نفى صفة الإيمان عن الإعراب – المقصودون بالآية – الا ان أنهم لم يتعرضوا لحرب لاي من المسلمين لأنهم دخلوا في الإسلام " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ مُسْلِمٌ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِين "  (51) و عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا (52) . ولننتبه جيداً الى قول العباس بن عبد المطلب فهو يروي شروط الايمان وليس الاسلام بقوله ذاق طعم الايمان ولكن بشرط ان يكون قوله موافق لما في قلبه وهو رضي بالله رباً وبمحمد نبياً أي يطمئن قلبه للأيمان و لا اختلاف وهو بالتأكيد ما يتفق عليه الجميع  وثبت في الصحيح عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ (53) .

عن أَبَي مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ الأَضْحَى : " أَلَيْسَ هَذَا الْيَوْمَ الْحَرَامَ ؟ " قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " فَإِنَّ حُرْمَةَ بَيْنِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ " ، ثُمَّ قَالَ : " أَلا أُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُسْلِمُ ؟ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ، وَأُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُؤْمِنُ ؟ مَنْ أَمِنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَدِمَائِهِمْ ، وأُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُهَاجِرُ ؟ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ وَهَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، الْمُؤْمِنُ حَرَامٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ ، لَحْمُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَأْكُلَهُ وَيَغْتَابَهُ بِالْغَيْبِ ، وَعِرْضُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَخْرِقَهُ ، وَوَجْهُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَنْ يَلْطِمَهُ ، وَحَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ دَفْعَةً تُعَنِّتُهُ " . (54)

 ويقف الرسول بأكثر من موضع يخبر أصحابه الكرام بقوله : من قال لا اله الا الله وجبت له الجنة ، فعن عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ  (55) " وتارة اخرى يقول (ص) :مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ (56) وفي مكان اخر يقول الرسول (ص) :"مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ وَأَوْجَبَ لَهُ الْجَنَّةَ".(57)

وعن معاذ بن جبل " من لقي الله لا يشرك به شيئاً جعله الله دخل الجنة " وعن ابي الدرداء من قال لا اله الا الله وحدهُ لا شريك له دخل الجنة "

قال: ، قلت: ، وان زنى وان سرق ؟

 قال :" وان زنى وان سرق"

.قال : قلت وان زنى وان سرق ؟ ..

 قال : " وان زنى وان سرق"

 قال : قلت وان زنى وان سرق ؟

 قال : " وان زنى وان سرق رغم انف أبي الدرداء "  (58)  .

   وأورد الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الزوائد اكثر من اربعين حديثاً تتفق جميعها على ان المسلم من قال لا اله الا الله وان محمداً رسول الله من يشاء فليراجع ، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (59) .

و عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ (60) ، واخيراً نقول ان النبي(  ص ) يَقُولُ : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ...(61) ، ومع الاسف الشديد فان اللسان لا يفتأ عن تكفير الاخرين واليد لا تقف عن البطش وسفك الدماء فلا حول ولا قوة الا بالله ...

3- الغلو والتعصب في الإسلام

   الغُلُو: الارتفاع في الشيء ومجاوزة الحدّ فيه؛ ومنه قوله جلّ وعزّ: " لا تَغْلُوا في دِينكم " ، أي لا تجاوزوا المقدار. ومنه الغَلْوَة بالسهم، وهو أن يُرمى به حيث ما بلغ؛ غلا يغلو غَلْواً وغَلْوَةً وغُلُوّاً، وجمع الغَلْوَة غِلاء؛ وكل ما ارتفع فقد تغالى، ومنه اشتقاق الشيء الغالي لأنه قد ارتفع عن حدود الثمن. (62)  والغُلُوَّ في الدين أَي التَّشَدُّدَ فيه ومجاوَزة الحَدِّ كالحديث الآخر إِنَّ هذا الدينَ مَتِينٌ فأَوْغِلْ فيه بِرفْقٍ وقيل معناه البحثُ عن بواطنِ الأَشْياء والكَشْفُ عن عِلَلِها وغَوامِضِ مُتَعَبَّداتِها ومنه الحديث وحاملُ القرآن غيرُ الغالي فيه ولا الجافي عنه إِنما قال ذلك لأَنَّ من آدابه وأَخلاقِه التي أَمرَ بها القَصْدَ في الأُمورِ وخيرُ الأُمورِ أَوْساطُها و كلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمورِ ذَمِيمُ  (63) . «الغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك» (64) .

وقال ابن حجر : بانه المبالغة في الشئ ، والتشديد فيه بتجاوز الحد

وقال الحسن البصري :" سنتكم والله الذي لا اله الا هو بينهما الغالي والجافي . (65)

ويراد به ايضاً : تجاوز اشخاص البشر عن مقاماتها من حد العبودية الى مقام الربوبية

قال الامام علي (ع) بني الكفر على اربع دعائم : الفسق والغلو والشك والشبهة ... اما الغلو فانه يقوم على اربع شعب : على التعمق في الراي والتنازع فيه والزيغ والشقاق (66) .

قال تعالى ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)) (67) .

في شرح هذه الاية يقول النبي :عن ابن عباس XE "¢ابن عباس"  رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين) (68) .

والمقصود بكلمة من قبلنا هو الرجوع الى الاية وتعني اهل الكتاب فلا رهبانية في الاسلام . فعن أبي يعلى XE "¢أبو يعلى"  في مسنده، عن أنس بن مالك XE "¢أنس بن مالك"  رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (لا تُشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (69) : ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ))  (70) .

وسبب ورود الحديث ينبهنا إلى أمر مهم، وهو أن الغلو قد يبدأ بشيء صغير، ثم تتسع دائرته، ويتطاير شرره، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وصل إلى المزدلفة في حجة الوداع قال لابن عباس XE "¢ابن عباس"  رضي الله عنهما: (هلم القط لي -أي: حصيات ليرمي بها في منى- قال: فلقطت له حصيات من حصى الخذف - يعني: حصى صغاراً مما يخذف به- فلما وضعهن في يده، قال: نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين...) (71)  .

الحديث. أي: ينهاهم أن يتنطعوا، فيقولوا: الرمي بكبار الحصى أبلغ من الصغار، فيدخل عليهم الغلو شيئاً فشيئاً.

عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به » رواه علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير وزاد فيه اقرءوا القرآن واعملوا بما فيه  (72) .

وورد عن النبي (ص) قوله لما بلغه ان معاذ بن جبل صلى بالناس فأطال فقال له : أ فتانٌ أنت يا معاذ  - كررها ثلاث مرات -  فلم يقبل الرسول الكريم بأن يثقل الإمام على مؤميه في الصلاة ثم قال له :- فَلَوْلَا قَرَأْتَ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا فَصَلَّى وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَذُو الْحَاجَةِ وَالضَّعِيفُ أَحْسِبُ مُحَارِبًا الَّذِي يَشُكُّ فِي الضَّعِيفِ (73) ، وكان الرسول (ص) قد أوصاه هو وابو موسى لما بعثهما إلى اليمن ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا ) (74)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ". (75)

لذلك كان يقول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تبغضوا الله إلى عباده ، يكون أحدكم إماما فيطول عليهم ما هم فيه ، ويكون أحدكم قاصا ويطول عليهم ما هم فيه.(76) 

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ َقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ  (77) .

عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ (78) .

ونهى النبي عبد الله  بن عمرو بن العاص ان يتواصل بالصيام بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فقَالَ له يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ فَقال : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً قَالَ فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ قُلْتُ وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ نِصْفَ الدَّهْرِ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (79) .

ان الرسولَ الكريم (ص) كان معتدلاً في كل الامور ولم يكن مسرفاً حتى في ماء وضوءه- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:قَالَ رَجُلٌ كَمْ يَكْفِينِي مِنْ الْوُضُوءِ ؟

 قَالَ مُدٌّ

قَالَ كَمْ يَكْفِينِي لِلْغُسْلِ ؟

قَالَ صَاعٌ

فَقَالَ الرَّجُلُ لَا يَكْفِينِي ؟

قَالَ: لَا أُمَّ لَكَ قَدْ كَفَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (80) .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَل َ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ  (81) .

ولنستمع الى قول ابن عمر ( رضي الله عنهما ) حين سأله ابن مورق أَتُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَ : لَا  ، قُلْتُ فَعُمَرُ ؟ قَالَ:  لَا ، قُلْتُ : فَأَبُو بَكْرٍ قَالَ:  لَا قُلْتُ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَا إِخَالُهُ .(82)

فالامر لا يتعلق بكثرة الصلاة بقدر ما يتعلق بالتمسك بالاخلاق الحقيقية للاسلام ."  أَحَبَّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ " (83)

و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض) : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ " (84)

روى مسلم XE "¢مسلم"  في صحيحه، عن ابن مسعود XE "¢ابن مسعود"  رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاً (85) . قال الإمام النووي رحمه الله  XE "¢النووي" : «أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم» (86) .

و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي (87) .

ان الغلو في الدين ناتج من اعوجاج في نفسية المغالي ومتأصل فيه تاصيل الافات النفسية الاخرى (88)  وهو بالاضافة الى ذلك فان المغالي يشكو من قصور في فهم حقيقة الدين السمحة ، وان الغلو لا يقتصر على ملة دون ملة أو دين دون اخر فكل الاديان تعاني من المعالين وليس الغلو صفة ملتصقة بالاسلام  .

اما العصبية فهو من أمور المنبوذة في الاسلام  والعصبية صفة ملتصقة بالجاهلية لقول الرسول الكريم لأبي ذر " انك امرؤ فيك جاهلية عندما عيّر رجل بأمه (89) .

والعَصَبِيَّةُ في اللغة :: أَن يَدْعُوَ الرجلَ إِلى نُصْرةِ عَصَبَتِه والتَّأَلُّبِ معهم على من يُناوِئُهُم ظالمين كانوا أَو مظلومين . وقد تَعَصَّبُوا عليهم إِذا تَجَمَّعُوا فإِذا تجمعوا على فريق آخر قيل : تَعَصَّبُوا . وفي الحديث : العَصَبِيُّ مَنْ يُعِين قومَه على الظُّلْم . العَصَبِيُّ هو الذي يَغْضَبُ لعَصَبتِه ويُحامي عنهم . و العَصَبةُ : الأَقارِبُ من جهة الأَب لأَنهم يُعَصِّبونه و يَعْتَصِبُ بهم أَي يُحِيطُون به ويَشْتَدُّ بهم . وفي الحديث : ليس مِنَّا من دَعا إِلى عَصَبِيَّةٍ أَو قاتَلَ عَصَبِيَّةً . العَصَبِيَّةُ و التَّعَصُّبُ : المُحاماةُ والمُدافعةُ : و تَعَصَّبْنا له ومعه : نَصَرناه.(90)

عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يُقَاتِلُ عَصَبِيَّةً وَيَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ (91) ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَخَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي بِسَيْفِهِ يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا لَا يُحَاشِي مُؤْمِنًا لِإِيمَانِهِ وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ بِعَهْدِهِ فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِلْعَصَبِيَّةِ أَوْ يُقَاتِلُ لِلْعَصَبِيَّةِ أَوْ يَدْعُو إِلَى الْعَصَبِيَّةِ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ (92) .

و عَنْ فُسَيْلَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ :سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ قَالَ لَا وَلَكِنْ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ (93) .

عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:هَلاكُ أُمَّتِي فِي ثَلاثٍ: فِي الْعَصَبِيَّةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالرِّوَايَةِ فِي غَيْرِ تَثَبُّتٍ.(94) .

ثالثاً:- (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)   (151) سورة الانعام

  وقوله سبحانه :( قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ) : هذا أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه عليه السلام أنْ يدعو جميع الخَلْق إلى سماع تلاوة ما حَرَّم اللَّه بشَرْع الإسلام المبعوثِ به إلى الأسود والأحمر ، ، وقال كعب الأحبار : هذه الآية هي مفتتحُ التوراة : «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ . . . » إلى آخر الآيات ، وقال ابن عباس : هذه الآيات هي المحْكَمَات المذْكُورة في آل عمران ، اجتمعت عليها شرائعُ الخَلْقِ ، ولم تنسخ قطُّ في ملة ، وقد قيل : إنها العَشْر الكلمات المنزَّلة على موسى . (95)

أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتماً فليقرأ هؤلاء الآيات ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) إلى قوله( لعلهم يتقون) .

و عن مزاحم بن زفر قال : قال رجل للربيع بن خيثم : أوصني . قال : ائتني بصحيفة ، فكتب فيها (  قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) الآيات . قال إنما أتيتك لتوصيني؟! قال : عليك بهولاء .

عن منذر الثوري قال : قال الربيع بن خيثم : أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد صلى الله عليه وسلم بخاتم؟ قلت : نعم فقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة الأنعام ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) إلى آخر الآيات .(96) وهنا في هذه السورة يدخل القتل في باب الكبائر فما هي الكبائر ...

أ_ القتل قرين الشرك ( الكبائر )

    في الاية السابقة يقرن الله سبحانه وتعالى بين الشرك وهذه الجريمة التي نحن بصدد الحديث عنها فهي كبيرة من الكبائر التي اتفق عليها علماء الإسلام ، وقد اختلف فقهاء الإسلام بعدد هذه الكبائر ومعهم اختلفوا ائمة الحديث فبعضهم ذهب الى انها اثنين لقول ابن عباس: أكبر الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله لأن الله سبحانه يقول(97) : ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) وقال عنهما : هما المبهمتان : الشرك والقتل (98) ويعني اللتان لا مخرج منهما كأنه باب مبهم مصمت ومنهم من ذهب الى انها ثلاث والبعض الأخر ذهب الى انها أربع وآخرون يذهبون إلى إنها  سبع وآخرون يقولون انها تسع  ويزيدونها إلى اربعين كبيرة وآياً  كان عددها فالجميع قد اتفقوا على ان قتل النفس هي واحدة منها بل هي قرين الشرك بالله . قال تعالى ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)  (151) ) (99)  وفي سورة أخرى يقرن الله سبحانه وتعالى الشرك بالقتل (  وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) ) (100) .

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ فَقَالَ : أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ(101).

والكبائر في الاسلام وهي ما يحيط بالانسان من خطيئة ، ففي تفسير القران لعبد الرزاق الصنعاني يقول في قوله تعالى بلى من كسب سيئة وأحطت به خطيئته قال السيئة الشرك والخطيئة الكبائر(102) . وورد قول الكبائر في قوله تعالى ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ) (103) . والكبائر هي الذنوب العظيمة التي توقع المسلم في ورطة كبيرة أمام الله سبحانه وتعالى وتوجب حكمه ولا مفر من عقوبتها الا بتوبة نصوح صادقة ...

لذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب ( لا كبيرة مع التوبة ولا صغيرة مع الإصرار ) ويقصد الامام علي بالتوبة التي تبدأ في ساعة معرفة الخطأ دون انتظار ،وعن ابن عمر يقول التوبة مبسوطة للعبد ما لم يسق ثم قرأ ابن عمر وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الأن قال ثم قال وهل حضور إلا السوق . (104)

أما أراء أهل العلم بها فيذهب بعضهم الى انها ثلاث ويستندون الى قول الرسول الكريم ( ص ) عن الصحابي الجليل  ابي ايوب الأنصاري حيث قال : فالرسول الله (ص ) من جاء يعبد الله لا يشرك به شيئاً ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ، ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر كان له الجنة، فسألوه عن الكبائر ، فقال( الإشراك بالله ، وقتل النفس المسلمة، والفرار يوم الزحف ). و عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ (105) .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو:عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ (106)

اما الذين يقولون انها اربعة  فهم يستندون لقول انس بن مالك حيث قال:- قال النبي (ص) : اكبر الكبائر الاشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور او قال شهادة الزور . (107)

وعن ابي هريرة (رض ) :عن النبي انه قال:- اجتنبوا السبع الموبقات : الشرك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله الا بالحق ، واكل الربا واكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) (108)

اما الذين يذهبون الى انها سبعة فيذهبون الى قول الإمام الصادق (ع) حيث قال عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله (ص) :- الكفر بالله ، وقتل النفس وعقوق الوالدين ، واكل الربا بعد البينة، واكل مال اليتيم ظلماً والفرار من الزحف ، والتعرب بعد الهجرة ) (109).

وكذلك  حَديث أَبِي هُرَيْرَةَ (110) :أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ

اما الذين يذهبون الى انها تسع فهم يستندون الى  قول عبيد الله ن عمير عن أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ فَقَالَ هُنَّ تِسْعٌ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ زَادَ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا .

وكذلك عن طيسلة بن علي النهدي قال: أتيت ابن عمر وهو في ظلّ أراكٍ يوم عرفة، وهو يصب الماء على رأسه ووجهه، قال قلت: أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي تسع. قلت: ما هن؟ قال: الإشراك بالله، وقذف المحصنة قال قلت: قبل القتل؟ قال: نعم، ورَغْمًا  وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكلُ الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين .(111)

غير ان ابن عباس رضي الله تعالى عنه يرى بان الكبائر هي إلى السبعين أقرب . فقال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس الكبائر سبع ؟ قال : هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع .

ويري ابن عباس (رض) ان الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب . .

وقال شيخ الإسلام البارزي : التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن بنص كتاب أو سنة ، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن أو أكثر من مفسدته (112) .

. فقد روي عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ) فقال له رجل : يا رسول الله , وإن كان شيئا يسيرا ؟ قال : ( وإن كان قضيبا من أراك )  (113) . ومهما يكن من الامر في اختلاف عدد الكبائر لكن الاتفاق يجري على ان القتل النفس من كبائر الذنوب لذلك كان الصحابة الكرام يخشون على أنفسهم من الوقوع في الدم الحرام فعن ابي هريرة (رض ) ، ان سعد بن عبادة قال للنبي (ص) أرأيت ان وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء . قال:- نعم . فانظر عزيزي القارى الكريم الى عظمة حكمة الله في ذلك حيث ان هذا الامر يستوجب الحد أوجب أربعة شهود لئلا يضيع دم الإنسان وكرامته بهذه السهولة . فقتل النفس عدها الرسول الكريم انها من ورُطات الامور التي لا مخرج منها فعن ابن عمر رضي الله  عنهما عن النبي (ص) ( قال : ان من ورُطات الامور التي لا مخرج  لمن اوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله ) (114) ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما انه قال لرجل قتل رجلاً ( تزود من الماء البارد فانك لا تدخل الجنة ) وفي مجمع الزوائد لابن حجر من لقي الله لا يشرك به شيئاً وادى زكاة ماله طيباً بها نفسه مُحتسباً . وسمع واطاع فله الجنة – او دخل الجنة – وخمس ليس لهنَّ كفارة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق ، وبهت المؤمن ، والفرار من الزحف ، ويمين فاجرة يقتطع بها مالاً بغير حق (115)

رابعاً –( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )  الحجرات

 والمعنى : أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين ، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم ، ويدعوهم إلى حكم الله ، فإن حصل بعد ذلك التعدّي من إحدى الطائفتين على الأخرى ، ولم تقبل الصلح ، ولا دخلت فيه كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه ، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها ، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه ، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ، ويتحرّوا الصواب المطابق لحكم الله ، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم ، وتؤدّي ما يجب عليها للأخرى . ثم أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المقتتلتين فقال :(  وَأَقْسِطُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) أي : واعدلوا إن الله يحب العادلين ، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء . قال الحسن ، وقتادة ، والسديّ : ( فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ) بالدعاء إلى حكم كتاب الله ، والرضى بما فيه لهما وعليهما ( فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا ) وطلبت ما ليس لها ، ولم ترجع إلى الصلح (فقاتلوا التى تَبْغِى  ) حتى ترجع إلى طاعة الله ، والصلح الذي أمر الله به ، وجملة:(إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ  ) راجعون إلى أصل واحد ،  (116) عن عليّ و عن ابن عباس، قوله إن الله سبحانه أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم  (117) .

وهنا اود ان اشير الى انني كنت قد راسلت مجموعة من العلماء الاعلام لافادتي في فتاوى تخص حرمة الاقتتال الطائفي وحرمة التهجير ومن بين اولئك العلماء الاعلام كان السيد محمد تقي المدرسي ممن استجابوا لطلبي فاشار علي بأن آراءه السديدة متظمنة في تفسير هذه الاية الكريمة من كتابه ( من هدى القرآن ) وأنا بدوري اورد راي السيد المدرسي(118) :- ( و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) من هنا بدأ السياق بهذه المعالجة وقال : المسؤولية الأولى إذا هي وقف الاقتتال و إقامة السلام بأية وسيلة ممكنة ، وهي مسؤولية الجماهير ، لأنهم القوة الباقية بين الطائفتين . أما لو كلفنا طائفة ثالثة فقد تدخل طرفا في الاقتتال وقد لا تكون أقوى من إحديهما . و الملاحظ

اولا : ان التعبير جاء بصيغة التثنية ثم الجمع ثم التثنية ، ذلك ان سبب الاقتتال يكون عادة الاختلاف بين فريقين لكل منهما خصائصه و ميزاته ، و الصلح يكون بين قيادتي الفريقين ، بينما ذات الاقتتال يكون بين أتباعهما ، فقد يكون المقاتلون ضحية مؤامرة قيادتهم ، و زجهم في معركة لا مصلحة لهم فيها ، بينما القيادة عند الفريقين مسؤولة عن الحرب كما هي مطالبة بالصلح .

 ثانيا : القرآن لم يحدثنا عن قوانين الصلح أو عن الصلح الذي يقوم على العدالة ، لأن تحقيقه في حالة الاقتتال يكاد يكون مستحيلا ، إنما طلب من الجميع العمل من أجل الصلح .

ثالثا : سمى القرآن الفريقين المتقاتلين بالمؤمنين بالرغم من ان الاقتتال ضلالة بعيدة ، مما يدل على إمكانية تورط أبناء الامة الواحدة في الحرب الأهلية بسبب الفتن و الأهواء ، فلا يجوز اتهام الناس بالكفر بمجرد دخولهم الصراع مع بعضهم حتى بلغ حد الحرب ، كما لا يجوز لأحد الطرفين اتهام الطرف الآخر بالخروج عن إطار الايمان بمجرد إعلانه الحرب عليه .

فإن بغت إحداهما على الأخرى فلم تقبل بالصلح أو قبلت و غدرت . فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله . هل يمكن ان نقيم السلام بالشعارات و المواعظ و المعاهدات و مجالس الأمن ؟ قد يكون كل ذلك نافعا ، ولكنه ليس بمستوى وقف الحرب التي لا يخوضها الناس إلا بعد أن ييأسوا من تحقيق أهدافهم بأية وسيلة أخرى ، فيركبون مركبها الصعب و يتحملون مآسيها و ويلاتها . فكيف يتوقفون عنها بنصيحة أو قرار ؟

لابد إذا أن يتحمـل الناس كل الناس مسؤولية الحفاظ على السلام و وقف نزيف الدم ، وذلك بخوض غمار الحرب بلا تردد ، و إلا فان بغاة الفتنة سوف يحولون الأرض جحيما