د.مشتاق عباس معن

 

 دواعي القصيدة التفاعلية الرقمية
في عالم يفكر بأسس ورقية
 

لا أعتقد أن التطور نزوة ، أو هفوة ، تزحف من ذهن فرد ، أو مجموعة أفراد ، على قدر ما هو طبيعة تكوينية في الذات البشرية ، وسمة معرفية تفرضها نتائج المنطق بكل صوره الكلاسيكية والحداثية .

وفي ظل هذه القاعدة التي لا أعتقد أنها مضادة لثوابت الذهن البشري ، يمكننا أن نبحث عن أهم الدواعي التي دعت المبدع الورقي إلى البحث عن وسائل غير ورقية لحضانة نصّه ، ويتوسل بعناصر غير حرفية " كتابية " لهيكلة منجزه الإبداعي وخلق أجوائه الدلالية والعلامية .

هل هي خصلة المغايرة ؛ لأجل المغايرة حسب ؟ أو أنها المغايرة لتحقيق فرضية الطبيعة والضرورة التي تحدثنا عنها في مستهل هذه الورقة ؟!

حاولت في هذه الورقة أن أضع بعض ملامح الإجابة عن هذه التساؤلات وسواها ، تلك التي تنادي بوضع المسوّغات التي تدفعنا للدخول في عالم التكنولوجيا ، العالم الافتراضي ، بكل حمولاته .

1- تفعيل الخيال الكامل :

تثوير الخيال الكامل في الذات المتلقية طموح سعت إليه الممارسات الإنتاجية للمبدعين طيلة الحقب الأدبية السابقة ، ولاسيما تلك التي تنتمي إلى الكتابية / الورقية الحديثة والمعاصرة ، إذ تجد الكثير من المبدعين يحاولون استثمار كل ما يؤثر في تثوير الخيال في ذهن المتلقي ، من خلال توظيف المؤثرات الصورية " اللونية منها والضوئية كذلك ناهيك عن التشكيلية والفوتوغرافية  "والصوتية " الإيقاعية واللحنية " ، حتى دعا كثير من المبدعين إلى ما يسمى بالخيال السمعي :وهو ذاك الخيال الذي يولّده المسموع كما عند ت . س . أليوت أو إلى الخيال البصري :وهو المتولّد من المرئي كما عند كثير من المبدعين .

فإذا علمنا أن تلك الدعوات قامت على مستويين :

 * مستوى تحفيز الطاقات التعبيرية في الحرف ، بحيث تستدعي الصياغات الصورية في النص الحرفي / الورقي تداعيات سمعية أو بصرية تسهم في تمثيل خيال سمعي ، أو بصري ، لكن تلك الطاقات ستؤثر في النص من حيث شغل حيز منه من أجل تحفيز معطيات ذلك الخيال ، وقد يكون ذلك الجزء نشازاً إذا تجاوز المساحة المقررة أو لم يحسن المبدع توظيفه ، فهي بذلك سلاح ذو حدين .

* مستوى المرافقات الخارجية ، بحيث يرافق قراءة النص مؤثرات صوتية وصورية ، فيتحول الإنشاد إلى عرض ، حتى وصفت هذه العملية عند كثير من النقاد بـ " مسرحة النص " ، لكننا نلاحظ أن الخلق الإبداعي المستند إلى : الحرف ، الصورة ، الصوت ، سينقطع و يتسيّده الحرف فقط بمجرد انتهاء العرض ذاك ، وسيجد المتلقي نفسه في جو آخر غير ذاك الذي عاشه وهو في قاعة العرض ، وهذه الممارسة الإنتاجية يمارسها كثير من المبدعين ولاسيما في أماسيهم الخاصة .

فهذه المحاولات تؤكد سعي الورقيين " الشاعر المستثمر الورق لحضانة نصه الإبداعي " لحيازة الخيال الكامل ، من خلال جمع الخيال المستثار بالحرف ، والمستثار بالصورة ، والمستثار بالسمع  ، لكن سعيهم ذاك شابَته كثير من العوائق التي منعت من تحقيقه ، بسبب قصور إمكانات الحاضن " الورق " .

أما مع النص التفاعلي الرقمي فإننا في ظل حاضن سحري قادر على تحقيق هذا الطموح ، من خلال استجلاب الأدوات التي تحرّك عناصر الإدراك البصري والسمعي بالمسموعات والمرئيات . فالنص التفاعلي الرقمي يمكّن المبدع من توظيف الصورة والصوت مضافاً إلى الحرف في خلق النص لا على أساس العناصر البنائية الخارجية ، بل على أساس البناء الداخلي ، فالصورة والصوت يندغمان مع الحرف في بنية النص الرئيسة ؛ ليكون ذلك الاندغام عتبة أساسية لاستجلاب الخيال الكامل .

2- الضرورة التاريخية :

إن الانتقالة الثقافية والمعرفية التي يسجلها التاريخ لا تكون كيفية أو برغبة عفوية من دون توفّر المحفّز الحقيقي للانتقال ، فالشفاهية حين زالت من صبغة عصر بأكلمه لتتنازل أمام صبغة الكتابية ؛ تشكّلت ببداية الانتقال من طور ثقافي ومعرفي إلى طور ثقافي ومعرفي جديد سجّله لنا التاريخ بأمانة ، واليوم نحن نشهد انتقالة مفصلية أيضاً حتّمتها الظروف الثقافية والمعرفية التي أحاطت بمناخنا الحياتي فصبغت مجالاته العملية والأدبية وسواهما بصبغتها ، تلك الانتقالة التي يسجّلها التاريخ اليوم لصالح التكنولوجيا ، فنحن نعيش عصر الإنفوميديا = الوسائط المعلوماتية  – بامتياز - .

ومن الطبيعي أن ننتقل إلى مناخ ذلك العصر بكل حمولاتنا الثقافية والمعرفية والعملية والأدبية.

وهذا لا يعني كما يرى بعض المثقفين أن هذه الانتقالة ستعطّل السابق – أي الكتابي / الورقي -  وتنسخه نسخاً تفصيلياً ، بل هي انتقالة تشير إلى حلول تطور ثقافي ومعرفي عام يتحتم علينا دخوله ، لكن السابق سيستمر بوجوده ما دام التفاوت حاضراً في الطاقات والقابليات ، وقبل ذلك كله التفاوت بالأذواق والاختيارات ، فالكتابية لم تنسف الشفاهية بل بقيت الكتابية متعايشة مع الشفاهية والعكس صحيح ولاسيما حين تحوّلت الشفاهية إلى نظام معرفي وفلسفي يقابل النظام الفلسفي والمعرفي الذي أنتجته الكتابية ، فاليوم نحن في طور تشكيل نظام معرفي وفلسفي للعصر التكنولوجيا ، وسيتعايش حتماً مع الشفاهية والكتابية ، بوصفه ضرباً من أضرب التنوّع والتناغم بين العناصر المختلفة لتكوينية الحياة .

3- سمة التجريب :

لولا التجريب ، تلك السمة الحيوية في الجهاز التعاملي البشري مع الحياة وما فيها ، لبقينا في طبقات تاريخية مكرورة ، مستنسخة ، سكونية غير متحوّلة ، ولبقينا نلوك ملحمة كلكامش بنسخ مشوهة ، ومصوّرة عن الأصل الأول ... فالتجريب يفتح شهية الفرد أمام تحريك الثوابت ولا سيما تلك المفصلية التي بتحريكها تتبدّل الطقوس الثقافية في البيئة الاجتماعية ، والتكنولوجيا مساحة بكر للتجريب ، خصوصاً إذا علمنا أن التجريب استُثمر أصلاً في خلقها ، فالانطلاقة كانت كما توصف بـ " أحلام تكنولوجية " يحاول تصويرها في أبعاد تخيلية ، وشيئاً فشيئاً يعمل الفرد الواعي / الطَّموح على تفعيل عوامل إنزالها من حيز الأحلام إلى حيز الواقع العملي ، وفي عقيدتي أن تلك الأحلام والسعي لتطبيقها كلها تنبع من منطلق الحاجة إلى التطور ؛ لأن التطور بصورته الإيجابية حالة ملحّة تكشف عن سلامة الذهن ، فخلافها يؤكد بُعد الذهن عن السلامة ، فالإنسان بطبعه حركي يبحث عن المغايرة دوماً ، ولا اعتقد أن تغيير الأشكال الإبداعية ولاسيما في الشعر ببعيدة عن المناخ الذي صوّرته هنا ، والقصيدة التفاعلية الرقمية ممارسة في ظل هذا المناخ .

الحسابات الثقافية لا تقف عند عدّ ، أو معادلة ، فالتاريخ ذكر لنا ،وسيذكر ، حالات غايرت قيم العد الحسابي ، وتجاوز معطيات معادلاته الرياضية ؛ لأنها انطلقت من منطق الحاجة إلى التطوّر الطبيعي لا المفروض .

 

 

         مشاركاته في النخلة والجيران
         العودة الى صفحة مقالات