|
|
|
أ. د. مها ناصر خير بك
أ.د. مها ناصر خير بك أستاذة الدراسات العليا الجامعة اللبنانية أولاً: عتبة البحث إذا كانت القصيدة الرقمية تتكامل بنيتها في ثلاثية الصياغة الرقمية؛ الصورة المعبرة، و الموسيقى المتناغمة مع الحدث، والكتابة المتقمصة المعاني، فهي في الحقيقة دعوة إلى ثلاث الحواس لتتشارك في استقبال المرسلة/ القصيدة، ليتحوّل الشعور من ملامسة الآلة الورقية إلى تحريك مفاتيح آلة خرساء/ ناطقة تدخل معها في فضاءات البوح، فيصير الراوي آلة تلغي حالة التلاقي الوجدانيّ بين الراوي والمتلقين. لقد كان الراوي في عصور متقدمة يحفظ القصيدة وينشرها في البوادي سيرًا على قدميه أو ناقته، فكان الإعلامي الوحيد من دون منازع، وانقرض هذا الدور بعد سيطرة الطباعة الورقية؛ وعلى الرغم من عجز الأوراق عن نقل مؤثر صوتي، فلقد حظي الشعر باهتمام القرّاء والنقّاد والإعلام المكتوب والمسموع، وحظيت بعض القصائد بالإضافة إلى الشفرة الكتابية بخطوط ورسوم تنضاف إلى المؤثرات البصرية والذهنية، غير أنّ التكنولوجيا المعاصرة منحت القصيدة الرقمية حضورًا أكثر تأثيرًا و فاعلية. تختزل القصيدة الرقمية، اليوم، تاريخية تطور فاعلية الكلمة المموسقة في بنيتها وتأثيراتها النفسية، بوصفها وحدة متكاملة، وهي في الوقت عينه تؤدي دور الراوي، فكما أن الراوي تقمص شخصية الشاعر، فغيّب صورته وصوته في صور تعبيرية وأداء شعريّ، كذلك غيّبت القصيدة الرقمية صوت صاحبها، وغاب تأثيره الصوتي الحقيقي ليحلّ مكانه مؤثر موسيقي تمّ انتقاؤه في معظم القصائد الرقمية بدقة فنية. لعب موقع النخلة والجيران دورًا بارزًا في تكريس مشتاق عباس معن شاعرًا عربيًّا يتمتع بحضور أدبيّ إبداعيّ متمايز، فجاء شعره ناطقًا ببوح الفنان الخارج من رحم أصالته إلى حداثة التكنولوجيا من دون أن يتخلى عن القيم الفنية العربية الأصيلة، فكان شعره انعكاسًا صادقًا عن الأنا العربيّة المنغرسة في قضاياها الوطنيّة والقوميّة والإنسانيّة، معينه في ذلك لغة عربيّة أنطقته ونطق بها، فكانت تجربته الفنية، على غير مثال، متمايزة بالخلق والإبداع. نقل موقع النخلة والجيران مجموعة من قصائد الشاعر التي شكّلت وحدة فنية برغماتية متكاملة سواء أكان ذلك على مستوى البنيات الظاهرة أم البنية اللغويّة المتحكمة في إنتاج الدلالات، وتأويلها. ثانيًا: المنتج الفني وتكامل ظاهر البنية تبدأ القصيدة الرقمية بعنوان مصحوب بصورة وموسيقى، فجسّدت الصفحة الأولى غلافًا ومعبرًا لمجموعتين من التراكيب المنفصلة في المستوى المكاني، والمتوحدة في جوهر القضية، فكان الكلّ مبثوثًا في تعددية الأجزاء، والأجزاء موحدة في فضاء الكلّ الدلالي. إنّ العنوان الرئيس الذي أظهرته الصفحة الأولى يحمل عبارة( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق)، وهذا العنوان لم يخرج عن دلالات الصور والموسيقى والتراكيب المتنوعة في أشكالها، والمتوحدة في روحيتها، فكان المعبر الأساس إلى فضاء البوح الذي تقمصته تسع قصائد تحت عنوان واحد، فكان العبور إلى كلّ جزيرة من جزر الكلّ المتكامل يتمّ بمفتاح سري، يكون السبيل الأساس للتعرّف إلى هندسة المدخل وقراءة سيمائياته، ثم يكون العبور إلى فضاء القصيدة الدلاليّ ، الذي يبقى امتدادًا لفاعلية المفتاح والمدخل، حيث تتكامل الصور والموسيقى والدلالات. 1_المفاتيح والسيمائية البرغماتية 1_1المفتاح الرئيس: اضغط على ضلوع البوح يختزل هذا العنوان الموجود على غلاف العمل، المفتاح الرئيس الذي يفتح باب العبور إلى فضاء البوح، غير أنّ الشاعر جعل من أضلاعه حدودًا تحفظ تسربه، فربط رشحه برغبة ذاتية تستجيب لها الضلوع، وصار للبوح كيانٌ، قوامه أضلاع تضمن عملية الكينونة والتمركز والتجسيد، فهل كان للسهم الموجه بعكس الصورة هدف يضمر التضاد بين البوح وبشاعة الواقع المتمثل بوجه مخيف؟ تقوم القصيدة على رأس واحد يجسّد فكرة واحدة، ولملامسة الفكرة وفهم أبعادها الدلالية يتم العبور من نافذتين، لهما مفتاح واحد، وكل نافذة توصل إلى مستوى له خصوصيته غير المتناقضة مع الروح الكلية العامة للسياق الشعريّ، فتبرز، من خلال الخصوصية الذاتية لكلّ جزء، طبيعة البنية التركيبة التي تتكشف من خلال الضغط على مفاتيح تقود إلى مداخل تشرح وتمهّد للبلوغ إلى معاني البوح. يختص المستوى الأوّل بأربعة مفاتيح، والمستوى الثاني بخمسة مفاتيح، كأنّ الشاعر رمز بهذا العدد إلى كفين لا يصفق أيٌّ منهما من دون الآخر، غير انّه أنقص إصبعًا من أحدهما، ربما كان ذلك للدلالة على واقع عراقي غابت عنه فاعلية عنصر من عناصر تكوينه، وإذا كانت كلمات المدخل الرئيس، في رأي الشاعر، قصيدة وليست مدخلاً عامًا، تكون بنية المستويات من حيث التركيب العددي للأجزاء متساوية، غير أن استنطاق النص يوحي بالتأكيد على أنّ كلمات الغلاف مدخل رئيس، يتم العبور منه إلى مستويين شعريين منفصلين كيانيًّا. جعل الشاعر من أصابع القصيدة مفاتيح مشفرة، فكان المفتاح الرئيس بنسختيه أداة عبور، غايتها التعرف إلى هوية المفاتيح وطبيعة المداخل التي أسست للكشف عن فضاء نفسيّ أراد الشاعر أن يبوح به، فأدى استخدام المفتاح الرئيس بنسختيه إلى مستويين شعريين، وكل مستوى تتفرع عنه بنيات نصية شعرية مشحونة بالدلالات والصور والقيم، تمنحها ذاتيتها بقدر ما تتحكم في التصاقها بكلية الجسد النصيّ المتكامل من دون أن يشوهَها تناقض. 1_1_1_المستوى الشعريّ الأوّل يستخدم الشاعر في المستوى الشعري الأول أربعة مفاتيح يتم الضغط على كلّ منها ليتم التعرف إلى المداخل ومن ثم العبور إلى تفاصيل كلّ جزء من هذه الأجزاء المنفصلة والمتصلة، في اللحظة عينها، فلكلّ قصيدة مدخل خاص بها، وعالم من الدلالات والرموز، ولكنّ هذه الكيانية الذاتية تبقى ناقصة الوجود والدلالة إذا عزلناها عن بقية الأجزاء التي تتعاضد مع بعضها فتكتسب من اتحادها ثباتًا وتكاملاً وبعدًا دلاليًّا. 1_1_1_1_ مفتاح القصيدة الأولى: بعد العبور إلى القصيدة الأولى بجملة( اضغط على ضلوع البوح)، رمز الشاعر في سياق النصوص إلى مفتاح القصيدة الأولى، بكلمة" المتن"، إذا كان من رغبة في العودة، لأنّ المتن هو الأصل، أي أنّها هي الأصل الذي ابتنت عليه الموسيقى والصور والدلالات والأفكار. 1_1_1_2_ مفتاح القصيدة الثانية وسم الشاعر مفتاح القصيدة الثانية بكلمة"حاشية"، وفي خلال السياق أي في حالة الرجوع إليها بكلمة " توبة" ،وكلمة حاشية تعني لغويًّا الجانب من الشيء، ومن الكتاب ما زيد عليه من تعليقات، فكان هذا المفتاح أداة لمعرفة التعليقات التي أنتجتها خطوات الشاعر في المدار العتيق الذي كانت دلالاته متنًا. 1_1_1_3_ مفتاح القصيدة الثالثة رمّز الشاعر مفتاح القصيدة الثالثة بكلمة "مكابرة"، والمكابرة نوع من تحدي الواقع والمصائب ورفض الاعتراف بالأخطاء والخسائر، والرفض توأم التمرد، والتمرد يولّد التغيير؛ فجاء هذا الجزء من الكلام تجسيدًا لرفض الواقع والسير به نحو الأفضل. 1_1_1_4_ مفتاح القصيدة الرابعة جسّدت كلمة هامش في" القصيدة الخامسة مفتاحًا يحمل معنى معجميًا يفيد دلالة كلمة الحاشية، بالإضافة إلى إفادة دلالة التعليق على ما ورد في خبر ما، وربما حمّلها الشاعر وظيفة التعليق على هامش رحلة البوح. 1_1_2_المستوى الشعري الثاني يقوم المستوى الثاني على خمسة مفاتيح تكشف عن خمسة مداخل، فيها دلالات وإشارات، تساعد على التعرّف إلى طبيعة البنيات النصية التي كانت جزءًا من روحية محتوى أضلاع البوح، هذا المحتوى جعله الكاتب عالمًا يضج بالقيم الإنسانيّة، وبالتناقضات والرغبات والآمال والتطلعات، وبالدعوات إلى التمسك بالأصول ، من جهة، وإلى رفض الواقع انطلاقًا من ثوابت وطنيّة قيمية، من جهة ثانية، فإذا اكتملت أصابع اليد الواحدة، استطاعت أن تتعاضد من أصابع اليد الأخرى، وبالتالي تتضاعف نسبة إمكانية القبض على الحقائق. 1_1_2_1_مفتاح القصيدة الأولى تمّ الدخول إلى رحاب القصيدة الأولى بمفتاح أساس" أضغط على ضلوع البوح، ثمّ اكتسب في خلال السياق رمزا آخر هو" المتن" 1_1_2_2_ مفتاح القصيدة الثانية رمز الشاعر لمفتاح القصيدة الثانية بكلمة "الحاشية" أي أضاف "أل" التعريف ليحول الواقع من وجود حتمي سابق على الإرادة إلى واقع مشتق تصنعه الإرادة، لأنّ النكرة في اللغة أسبق على المعرفة، والمعرفة تُصاغ من النكرة، فإذا كان الشعب العراقي ناضجًا فهو يستطيع أن يستنبط واقعًا جديدًا من رحم الحاضر، لذلك أعطى لهذا القسم مفتاحًا آخر هو" أوبة" أي العودة إلى الأصول، ثم كان لهذا الجزء مفتاحان هما"لا أرغب في نصيحة أخرى"و"لا تدمن تعاطي النصائح" ليشير إلى عدم الحاجة إلى نصائح من خارج؛ لأنّ في ذلك شللاً للإرادة، إذا صارت الاستعانة بالآخر نوعًا من الإدمان. 1_1_2_3_ مفتاح القصيدة الثالثة اتخذ مفتاح القسم الثالث كلمة" نصيحة" والنصيحة تفيد معجميّاً الدعوة إلى ما فيه الصلاح والنهي عما فيه الفساد، بغية الإخلاص والصفاء، فجاءت هذه الكلمة دعوة للتبصر بالحكم الواقعة على مدخل القصيدة. 1_1_2_4_ مفتاح القصيدة الرابعة جاء مفتاح هذا القسم مشفّرًا بجملة"هل ترغب في نصيحة أخرى"، وهذه الجملة تحمل دلالات لا حصر لها، كونها فتحت باب الكشف عن نصائح جديدة في مدخل القصيدة. 1_1_ 2_5_ مفتاح القصيدة الخامسة جاء مفتاح القسم الأخير مطابقا لمفتاح القسم الأخير من المستوى الأول، إذ وسم بكلمة" هامش". تكشف شفرات المفاتيح عن قدرة الشاعر على استخدام مخزونه الثقافي وتوظيفه في عملية ترابط منطقي، يقوّي حجته، ويدعّم آراءه من خلال تكثيف سيميائيات مفاتيحها وتمايزها وتنوع وظائفها الدلالية، فهي تتدرج من المتن إلى الحاشية لتصير المكابرة في القسم الأول موازية للنصيحة، لأنّ المكابرة في أمور الحياة تحتاج إلى نصائح تخفف من سلبيات المكابرة، ، ثم أضاف مفتاح "هل ترغب في نصيحة أخرى" عدداً لا متناهيًا من التأويلات، ليتوحد الجزءان في مفتاح" هامش".
************ |