محمد جبار الربيعي

 

 فلم التناقضات والصراعات الفكرية كيف يخدع المتطرفون الأبرياء ويفجّروهم !

الفرق بين التديُّن والتطرف.....هذا ما ناقشه فلم (انا مش معاهم ).... الفلم من إخراج احمد البدري وتمثيل( احمد عيد).. الممثل الذكي الذي يختار ادواره بدقة متناهية و يصعد سلم النجومية بهدوء ودراسة محسوبين فبدأ بأدوار ثانوية لكن كبيرة ومؤثرة  فكان( فلم شورت وفانيلة وكاب2000) بدايته ثم تبعها بفلم (ازاي البنات تحبك2002 ) ثم (فلم ثقافي 2002) الذي سرّع خطواته نحو النجومية بأدئه المميز(ثم أفريكانو2003)و (أُوعى وشك 2003) الذي انضجه وبشّر به ممثلاً كوميدياً مهمّاً له صبغته الخاصة المتميزة فطرحه ممثلا مشاركاً للبطولة مع احمد رزق ثم دور البطولة المطلقة في فلم (ليلة سقوط بغداد 2005) و(انا مش معاهم) وأخيراً (خليك في حالك)....والمتتبع لهذا الممثل يجد خطاً بيانياً متصاعداً في الأداء والحضور فلم يقفز الى البطولة كغيره من ابناء جيله بل تدرّج في الصعود( فالقفز قد يسبب السقوط بنفس سرعة الصعود)بعد ان يملّ الجمهور الاسلوب المتكرر في الأداء فلا يعطي جديداً  ...... احمد عيد له نكهة كوميدية خاصة تختلف عن كل معاصريه ...كوميديا هادئة رقيقة تنساب فيها النكتة بسلاسة وتعبر بسرعة بحيث لايجد المشاهد الوقت الكافي ليضحك عليها  وكأن عيد  لم يطلق نكتة بل كلاماً عابراً لكن هذا الكلام العابر كان مضحكاً جداً ولا يتوقف عند هذه النكتة ليسحب ضحكة اخرى بل تعبر بسرعة لتبقى في ذاكرة المشاهد تثير ضحكة مستمرة حتى لو كان المشهد قد انتهى.....

تتلخص قصة الفلم في عمرو (احمد عيد) طالب في كلية الطب للسنة الاخيرة يعيش حياة مستهترة بعيدة جدا عن قيم الدين والفضيلة فيتعاطى مع اصدقائه المخدرات ويمارسون المحرمات لكنها تبقى تصرفات لاتؤذي الا أصحابها وهو يعكس تصرفات الجيل الذي ينطوي على ذاته ويمارس حياته وأخطاءه بمعزل عن الآخرين .....ويبدو ان عمرو  اعجبته حياة الجامعة فلم يحاول النجاح لان النجاح معناه مسؤولية وعمل وهو بعيد كل البعد عن هذه الأمور مع ملاحظة انه سيتخرّج طبيباً فكيف سيكون طبيباً بهذهِ الأخلاق!! كما يُحسب على الفلم أن يكون طلبة كلية الطب بهذا المستوى من الإستهتار والمعروف إن كلية الطب لا يصل اليها الاّ الطالب المتفوق خصوصاً وإنه في السنة الأخيرة (وهذا يعني إنه على اعتاب التخرج) ربما لجأ المؤلف الى هذه الكلية ليوظف مفارقات ستحدث في الفلم من قبيل شراء جثة وأخذها لمكتب أبو عمرو لتشريحها وما ترتب على ذلك من مواقف مضحكة ... على ان من المستغرب ان يقوم الطلبة بشراء جثة وأخذها معهم الى منازلهم للدراسة عليها !!! فهل من الممكن ان يحصل ذلك ؟ وهل جثث البشر سلعة تُباع وتُشترى؟ .... تتغير حيات عمرو عندما يحب فرح (بشرى) الشابة المتدينة والطالبة معه في الكلية ولأجل هذه الفتاة يدخل عمرو  في مشكلة لم يكن طرفاً فيها فيُتّهم بانتمائه لمنظمة متطرفة ويراقب من قبل الحكومة التي تحصل على معلومات عنه تسبب القلق من نشاطه فالمعلومات الأمنية تثبت انه شخصية خطرة وعضو ناشط في خلية إرهابية متطرفة وهذا يعكس تعسف الحكومة ومطاردتها لشخص بريء.....  وفي الحقيقة إنه ساعد سجين بإيصاله رسالة الى اهله ، تتطور هذه المعلومات الى اعتباره شخصاً خطراً  والأمر الثاني  انه احب فرح المتدينة  وحاول التقرب اليها بأدعائه التدين لكسب ودها وذهب الى أماكن تحبها مما سبب في دخوله تضاهرة لايعرف حتى سببها ويجد نفسه محمولاً على الاكتاف ويشاهدها تهتف فيهتف مثلهم لجلب انتباهها .....ويتقدم لخطبتها وتتم الخطوبة ( في مشهد ساخر إستخدم فيه مفارقة طريفة لتناقض وضع العائلتين ليكون الغناء والرقص في قاعة والمتدينين في قاعة اُخرى فيها ذِكرو مدائِح)ويستمر في إدعائه التدين فيُطلق لحيته ويتصرف كمتدين لكن يبقى جوهرهُ كما كان إلاّ انه يُلاحظ فرقاً بين الحياتين سيتسبب هذا  فيما بعد بنقلة نوعية في حياته بسبب احتكاكه بمجتمعات فاضلة فهو لم يلتق بهذه المجتمعات قبل ذلك  (لكن هذه المجتمعات تتسلل اليها مجاميع ارهابية متطرفة)  ثم تكتشف فرح انه يخدعها ويمثل عليها دور المتدين فتقرر قطع علاقتها به رغم انه بدأ يتغير وتتورط فرح مع منظمة ارهابية دون ان تعلم لتتسلم قنبلة موقوتة في حقيبة (واخبروها أن فيها اموال لمساعدة الايتام ) لكي تنفجر بها في مكان عام فيكتشف عمرو ذلك بمساعدة رجال الأمن ويبطلون القنبلة فتُصدم فرح وتترك خطها المتدين لانه سبب لها المشاكل وأحست بأنها كان مخدوعة بحيث أُستُغلّت بهذه الطريقة التي كادت ان تساعد في حصاد الكثير من الارواح وروحها اولاً  لذلك تتغير الى الجهة المعاكسة فتتصرف بأستهتار وتترك التدين  بينما يعود عمرو الى رشده ويتغير تغيراً حقيقياً هذه المرة وينعزل عن اصدقائه وشيئاً فشيئاً عن العالم حوله ويلتقي الاثنان وقد اخذ كل منهما دور الاخر(السابق) ويفترقان على هذا لان كل منهما رأى في الاخر النموذج القديم الذي كان عليه وليس مستعداً للحياة معه لرفضه هذا النموذج ......  ليستنتج عمرو بعد كل هذا ان خلاصهم في الإعتدال وترك التطرف فقد كان يهتم بالقشور ويترك الجوهر ويقتنع في النهاية ان عليه ان يهتم بجوهر اشياء ولا يعطي حجماً للمظهر الخارجي الذي كان يعتقد انه ذو أهمية خاصة  فيعود متديناً بلا تطرف وتعود فرح ايضاً الى الحالة المستقرة فكرياً ليجمعهم في النهاية حبهم لوطنهم في مباراة لمنتخب بلدهم ...

الفلم كوميدي ،حارب التطرف وسلّط الضوء على ارتباك الجيل المعاصر وتناقضهم مع المجتمعات التي يعيشون بها فعمرو  المستهتر ينحدر من عائلة ملتزمة وفرح المتدينة تنحدر من عائلة متحررة لذلك فهم يتجهون الى التمسك بطرفين متناقضين ليواجها واقعهم و لإعتقادهم ان في رفض قالب جيل الاباء  خلاصهم  في ما يفعلونه لعدم وجود لغة مشتركة بين جيل الاباء وجيلهم وهذه الهوّة الكبيرة بين الجيلين سببت لهم الكثير من المشاكل التي وجدوا انفسهم محشورين فيها دون علمهم  وكذلك القى اللوم على الحكومة التي تترك هذا الجيل بلا توجيه صحيح لكنهم عندما يتورطون تكون قاسية معهم رغم ان سياستها كانت هي السبب وكانت هناك إدانة واضحة للحكومة في ان عمرو يُخرِج للضابط مخدرات ليثبت له انه لاعلاقة له بالمتطرفين (في اشارة الى أن الحكومة ستكون راضية عنه إن هو بقي مخدراً ومغيباً ولا يتدخل في امور الدين) فالدولة في هذه الحالة تكون في مأمن منه .....

تتميز كوميديا الفلم بإعتمادها على الموقف واستثمار التناقضات الكثيرة في المجتمع وتوظفها بشكل ممتع بلا تهريج ولا إسفاف ... كوميديا تحترم المشاهد وتقدم له افكاراً حسّاسة ومهمة وتخص الجيل بإسلوب جذّاب سلس...

القصة والسيناريو والحوارللكاتب (د.فيصل عبد الصمد ) كان متناسقاً وهو مايميز الأفلام التي يكون فيها القصة والسيناريو والحوار بقلم نفس الكاتب فيكونان بنفس الخط واحدهما يكمل الآخر ويشكّلان سلسلة متكاملة تقل فيها الثغرات فعَكس من خلال قصته مشكلة جيل بأكمله ووضع حلولاً مفترضة واقعية ....

المخرج (احمد البدري) نفذ مشاهد صعبة بحرفة وبتأثير فعال كمشهد المظاهرات الذي كان معبرا حيث قطع الصوت واستخدم التصوير البطيء مع موسيقى تصويرية مناسبة ومعبرة فأعطى للمشهد تأثيرا مضاعفاً وكذلك استخدم لقطات جميلة وحركة كاميرا وزوايا تصوير تنم عن فهم عميق لوظيفة زاويا التصوير المستخدمة المكملة للأحداث .

(انا مش معاهم) هل هي صرخة مدوية لجيل تتلاطم به الامواج الصاخبة وتطيح به لبحار لايعرفها ولايريدها بل ويرفض جوهرها لكنه يجد نفسه عائماً في صخبها فهل يستسلم للغرق ام يقاوم الأمواج العالية التي تريد سحبه نحو مركز الدوامة؟ ....هل يكون الجيل قادراً على الإجابة كما أجاب عنهم احمد عيد؟؟؟؟.

 

مشاركاته في النخلة والجيران

   mohd10002001@yahoo.com