|
|
|
ميثم رشيد حميد
يشكل النص التفاعلي منعطفا جديدا في التعامل مع القيم الادراكيه ، التي أسست على ان تكون وسيله لمجاراة عالم المعلومة، ومن المؤكد ان وسائل الادراك تنمو بسرعة، ومن ثم تكون معدة كصناعة رياضية تدخل ضمن نسيج الة العصر (الحاسوب)، وشيئاً فشيئا تندمج اندماجا مثيرا للجدل مع وحداتها الرياضية، لتعلن عن ان برمجة وسائل الإدراك لم تعد أمرا مستحيلا بقدر تعلقها بمسارات الفهم التي تحققها ثورة المعلومات الجديدة . لقد استطاعت الحضارة اليوم ان تحول مسارات الحس الإنساني ككل الى مداخل معرفية ،وهي مضطرة الى استعمال الانسان بعد ذلك وإدراجه في خانة التصنيف المعلوماتي ، وهو يسحب معه جمله من التطورات التي تدخل على منظومته المعرفيه ، فليس من الصعوبة ان يوسم الانسان اليوم بالأمية البصرية ، او الأمية السمعية ، ولا يستبعد ان يتهم بالامية المعلوماتية مستقبلا اذا ما دخلت المعلومة في المجال الحسي الادراكي ، بمنهج وطريقة اداء وتعامل حسيين ادراكيين ، ونحن كما لا نستبعد ان يتحول الانسان الى صفيحة رقميه ، لا نستبعد ايضا الاحتمال الاخر الذي يعلن عن مؤشرات دخول المعلومة المجال الانساني كقيمه حسيه ادراكيه ، أي بعد تحولها من قيمها الرقمية الى نشاط حسي فاعل تتفاعل معه جملة من الحواس لتصبح قيمة عقليه متخللة بذلك وعي الانسان . ولعل الانقلاب الذي تشهده المدارك الحسيه – العقلية الانسانية لها جذور قديمة في مسيرة الانسان الحياتيه وهذه المدارك عزلت عن وظائفها التي هي عليها اليوم ، فانقلاب الكلمة الملفوظة الى صورة كتابية مخططه كان في وقته ثورة كبيرة ، ووضع الاصوات اللسانية وحصرها على شكل مخططات وحروف مكتوبه ، يشبه الى حد ما ، ما نفعله اليوم حين نحول ما يدرك حسيا ، الى خوارزميات مخططة رقميا ، واذا كانت الحروف قد نشأت على إثر المخططات التصويرية (الرسوم) فأن المخطط الرقمي ناشئ، عن تجربة رياضية لا تقل شأًناً عن تجربة تمثيل العالم بخطوط[1]، والفارق فقط يكمن في المدخل الحسي الذي يعد أساس تكون رسوم انسان الكهف، أما طريقة معالجة البيانات فهي متشابهة بين الاثنين الى حد كبير، وهذه الملاحظة تؤكد أن الرسوم القديمة لم تتم الا بعد أن تحولت حاسة البصر من مسارها الحسي الى مسارها الحسي الإدراكي الجديد، ونقصد بالتحول أنها زاوجت بين الوظيفتين، وأصبحت تنقل بيانات الرسوم بطريقة (حسية ـ إدراكية) perceptual ، أما الخطوة الثانية فقد تمثلت في الاعلان عن الحاجات الاساسية والرغبات الانسانية بشكل مبرمج منقول من خوارزميات الخطوط في الرسوم الى شكل الحرف، ونزعم ان هذه العملية أشبه بالخوارزميات لسبب بسيط، يكمن في أن الغاية هي تمثيل نسبة المدرك ، داخل نسبة الرغبة، في الاعلان عن هذا المدرك، لما يسببه من خوف أو أمل. ولهذا السبب يمكننا أن نطمئن الى أن القيم الرقمية هي قيم حسية في وجهها الآخر، وقريبة جداًَ من الفن والأدب، ولكن تقاربها هذا مع ميدان التمثيل الدلالي العام للأشياء، لا يعني أنها استطاعت أن تبرهن على وجودها من خلاله، فالأمر مختلف تماماً، فأنظمة القيم الرقمية مختلفة في طريقة تمثيلها للعالم، عما هي عليه أنظمة التمثيل الفنية والفلسفية الإنسانية العامة، إن القيم الرقمية تسجل أنظمة الشعور بخطوات محسوبة مسبقاً، وليس من شأنها أن تبحث في زوايا اختلاف هذه الخطوات مع ما تمثله، وبمعنى آخر إن العالم الرقمي ليس انزياحياً، ولاسيما في توسيع أو تقليص الفروق النوعية التي تظهر مع الاستعارة مثلاً ـ إذا ما اعتبرت الاستعارة أحد أهم أركان بناء النظام المعرفي الانساني ـ وتقتصر بياناته على ما ينجز فعلياً تحت البصر، وبنظام وخطوط متوازية. إن موضوعة التشابه وعدمه مع العالم الخارجي هي أساس تكوين الرؤية الانزياحية التي أصبحت طبيعية ومألوفة مع مرور الوقت، وهي التي بنت نظام المعرفة القديم على أساس المحاكاة، أما في العالم الرقمي فالمسألة مختلفة تماماً، فهو يبدل التمثيل الدلالي بمدأ (الامتداد) المعرفي التقليدي، وعلى ذلك تكون قيمة ما يبصر في العالم الرقمي تكمن في تحول المرئي نفسه الى مجموعة قيم متحركة، وهذا بالذات ما تحاول أن تعمل عليه القصيدة الرقمية (موضوعة البحث) بشكل بسيط وأولي، وعلى أية حال وعلى الرغم من أولية وبدائية هذا الشكل المنجز في تحويل مسارات (المرئي)، إلا أنه يعد انجازاً معرفياً قائماً بذاته. إن المرور من أمام القصيدة الرقمية ومعالجتها في ضوء التطورات السريعة في ميدان المعرفة، يحتاج الى تأمل طويل وبالذات في مقدار ما تنجزه من القيم المضافة، والمعروف أن العالم قد اصطلح عليها بمصطلح القصيدة التفاعلية، في اشارة الى المتلقي ثانية، وأظنني أحسب أن ظهور المتلقي ثانية لا يحسب على هذه القيم المضافة، والسبب يعود الى أنه ما زال هذا المتلقي شرطا لا رقمياً فلا يستطيع لوحده إنجاح هذه التجربة. ومن جهة أخرى يشير مصطلح (التفاعلية) الى التضافر الحسي الحركي الصادر من الحواس، في لحظة تواجدها في العالم، وأظن أن هذا هو التعريف المناسب لهذه الكلمة المستوردة، ومن خلالها يمكننا ان نتطاول على وظيفة الفن ونعرفها معرفياً بأنها: اعادة كل ما احتكره العالم القيمي، الى مصادر الحس الطبيعي. أما قصيدة أخي الشاعر د. مشتاق عباس معن فهي مثقلة بهموم البداية ، وتحاول أن تقترب ما أمكنها من المعطيات البصرية، إنها تجربة طموحة للغاية، وأظن أن د. مشتاق سيحدثنا كثيراً عنها، وحتماً أننا سنصغي إليك أيها المبدع طويلاً ميثم رشيد حميد جامعة كربلاء
************ |