|
|
|
محمد
جبار الربيعي
![]()
من المسؤول مسؤولية مباشرة عن أخطاء السلطة؟... الرئيس ام حاشيته.......هذا هو السؤال الذي حاول فلم (طباخ الريس) طرحه والاجابة عليه.... الفلم من اخراج سعيد حامد وعن قصة يوسف معاطي وتمثيل (خالد زكي) بدور الرئيس و(طلعت زكريا )بدور الطباخ وقد حقق الفلم نجاحاً جماهيراً ملحوظاً إذ جمع في اول اسبوعين من عرضه في (كانون الثاني/ 2008) مبلغ 2 مليون و900 الف جنيه مصري ..... تتلخص قصة الفلم في أن الرئيس ينتبه الى الهوّة التي بينهُ وبين شعبه وعدم معرفته بما يعانونه من مشاكل عن طريق قراءته لصحف المعارضة واطلاعه على الحالة المزرية التي وصل اليها هذا الشعب المغلوب على امره بواسطة تلك الصحف التي تنتقد الحكومة إنتقادات لاذعة ولعزلته عن شعبه بسبب الضرورات الامنية والخوف على حياته فيقرر كسر هذه العزلة ويصمم على الخروج في أحد الايام للشارع بلا مرافقين ولاقوات ولا حمايات فتواجه الحكومة مشكلة في قراره هذا ولصعوبة ثنيه عن قراره تحاول إيجاد حلول للتخلص من زحمة الناس في هذا اليوم ومحاولة تقليلهم الى اقصى حد ممكن فيجتمع مجلس الوزراء ليطرح اعضاؤه مقترحات طريفة منها إستقدام منتخب البرازيل لملاعبة منتخبهم لينشغل الناس بالمباراة او دعوة ناسي عجرم وهيفاء وهبي لاقامة حفل واقتراحات اخرى ثم يتفقون على اشاعة خبر للناس بان هناك كسوفاً سيحدث للشمس وهو خطر قد يسبب العمى لمن يخرج في ذلك اليوم (ونلاحظ انهم اتفقوا على تخويف الناس لانها الطريقة الاسهل والمضمونة النتائج)ويخرج الرئيس في ذلك اليوم ليجد الشوارع خالية من الناس عدا أُناس يُعدّون بالاصابع بينهم أعمى (فهو لايخاف من العمى) وآخرين خرجوا بسبب فقرهم والبحث عن لقمة العيش فيتحدّون حتى خطر العمى... ثم يُقابل الرئيس متولي الطباخ المتجول ليتحدث اليه فيتوسم فيه الشجاعة على قول الحقيقة فيقرر إستخدامه كطباخ شخصي له ولأنه أيقن انه سيقول له الحقيقة بدون تزويق ....و ينجح الطباخ متولي في إيصال مشاكل الشارع للرئيس فيقوم بتغييرات مهمة في الدولة لكن حاشيته ينتبهون الى خطورة الطباخ فيكيدون له لإبعاده عن الرئيس وينجحون في ذلك ليعود الرئيس الى مربعه الاول لانه فقد مصدر معلوماته الحقيقية.. صلاحيات صاحب السلطة لكن الفلم طرح موضوعة خطيرة وهي حجم صلاحيات صاحب السلطة الاول ومدى فقر معلوماته بأمور رعيته لدرجة أنه لايعرف ان سعر طبق الكشري(وهي اكلة مصرية معروفة)أصبح بسعر 5 جنيهات في حين إن المعلومات التي لديه تؤكد له ان هذا الطبق بسعر نصف جنيه .... وهذا العزل غير المنطقي وعدم معرفته بمعلومة تخص قوت الشعب لها ما يبررها فهي رسالة للشعب تقول لهم ان الرئيس لايعرف معاناتكم وان كل مايحصل ليس بسببه بل بسبب حاشيته !!! والادهى من ذلك والأمرّ هو ظهوره بهذا البراءة فأذا كان الرئيس بهذه البراءة ولديه هذا الكم الهائل من النيات الطيبة فلماذا لاينسحب ويكمل براءته بعيداًعن مآسي شعبه فهي تسبب لهم كارثة حقيقية.... وفي الافلام العربية خصوصاً يندر تناول شخصية الرئيس (مع ملاحظة انها المرة الاولى في تأريخ السينما المصرية التي يظهر فيها الرئيس بشخصية مستقلة فقد ظهر في فلم (زواج بقرار جمهوري) كشخصية الرئيس الحقيقية وعُلقت صوره الحقيقية وإستخدم المخرج الجريئ دائماً خالد يوسف (تقنيات الجرافيكس )ولم يركز على الوجه نهائياً وظهرت شخصية الرئيس مرة ثانية في فلم (ظاظا رئيس جمهورية ) وقام بدوري الرئيس فيه الممثل المخضرم كمال الشناوي والممثل هاني رمزي لكن الرقابة هذه المرة تدخلت بقوة واجبرت المخرج على الإبتعاد عن شخصية الرئيس المصري فكانا رئيسين لدولة مفترضة ثانية ليست مصر ...أما هذا الفلم فهو يستخدم شخصية الرئيس المصري بشكل صريح ويزور مناطق شعبية مصرية معروفة ويؤدي دوره ممثل وتُعلّق في الفلم صور خالد زكي (الرئيس) (وهذا يحسب للفلم في انه كسر هذا الحاجز النفسي والرقابي فقد اسس لفكرة أن الرئيس يمكن أن يكون غير الرئيس المعروف ...ومن الممكن ان يٌستبدل بشخص اخر ولن تنقلب الدنيا إن حصل هذا ) لكن الفلم لم يخرج من طوق تناول هذه الشخصية بتقديس ومثالية وباحترام مبالغ فيه فالرئيس لايخطئ ولا يظلم بينما في السينما الامريكية الرئيس يلغ في الكأس كالكلب في فلم( رامبو في بغداد)وقد زخرت عشرات الافلام الامريكية بالسخرية من شخصية رئيسهم وتناولوا تلك الشخصية بحرية تامة ..... الرئيس إنسان عادي يمكن أن يُخطئ و يصيب وهو موظف في الدولة يُمكن ان يتغير فلماذا هذه الحساسية عند تناول هذه الشخصية ؟؟؟؟ ....... فحتى الممثل الذي لعب دور الرئيس المصري هو خالد زكي وهو( إنصافاً ممثل جيد جداً) لكنه في الواقع من اقارب الرئيس (وتجري الدماء الرئاسية في عروقه ) فليس المخرج بتلك الجرأة التي يسند الدورفيها الى ممثل من عامة الشعب!!..... ولو كان المقصود في الفلم رئيس مصر الحالي فهذه طامّة كبرى لانه رئيس لمصر منذ 1981 وهذا يعني 27 سنة من الرئاسة ولا يعلم سعر طبق الكرشي!!!! ولا يعرف حاشيته الذين عينهم بنفسه ولا اخلاقهم ولا كذبهم عليه ان كان بهذه البراءة فكيف عمّر كل تلك المدة ؟؟؟؟. وكما يبدو ان هدف الفلم الاساسي هو تبرءة ساحة الرئيس ورفع اللوم عنه من كل مايحصل من ظلم وتجاوزات وقهر وتحميل كلّ اللوم حاشيته التي صاحبت فتراته الرئاسية التي لاتنتهي....ويبقى الرئيس الذي لايملك سوى نواياه الطيبة للنهوض بواقع المجتمع ..... نوايا فقط ومحاولات فقيرة لمعرفة مشاكل الشارع ومعاناة الناس... وقد قيل في الفلم انه اجتماعي ولا يمت للسياسة بصلة لذلك لم تتدخل الرقابة فيه ولم تحذف لقطة واحدة منه ...لكنه في الحقيقة موغل في التسييس وربما توجيهي مدروس التوقيت بسبب ظهور الاصوات المعارضة في الشارع المصري والحركات المطالبة بالتغيير مثل حركة كفاية وغيرها .......لكن لنتحدث عن الفلم كعمل فني فقد طُرح الفلم في إطار كوميدي جميل لم يستخدم الإسفاف وأستخدم كوميديا الموقف الذي يدسُّ بين طياته إدانة خفيّة حتى للرئيس الذي ظهر ضعيفاً امام حاشيته وهو برغم معرفته بما يحوكونه من مؤامرات يُُذعن لما يملونه عليه كما يجسد حالة الرعب الشديدة التي تعتري الناس بمجرد معرفة ان الرئيس يتحدث اليهم كما حصل مع سائق التاكسي الذي ترك سيارته وهرب عندما علم ان من يكلمه كان الرئيس وكذلك سلط الضوء على مرض النفاق الذي ابتلي به الشارع العربي وحتى من قِبل رجل الدين الذي كان يُطالب الرئيس في خٌطبه بتحسين حالة المواطن والرأفة بحاله لكنه عندما يرى الرئيس يبدأ خطبته بضرورة طاعة أُولي الامر....... ثم يلخص المؤلف فِكرته ألاساسية في نهاية الفلم وبمشهد الحلم الذي حلمه الطباخ في ان الرئيس زاره في بيته فيضع اللوم على المواطن الذي لايتكلم عندما قال الرئيس له لن يسمعكم احد مادمتم لاتتكلمون!!! فهل يفيد الكلام في بلد عربي؟؟؟؟؟؟ ادى خالد زكي دور الرئيس بإتقان وبدراسة ودقة متناهيين يشاطره طلعت زكريا بتلقائيته وطابعه الكوميدي وهو ثاني فلم يسند فيه دور البطولة له بعد فلم (حاحا وتفاحة )فيما قدّم لنا المخرج مشاهد متقنة معبرة .... فيما تحسب لمؤلف الفلم براءة إختراع لكسره الحاجر الرقابي من تناول شخصية الرئيس بطريقة ماكرة يحسد عليها.... الفلم طريف يطرح افكاراً سهلة الإلتقاط والفهم ولم يستخدم الرمزية العميقة خوفاً من التأويلات التي قد تسبب المشاكل مع السلطة لحساسية وضع الشخصيات المستخدمة في الفلم ..... تتصارع في مجريات أحداث الفلم رغبات الجميع وطموحاتهم فالشعب يرغب في عيشة كريمة مرفهة وهواء نقي والرئيس يريد تحقيق هذه الرغبات ولكنه لا يعرف كيف وربما لا يعرفها أصلا لأنها لاتصل اليه فهناك طريق مسدود بين الطرفين ومَن حول الرئيس يرغبون بتحقيق منافعهم الشخصية على حساب الجميع فلمن الغلبة في النهاية؟؟؟؟؟.... فهل الفلم محاولة لتحميل النظام والدولة المسؤولية كلها على ان يستثنى من ذلك الرئيس فقط؟ .... وهو بهذا يخلي ساحة الرئيس من المسؤولية التي لايمكن ان يتحملها شخص على وجه الارض سواه .....وبالتاكيد لولا هذه الطريقة الذكية لما استطاع المخرج اكمال الفلم ..... ولتدخَّل مِقص الرقيب بقوة....... |