مفيد عزيز البلداوي 

          القصيدة التفاعلية ومدى التفاعل معها         

تباريح رقمية لسيرة بعضها....ازرق       للدكتور مشتاق عباس معن

اضغط لمشاهدة القصيدة     

كنت في يوم من الأيام أحلم أن امتلك آلة طابعة، حيث كان محظورا على العامة امتلاك آلة كهذه ألا بعد الحصول على الموافقات الأمنية وكتابة التعهدات والمواثيق والحلفان على عدم المساس بأمن الوطن أعني حكومته ... كان ذلك حلما بعيد خاصة لمثلي .. لذا كنت أكتب بقلم الرصاص حيث يبدو الخط أجمل وممكن فك حرفه بسهولة  وأذهب إلى مكتب طباعة وتصوير مستندات خاص في كلية الآداب وأدفع مبالغ لا بأس بها كي تقوم إحدى الموظفات بطباعة قصائدي التي هدفي الوحيد من طباعتها عدم ضياعها في زمن مضيّع لكل شيء ..... ورؤيتها  مهابة على ورقة بيضاء

اليوم أصبح باستطاعتي كتابة القصيدة على جهاز التليفون المحمول .. حيثما كنت وكيفما كنت ثم لصقها على الحاسب الذي يتيح لي قراءتها صوريا قبل القراءة الحرفية .

واليوم قلة قليلة من أهل الأدب لا تستخدم الحاسب في الكتابة أو المراسلة وحتى نشر الكتب الإلكترونية الذي  يعد ثورة على الورق وشراهة الناشرين وحفظا لماء الجيب ونقود الوجوه الفقيرة لدى أغلب الأدباء وبالأخص منهم الشعراء ..

من منا لم يكن يعاني من الرسائل التي يبعث بها للصحف الدكتاتورية في عالمنا العربي ؟؟ سواء أكانت صادرة في بلداننا أم في بلدان غربية ... ومن منا لم يعان من سلطة الأديب الرقيب الثقيلة التي لا تجيد إلا الرقص على أنغام المقص؟ من منا لم تكلفه  الكثيرَ الرسائل الضائعة أو المضيعة أو المكتوب لها أن تكون في سلال المهملات لدى الصحف والمجلات في عالمنا المضيّع السالف الذكر لكل شيء؟ من منا الآن لا تصله يوميا على الأقل رسالتان أو دعوتان للكتابة في موقع معين على النعمة الموهوبة بلا مقابل من مايكروسوفت؟ من منا لا يريد أن يصل صوته كل العالم  وبسرعة العفاريت ( عفريت النشر الإلكتروني الآن متبختر ويقول للشاعر  .. أكتب نصك وأنا أنشره لك حال خروجه من قلبك حارا طازجا وأينما تريد بسرعة الاتيجمنت )   .

الشاعر الجميل الدكتور مشتاق عباس معن لم يكن مترفا لدرجة اللعب على  لوحة مفاتيح الحاسب ثم فجأة وجد نفسه ينتج هذه القصيدة ... على العكس كما أعرفه ....... لكن علميته الفذة ونباهته التفاعلية أيضا استطاعت أن تنتج  كل هذا .. وهو جهد يعود لصاحبه بالعرفان ورد الجميل الذي لا تعطيه كل صحف الدنيا لأي كاتب مهما كتب فيها ولا تنشره في الوسط الثقافي المحيط  به بمقدار لا يتجاوز العاطلين عن العمل والمتصفحين للصحف المستخدمة المتروكة على طاولات المقاهي  ودكات الانتظار  أو ضحايا الفقدان  أو ربما يشتري أحدهم شيئا من المكسرات فيجد أنها ملفوفة  بصفحة جريدة فيها نص لشاعر يستحق أن يُقرأ .. أو كما جرت العادة حين الآكل على سفرة الجرائد  التي أهملت كثيرا من الأدباء وآلت إلى القمامة ببقايا طعام  ( بالمناسبة ... الجرائد والمجلات والدعايات الورقية وكل ما هو ورقي في أوربا يعاد تصنيعه مرات ومرات  لذا فلا يجوز لأحد أن يأكل على جريدة!!!!!!)

القصيدة  التفاعلية الرقمية  جديرة بالتفاعل معها وربما ستصبح الباب الأخر المنافس لنشر الكتب  الذي يعاني منه الكتاب العرب ولا سيما الشعراء وبطريقة لذيذة   عن طريق الشاشة العجيبة  تساندها سهولة التصفح  والمكوث في متناول اليد  . ولا أرجو لها ألا أن يتناولها النقاد العصريون بحداثة مبنية على فكر ابتكاري بعيدا عن القوالب المملة في النقد والي للأسف الشديد يتناولها عصرنا الأدبي بشيء من الاستخفاف والرضوخ للعلاقات الشخصية والمحسوبات في النقد وأحيانا تتجاوز لحد التكليف المجاني وربما التكليف المادي حث يقوم شاعر بتكليف متناقد بالكتابة حول مجموعته بمقابل مادي لغرض الانتشار ...   أظن أن عملية استكتاب  الشعراء  عن الظاهرة التفاعلية الرقمية الجديدة للشاعر مشتاق لا تندرج تحت ما سلف لأنها جديرة بالتقييم  ليس منا نحن الشعراء ولكن من النقاد الحقيقيين  وأعتقد أنه آن الأوان لتظهر أجيال نقدية حداثية  تضع على كاهلها جرف ركامات النقد الزائفة .

أتمنى أن تنتشر وأن تكون لي قصيدة رقمية على ألا تكون هذه القصيدة بابا آخر لنشر الكتابات الرثة ..فالكل يعرف أن من مساوئ محاسن النشر الإلكتروني هذا الكم الهائل من العاطلين عن الشعور والمسمين أنفسهم شعراء ....لكن... تبقى للكتاب الورقي سلطته الروحية ولرائحة الورق سلطة الإدمان الذي لا شفاء منه لدى الشعراء والكتاب كافة   ... ولا ضير أن تكاتف الرقمية مع الورقية  لتكملة مشوار  الأدب الذي لن يكف  عن مسيره ولن يقع جاثيا على ركبتيه شاكيا من ثقل المتثاقفين  بل سيعمل على تسقيطهم  بالآحاد .

 

العودة الى صفحة مقالات