سهل ، صعب المرتقى

محمد حسين الداغستاني (*)

  ( " ليس الشاعر صانعا ً بمعنى الصانع اليدوي، بل هو بمعنى أسمى بكثير ، ذلك الشاعر أو الخلا ّق ، رجل ٌ يجمع بين الأشياء وينفخ فيها الحياة ، قوة الخلق هذه هي الإبدا ع  " )   تشارلزت دويرتي

ربما تكون ( صافيناز) التي هي توأمة (هيرودياد) أميرة الشاعر السريالي ( مالرميه) هـدف ٌعسير المنال ،  لكن الذى  بدا واضحا ً عبر الرحلة اليسـيرة الصـعبة في قصـائد ديوان اللأديب  الشــاعرالأســتاذ قحطان الهرمزي (1)  (قصــائد صافينازية)  بأن الحب ذاته كان عصيا ً على الأقتناص ، فالمحيط المفعم بالصــد ،  والمشحون بالقنوط ،  والمتلفح بالإعصــار والرحيل ، هـو الذى رسم مرثية ً مبكرة لحكاية حب ٍ مفجعة ولدت في كفنها .   تقول صافيناز في القصــيدة التي تحمل إســمها :

( غادرته عندما كبرت أجنحتي

بعد أن أحكمته بالمسامير

على خشبة الصليب

جعلته يضمر يوما ً بعد يوم

وحرمّت عيه أثماري )

هذه القسوة المتناهية تدفعنا إلى معرفة صافيناز , فيحيلنا الشاعر الى قصيدته ( إحتفالية ليلـــــــــة صافينازية ) :

 ( المرأة النبية القديسة تقف أمام الباب 

وقلبي مكنسة صلاتها

تكنس بها , فتفوح

مع الغبار

رائحة جسدها التي تجيد لغاتي

وأنا أتدلى كقرطين مخمورين في أذنيها )

وهي أيضا

( ...  نبية من قبيلتي

تخاطبني بلغتي

وتحاور الباطن من آناي

وتتجانس مع مكبوتاتي

وتتيه

بين تداعيات أحزاني ) .

هـذه الأفعال التي تتوالى في بداية الأبيات المتدفقة وكلها في زمن المضارع ، تســهم  بفاعلية في إغناء الحركة التي تنتقل برهافة شـديدة ،  وتعطي الزمن زخما ً عاليا ً عمّق لحظات الإنفعـال التي لا مفر منها حيث الشــاعر يبحث عن المفردة  الأكثر تجســيدا ً لمعاناته ، وتستسلم في الوقت ذاته لدفء رؤاه المختمر في ذلك الفعل رغم إصرار التجاهل الذى تبديه صافيناز دون مواربة !

لقد أدرك الشاعر بوعيه المتنامي بأن حبه يسبب له المزيد من الكمد والحزن ، فكان الإحساس بالضــياع ثمنا ً رهيبا ً عليه أن يؤديه ، لأنه أحب فأخفق ،  ولأن الجــذر الذى إســتمد منه طاقات التعبير وقوة الديمومة مهدد بالجفاف !  

 ( فغدا ً صباحا ً

عندما تأتيك أنباء هجرتي

قولي : كان

حماما ًزارني يوما ً

يطلب مأوى

ولمّا لم أأبه به حمل جناحيه الكســيرين

وطار بجرح نازفٍ

بلا ضماد ) .

ولكن لنتسائل عمن هجر الآخر ؟  وهذه قصيدة ( حكايات زرقاء ) تبيح بالمكنون :

( مترنحا ً, متعثرا ً.. يسقط وينهض

شوهد الشاعر

أمام باب الحان المغلق إلى الأبد

صافينازه تزوجــت دون إرادتها

وإرتحلت الى بلاد ٍ بعيدة

وقصائدها لم تعد تنشر ! ) .

وهنا ليسمح لنا الشــاعر أن نعترض على ( صافينازه تزوجت دون إرادتها ) ! بعد أن نعيد إلى ذاكرته قولها  ( حرمتُ عليه ثماري ) ،  فالفعل كما يبدو بينا ً قد إقترن بالإرادة ،  والإرادة بدورها جسدت مشاعر النفي المقصود لحب ٍ آسر ٍ غمر الفؤاد وأضناه ! .  ورغم تصاعد الحدث وحدّته ، فالعاشق لا زال يحلم :

 ( تذكري ، ما زال صدري

هومكانك الآمـن

وإعلمي إنني لن أتوب عن هواك )

بل ولا يكتفي بذلك وإنما يفجرّ دفقة ً من الســعير في وجه القارىء عندما يورد قصـة قيس بن الملوح المعروف بالمجنون عندما ذهبوا به إلى حج بيت الله لينسى حبه ،  فوجدوه يدعوا الله هناك ( اللهم عمّق حب ليلى في قلبي ) فأســقط في أيديهم !!   فأنظروا

 ( ولكي أنساك أبحث عن مكان ٍ

يكون الله لي أقرب ما يكون

فأجد نفســي أمام الحجر الأسود

أريد أن أقول :  إلهي ساعدني كي أنسى

ولكني أجدني أدعو :   إلهي زدنــي حبــــا ًبصافينازى ) !! .

إن الإحساس المرّ بالوجع ظل يقارع أبيات القصائد بيتاً بعد بيت ، فالحب من طرف ٍ واحد كمدٌ متصل ،  وهوحقيقة قائمة ومتجذرة في بنيان التشــكيل المدمى للديوان ، وقد جعلنا الشاعر أن نتطلع بألم إلى هوة المأساة حيث النهاية المنطقية لحـب ٍ آسـر ٍ خسـر جولاته بفروسية نادرة !

 ( وجنازة حبي محمولة على كتفي

أواريها التراب

فيصيبني صرع ٌ جنوني

فأقع مغشيا ً على قبر حبي

ثم أنهض منشطراً على نفسي

وأدور في كل أرجاء مدينتي كركوك

لكن عيوني ويالمصيبتي"

لا تلتقي بعيون صافيناز مرة ً أخرى ) ! .

إن قصائد " الهرمزى"  إبحارٌ مضني في بحر من الأحزان ، و وســيلة تعبيرية من أهـــــم وسائل النفس لإطلاق مكنوناتها ،  وهي في ظاهرها تسخو بكلمات ومفردات بسيطة التركيب وسلسة وأحيانا هي أقرب ما تكون إلى حديث التعامل اليومي ،  لكنها تحقق في النهايــة تراكما ً وتداخلا ًنفسيا ً مركبا ً ومعقدا ً يصعب الإتيان بمثله لمن لا يملك موهبة الشاعر الفذة وخبرته العميقــــة ، وعبر تجانس الأبيات والقصائد ،  نجح تماما ً في جعل السهل مثيرا ً للجدل ، وحافزا ً للتفكير، بل وصعب المرتقى !!

ـــ

(*)  أديب وإعلامي عراقي / ولد عام 1948 / عمل وكتب في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية / قاد عددا من المؤسسات الإعلامية منها مديرا للإعلام ومديرا للإذاعة والتلفزيون في كركوك / شارك في عدد من المهرجانات والمؤتمرات الدولية والمحلية . 

(1)  ولد في كركوك عام    1936 ونشـر الكثير من القصائد والقصص والمسرحيات  في الصـــحف المحلـية والعربية , له ثلاثة دوواين شعرية مطبوعة ( أيام شديدة البؤس) و ( نخب العالم المنهار )  و ( الخروج  من الجنة ) والأخير صدر باللغة التركمانية .

 

مشاركاته في النخلة والجيران

 

 

العودة الى صفحة مقالات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الرئيسية