|
|
|
ميسلون هادي
الرواية الفائزة بجائزة باشراحيل لأحسن رواية عربية،2008.
بسم الله الرحمن الرحيم وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين قرآن كريم/ سورة هود إهداء إلى الأب.. وإلى الابن في كبرياء الشرير يحترق المسكين مزامير داود/ م10 ضحكة قال (مشمش) لوالدته: - كنت أتمنى أن أعيش في العصور الوسطى - حقاً؟! ولماذا؟! - لتكون دروس التاريخ التي يجب أن أستذكرها أقل! مجلة ميكي العدد 1706- 30/ديسمبر/1993
شخصيات الرواية
·
منصور ماشي السالمدار.
· هنية: زوجته الأولى. · ختام: زوجته الثانية. · بلقيس: زوجته الثالثة. · يحيا: ابنه من بلقيس. · شاكرين وصابرين: ابنتاه من هنية. · توفيق وصلاح ونجاح وفلاح: أولاده من هنية. · عدنان وقحطان ونعمان وغسان وعمران وعبد الرحمن: أولاده من ختام. · عبد الملك: الجار الفنان. · ملائكة وناى وليلك: بنات الفنان. · كحيلة: جارة · الأب والابن والمستشار.
الفصل الأول هو ذا صاحب الأحلام قادم (1) في نهاية القرن العشرين وأواخر العصر التلفزيوني الوسيط, وهو العصر الذي يقع بين أيام اورزدي باك وليالي الستلايت، أي العصر الذي يقع بين أعوام الموسكوفج وسنوات المنيفست، وَلدت بلقيس بنورة ابنها يحيامنصور ماشي السالمدار، فكان أبرع جمالاً من أخوته العشرة الذين سبقوه وأوفر حظاً من أختيه التوأم اللتين لحقتاه، إذ قضت واحدة منهما في رحم الأم مختنقة ووُلدت الأخرى نصف منغولية ملساء لا تفهم ولا تكف عن الابتسام. جاءها المخاض في ليلة كانونية مظلمة، فولدته على سجادة تغطي الأرض في غرفة النوم، وقطعت حبل الخلاص بيديها على ضوء لالة مكسورة زجاجتها متروسة بالسخام، فلم تر وجهه النوراني النحيف جيداً في تلك اللحظة العصيبة، ولا رآه أبوه منصور الذي كان يخوض في المياه الطامية بين أرض الكويت وأرض العراق، ولكن زوجات أبيه جئن إليه بعد أن توقف القصف بين غارة وأخرى، وصدحت صافرة الأمان، ورأينه نائماً في المهد على نور الصباح الكانوني القادم من النافذة, فقالت واحدة للأخرى: ما أجمله طفل اللالة! فسمعهن يحياوابتسم، وبكى طلباً للحليب فتناوبن على إرضاعه واحدة تلو الأخرى، وطابت نفسه بتذوق نكهات شائقة من الحليب يأتيه من أطباق ناعمة شهية الرائحة، والتذّ عيشاً بطعامه الهني، ونام في الأحضان نوماً رغيداً لم تنل منه أصوات القذائف أو هدير القاصفات ولا أناشيد الفتى الوسيم توفيق منصور، ابن أبيه من هنية ضرّة بلقيس والذي كان يصدح بها كل يوم في حديقة الدار بعد أن يأكل ويشبع ويخرج إلى الشمس المشرقة. بعد ذلك اليوم بسبعة أيام، أي في اليوم الرابع من شباط ولدت هنية أم توفيق وضرة بلقيس توأمين من بطن واحدة إحداهما ماتت فدفنوها في الخرابة بجوار بيتهم بعد أن سجلوها في شهادة الوفاة باسم صابرين وأخرى لا تبكي ولا تجوع ولا تكف عن الابتسام، فحمدت هنية الله على نعمته وشكرته على تلك الحال وعلى كل حال، وأسمتها شاكرين باقتراح من جارها الفنان الذي وجد فى الاسم تهكماً صارخاً على البلاد التي تسببت في موت الصغار وخراب الديار.. فأرسلت لهم بدل الضفادع والجراد والعناكب، الطائرات والقاذفات ودبابات التشالنجر والقنابل الذكية والعنقودية والألوية المجوقلة والقوات الخاصة وحاملات الطائرات والغواصات والقاصفات والسفن البرمائية والصواريخ العابرة للقارات والبراري والمحيطات. بعد أربعين يوماً امتلأ فيها الخل دوداً، وانقطع طمث النفاس، وبتروا ليحيا غرّلته، وانفض عزاء منصور ماشي السالم دار الذي لم يعد من حفر الباطن إلى بيته قط. أرضعت بلقيس ابنها يحيا لبنها مرّاً وهي مغثوثة، فراح يتقلب في فراشه من الوجع ولا يكف عن الصراخ ليل نهار إلا عندما تأخذه إلى حضنها وتمشي به قليلاً بين الحجرات، فيهدأ لحظات معدودات ثم يعاود بكاءه العالي وهو يتلوى ألماً من جديد. ضرتها هنية قالت لها إن هذه حرقة الحليب وأوصتها بالقونداغ وبأن تعطيه السبع مايات حتى تهدأ نفسه وتطيب آلامه، فاشترت بلقيس له اليانسون والبابونج والهيل والكمون والسعدة والورد ماوي والهندبة والمستكة وطلع النخل والبطنج.. وجمعتها، حسب ما قالت لها هنية، في إناء مليء بالماء وغلتها على النار مع ورق الياس والجوري وقشور البرتقال لحين أن فارت وتصاعد منها البخار، ثم راحت تسقي منها يحيا وهي باردة بملعقة الشاي فيعكنش وجهه الطري كلما مست الملعقة فمه، ثم سرعان ما يتمطق بها لسانه الغض على مهل, ويحتسي رشفة رشفة حلاوة ما يوجد فيها من ماء قراح. عندئذِ تهدهده بلقيس وتطبطب على كتفه وتجلب له النعاس بترنيمة تقول: ديلّلول يا الولد يا بني ديللول عدوك عليل وساكن الجول فيسمعها يحيا ويبتسم، ثم تغفو عيناه رغداً وراحة، وعندما تكف أمه عن الغناء يفتح عينيه من جديد بصعوبة وهو يقاوم النعاس بقوة لكي يبقى في حضن أمه ويجعلها تغني له من جديد. لكن ساكن الجول لم يكن عليلاً ولم يكن يعلم بأمر يحيا الذي نذرته أمه من الله في يوم زكريا، ثم ولدته في الثامن والعشرين من كانون الثاني من العام الذي جاء به أصحاب الفيل إلى الديار، فكان كلما وقف ساكن الجول أمام المرآة سألها: يا مرآة الجدار.. يا مرآة الجدار.. من أقوى الرجال في هذي الديار؟ فتقول له: أنت. فينتشي ساكن الجول وينتعش ويحدث نفسه قائلاً إن الوقت قد حان لكي يعاود البحث عن الماء في السطح الجليدي لكوكب المريخ، ويقطع ملايين الأميال الضوئية من طريق محفوف بالمخاطر للوصول إليه. وقال أيضاً إن دولاب أضواء الدنيا قد دار على اليوم الذي جلس فيه الدب الأحمر مع الأفريقي الأبيض، وقال له وهو يحكّ جبهته الموشومة بالمنجل والمطرقة: لم أعد عدوك، فابحث لك عن عدو جديد. ولم يكن في بيت يحيا مرآة سوى كسرة صغيرة تضعها أمه على نافذة المطبخ المناظرة لحوض الغسيل وأحياناً تنقلها إلى حقيبتها قبل أن تخرج إلى دوامها اليومي في (بدالة الشعب) حيث تواجهك عند دخول المبنى وهي تقف خلف رف خشبي طويل ينتهي بميزان.. وتصل إلى عملها يوميا بحافلة زرقاء قيل إنها قارونية جاؤوا بها من أرض المعارض في غزو الكويت.. مريحة جداً عندما تسير وتؤرجحهم فوق طسّات الشوارع بسلاسة دودة القز السمينة التي تدور بالأطفال صاعدة نازلة في قفصها الأزلي الذي تعرفه أجيال وأجيال ظلت تذهب وتجيء إلى مدينة الألعاب القريبة من سوق الثلاثاء لتركب هذه الدودة التي لا تموت. هذه السيارة يسمونها الخط وفيها فقط تدع بلقيس الربطة السوداء تنزلق من على رأسها فتتحول من أم يحيا إلى بلقيس البلورة السمراء الجميلة التي تنظر من النافذة المفتوحة على العالم، فتشعر مع كل نسمة هواء تهب عليها أنها تحيا وتولد للتو، وأن الشيب قد اختفى من شعرها الكستنائي الناعم المتطاير في الهواء وأنها عادت طفلة من جديد. في الخط خرز وعطور وقرّاصات تسبح في الهواء الطلق في الخط سحابة ثرثرات عن أنطونيلا ومانويلا وفرانسيسكو ساليناز في الخط دجاجاتهن تأكل وتنام فقط ودجاجات الجيران تبيض في الخط فيروز تروي قصة عذاب وحب وحكاية غرام في الخط عيون تضبط الوقت كلما مرت بها ساعة الجامع في الخط شوارع تُفنى كل يوم في عيون تراها ولكنها في اليوم التالي تعاود الدخول من النوافذ لتُفنى من جديد! كل يوم في الساعة الثامنة وعشر دقائق يتوقف الخط عند باب البدالة، فتحكم بلقيس بنورة شد الربطة السوداء فوق رأسها وحول وجهها وعنقها, وتتحول جميلة الجميلات من نبيلة عبيد إلى أم يحيا التي تضع مئة صورة لصدام في جرارها تتناقص كخلالات العبد وهي تضع الطوابع على المضاريف وصولاً إلى الضحى الذي تفوح منه روائح الباذنجان المقلي والشاي الخدران فتهوى القلوب مع مذياع منتهى الذي يهوى انتخاب الأغاني التي تذوب لها القلوب من "أدري بيك مشغول بهوى الأسمر" إلى " أغار من الهوا لو لاعب زلوفك خايف من عيون الناس لا تشوفك" . وذلك هو وقت الصباح الذي كانت تتشارك فيه منتهى مع بلقيس في فطورها الصباحي وفي أغاني رياض أحمد ورضا علي وعفيفة إسكندر، قبل أن يولد يحيا بأعوام، وظلت تشاركها فيه بعد ولادته بعدة سنوات عجاف اختفت فيها الخردة من الجزادين والطائرات من السماء والحلوى من الأسواق، إلى أن جاء اليوم الذي تفوهت فيه منتهى باسم (لافاش كيري)، فهلعت بلقيس وفزّت. وفي اليوم التالي لاحظتْ بلقيس أن منتهى تضع في أذنها قرطاً من الذهب الحقيقي يتدلى بالقرب من شعرها كالثريا فانكمشت وضجت ورفضت لوحاً من الشوكولاته مصنوعاً من الكاكاو الخالص طلبت منتهى أن تأخذه ليحيا بدلاً من أصابع التمر وشرائح القمر الدين وحب الشمسي قمر. منذ ذلك اليوم اعتزلت بلقيس فطورها الصباحي مع منتهى وبدأت تتجاهلها وتتحاشاها كلما جاءت في الضحى بإبريق الشاي وقدمت لها مثلثاً من مثلثات الجبنة المطبوخة أو جعلت من يحيا حجتها لعرض علبة زرقاء معدنية من البيبسي كولا كانت بلقيس قد رأتها لأول مرة في حياتها وهي معروضة في إعلان ورقي يغطي زجاجة باب النجار, ثم رأتها ثاني مرة محمولة بيد منتهى التي تدندشت هي الأخرى بسوار ذهب اعتقدت منتهى في بادئ الأمر أنه ليس ذهبا، ولكن تبين فيما بعد أنه من العيار الواحد والعشرين قيراطاً، وأن حبات النمنم الأحمر التي تزينه هي من حجارة ثمينة اسمها الياقوت. (2) في يوم من الأيام نسيتْ بلقيس بنورة أن تضع كسرة المرآة في حقيبتها فاقترب منها يحيا والتقطها من المنضدة ونظر فيها ملياً، فاهتزت المرآة بين يديه وتحركت حتى كادت تجرحه لولا أن هرعت إليه هنية, ضرة بلقيس ورفعته من الأرض ثم مسحت زجاجة المرآة بدشداشتها الململ ووضعت المرآة أمام وجهه بشكل صحيح فابتسم يحيا طويلاً وراح يطلق الكركرات أمام المرآة ثم يسعل من شدة ما ضحك وكركر، فنظرت له هنية ملياً في وجهه وظلت تنظر إليه وتواصل النظر ويحيا لا يكف عن الضحك والسعال. قالت له: ما بك؟.. ها..ما بك؟ ولم يجبها يحيا الذي كان قد تأخر كثيراً في الكلام، فخرجت به إلى الحديقة حيث كان أخوه من أبيه، توفيق منصور ابن هنية يغني "عبرت الشط على مودك.. خليتك على راسي"، فقالت له أمه هنية: خذ يحيا بقربك، ولا تدعه يبكي. ثم راحت هنية أم توفيق تطعم دجاجاتها العزيزات التي ،ما أن ارتفع سعر البيضة من عشرة فلوس إلى عشرة دنانير، وجب تكثيرها باستقدام ديك هراتي حسن الصوت يصول ويجول في الحديقة وينطلق أحياناً كالسهم إلى داخل البيت كلما رأى باب المطبخ مفتوحاً. قالت هنية ليحيا دون أن تلتفت إليه: تعال وشوف، يايحيا.. تيتي.. ولم يجبها. تيتي. ولم يجب.فالتفتت إليه ووجدته غارقاً في مرآته المكسورة التي أخذها منه توفيق في تلك اللحظة، وهو يقول له: إنها مكسورة.. ستجرحك! بكى يحيا وتشبث بها، فقالت له هنيه: لا فائدة.. عناده كعناد الخنفسان.. سألفها له بقطعة قماش لكي لا تجرحه. فضحك يحيا وطابت نفسه ومد يديه لهنية زوجة أبيه التي كان يحبها أكثر من أمه، حتى تحمله من على الأرض بعيداً عن توفيق. كان توفيق هذا ما أن يعود من المدرسة حتى يجلس في الحديقة ويغني بينما أخوته الثلاثة، صلاح وفلاح ونجاح في أعمالهم.. وأمه هنية هي الضرة الأخرى لبلقيس أم يحيا، وهي التي نصحتها بعد أن مات أبوه منصور بأن تعيش معها وتترك يحيا في رعايتها وتعود إلى العمل، فوافقت بلقيس وقالت: في بيتك هذا وضعت دبوساً في شمعة من شموع صينية زكريا، وطلبتُ يحيا من الله.. فكيف لا أعيش معك وأنت لي كالأخت للأخت؟ فقالت هنية: ألف رحمة ونور تنزل على روحك يا منصور.. تركت لنا سقفاً يؤوينا، أما الجوع فمقدور عليه. ثم مضت الأشهر عجافاً، وأصبح معجون الطماطم يباع في قوارير سعر الواحدة منها يصل إلى مئات الدنانير، فقلعت هنية الورود في حديقتها ونثرت بدلها بذور الفلفل والطماطم، ثم وضعت في وسط الحديقة خيال مآتة ليخيف العصافير و يذود عن بذورها التي لم تنبت قط. وهنية عندما انتهت من إطعام دجاجتها وأدخلتها إلى القفص غمّت خيال المآتة بيديها وقالت له: من عابت هيج لعّابة خُضرة. فارتطمت يدها برأسه، وكادت كرة القدم الملفوفة بخرق بالية ان تسقط إلى الأرض، ابتسم يحيا ومد يده لبلقيس التي عادت لتوها من العمل، وهي الوحيدة التي يتنازل لها يحيا عن مرآته، لأنها تهدده بكسرها إذا ما امتنع عن الامتثال لأوامرها. أحياناً يطيب لتوفيق أن يقرأ القرآن بصوت عال وقت الظهيرة، أو ينضم إلى المؤذن وهو يعلو بالآذان من جامع قريب، فتلسعه معدته من الجوع، ويتمرغ أنفه برائحة الباذنجان المقلي تطبخه بلقيس أم يحيا ريثما تنتهي أمه هنية من تقطيع عجين الخبز وسجره في التنور.. وتلك لحظات كان توفيق يتمنى لو أنها لا تنتهي.. وأن يشربها كالماء البارد بعد العطش قبل أن يجيء أخوته صلاح وفلاح ونجاح من العمل فيمتلئ البيت رعباً في عينيه وتعيث به أصواتهم صخبا وشتائم. وإذا ما ضاقت الدنيا بعينيه يصعد إلى السطح لعل (ملائكة) تصعد إليه أيضاً فيبصرها جالسة وقد غيّرت ملابس المدرسة بملابس البيت تتجاهله عن عمد وهي تعلم بلا شك أنه في مكان ما ينظر إليها ويبتسم. وأحياناً تمر غيمة بيضاء من فوقها فتحجب شمس الخريف الخدرانة وتطفئ الضوء عن الحديقة فيذوب قلب توفيق ويصير ماءً ويدور رأسه ويصير هواءً وينتقل الصمت بأكمله من الكون إلى الحديقة وينتقل الورد بأكمله من الحديقة إلى الكون.. ويصير السطح جنة، فإذا ما خرج أبوها الفنان إلى الحديقة غابت الملائكة وهجت وحل محل الصمت ضجيج وسعال وشياطين. جاءت له أمه بقرص من الخبز الحار وقالت له كله ريثما يجهز الغذاء، فراح يقرأ المقام ويغني: أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارة لو تشعرين بحالي أيا جارة ما أنصف الدهر بيننا تعالي أقاسمك الهموم تعالي ناي أخت ملائكة طرقت الباب بعد قليل طلباً للخبز، ثم دخلت وقت العصر ومشت تحت دالية العنب.. وظلت تمشي وتمشي وتمشي وتمشي.. إلى أن أصبح عمر يحيا خمس سنوات، وبلقيس خمسة وثلاثين، وهنية ستاً وخمسين. قالت لها (ناي): ألا زلت تخبزين يا خالة؟ فأخرجت هنية ركبتها وراحت تئن وقالت: إنها تؤلمني.. الروماتيز سوف يقتلني. فقالت ناي ليحيا: ألا زالت هذه المرآة معك؟ ضحكت بلقيس وقالت: انكسرت من زمان، فلففناها له بضماد. تجاهل يحيا صوت المرأتين ثم أخرج لسانه للهواء وتمتم بأصوات غير مفهومة، فقالت ناي: المسكين بعده أخرس. فقالت بلقيس: سقيته فوح التمن ودرتُ به على الشيوخ والأولياء الصالحين، ويوم أمس فقط أخذته إلى شريعة النهر في خضر إلياس ومن هناك إلى عين ماء علي في جامع براثا.. يقولون إنها تشفي الأطفال من الخرس. ترى لماذا تأخر إذن في الكلام؟ فقالت بلقيس: أرضعته وأنا مغثوثة.. يقولون إن هذا هو السبب. أدار يحيا لهما ظهره ثم رفع المرآة ونظر إليها وتثاءب، فانغلقت عيناه بقوة ثم انفتحتا وظل ينظر وينظر وينظر ويبتسم إلى أن خرجت (ناي) ومعها أقراص الخبز الذي ،بالرغم من لونه الأسود، كانت تعط منه رائحة طيبة . وقبل أن تصل إلى الباب صاحت بها بلقيس فجأة وقالت: انظري. فالتفتت ناي الى يحيا والتفت يحيا إلى بلقيس والتفتت بلقيس الى التلفزيون وفيه وجدوا كيكة عملاقة غرقى بالفستق الأخضر ومصنوعة على شكل شجرة، والأطفال من حولها يرتدون ملابس زاهية ويغنون (هابي بيرث داي تو يو.. هابي بيرث داي يا مناضل.. هابي بيرث داي تو يو) والكيكة تلك المخلوقة العجيبة تجلس في مكان كبير بين الأطفال الذين يرقصون بينما يحيا ينظر اليهم وقد نامت المرآة بين يديه. خرجت ناي وسارت تحت دالية العنب فالتقاها توفيق الذي كان عائداً لتوه من المعهد فظنها (ليلك) التي زجرها منذ عامين وهي أيضاً ظنته (صلاح) الذي هاجر إلى الدانمارك قبل أشهر، فجفل كل منهما عندما رأى الأخر.. واشتد هرج الطيور بين أغصان السدرة العملاقة لأن الشمس كانت توشك على الغروب. ناي وملائكة وليلك هن بنات الفنان عبد الملك وأبوهن قال ذات يوم إن الأسماء كالعتبات والجبهات نحسٌ وسعدٌ على أصحابها وعلى الآخرين، وقال أيضاً إن الأسماء المعتبرة لا يبتكرها العوام من الناس وإنما يسعفنا بها عليّة القوم، فيلتقطها الجمهور ويتداولها إلى أن تبهت وتعتق وتصبح كالمماسح المهترئة من كثرة ما تستعملها الألسن فيجئ آخرون ويبتكرون غيرها فيسبقون غيرهم في امتطاء الصهوات ويتركون العجاج للآخرين وقال أيضاً على سبيل المثال لا الحصر إن أسماء مثل عالية ونازلي وصباح وفرح وهلا وحلا، هي سعادات لم يكن لها سميٌّ بين الناس قبل أن يعرفوها من الملك والشاه والعاهل والخديوي ورئيس الوزراء ولولاهم ما شاعت وتداولتها الألسن. قالت ناي لتوفيق: متى عدت من السفر؟ قال: لم أسافر قط. قالت: من سافر إذن؟ قال: صلاح. قالت: وأين هو الآن؟ قال: في الدانمارك. فقالت ناي: ما الحكاية؟ أكل واحد في العراق عنده أخ بالدانمارك؟ فأخبرها توفيق بأن تاقت أنفس كل من صلاح ونجاح وفلاح إلى الطيران بعيداً عن العش بعد أن ملّ أولهم من بيع الملابس الداخلية على الرصيف، وثانيهم من نفخ التراب عن السيارات ثم قيادتها من المنفاخ إلى عتلة الرفع، وثالثهم من بيع البلابل في سوق الغزل.. فطاروا وحطوا في بلاد الله البعيدة ما عداه وعدا يحيا، طائع الأرض الذي أخذته أمه بلقيس قبل يوم إلى عين ماء في جامع براثا يقولون إنها تشفي الأطفال من الخرس، ونصبت له اليوم صينية زكريا كما في مثل هذا اليوم من كل عام، ومنذ اليوم الذي طلبت فيه يحيا من الله في يوم زكريا قبل خمسة أعوام. ولما كان البيت قد أمحل ولم تجد أمه ما تضعه في صينية الزكريا سوى قليل من ورق الياس وإبريقه الفخاري القديم الذي زرعت في فمه حفنة من الشعير، فقد جاءت لتوفيق الذي عاد إلى الغناء بعد أن ذهبت ناي، وقالت له وهي تحمل بيدها ورق العنب: هلا ذهبت إلى بيت أبو ملائكة وملأت لنا هذا الاستكان سكراً. فرفض وقال: اشربوا الشاي مراً. ناي كانت توا هنا، لماذا لم تطلبي منها ذلك ؟ فقالت: إنه من أجل أن أرشه على الخبز وأضعه في الصينية بدلاً من الحلوى واللهو. قال: لن أذهب. فاختنقت بلقيس بالعبرات ونزلت دموعها على ورق الياس، وحدثت المعجزة التي لم يصدقها يحيا قط، بالرغم من أنه شاهدها تحدث أمام عينيه. فقد رأى طائع الأرض وسليل الماء عود الياس وهو يرتوي من دموعها و يتحول من غصن صغير إلى أيكة عملاقة تلتف حولها أغصان هائلة من الفستق الأخضر، وعندما همت بلقيس بالصعود إليها شهق يحيا من الخوف وسمع بلقيس تقول: هيا تعال.. بإمكانك الآن أن تصعد. فنطق للمرة الأولى قائلاً وهو ينظر إلى هنية ليستنجد بها: بيبي. هلهلت هنية وهبطت بلقيس من القمرية وبيدها عنقود عنب أخضر لمحته معلّقاً بين الأغصان كالثريا بالرغم من أن الوقت كان خريفاً، فصعدت إليه وقطعته وقدمته إلى يحيا، وقالت وهي تبكي: الحمد لله الذي لم يذرك يا يحيا حزيناً. ثم أفطرت على ماء بير وخبز شعير وتلت سورة مريم من القرآن الكريم ورفعت الشكر إلى الله العلي القدير. ونسيت هنية التى كانت أول من ناداها يحيا روماتيزها الحاد ووضعت يحيا على ظهرها وراحت تدور به في أركان الحديقة، فتطاير الدجاج من حولها في أركان الحديقة، وسقط خيال المآتة من شدة العصف. وفي اليوم التالي نفضت هنية كونية طحين الحصة عن بكرة أبيها وخبزت أقراصاً من الخبز لفتها بلقيس بالنعناع والكراث والريحان والرشاد والمعدنوس ووزعتها على بيوت الجيران وبنات البدالة، وكلما سألها أحد عن مناسبة خبز العباس قالت وهي تسرح بنظرها إلى بعيد إنها نذرت يحيا من الله في يوم زكريا، ثم جاءها المخاض وحيدةً في البيت والقصف شديد ،وولدته في الثامن والعشرين من كانون الثاني من عام الضربة الكبرى، ومات أبوه في الحرب بعد مولده بيوم واحد، ثم وضعت شمعة على كربةٍ من كرب النخل وطوّفتها على نهر دجلة ودفعتها إلى بعيد، فبادلها النهر نذراً ببشرى، ونطق يحيا في الخامسة من عمره بعد خرس، وكان قبل ذلك يصارع الكلام لخمسة أعوام مضت، ثم في اليوم التالي لليوم الذي أخذته فيه إلى خضر الياس وروته من عين ماء علي في جامع براثا صعدت إلى القمرية لتقطف له عنقوداً من العنب تضعه له في صينية زكريا، وقبل ان تنزل بالعنقود الأخضر الضاوي شهق يحيا وانفكّت عنه كبسة الخرس. هذه القصة ظلت بلقيس تعيدها وتزيد عليها كلما سألها أحد عن لسان يحيا: هل انفكت عقدته؟.. وعلى المسامع نفسها كانت تعيد وتزيد وتعيد وتزيد، ثم قبل أن تسكت تنتهي إلى القول: ولو بيتنا قريب كان جبتلكم طبق حمص وطبق زبيب. (3) كانت ملائكة تعبر كل يوم ساحة عنترة بن شداد متجهة إلى راس الحواش، ثم تدلف إلى كلية العلوم من بابها المطل على شارع الإمام الأعظم وهي تفكر في جارهم الفتى المجنون توفيق الذي تراه كل يوم من شرفة نافذتها يكوّم ورقاً يقرأه بصوت عال ثم يحرقه بعود ثقاب. كان توفيق ينظر إلى نافذتها وهو يقرأ.. وبالكاد تلتقط جملاً تفهم منها كلمات عن الانتحار والدهس والحرق وأشياء أخرى من هذا القبيل. وقد قال عنه والدها ذات يوم إنه يضع في محفظته صورة عمه المجنون وإن حسب هذا العم جنوناً أن تزوج ست مرات، وتوفيق لا بد أن يتطابق معه في نهاية الأمر إذا ما ظل ينظر إلى الصورة باستمرار. ملائكة هذه تحب القطط كثيراً وتتحدث معها باستمرار وتقول ما دامت تسمع وتنظر فهي تفهم. وعندما رآها توفيق ذات يوم واقفة تنتظر سيارة الخط والقطة تتمسح بقدميها قال لها: حذار.. فالقطط تطرد الملائكة. ولم تفهم ملائكة قصد ذلك الفتى المجنون كما هي لم تسمع منه في يوم من الأيام كلاماً جاداً حول أي شيء سوى أنه كان ينظر إليها بوله ويبتسم، أو يفتح فمه بفتور وكأنه يوشك أن يقول لها كلاماً، ولكنه لم يقله قط. والمرة الوحيدة التي سمعت فيها منه غزلاً كانت حين قال لها: أسنانك هذه سأقلعها ذات يوم وآخذها إلى الجواهري ليصنع منها قلادة من اللؤلؤ. فخافت منه بقدر ما توردت. وأصبحت بعد ذلك تفكر جدياً في احتمال أن يكون مصاباً بالجنون.. ولكنها لم تستطع قط أن تمنع نفسها من أن تحلم به وتتخيله حبيبا لها وتستحضره في منامها. كل يوم قبل أن تغمض جفنيها وتنام.. يتجمع الكثير من الفتيان الذين تلتقيهم في الطريق حول سريرها ويمرون من أمام عينيها كعارضات الأزياء في حفل بهيج، ثم يسيرون ويخرجون من باب الغرفة الواحد بعد الآخر إلا توفيق، فإنه يبقى ناظراً إليها في حفل كبير مبتسماً ابتسامته التي لا تنتهي، ثم داعياً إياها للرقص في منتصف الليل. تسمحين لي بهذه الرقصة؟ ثم تختلف المشاهد من ليلة إلى أخرى تبعاً لتطور الأحداث وتلاطمها.. فتارة تستجيب لدعوته وتصبح بين أحضانه في لحظات، وليلة أخرى تخجل فترفض وتتركه ليذهب للرقص مع فتاة أخرى، وليلة ثالثة تفتعل شجاراً معه لأنه تركها ورقص مع فتاة أخرى، وليلة رابعة يأتي ويصالحها فترفض في ليلة خامسة وتقبل في ليلة سادسة وتبكي في ليلة سابعة وثامنة وتاسعة. ولأنها علمت يوماً من بلقيس أن توفيق أصبح يعمل بعد رجوعه من المعهد في مشتل لبيع الحمضيات والنفضيات والنباتات الظلية وفسائل النخيل وزهور الزينة، فقد تحول مكان الحفل في أحلامها إلى بستان مشمس تمشي فيه وتوفيق لوحدهما وثمة طريق ترابي تحف به أشجار التفاح من الجانبين وهما يطويانه ببطء ولا تنتهي الطريق. في الليلة الأولى تكون بينهما ساقية لا ماء فيها.. فتمشي على ضفة الساقية اليمنى وهو على ضفتها اليسرى، وفي الليلة الثانية يعبر توفيق الساقية فيصبح الاثنان على ضفة واحدة، وفي الليلة الثالثة يمسك يدها بيديه فيتسرب إلى قلبها تيار كهربائي، وفي الليلة الرابعة يقطف لها تفاحة حمراء شهية، وفي الليلة الخامسة يقبّل التفاحة ويقدمها إليها، ثم يبدأ الليل بالهبوط، وتحكم الظلمة ستائرها حول المكان فيصبح البستان موحشاً والفتى توفيق ممسوساً، فتهرب منه خائفة إلى مكان غير محدد، ولكنها تسقط في الساقية، فتفز ملائكة من نومها مذعورة، ثم تعاود ملائكة النوم من جديد. (4) وفي يوم من الأيام وبينما كان عبد الملك يدخل إلى بدالة الشعب التي تعمل فيها بلقيس تراءت له ماجدة الرومي التي يحبها حبا جما واقفة في المكان الذي تقف فيه بلقيس وقد أحاطت الحسناوات بعمرو ذياب وهو يقف قرب منتهى ويغني (حبيبي يا نور العين يا ساكن خيالي )، فابتسم عبد الملك ودفع الباب الزجاجية إلى أقصاها، فوجد البخار يتصاعد من أباريق الماء ورائحة الشاي الخدران تتضوع من مكتب لآخر سبح في لجتها خيال الفنان فقال وهو يتوقف عند المكان الذي تقف فيه بلقيس ويضع يده قريبا من المذياع : يا ليتنا نتبخر بعد أن نموت فلا يعبث بنا الدود ولا يدب إلينا الفساد. صمتت بلقيس ولم تجبه، فاستطرد وقال: مثل البنزين.. نتلاشى في الهواء الطلق. قالت: - أحب رائحة البنزين، ورائحة الأسيتون. قال: ألا تجدين فكرة التبخر جميلة إذن. لولا أنها تحتاج أن نكون أخف ما نحن عليه ككائنات. قالت: الموت واحد. فقال لها: هذه إشاعة. ثم شك في سماعه ما قالت، فقال: ماذا؟ الخط بمليون واحد؟ ضحكت وقالت: سعر خط الهاتف ليس مليوناً.. بل ربع مليون. وأنا أريد أن أبيع. المصور الشمسي، الذي عاد إلى الوقوف في بوابات الدوائر التي يقصدها الناس لاستخراج شاهدات الجنسية وهويات الأحوال المدنية، التقط صورة للفنان عبد الملك بعد خروجه من البداله وثبّت عليها تاريخ اليوم لسبب غير معروف، ثم قال لعبد الملك: عندك معاملة؟ قال عبد الملك: بل أحتاجها لأسباب فنية. قال المصور: كنت أعمل في الباب المعظم.. قرب الدفاع.. وياما رأيت الفنانين يمرون من هناك بملابسهم الغريبة، وأحذيتهم الممسوحة، ولكن الحق يقال أنهم ينتقونها من اللنكات بعناية فائقة، فكنت أستطيع التخمين من نظرة واحدة أن هذا الرجل مخرج والآخر رسام أو ممثل.. ضحك عبد الملك وقال: ولكني أرتدي بدلة جديدة كما ترى. فقال المصور الشمسي: ولهذا لم أتوقع أن تكون فناناً. لم يرتح عبد الملك لهذا الخلط المزعج بين الشتيمة والمديح في كلام المصور، فقال بعصبية وهو يقلب الصورة بين يديه: لكن لماذا وضعت تاريخ اليوم على الصورة؟ فقال: لا أدري إن كان هذا يوم سعدك، أم يوم نحسك. قال عبد الملك: هل أنت مصوّر أم فتّاح فال؟ فقال المصور، وكان وجهه الأسمر الكالح شبيهاً بصورة شمسية: ذات يوم وضعت تاريخاً لليوم الذي التقطت فيه صورة شمسية لرجل عجوز كان مسنّاً إلى درجة أني استغربت معها ماذا يفعل بتلك الصورة ولماذا يلتقطها؟ وفي ذلك اليوم، وبعد أن نهض الرجل من أمام الكاميرا نزل عن الرصيف إلى الشارع فدهسته سيارة ومات. قال الفنان بامتعاض: أعوذ بالله.. قال المصور الشمسي: كانت مصادفة عجيبة. ومنذ ذلك اليوم وأنا لا أستطيع أن أمنع نفسي من وضع تاريخ اليوم على كل صورة ألتقطها لأرى ماذا سيحدث بعد ذلك. قال الفنان: وهل تكرر هذا الأمر ثانية. فقال المصور وهو يبتسم، فتظهر أسنانه المتهدمة: لحد الآن، لا. فقال الفنان: إذن لا تخبر أحداً بعد ذلك بقصتك اللعينة هذه.. لأنك عندئذ لن تجد زبائن يقصدونك. قال المصور وهو يضحك: لم أخبر أحداً غيرك.. لأنك الوحيد الذي سأل. ابتعد عبد الملك قاصداً باب البدالة، فقال له المصور: كنت أمزح، فأنت رجل تبدو بسبع أرواح. فالتفت إليه عبد الملك وقال: أنت أحمق.. أم بك سوء تغذية؟ فراح المصور يضحك حتى كاد يختنق من الضحك والسعال، فقال له عبد الملك: إلى جهنم. خرافات.. وليس بالأمر الجديد أن يتذكر عبد الملك شخصاً غريب الأطوار مثل أستاذه في الاكاديميه الذي كان سينظر إلى المصور الشمسي ذاك باعجاب فيلتقطه من الشارع ويضعه على الورق لمسرحية قادمة أو يدخله إلى أدراج الذاكرة لحين مجيء أوان فتحها للبحث عن تفصيل صغير ضروري لملء الفراغ في لوحة كبيرة إطارها واسع. وليس بالأمر الجديد أيضاً أن يسأل عبد الملك نفسه قبل كل مسرحية وبعد أن يكتبها: لماذا يخون الحياة وأبطالها ويجرد الحقيقيين منهم من بطولاتهم الفذة عندما يضع واحداً منهم فقط، ولمجرد أنه يعرفه، على تعريشة عنب عالية ويجعله يتدلى منها كالعنقود الذي لا يذبل ولا يموت؟ وكيف يذبل أو يموت مثلما يحدث في الحياة وهو مصنوع من البلاستك، ومقصود لكي يكون فرجة للعالمين؟.. كل عنقود عال وكل قمر عال وكل نجم عال وكل كوكب عال، حتى وإن كان هذا الكوكب أم كلثوم بعظيم قدرها، ليس هو الأكثر أهمية، لأننا نراه، أو لأنه أعلن عن نفسه ملياً، من عشرات وملايين النجوم والكواكب والعناقيد الضوئية التي حولنا، ولكن لا نراها.. لأنها لا تريد هي أن نراها، أو تريد ولا تقدر فتحيا وتموت، والبطل الذي اختاره يتحول إلى خرافة لا تموت. عبد الملك هذا يسكن البيت الذي يجاور البيت الذي انتقلت إليه بلقيس ووحيدها يحيا للسكن فيه مع هنية وأولادها. وعلى السياج الذي يفصل بين البيتين يوجد هاون نحاسي صغير كلما رآه تخيل أنه يتشمم رائحة الهيل. الهاون النحاسي الصغير موضوع على سياج البيت باستمرار ويشبه جرس المدرسة.. وياما تمنى عبد الملك أن يقلبه، ثم يضع له مقبضاً خشبياً ويقرعه...... كما كان يفعل مراقب الصف في المدرسة، فكان يحسده على مهمته في قرع الجرس الذي ما كان لأحد سواه ان يقرعه، ليس لأنه أكبرهم وأعقلهم وأطولهم وأكثرهم شطارة، ولكن لان تلك المهمة السامية قد جعلته يبدو مختلفاً عنهم فاعتقدوه أكبرهم وأعقلهم وأطولهم وأكثرهم شطارة.... ولو نسي عبد الملك أيام عمره كلها ما نسي اليوم الذي غاب فيه فؤاد مراقب الصف عن المدرسة، فكلفه الحاج مؤيد، مدرس اللغة العربية بأن يذهب ليقرع الجرس بدلا ًعنه، فهبط عبد الملك إلى باحة المدرسة وهو لا يتوقف عن الابتسام قط حتى سيتذكر العمر كله ذلك الهبوط وكأنه ذاهب إلى فردوس. كان في رواح ومجيء بين الباب والباب حاملاً القفل والمفتاح كما يفعل كل يوم قبل أن ينام.. فلمح من سياج الحديقة بلقيس وهي تروي شجرة الياس بالماء، فتسمّر في مكانه وظل يواصل النظر إليها.. ويواصل النظر إليها من خلف السياج، ثم دخل إلى البيت وجاء بورقة كان قد كتبها بعد خروجه من البدالة في الصباح ونادى إلى بلقيس قائلاً: هذه الورقة لك.. فاستغربت أن يناديها وشعرت بالحرج ان تنظر اليه ، ولاحظت أن يده اليمنى الممسكة بالورقة كانت مبتورة الخنصر، فارتجفت يدها وهي تأخذ الورقة من خلف السياج على عجل وقالت: ما هذه؟ فقال: اقرئيها. (5) في اليوم الذي تلا ذلك اليوم عادت بلقيس إلى بيتها من الدائرة مشياً على الأقدام بدلاً من أن تعود بسيارة الخط، وهذا ما كانت تفعله دائماً كلما تاقت نفسها إلى أن يبادلها الكون شوقاً بإذن صاغية، فكانت تمر على محال الكماليات والعطور وأدوات الزينة لتتفرج عليها، ثم تعرج على متجر يجاورها يبيع الثريات والمصابيح والمزهريات والتحف المنزلية. وعند واجهة ذلك المتجر الزجاجية توقفت كما كانت تتوقف طويلاً لتنظر إلى إناء دائري مصنوع من الكرستال المذهّب ويُستعمل، فيما ظنت، لتقديم الحلوى للضيوف.. وكانت تشعر وهي تنظر إليه أنه ملكها وأنها تستمتع به طالما تنظر إليه، فكأنه ينتظرها لكي تشبع من النظر إليه ولا يغادر تلك الواجهة قط إلى يد تشتريه غير يدها. في ذلك اليوم الذي شعرت فيه بلقيس بالسعادة وجدت ذلك الإناء المذهّب في مكانه المعتاد يبرق بجمال أخاذ ويدعوها إلى النظر إليه قدر ما تستطيع وربما يدعوها في هذه المرة إلى تفحصه كما يفعل المشترون عادة من ذوي الثقة المفرطة بالنفس أو العابرون من أصحاب القلوب السعيدة.. وهي أيضاً كانت سعيدة في ذلك اليوم إلى درجة أنها تجرأت على دفع باب المتجر والنظر إلى البائع الذي كان وحيداً وقالت بصوت مرح: بكم هذا الماعون؟ رفع نظره إليها دون أن ينظر إلى الماعون، وقال: - أي ماعون؟ فوجدت الفرصة عظيمة لكي تمد يدها إليه وربما تلمسه عن قرب بحجة وجوب الإشارة. قالت: هذا. قال البائع دون أن ينظر إليه: المزيّن بالشذر؟ هذا منفضة سكائر. فارتدت يدها عن الماعون ولم تكرر سؤالها عن السعر، وإنما اكتفت برد الباب على مهل وهي تقول للبائع: شكراً. ثم أغلقت الباب وظلت واقفة أمام الواجهة لتنظر إلى تلك الآنية الرائعة التي لم يقلل من شأنها أن تكون منفضة للسكائر، ولكن تلك المفاجأة جعلتها تشعر أمام الباب أنها تجاوزت حدها قليلاً في السؤال عن شيء لا تعرفه لمجرد أنه أعجبها، أو أنها أحبته أو تاقت في أحلامها للحصول عليه. بعد دقائق وجدت نفسها تمشي بين المشاتل والبساتين التي تشاطئ دجلة من جهة الرصافة، وتشم عذوبة العشب المبلل وتذوق طعم الهواء الطلق يسبح تحت قميصها الفضفاض وينشر عطر الياسمين من ملابسها إلى الفضاء. وطاب لها أن تدخل إلى بيوت النباتات الظلية المسقوفة بالنايلون وأن تتشبع بدفيئة أنفاسها وهي تديم النسغ وتنتج يخضورها في جذوة الضوء الشحيح ورطوبة الهواء الحميم، ومن أوراق تتعرق بخار الماء، وجذور لازبة في طين الأصص تحيل خرير الأيام إلى رائحة عفن خفيفة تستنشقها بلقيس وتمضي من بيت زجاجي إلى بيت زجاجي آخر.. وهي تسأل عن السرخس والصبار واللبلاب وقدم البط وإذن الفيل ولسان الطير وجلد النمر ومخلب القط وعرف الديك ودمعة الطفل وإبرة آدم والشمشار والبزرنكوش والعطرة والجوري والقرنفل والجربرة وعيون البزون والأستر والشبوي والهيدرا والجورانيوم والكاردينيا. واكتشفت في نهاية ساعة من المشي داخل البيوت الزجاجية وخارجها أن تنورتها السوداء الوحيدة قد ابتل ذيلها وأن حذاءها الأسود الوحيد قد اتسخ بالوحل، ولكنها كانت سعيدة للغاية إلى درجة أنها ضحكت مع نفسها، فخجلت من سعادتها وقالت: "ضحكة خير وشرها على إبليس". وصلت إلى البيت بعد ثلاثة أشهر من الربيع وهي تحدث نفسها بحبور، وعندما دخلت إليه خلعت حذاءها الموحل خارجه على عجل وجلست على سريرها تنظر إلى قدميها الحافيتين وتتذكر كيف كان منصور يقبّل أطراف أصابعها.... ويضع الحذاء في قدميها عندما كان يتعذر عليها أن تفعل ذلك بنفسها في أشهر حملها الأخيرة بيحيا. وها هي تعود راجلة بصحبة شبح رجل آخر تيقنت من أن كل الناس قد رأته يمشي معها عندما قال لها توفيق: رأيتك تمشين قريباً من المشاتل، وناديتك فلم تسمعيني. فقالت بلقيس لعله رآها تحدث الشبح الذي كان يمشي معها، واختلط عليها الأمر فكادت تصدق أنها لم تكن تمشي وحدها، ثم انقسمت بلقيس إلى نصفين.. نصف انتعل الخف المنزلي وذهب إلى المطبخ، ونصف بقي حافياً وهو ينظر إلى مرآة مكسورة ويبتسم. ومر عام كامل بعد ذلك اليوم والنصفان لا يتّحدان.. نصف يقف خلف حوض الغسيل وماء الحنفية ينهمر على الصحون، ونصف يرسل نظره من النافذة إلى الحديقة وأشجارها القريبة من السياج المحاذي لبيت الفنان. يحيا الذي كان قد افتقد المرآة المكسورة منذ شهور شهق وذاب عندما رآها في حقيبة أمه ثم بكى طلباً للمرآة، ولما رفضت أمه قال لها: "سأعد من الواحد للمئة إذا أعطيتني المرآة"، ثم عد من الواحد إلى العشرين وشهقت بلقيس من الدهشة وقالت: متى تعلمت ذلك؟ وكادت تبكي لأنها لم تكن تعلم ماذا يعرف يحيا وقالت له: خذها حبيبي. فنظر يحيا إلى نفسه وقال: "هذا أنا.. يحيا"، ثم قال دون أن يضحك: كم أنا جميل يا أمي. فقالت له أمه: طبعاً أنت جميل يا يحيا. وظل ينظر إلى نفسه دون أن يبتسم. وكادت حافة المرآة تجرح يديه. فقالت أمه: سألفها مرة أخرى بقطعة من القماش. ثم جلست على السجادة نفسها التي ولدت يحيا عليها قبل سنوات، والتي تسمى سجادة الفصول الأربعة، وبسطت ذراعيها ليحيا وقالت: ها أنا ألفها لك.. فهيا عد من الواحد إلى المئة. (6) في الفترة الواقعة بين عام المتربة وعام المسغبة، أي بين عام الطحين الأسود وعام سامكو الزعفراني، تخرج توفيق من معهد السياحة والفندقة، وفي لحظة روقان وقت الضحى من يوم جمعة، عندما كان يجلس في الحديقة يقرأ المقام، وعيناه ترنوان إلى ورقة يكتب فيها بعض الكلمات، ثم يشطبها ، وقفت شاكرين أمامه وقالت له: تشوف عمو بابا بالتلفزيون. فقال لها بلا انتباه: لا. فقالت شاكرين: عمو بابا بالتلفزيون. فنفخ توفيق الهواء عاصفاً من رئتيه وقال لها: اذهبي والعبي مع ذاك. ثم أشار إلى خيال المآتة الذي لم يكن قد تبقى من أهابه سوى كرة القدم المفعوصة وعيدان يابسة كانت فيما مضى جذعاً لشجرة عرموط. التفتت شاكرين إلى حيث أشار بسبابته التي ارتفعت قليلاً عن القلم، ولما وجدته يقصد خيال المآتة انتفضت وقالت: عمو بابا في التلفزيون. فصاح بها صيحة جبارة: لا تظلين تنطنطين.. خليني أقرأ مقام. وراح يغني: معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ولا خطرت منك الهموم ببالي أيضحك مأسور وتبكي طليقة ويشدو مهموم ويندب سالي لقد كنت أولى بالدمع منك مقلة لكن دمعي في الحوادث غالي فدخلت المطبخ إلى أمها تبكي .. وقرر توفيق في تلك اللحظة وبعد لحظات متباعدة من التفكير في هذا الأمر أن يعمل مذيعاً في التلفزيون، ومن أجل ذلك توسط عند عبد الملك الفنان لكي يجد له مكاناً في الإذاعة، فأعطاه موعداً للمقابلة ونجح توفيق في الاختبار بدون الحاجة إلى توصية، ثم قفز إلى الشاشة في غضون أيام، ونظر إلى أصبع المخرج فارتبكت أنفاسه وارتجف قلبه، فسأله المخرج أين كان يعمل قبل أن يأتي للعمل في التلفزيون؟ فقال توفيق إنه كان يعمل في مشتل يبيع الزهور والنباتات الظلية، فنصحه المخرج ذو اللحية البيضاء أن يتخيل الكاميرا سندانة من سنادين الورد، فلا يخجل منها.. فتخيلها توفيق مدفأة نفطية وتخيل أصبع المخرج عود كبريت فاحمرت الدنيا في عينيه واشتعل وجهه من الحر. (7) وراح يوم وجاء يوم ووقف توفيق بباب ملائكة يطلب شمعة قائلاً إن النفط نفد من اللالة وأن شاكرين تخاف كثيراً من الظلام.. ولم يكن أبو ملائكة الفنان موجوداً في البيت، فدعته ملائكة إلى الدخول ووقفت أمامه في المرآب المظلم، ثم أشعلت عود الكبريت وقربته من فتيل الشمعة فتشبث بيدها في الظلام وأطفأ نار العود، ثم سحبها وضمها إليه بقوة. ووجدت ملائكة هذا الحلم أكثر واقعية من حلم الحفلة الراقصة وأقل ترويعاً من حلم البستان، ففي الحلم الأول كانت تجد صعوبة في أن تجعله يحتضنها بدون أن تبكي أو تتشاجر معه ، وفي الحلم الثاني كان الخوف يتملكها من الظلام الدامس ومن الطريق الترابية الطويلة فتفكر في الهروب وتخاف من السقوط في السواقي. صاحت ليلك: "تعالي". فقالت ملائكة: "ماذا؟ هل بدأت الحسناء والوحش؟". فقالت ليلك: " إنه توفيق ابن خالة هنية". نفضت ملائكة الحلم من رأسها ونفضت يديها من الماء وهرولت إلى غرفة المعيشة، فهالها ما رأت ولم تصدق عينيها لحظة أن سقط نظرها على توفيق وهو يرتدي بدلة أنيقة وربطة عنق ويذيع نشرة أخبار الساعة العاشرة. ولأنه كان وسيماً جداً لم تفرح لذلك، بل اغتمت وشعرت أن فتى أحلامها سيصبح فتى أحلام الجميع، فتمنت له العمى. وظل يقرأ وتمنت له الخرس وظل يقرأ وتمنت له الشلل وظل يقرأ وكان الخطاب طويلاً بحيث يمكن سماعه دون أن ينتهي أثناء الوصول مشياً من القاهرة إلى الباب المعظم، لذلك فإن شاكرين التي نادت على هنية وبلقيس لكي تدخلا من الحديقه وتشاهدا توفيق في التلفزيون. انفعلت إلى درجة عظيمة عندما اكتشفت أن يحيا يلعب بعيداً عن البيت، فظلت في رواح ومجيء بين الباب والباب لحين لمحته قادماً من بعيد، فصاحت به صيحة سمعتها ملائكة من غرفة المعيشة وأمرته بالإسراع قائلة: تعال.. اركض ولم يكن ثمة داع للركض من أجل اللحاق برؤية توفيق، و عرض الخطاب كان طويلاً إلى درجة انه حتى أبو ملائكة قد تمكن من ذلك وهو الذي لا يصل إلى البيت عائدا من المسرح الوطني إلا بعد نشرة أخبار الساعة العاشرة بوقت طويل. (8) قبل ست سنوات و00 في صباح اليوم السابع لميلاده، وبالرغم من البرد والوحشة، والشوارع المقفرة والمهجورة من البشر والطير، ومن وسائط النقل، وضعت هنيه أم توفيق سرّة يحيا في قطنة صغيرة وحملتها مشياً على الأقدام من حي تونس الى حي القاهرة ومن هناك إلى شارع فلسطين بعربة حمل، ثم بسيارة مصلحة من شارع فلسطين إلى جسر باب المعظم حيث هبطت قريباً من جامع الاوزبكي ومشت قليلاً باتجاه قاعة الشعب، ومن هناك عبرت من تحت مداميك الجسر إلى كلية الطب ودخلت إلى باحتها، ثم رمت سرّة يحيا هناك ودعت في سرها أن يوّفقه في حياته وأن يهديه حباً إلى هذا المكان. كان القصف قد هدأ، والجو الشتائي القارس قد بددت برودته شمس مشرقة أشاعت البهجة قليلاً في النفوس، ولكن صفارة الإنذار انطلقت فجأة فجعلت الناس ينسون أمر الشمس المشرقة ويسرعون مضياً وفي كل الاتجاهات لتجد هنية نفسها وحيدة فجأة، والناس يزيدون من سرعتهم، بل يهرولون وهي وحدها التي تمشي على مهل وقد تملكها الإعياء إذ كانت في اليوم الأخير من حملها بتوأمها شاكرين وصابرين, تلفتت تبحث عن أحد تسأله أو تمشي معه أو تستنجد به، وبالكاد استطاعت أن تجعل كهلاً يلتفت إليها ويقول: لا ندري أين القصف؟ ولم يكن قريباً منها على أية حال .. ولم تكن تريد أن تعرف من سؤالها أين يكون القصف بالضبط؟ فالسؤال لم يكن مقصوداً من أجل جواب محدد، إنما كانت تريد في تلك اللحظة الموحشة أن تتواصل مع إنسيّ مثلها.. فتمنحها روحها شيئاً من الطمأنينة وتبدد الخوف الذي تملكها في سحابة لحظات ملأت الجو بضجيج صفارة انذار. نصحتها بلقيس بأن لا تخرج، ولم تفلح في ثنيها عن تلك النية التي طالما تمنت لو أنها حققتها لولد من بطنها .. ولكن الظروف لم تكن تسمح بذلك في فراش النفاس وزوجها منصور كان يضحك من رغبتها المزمنة تلك بعد كل ولادة من ولادات أبنائها الاربع، فكانت سررهم تذوي وتجف وتؤول إلى برميل الزبالة. ضحكت بلقيس بعد ست سنوات من تلك الواقعة، وقالت لهنية وهي تزجج حاجبيها تحت شمس مشرقة: لو مشيت بضعة أمتار عن كلية الطب ورميت سرته في سوق الشورجة، أما كان أحسن؟ ابتسمت هنية وهي تطبطب بيدها على العجين المختمر، وقالت: ولماذا الشورجة أضعها في قاعة الشعب أحسن حيث يختبئ المجانين هرباً من المجانين . غرقت بلقيس في ضحكة طويلة وقالت: يسويها الحظ.. أخاف يطلع حمال بالشورجة وليس تاجراً.. فضحكت هنية وقالت: خليه طبيب أحسن. ما نريد لا الشورجة ولا السياسة . ثم دورت هنية قرصاً من العجين على مخدة التنور وتركته مفروشاً عليها وقالت: يا رب يصير طبيب.. ما عندنا طبيب بالعائلة. فضحكت بلقيس وقالت: وماذا تريدين أن يكون اختصاصه ؟ اقتربت هنية بوجهها من فتحة التنور فتطاير منها الشرر، وأبعدت جمرات النار عن بعضها البعض بملقط معدني طويل، ثم شمرت باليد الأخرى قرص العجين على الجدار المستعر فالتصق به على الفور.. وقالت وهي تنهض بوجهها عن النار: طبيب أعصاب. فأجهشت بلقيس بالضحك وقالت: وأين المجانين؟ قالت هنية: كثيرون. ثم ذبّت النار عن يديها بالملقط المعدني وقالت ووجهها متوهج بالنار: كنت أمزح.. أريده أن يصبح طبيب مفاصل وعظام. فيعالجك من الروماتيز؟ فيعالجني من الروماتيز. فاحت رائحة شعواط من رغيف خبز سقط في أتون النار فانتشلته هنية من النار ورمته إلى الهواء بسرعة وقذفته إلى طبق من ورق سعف النخل وقالت: اشتعل أبوية .. بعدنا ممسجلينة بالمدرسة احترق الخبز. (9) خارج البيت كان يحيا يجلس على دكة الرصيف أمام الباب ويراقب عصافير تحط على سلك الكهرباء، ثم تطير إلى السدرة العملاقة وتزقزق مع يحيا الذي كان يغني ويدندن مع نفسه: عشر عصافير على الشجرة.. ها.. طار واحد.. تسع عصافير على الشجرة.. ها.. طار واحد.. ثمان عصافير على الشجرة.. ها.. طار واحد.. سبع عصافير على الشجرة.. ها.. طار واحد.. ست عصافير على الشجرة.. ها.. طار واحد.. ها.. طار واحد... ثم فاحت رائحة الخبز الطالع من التنور إلى الزقاق، فكف الفتيان عن رمي الشجرة بالحجارة وقالوا: "جعنا"، ثم هرولوا إلى أمهاتهم طلباً للغداء، وعاد توفيق من عمله ودعاه إلى الدخول قائلاً له: تعال، يحيا. ولم يذهب. ادخل، يحيا. ولم يدخل. سمعت يا يحيا؟ ولم يسمع. الحر شديد، يا يحيا. ولم يشعر بالحر. انهض، يا يحيا. فابتسم يحيا لشاكرين ونهض، فقادته من يده كما تفعل الأم، وقالت: تعال تغدَّ يا يحيا. في الليل عندما طاف الظلام واستلقى تحت سماء صيف صافية، رأى أربع نجوم تتحرك.. كل واحدة أكثر بريقاً وأكبر حجماً من باقي النجوم.. راقبها ملياً، وظل متيقظاً ينظر إليها إلى أن صعد توفيق إلى السطح، فسأله يحيا: أرى النجوم تمشي. سأله توفيق: أين هي؟ قال يحيا: هذه واحدة . ثم أشار إلى جهة من جهات السماء، وقال: وهذه واحدة. ثم أشار إلى جهة أخرى: وهذه واحدة. وإلى جهة رابعة: وهذه واحدة. قال توفيق: فعلاً أنها أربع نجوم تتحرك. قال يحيا: هل ستسقط؟ قال توفيق: كلا.. لن تسقط. قال يحيا: إذن لماذا تمشي؟ قال توفيق: إنها أقمار صناعية، وهي تصورنا. قال يحيا: تأخذ لي صورة؟ قال توفيق ضاحكاً: تأخذ لك صورة. قال يحيا: ليش أنا ما عندي صورة؟ قال توفيق: عندما تروح للمدرسة نأخذ لك صورة. في تلك اللحظة صعدت أمه بلقيس إلى السطح، ومضت إلى حبل الملابس، فقال يحيا لها: كيف لا تسقط النجوم؟ لم تبالِ بلقيس به، بل رفعت حبل الملابس إلى أعلى ومرت من تحته، ثم توجهت إلى سياج السطح في الظلام الدامس، ورآها يحيا وهي تقف على حافة السياج وترمي نفسها من السطح.. فأصبح يحيا، بعد أن سمع صوت ارتطامها بصبّة الحديقة، خائفاً ووحيداً ولا أحد يحميه من خوفه من ظلام الليل وكثرة النجوم، فأغمض عينيه وفتحهما فإذا ببلقيس تلتفت إليه وتقول: لا تنظر كثيراً إلى النجوم، ابني.. وجهك سيمتلئ بالثآليل. قال يحيا: ولكن الليل كله نجوم.. فأين أنظر إذن؟ |