
الشاعرعبد الرزاق الربيعي
كتاب ساعات (جونو)العصيبة
*قصائد
حب تحت اعصار (جونو)

في بغداد
ماجد مطرود
*بانوراما
بلا عجلات
*ملوك و سكارى

صباح الخير
قصيدة شعبية لجعفر كمال

لأنك عراقي
د.ياسر الياسري
|
قصة
قصيرة
" نقاط بلا حروف .."
هامات النخيل الباسقة توازيه علواً .. ومن تحته كان دجلة يمشي بلمعان و هو
يلتحف الأصيل فيما كان خده المحترق بأشعة الشمس يصافح نسمات باردة مضمخة
بمياهه الرقراقة .. يرتعش في داخله حنين لشيء مجهول ..تعتصره النشوة ..
فيشعر بلذة فريدة فيما تشتهي عيناه الدموع .. هكذا كان كلما امتطى جسر "السنك"
الذي يتقوس مطوقاً خصر "دجلة" النحيل مثل ذراعٍ مفتول لرجل يحتضن حبيبته
... يهز يديه بصمت واستياء .. يقلب نظراته نحو وجه الماء محاولاً غسلها
بعذوبة النهر .. يبتلع نظراته و يتطلع نحو الطريق .. يسترجع ذاكرته وهو
يستل من بين أصابع الدخان المرصوفة وسط علبتها "سيجارة" .. يشعل رأسها بنار
قداحته الزهيدة .. فتتوهج بفعل الامتصاص الشره لعقبها , ومن ثم يرخي فمه ذا
الشفاه البنفسجية عن كومة من الدخان المتصاعد وهو ينساب إلى أعلى مثل شلال
معكوس ..! فيمتزج بلون شعره الرمادي مشكّلين بؤرة دخانية خانقة .. كان يحس
باللاجدوى .. ويشعر باختناق الحياة الممتزجة بصور ماضٍ مات منذ زمن .. تسير
السيارة فتتخلف لوحات المحال التجارية مبتلعة صوراً منفلتة من ذهنه مشكلةً
فيلماً سينمائياً مرتبكاً تزدحم فيه المشاهد وسط نشوة الماضي السحيق ..
أيام دراسته في الجامعة .. أناقته السالفة .. قصائده اللاتي كان يلهب بها
حماس المراهقين والعشاق من أقرانه .. الأمل الذي كان يشع في محياه كلما
تأمل في المستقبل , ومن ثم كيف شهد انهدام ذلك الهرم فجأة أثناء الفصل من
الوظيفة والاعتقال المر .. التعذيب الذي أنساه حتى تاريخ ميلاده ! مثلما
كان يتندر, لا لشيء إلا لأنه كان ينسى مواعيد اجتماع الحزب !! أو دخوله
حروباً كجندي مكلف طيلة سنوات كلّفته اثنين من أصابع يده اليمنى...
وقتها لم يكتب قط , ومزق كل خواطره وقصائده .. وأعلن تمرده على القلم ..!
يحرق سيجارةً أخرى ليلتهم فمه الشره دخانها المحتبس .. يلتهب الجو الملتهب
أصلاً فيرجع انسكاب ذلك الشلال المعكوس ... ثيابه الرثة , وشعره المترهل
بلا ترتيب , وتقدم سنه الذي سمح لوجنتيه أن تتهدلا محدثتين فراغاً هلالياً
داكناً تحت عينيه .. كل ذلك بالإضافة إلى منظره الشارد كان مانعاً من
انتقاد الركاب له ... كمية الشلال الدخاني تزداد داخل السيارة و حرارة الجو
تسقط صبر أحدهم :
- عمي والله ذبحتنا .. أطفئ سيجارتك ...
يتطلع نحوه ملطخاً وجهه بنظراتٍ ساهية .. يلقيها من ثم على جانبي الطريق ..
في حركة غير مبالية ..
كان يتوهج أحياناً مثل سيجارته كلما امتص دخانه شيءٌ من عرق "بعشيقة"
الزهيد .. لكنه الآن منطفئٌ تماماً كعادته كل صباح حين لا يجد ما يشربه ..!
وحين كان يتوهج يتحدث كثيراً .. ويتذكر أدقّ التفاصيل .. ويطرح معلومات
جديدة لمجالسيه القليلين الذين يحرصون على إتمام أحاديثه المتشعبة .. لا
ريب فقد بزّ أقرانه يوم كان صبياً في الثامنة من عمره .. حتى أنه حين
أصابته وعكةٌ صحية تأوهت أمّه التي كانت تخاف عليه كثيراً , وأخذت تدور
داخل البيت بلا وعي وهي تصيح :
- عين ! أصابته عين ..!!
يتذكر جيداً كيف قادته من يده وأخذته إلى زيارة "الإمام الكاظم" علّ وطأة
الحسد تزول .. وحين أدخلته "الحضرة" واقتربت به من شباك المرقد الفضي الفخم
المضمخ برائحة مزجتها الدهشة برؤيته عمراناً مختلفاً تماماً , فيما الثريات
الضخمة تنتصب أمام عينيه لتسلبه واقعه، الذي غلفته والدته بصوتها متكسر
العبرة :
- دخيلك يا "بو الجوادين" .. أريد ابني منك ...
منذ ذلك الوقت لم يفارقه الذهول .. ولم ينقشع عنه عبق المرقد .!!
تسير المركبة بطيئةً بفعل الازدحام .. تتوقف .. تتركز حرارة الجو داخل
السيارة فيما أخذت الشمس تسلط سيف أشعتها على رؤوس الجالسين في جانبها
الأيمن حيث كان هو جالساً .. ينسل أحدهم .. يرمقه بغضبٍ , يفتح الباب
بانفعال , ليبتلعه الشارع الملسوع بأشعة الشمس ... وفي ظل صمته الصارخ أرخى
أهدابه وهو يحدق في شلالات الضوء المنسكبة بتراكم فوق الإسفلت الترب بحثاً
عن أقرب قمامة ..!!
إنسابت مركبتهم وسط الشارع الذي أخذ يتسع بفضل تشعبه إلى أربعة طرق.. فيما
أخذت رئتاها الزجاجيتان تعبّان الهواء الساخن مشتتاً خيوط الدخان المتصاعد
من فمه المدخني , ومبعثراً شلالها المستمر .. كان محرك السيارة يئنّ ..
ولوحات المحال التجارية تسير إلى الخلف مثل قطار مسرع نحو نهاية متقطعة ..
وبلهجة لم تخل من أداء مسرحي اعتاده :
- نازل عيوني ...
قذف بنفسه خارج السيارة حال توقفها كعصفور يفلت لأول مرة .. فبدا أقصر قامة
وأكثر نحافة .. فيما راحت سترته المتهرئة تخضع لتمايلاته الفوضوية ، وهو
يمشي بهدوءٍ وقد بدا ساهماً مرةً أخرى مكرراً سيناريو التدخين .. لقد كان
يجد سلوة في خلق عالم خاص به يعين عزلته المتناسلة.. لذا فإنه شق طريقه نحو
ضالته وسط "جزرة وسطية" كانت تتربع وسطها حاوية كبيرة للنفايات .. لم يجد
من يزاحمه هذه المرة في افتراسها!! فقد سبق الجميع للظفر بهذا الكنز ..
وهذا ما خفف حرمانه منها في المرة السابقة حين سبقه صبي وجمع كل العلب
المعدنية الفارغة وهو ينط أمامه ذاهبا إلى حاوية أخرى ... اقبل نحو تلك
القمامة / الصيد .. نظر إلى جانبيه بقلق كمن يحاول سرقة شيء ثمين .. ولما
لم يجد أحداً انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة لم تفلح في إطلاق سراح ذلك
العقب الأزلي الحبيس بين الشفتين .. عندها أخرج كيساً كبيراً أبيض ملطخاً
بالسخام .. فتح ثغره المتعفن والذي كان قد عبّ آلاف العلب الفارغة فيما مضى
.. (آه كم تشبه هذه العلب كثيرا من الذوات ) هكذا فكر.. تحرك نحو تلك
القمامة .. نبشها بكلتا يديه مخرجاً علباً معدنية .. يدوسها بباطن قدميه
لاستيعاب الكيس السخامي العفن لها والذي سيشق طريقه إلى الشركة
المعنية..ليتقاضى مقابلها قوت يومه.. فيما لم تفتأ شفتاه من مص الدخان ...
مسح نداوة اللمعان اللزج فوق جبينه , ورفع رأسه ليساوي ظهره الذي آلمه
الانحناء قليلاً وقال بتأفف :
- بنت الكلب كل هذا التعب .. وتقولين (عطال بطال)..!!؟
كان يجد متعةً في سلق المفردات النابية الموجهة عن بعد لزوجته التي كان
يعتقدها سبباً رئيساً في الحال الذي وصل إليه .. مدارياً بذلك فشله في
التصدي لسيل كلماتها المؤنبة كلما انطلقت داخل ذلك البيت العتيق الذي
اقتسمه ومؤجره إلى نصفين ... رمى علبة السجائر بعد أن استل آخر لفافة فيها
وجلس يتصفح ذاكرته .. مرت فيه غيمة حزن شفيفة انعكست على محياه الذي بدا
أكثر ذهولاً حين تذكر رفاقه الذين داستهم عجلات القتل المستمر, والذين لا
يزال رغم فوضويته يحمل صورهم .. يضعها أمامه , ويتأملها ..!!
لاحت منه التفاتة إلى يمينه .. ابتسم :
- هذا أنت يا نعيم .. لا أصدق .. متى جئت ..؟
ثم أردف :
- شوف حالي يا نعيم .. بعد ما رحت أنت وجواد .. بقيت متسكعاً وحيدا ً.. آخ
.. لو رايح وإياكم .. نظارتك وسخة .. أنظفها لك ؟
- . . . . . . . . .
- لم لا تتكلم؟ صحيح كيف كان الحبل الذي لفوه على رقبتك .؟ لابد أنك أحسست
بالاختناق ؟ ولم تسعل كعادتك ..؟
صمت للحظة تسمرت فيها نظراته في التراب ، وتفوه بشرود :
- آه .. وكيف اخترق الرصاص جسد "جواد" ؟ وما كان طعم الدخان المتصاعد منه
وهو يشوي جسمه..؟
فيما كان "نعيم" ينظر إليه بسكون فوتوغرافي !! قام وأخرج علبة فارغة !! من
داخل كيسه .. ووضعها على التراب كمن يقدّمها
لشخصٍ ما ..! قال وهو يقدمها للصورة الملقاة فوق الأرض :
- يا الله "نعومي" اشرب حتى أوصي على "طاولي" منذ زمن لم أغلبك .. وقد
امتلأ وجهه بابتسامة سمجة مشوبة بسعالٍ منعه من رؤية ذلك الصبيّ الذي تسلل
بخفة ليحزم ذلك الكيس الرمادي المعبأ بتلك العلب الفارغة ..!!
. . . . . . . . . . . . . . . .
وحين أحس بواقعه , وشعر بأن تعبه هذا قد يذهب أدراج رياحٍ , مرت عبر أشرعة
ممزقة .. جن جنونه , وانفجر غضباً .. انطلق نحو هدف مجهول .. تشظّى وتوزع
في كل الجهات .. قدماه النحيلتان أخذتا تخبّان الشوارع بذهول وامتعاضٍ
شديدين .. ولما لم يعثر إلا على مشهدٍ ضائع !! شعر بأنه ليس سوى نقطة بلا
حرف !! كما كان يصفه "نعيم" مازحاً .. وعاد منطوياً حيث القمامة , ليفاجأ
برفيقه ينهض بسرعة فائقة .. ينطلق نحو الشارع .. يرتطم بالرصيف .. ينهض مرة
أخرى بفعل الريح ... لم يحتمل رحيل "نعيم" الفجائي الذي كان أقسى عليه من
فقدان الكيس .. صاح بصوت أجش ضعيف أنهكته السجائر:
- "نعييييييم" .. لا تتركني مرة أخرى ...
ولم يكن يشعر بانطلاق ساقيه وسط الشارع , غير مبالٍ بأنين العجلات , إذ كل
همّه الإمساك بصورة صديقه التي قفزت فجأة
مثل "قبرة" تفر من صياد..! ولم تكن الا ثوان قليلة حتى أحس بامتلاء جسده
بصدمة .. منعت عنه ضوء الشمس .. وسمّرت فيه الانطفاء...
***********************
مشاركاته في النخلة والجيران
قصة دوائر ...وفقاعات
قصة
نقاط بلا حروف
|

كل الجدران ستتهاوى أيتها الأعظمية
قصيدة للشاعر الكبير عيسى
الياسري

امل الجبوري
سوريالية القيامة العراقية

مجموعة قصائد
هاشم معتوق
*معادل الصباح هو العقل

قلبي في الجبال
قصة
وليم سارويان
ترجمة زعيم الطائي
عراقية
للشاعر علاوي كاظم كشيش
|