محمد حسين الداغستاني

 

                                                الفرار الى العشب !!

 " إن اللون موضوع معقد , وهو لا  يؤثر في قدرتنا على التمييز بين الأشياء فقط ,  بل ويغيّر من  مزاجنا  وأحاسيسنا , ويؤثر في تفضيلاتنا وخبراتنا الجمالية بشسكل يكاد يفوق تأثير أي ُبعــد ٍآخر يعتمد حاسة البصر  أو أية حا سة ٍ أخرى  "    قاسم حسين صالح / سايكولوجية  إدراك اللون والشكل

 

كعاشقة ندية تختار ( منور ملا حسون )*  الشاعرة الرومانسية الحالمة , أصباغها لتلوين الطبيعة والأشياء والمشاعر بلون العشـب النابت في ربيـع مدينتها على إمتداد حافـات القلعـة وجنبات حوض النـارالأزلية , لتحيل كـل المســاحات الممهــورة بالنبـض والتـألق الى إخضـرار ملفـت للنظـر , عبـر ثمـانية وعشـرون نصا , هـي  حصــاد  مجموعتها الموسومة (  مرافيء ضبابية )  سـواء ً بعفوية منبثقة كعيـن الماء أحياناً  ,  أو بقصـد مسبق في أغلـب  الأحيان , لتحقيق رؤى تضطرم بها شرايينها !

وواضحٌ تماماً فاللون  لدى الشاعرة لا يمثل إحساسـاً عبثيا ً لتزويـق مفـردتها بحيث يمكن تجاهله أو طرحه جانبا ً ,  إنما اللـون والأخضـر بعينه يدخـل في هيكليـة وبنـاء النتاج الإبداعي  ليمنحه دلالة نفسية واعـدة , ويحيل التناغم الهاديء فيه  الى أداء فريد , لجلاء الطقس العام حـول الحـدث الذي تتناوله بدراية مسبقة , بـل أن الأخضـر ينبع من الشعور ليستحيل الى كينونة  لا مفر منها , وإلا ّ فكيف نفسـر لون الليـل , والهـلال, والنجـوم, والمرافيء, والغيمة , والمطر , والعشـق , والطلـع والوفـاء ... اخضرا ً ؟؟ :

( لأجلك َ أبحث عن جـزر خضراء , تضللها أزهار

القرنفـل البيضـاء

في مجاهـل ٍ يهطل عليها مطـرا ً اخضـر

لك ... لأجلك أريد أن أصطاد هلالا ً أخضر )

و ( كي تمـلأ الأ يـام شــعرا ً

إما أن تكـون سـحابة خضراء

تمطر كلمـات خضراء

أو تكون عرافـا ً

يتكهن بما تأتيـه الأ يام ) 

و ( إذا بجداـئل الربيـع

تشرئب من عتمة الدوران

تتد لى  من الأفـق الأزرق

وتعزف الغصون ألحانا سـرمدية

ومرا فيء الشـوق الأخضـر

تشـد حقيبـة العـودة

فتسـتحيل بسمة موناليـزية  )  

و ( سـأعود لأعيـد للمركب المنسي

أشرعة معتقة

بعطـر الوفـاء الأخضـر )

و (  قنـديل مكسور

يغـد و في قـلب الشـاعرة قيثارة

ينشد لمواسم الصبا المنسية

شطحات عشق ٍ أخضر ) .

وعلى إمتداد المساحة اللونية ذاتها , يمكن  لنا التعـرف على جوانـب ثـرّة  في خارطـة  الوضـع النفسـي  لهـذه الشاعرة التي تمور رقة وحبا ً وحزنا ً , فالمعاناة شديدة الوطأة التي تثقـل كلماتها وحروفها تحدد مسار الفعـل الذي يلازم القصيدة,وتعيـن على التملص من الواقـع الأليـم الى سـماوات بعيدة , ملونة , وبهية , وبإيقاع يتناغم بيسر ونعومة مع الكثير من الرومانسية , ذات الرموز الواضحة  في لوحات  شعرية , على قدر ٍ من الطرواة والنفاذ يـــة تدرك إستحالة الفرار , فتركن الى الصـبر الجميـل الذى يولد هو الآخـر حزنا ً جديدا ً فيما ترقص المروج من حولها جذلى  : 

( وحزام الصبر

على البطـون الغضـة

بصـمت يدمينا

وإ ذا بغيـمة شاردة خضراء 

تومـي بالمطر الأخضر

على الصبح الحزين ) 

و ( ومن منهـل الصبر

أرتشف ماء الحياة

كي تـورق الصخور

وتنطلق طيـور

البحـر البيضـاء

وأتـوج غرسـك الأخضـر

سـحرا ً نيسانيا ً

تتتباهى به المروج فرحة )

و ( في قلبي الجريح ...

لماذا يتجذ ر .. ألم وجيع

لا نهاية له ؟ )  .

ومثلما تقارع الشـاعرة اللون بأحاسيس وتـداعيـات تسـهم فـي تجسـيد الصـورة الديناميـة المؤثـرة  لتوضيح الفكرة , فإن المتلقي يتفاعـل مع الدلالة  ا للونية ويتعرف من خلالها على ســلوك ومـزاج الشاعـرة تمهيـدا ً لجـلاء الجو العام المغمور بذلك الإخضرار الذي يبصم البيت في جـل ّ النصوص , وينزف بُعـدا ً وجدانيا ً عميقـا ً , فضـلا ً عـن الوظيفـة الشـعورية التي يؤديها الدفـق  ا للوني الذي يجـرد المفردة مـن كـل شيء سوى حرارة ووهـج العاطفـة وا لتـوق الى الخلا ص  الى عالـم مـوحي وسـخي بعطائـه ينمو تلقائيا ً بـإنسيابية عـذبة وبساطة مشحونة  بالموحيات :  

(  أ جد ني أبحث عن روح ٍ تسكن عيني

عن روح ٍ رغبتي لديها

لا رجعة فيها

بحثا ً عن مكان ٍ

لا فراق فيه

بيني وبينه

.. روح سرابية ..

تنطلق مع روحي

نحو آفاق ٍخضراء

بنجوم خضراء ) .

ورغم الدلالا ت السايكلوجية للون الأخضـر , كونه مضـاد للألـم والتوتـر ,  وأنه  يضفي على بيئـة النص مسحة الرجاء والتفاؤل , إلا ّ أ ن الشاعـرة توجه الـلون الى ا لضـد من فعلـه النفسـي  في العديد من مفردات المجموعة لتعود ثانية الى  توظيفها  كرمز للأ مل ، عندما تبادر الى فتح كوة للتفاؤل عبر الإخضـرار رغـم الحزن  الـذي تتلغـع  به  :  

 (  وداعا ً عذابات السنين  

آ ن  أن نعبـر

بمجاذيفنا المحطمة  

بحار رعبنـا القاتـم

وأن نعتـلي

أسـوار البحار   لنـرى أشـجار الياسـمين

تلملم الورود ندية

وتصوغها قلائدا 

لجيد الأيام الآتية )

و ( فرميت ُ  نفسـي الى ينبوعك الـدافيء

حتى بـد أ الطلع الأخضر

يرقص  جـذلا  ً للصبح ) .

إ ن  مـنور مـلا حسـون  إ ذ تسلب الأشـياء أ سـمائها وألوانها وهواجسها , وتلجأ الى الفرار من الأ لم إلى الأخضر وحـده لتلويـن ما حولهـا ,  فإ نما تجعلنـا نلتفـت في النهايـة الى مـا في حولنا ,  لكي لا نرى  ســوى  لـون العشب , مكتسحا ً , طاغيـا ً وفي الوقـت ذاته  هادئا ً , مبتسما ً, يلّوح عبر نافذة  المرفأ الذي يلفه الضـباب , باحثـا ًعن لونـه الحقيقـي   !!

(*)   شاعرة  وكاتبة نقد مسرحي ودراسات تحليلية أدبية وباللغتين العربية والتركمانية وشاركت في عدد من المهرجانات  المحلية والعربية, لها مجموعتان مطبوعتان إحداهما باللغة التركمانية والأخرى  بالعربية وهي موضوع هذه الرؤيا  النقدية .

 

مشاركاته في النخلة والجيران

 

 

العودة الى صفحة مقالات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية