|
|
|
نعيم عبد
مهلهل
يطلُ خيط الزمن على أمسٍ قديم عندما كان أمي تصطحبني معها وأنا في الرابعة من عمري إلى حمام النساء ، وكان يسمى حمام ( أبو ليرة ) . أتذكر الليرة الرشادية الذهبية ، تلك التي سُكتْ في زمن السلطان رشاد ، بريقها يعكس لذة مشعة على أجفاني وهي تتلصص النظرة إلى النساء المستحمات ، أحداهن تنظر إليَّ بشررٍ ، جسدها مثل كرة أرضية من لحم متكور ، أخرى تنظر إليَّ بغنج ، أمي تصب الماء الحار على رأسي ، أشعر بحرقة الصابون في عيني ، أبكي ... واحدة تقول : يبكي من ولع النظرة لما أمامه........... كبرت ...هذا ما بقيَّ من مشهد أن يَعُومَ طفلٌ في الماء الدافئ وسط حشد من المستحمات ، لاشيء يبقى يا سلطان رشاد سوى متحف وأواني نحاس وعمامة وعربة دون خيول وسائحة يابانية تلتقط في عينيها الصغيرتين دهشة تخيل السلطان عارياً وسط حمامهُ البخاري. تسلط كاميراتها إلى أواني الغسيل ومحك حجر الظهر وصوابين متحجرة ، ومناشف من قطن أبيض ، ومرآة بإطار من ذهب خالص ، وقنينة عطر وأعواد مسواك وأشياء أخرى حاجات أخرى لحريمه ، كلها أثواب ناعمة الملمس يُرى من خلالها كل شيء ، واحدة من هذه القطع ، تناثرت عليها بقع حمراء ، تسألني ياكو موجي ، طالبة الدراسات الشرقية بجامعة طوكيو .؟ - إنها بقايا جروح تتركها أظافر الجواري وهن يحكن ظهر الخليفة بقوة يشعر فيها بلذة تساوي ألف جماع.. تضحك وتقول : حك ظهري .. أفعل ...ترد : لذة تساوي عندي ألف قصيدة... عندما نعود إلى طفولتنا ، وذلك الشتاء الملائكي ، شتاء الفقراء الأزرق ، أتخيل مشهد جارتنا في الشارع الذي لم يزره بعد الإسفلت الأسود وهن يجلسن على دكة واحد من البيوت الذي اصطف آجرها الأحمر برتابة تواريخ لا تنتهي من هموم معلقة على حبال الغسيل كما تعلق الأسماك المجففة ، وبعضها تعلق مع دمعته في سجادة ضُربت على الحائط وهي تحمل تصويراً بانورومياً لكل ما حدث للحسين الشهيد منذ خروجه من المدينة المنورة حتى واقعة الطف ، واستعداداً ليوم مثل هذا اليوم وغيره من مناسبات العيد تقرر النساء الذهاب إلى الحمام ، بعد أن عجزت مخيلة الفقر أن تبني في البيت حماماً صغيراً .. تدلف كل واحدة إلى غرفتها ، تجمع ثيابها النظيفة في قطعة قماش ، لا عطر معها سوى قطعة صابون ، وليس معها منشفة ، ولكنها ستتمتع كثيراً بالأخبار وبثرثرة المكان ، وستعرف إن كانت صديقتها نائلة صادقة حين ذكرت لهن إن بعلها ترك في مودة الليلة كل أسنانهً مرسومة على صدرها. لا أعرف مقدار السعادة التي تسكن أعماقي وأنا أتحضر مع أمي للذهاب إلى الحَمامّْ ، أتخليه عالماً من الدمى المتحركة وبأشكال كثيرة ، نساء يغرقن في بخار اللذة ونسيان عنف الرجال وحشرجة حياتهم المتعبة ، ضفائر تتلى على أكتاف ملساء فيتهيج في النظرة الطفولية مشهد أن يلامس الشعر الناعم قشرة الجلد الحار ، فتطير نشوة مرحة في فضاء المكان الذي تتصاعد فيه قهقهات متباينة الإيقاع وموسيقى الأواني النحاسية وهي تضرب على بلاط أرضية الحمام طالبة من نادلات المكان ليجلبن المزيد من الصابون وتقوية نار الفرن وبعضهن يطلبن واحدة تدلك لهن ظهورهن كي يزداد فيها بريق الإغراء والبياض. أتذكر واحدة أسمها وداد ، بيضاء كشحم الشمع الذي يسفح قطراته الحارة على صواني العرس الريفي ، جسدها النحيف يبرز تقاسيمٌ تشبه تقاسيم تضاريس خارطة ، فيما تشتعل في صرتها دائرة سمراء وتتحرك بما ويتناسب مشيتها الضاحكة وهي ترد مع نهديها الصغيرين على نظرات الحسد من باقي نساء ، وتجلسُ على دكة من مرمر وتقرب ساقيها العاجيين من فخذي الصغيرين ، أشعر بلذة وحشية ، ومع عيون النساء أمدد عيني إلى جسدها فتدور دورة الزمن ....وكأنها تدفعني إلى أحضانها كما تدفع العاصفة العصفور المشرد إلى المجهول ، لأرى أقداري التي من لحظة الدخول إلى الحمامات المدهشة وحتى الجلوس مع ياكو موجي عارياً في حمام تركي بإسطنبول ، وهي تفترش حكايات تتلون بتلون القدر الذي مسح بتراب البارود ودموع النعوش ودقيق بطاقات التموين ، مسح وجه البلاد المبتلاة بجنون شرقيتها وفقرها وهذا الغنج البدائي اللذيذ الذي يسكن مشية وداد ، فينهض حدسي وأتنبأ لأشياء ستظهر وستولد وستموت ، وكأن هذه الحمامات هي من تقود العالم إلى قدره ، وكأن تلك الأجساد التي توشمن برسوم بدائية ، هو خليقة المكان الذي ستأتي إليه الدبابات ذات يوم ، وواحدة بوزن مائتي طن ستمشي على سقف حمام أثري كانت أميرات أور يستحممن فيه وينصتن بلذة النخل في نشوة مضاجعة الموج إلى نغم قيثارة شبعاد ، فيما وداد بجسدها البض ونظرتها المشتهية تدعوني إلى فصل من مداعبة الشوق ، أغرق معها ، فأسمع تأوهات السائحة اليابانية تصرخ في : شرقكم مختلف عن شرقنا تماماً. أصابعي تمشي على شيء من وسائد الورد ، لكنها حين تستذكر متعة الخربشة الأولى على ساق وداد يبدو إن هناك فرق بين متعة وأخرى ، ففي حمام ( صاغ لو بكداش ) في منطقة لالاللي قرب سلطان احمد يتفاعل هوس الرغبة المؤقتة بعابرة جاءت تبحث عن ملاذ آمن من صخب مصانع السيارات ، لترمي جسدها العاري في فرن خبز سومري ، ولتهمس له وهي في عطش غامض: - متى نستحم معاً في حمام سومري ، تقول عنه إنه ما يزال هناك يشع بعطر زيوت أتت بها القوافل من الهند وما بعدها ، أشتهي أن اغرق في دهشة ذلك المكان ، فأنا في الحمام ومع رجل ، أشعر بأني أرد على صفعة أمريكا وهي ترمي هيروشيما بالقنبلة الذرية. أداري تساؤلها بالابتسامة ، أتخيل جسد وداد وهو يعبر سواتر الحلم والحرب ويقرب خاصرته نحو ما أملك من ذكورة لم تنضج بعد ، فترد عليها أمي ضاحكة : أتركية ، فهو ما زال غضاً ، وليس لديه ما تودين. ترد ضاحكة وبدلال : سيكون له ، أصبري عليه سنة أو سنتين ، وسأنتظرك ياولد. تتعالى ضحكات النساء في فضاء مليء بالبخار وقرع الأواني النحاسية. ولأنني أفهم بالفطرة معنى الكلام ، ينتصب شيء ما ، تنتبه وداد وتصرخ : كلا لن أصبر سنة أو سنتين ، هاهو يصبح رجلاً ، تعال إليَّ. أبتعد مذعوراً إلى صدر أمي ، أشم رائحة الحليب في ثديها ، تأخذيني إليها ، وهي تقول : لا تخف ، لن تأخذكَ واحدة مني. بين حَمّامَينّْ ، جنح حَمامَتَينْ ، يرفرفان في فضاء الذاكرة ، حمامة أسمها وداد ، وأخرى تدعى ياكو موجي ، يلتهمني شعور العري فأفضح روحي لمسرة الذكريات أولاً ، وأتخيل المكان بشكله السومري ، فيداعبني الهواء الليلي ، وأمدد جسدي على رخام من التأمل هناك حيث بمقدوري أن اجعل الحمامة وداد أميرة من أميرات الخيال ، وفي غرفة الصدى الواقعة على أعلى الزقورة ، يبتهج الملك مما يراه وأنا أداعب بأصابع الطفولة جسد التاريخ ، وأمارس مع المانيكان الزمني لعبة الدمى المتشوقة لعاطفة الماء الحار ، وكأننا نسكبه على رأسينا لنصل الذروة ونقتل انفعال اللحظة التي تشعر فيها أور إنها في كل أزمنتها تظل مهددة من الغرباء. في تلك الغرفة الحجرية ، وفي فضاء البخار اللذيذ من نار الجمر القيري ، تشتعل وداد رغبة وتفيض على خاصرة الطفولة برعماً غضاً يميل مع الحاجة إلى أن نكتمل ونصبح رجالاً ثم تأتي الحروب لتأخذ فوق رؤوسنا قسطاً من الراحة فلا يعود هناك سوى ما ينتصب فيكَ مع الجرح ورسائل الأهل وتذكر من يرحل بعربات الفردوس إلى السماء من أصدقاء وأحباب وأهل. جسد وداد ، يقف وسط ساحة الحمام مثل تمثال عشتار ، يؤرخ للخصب ، فتغار نساء المدينة ، وكل واحدة تتمنى جسدها ، المترهلات والعجائز العزب ، وكل واحدة يجافيها الحظ ، أما أنا فأشعر بسعادة ، لأنها ستنظرني وذات يوم سأجعل من نهديها وسائد لخيالي ولذتي والزمن الذي سيأتي بمشاوير الشوق والعاطفة والولوج إلى فوهات المدافع. أتأمل جسدها ، خيط من اللحم المضيء يتمايل كما غصن في نسائم الهواء البارد ، أطيل تأملي إليها ، لو أملك الرجولة لافترستها الآن. ترد : الرجولة أن تكون هناك في ساحة الحرب. - الحرب دون امرأة تصبح موتاً أحمراً ، ومع المرأة يصير موت الحرب أزرقاً كبحر من أمنيات النجوم العائمة في شهوة السرير. تتأملني بعيون تشتهي في جوعها القاسي تفاحة حمراء ، تزيد من ميلان الغنج في جسدها الرخامي ، أشم عطر صندل وجوري وياسمين ، يزداد احتراقي ، لأقف مع طفولتي العارية ، وبجرأة محارب أرتمي بأحضانها ، ليصير المشهد ( طفل في أحضان امرأة تستحم ). تُصفقُ النساء ، وبعضهن يرفعن علامات الرضا والتعجب لجرأتي ، أمي تنادي : عد إلى مكانك يا ولد. أنا ارفض ..كما يرفض الجريح الأخلاء من ساحة المعركة. تقول وقد أخذتها رغبة الإبحار بدخان البخور الذي أوقده الكهنة في غرفة الصدى: يالجنون الحمامات وهي تعطي لأجسادنا مشاعر الحالمة بقدرتها على امتلاك نصف الكرة الأرضية. وأنت ماذا تمتلك عندما أكون لكِ وحدك مثل طائران يستنشقان بخار الحب في سماء صافية كبهجة الماء الدافئ على الجسد الطري. أمي تكرر النداء : أتركها ، فالإغواء المبكر موت ، ومن الصعب تربيتك كما يتمناه أبوك لكَ ، معلم في مدرسة أو موظف براتب معقول ترفع عنه ضنك الحياة ، أما أن تبقى ملتصقاً بجسدها هكذا مثل الخفاش ، فقد نخسر أحلامنا كلها في تربيتك. ترد وداد : دعيه عندهُ لهفة تعلم معنى المرأة ، معنى لماذا يهبنا الله هذا الجسد وتلك النعومة. أبقى ملتصقاً ، اشعر بخدر في ساقي النحيفتين ، رأسي بين نهدين بحجم قارة من العسل ، إذناي يلامسان شيئاً اجهله ، وبقوة عريف في فصيل منسحب ، تجرني إليها ، وبدوري أجرُ الأزمنة إلي ، فيفتح الليل بيني وبينها لذة المودة المدهشة ، ولكن ليس في عام العولمة ، ولا في عام الفيل ، وليس في عام سقوط قسطنطينية بيد الأتراك ، بل في العام الذي نصب فيه أور - نمو أميراً لسلالة أور الثالثة. تصف ذاكرتي المدرسية ذات يوم في رحلةٍ طلابية إلى أور غرفة مربعة من الآجر الأسمر في ركن بعيد من قبو طويل قال عنه علماء الآثار : إنه القبو الذي دفنت فيه الأميرة السومرية ( بو - آبي ) المسماة الأميرة شبعاد . لقد كنس المنقب المستعمر كل آثار القبو ( القيثارات ، الحلي الذهبية ، أواني الفخار ، أرغفة الخبز المتحجر ، الكؤوس النذرية ، تاج الأميرة المطعم بالذهب واللازورد وأحجار ثمينة أخرى ، أدوات الزينة ومكاحل العيون ، مساحيق الحمام والطاسات القيرية ) ، وأشياء أخرى هي الآن بأرقام وتعريفات لاتينية وتعرض في المتاحف الغربية. بقي الخواء الذي نتجول فيه نحن وبنات آوى وشروح الادلاء. هذه الغرفة يقال إنها حمام القبو حيث وجدوا قناني الطيب والصابون الشحمي وأدوات الزينة والمرايا. أتجول في الغرفة ، صبي في مقتبل العمر ، استعيد بهاء الالتصاق القوي بصدر المرأة المستحمة فتفتح صورة الحمام في مخيلتي هاجساً من الرؤية البدائية لحسية تخيل الجسد.فأجد في قصة الخليقة هذه الرؤية المتخيلة : هبطا عاريان ، وتماسكا بقوة ، كما الريح والغيمة ليهطل المطر ، فهطلا قابيل وهابيل . آدم أستحم بماء الفرات ، لهذا استحمت الأرض بحضارة أور وفيها نطقت أول حروف الكلام ، ومن هذا الكلام ، تقول أخيلة الخليقة ، نزلا مع ورقة التوت واستحما بماء النهر ليكون التعميد الأول لطهارة الجسد ، وبعد الطهارة يأتي الشكر والتعبد ومن ثم إغفاءة الفراش. الغرفة مربعة الأركان ، حجارتها صفراء لامعة ، النظر إليها يعيد إلى المخيلة مشهد ما يحدث في هذا المكان ، كم مرة استحمت الأميرة قبل موتها ؟ وكم عانت من ظلمة المكان وأحست إن حمامات الهواء الطلق أكثر اقتراباً لتأمل جمال الجسد ؟ فهنا يكون الاغتسال مرغماً وهي تتهيأ ليقظة زوجها المتوفى ، الذي سينهض من رقاده ليعيش الفردوس معها ، في اعتقاد من السومريين إن الحياة الأخرى قائمة بمجرد أن يدخل الميت وحاشيته الأحياء بوابة العالم السفلي ، لهذا هي تستحم كل يوم ، إلى اللحظة التي تشعر فيها أن لا فائدة بعد أن يقل الأوكسجين في القبو وتنتهي المؤن من الأرغفة والشراب ، ولا تسمح الظلمة لها بالعزف على قيثارتها ، فتستحم الاستحمام الأخير ، وعلى أرضية من بلاط بارد ، تتمدد الأميرة وتموت بعد أن تشاهد الخدم والنادلات والحاشية كلهم يموتون في يأس ورعب وصمت مطبق. بين الاستحمام الأول في النهر لحظة هبوط أول البشر ، وبين الاستحمام في قبو مظلم ، تبدو دورة الحياة واضحة ، نولد عراة ، ونموت عراة ، عدى موت الحرب ، فإنه يبدو مرتدياً عدته الكاملة ، والذين يموتون في الحرب ، لن يستحموا سوى بمياه الذكريات ، إن العوم فيها تكفل طهارة الجسد قبل النزول إلى قبو الأبدية ومن ثم الصعود إلى السماء. بينهما مسافة من تخيل الأنثى وهي تضع ورقة التوت على مساحة الخجل التي تمتلكها ، فأفرد لأجفاني مساحة قراءة في مدونة قديمة ، تخيلتها ورقة من دفاتر السير ليوناردو وولي مكتشف مقبرة أور المقدسة ، أو مذكرات صوفيٌ مر هنا وجلس فوق الزقورة وفاض في رؤية المكان بمرآة روحه ، واستحم بنور المكان وهو يتخيله عاطفة لطفولة سرية ، فتراه يدون بأصابع البهجة حالته الخاصة ، وأراه يرتعش كما أنا حين ارتميت بحماس الجندي الثمل في أحضان وداد العارية: كانت معاول الرجال تحفر في الأرض بحماس ، وكنت أراقب باطن الأرض وهي تفتح دهشتها من خلال لمعان اللقى ، والهياكل العظمية النحيفة لبشر لم يكن موتهم منظماً ، ومع كل فتحة لقبو جيد ، أكتشف الدهشة الجديدة ، ولكن أجملها تلك التي وجدَ فيها حماماً صغيراً في زاوية القبو وفيه يتمدد هيكل عظمي لأنثى ، عرفت بعد زمن انه رفاة الأميرة شبعاد لأنها كانت ممددة وقربها قيثارتها المرافقة لها أينما تكون حتى لو في مخدع زوجها. فيما ينظر الصوفي إلى المشهد ذاته بعبارة : غسلت جسدها بظلمة روحها فمسكت نور الموسيقى بخوف من لقاءه. أطبعُ الصورتين على جسد وداد ، فتهتز مرتعشة وضاحكة ، وتتماوج عضلات خاصرتها النحيفة كما مركب في عاصفة ، تغمرني رعشة بدائية كمن يتعلم اللغة بفطنة شاعر ، تغازلني عينيها بشهوة المبادلة ، فأشهق كما غريق ، فترد : شم هواي يا ولد تعيش الأبد كله. تقول أمي : لقد جعلتيه رجلاً..؟ ترد : وهكذا تفعل المرأة الماهرة! لقد بكرت معي كثيراً ، وأيقظت أحلاماً كان عليها أن تأتي بعد أن أغادر صباي ، غير إنها عكست في شبقها الفاضح وهي تصر على شدي إليها كما يشدُ الغريق على حبل النجاة ، رغبة فتحت في ذكورتي نوافذ أجدها أكثر متعة من دمى الطين ، والخبز بالسمن ، والنوم فوق السطوح ، حتى ألذ من قرش العيد. إنها فاتنة بغرابة لا يمكن تخيلها الآن عندما ينبض قلبك الصغير إلى جانب قلب من النار ، فتتهاوى عروش البراءة الطفولية كما تهاوت نغمات قيثارة الأميرة في لحن الحزن الأخير وهي تصب الماء البارد على رأسها وتتمنى زمناً كان فيه السرير ملكاً ، والعاطفة لحظة نشوء ، والقبلة معبراً إلى سعادة مودتين. جسدها حار كما ، بركان فوجي ، كان ذاك جسد ياكو موجي. لكن لا مقارنة مع جسد وداد ، فقد كان لنار وداد طعم البرتقال ، فيما كان لجسد موجي طعم الرماد الذري ، وبالرغم من هذا كان تنظر إلى عيوني فتتخيل واحدة غيرها ، وحتماً كانت ترى صورة وداد ، وكنت أتمناها ترى صورة أمي . وبين العري السومري ، والعري الياباني يكتب ساداكي ( شاعر من العصر الوسيط ) هذا الهايكو اللذيذ : (التي تستحم بضوء القمر .. بأصابعها المرتعشة تمسك خيوط فجر السرير الإمبراطوري.) أنا الآن أمسك خصلة من شعرها الطويل الناعم ، وكمن يعزف في عود أندلسي ، تدون أصابعي برقة أشارات رغبة ما ، فتستسلم الفتاة إلى رغبة الأصابع وتؤشر بعينيها الصغيرتين إلى رغبة الاستحمام ، فينساب على رؤوسنا الماء والمودة والحب الذي يعود بي إلى لحظة الشرق الممتع في ذلك المكان الذي كن فيه نساء محلتنا يمارسن مودة الماء ، والصابون والثرثرة. أما بنت بلاد الشمس ، فهي صامتة كما وردة في نعاس القمر ، لهفتي معها لم تكن شفتين تمتصان الرحيق فقط ، بل أنفاس تتصاعد كما موجة البحر في عاصفة عينيها ، فيزداد خفقان قلبينا ، ويزداد هدير الدبابات التي تكتسح رمل المكان الأثري ، فا خاف بفزع على ذلك الحمام القديم الذي كانت فيه وداد تمارس غواية لم أر مثلها لذة وطعم وشهوة ، غواية بدائية تخبئ بين ملامحها أنوثة مفعمة بشيء من موسيقى الجسد والقبلة والإيماءة ، عندها التفت إلى الصوفي الجالس فوق الزقورة ، فتخذلني فيه نظرة ، وأصرخ : - وداد ..لقد أنسيتي هذا العبد ربه. تضحك ، وكمن يرفع رطلا من الورد ترفعني بموازاة عنقها ، وتقول : شمني أيها الولد ..شمني بعمق، وتعرق ، وانفعال.... أشمها ، يذوب فيَّ طفلٌ برئ ، ويولد رجل وحشي ، تتحول أظافري الناعمة إلى سكاكين ، يسيل من صدرها الدم الفائر ، فأشعر بفرق الفوران بين دم الأظافر في لحظة الهيجان ، وبين الدم الذي تصنعه شظية الحرب. الفتاة اليابانية تبتسم ، أمي تبكي : لقد ضاع الولد ، التاريخ يقول : كانت الحمامات السومرية تنتشر في كل التجمعات السكانية ، وهي مكان ليس للاغتسال فقط ، بل هي للخلوة ، والمنادمة ، والغناء ، واكتشاف الجمال الأنثوي. وكانت الأميرات السومريات يجلبن القيثارات معهن إلى الحمام ، أما الملوك ، فكانوا في حماماتهم يستمعون إلى أغنيات الكاهنات في حمام مجاور ، وبين حائط وحائط ، أضع جسدي في أحضان وداد ، وأجعل جسدي يغادر طفولته ، ويمسك كمن يمسك على مقبض السيف رجولة تداعب بافتنان العصافير ، نهدين جامدين لفتاة جاء من أقاصي آسيا لتقص عليه فتنة الحلم ولتبقيه عند خط الحزن بين دمعة نياكازاكي وأور. تدفع بلسانها الحلو إلى فمه ، هو يدفع بخنجره إليها ، ولقاء شفاه وخنجر في حمام نساء ، يعني لقاء قارتين ، لقاء النسمة والعاصفة ، العبد والسيد ، الذكرى والأنثى ، وأمي والحرب. عميقاً تذهب معي ، تداري كل ما في جسدي من أمكنة وشمتها الحروب والحصار بدمعة الفقر وخيبة الأمل التي لم تسمح لنا بالسفر إلى أبعد من بغداد ، تهمس بلهجة الساموراي وتقول : ضع سيفك حيث الخاصرة. وببطء وحذر ، أضعه ، فأراها مثل وداد ، كمن يشهق من موت الاحتراق ، فأدير العين إلى المتصوف الجالس فوق الزقورة ، فأراه غارق في عبادة الضوء ، ويطيل التأمل في حضرة المكان ويسأل غيب المكان : هل كانت الخاصرة وجهته .؟ فارد وأنا أمارس شوق اللحظة الفائرة مع التي تستحم معي : بل كان وجهته النور ، وعطر الصابون ، وطاس القير ، ولحظة الانتحار. وهكذا يصير الجماع رؤى مودة ، أطيلُ معها الرقاد في بخار الدفء ، وأحس بهيجان الزمن الذي يمشي على عكازين من دمعة وسؤال : ترى هل أعياد النساء في هكذا الوضع حين يكون الشوق تلاقي الجسد بمن يحتاج ويود ، توازن أشيائنا التي انفلتت من عقال اللحظة وصارت حروباً ومنافي ومقابر. فأحن إلى حمام البدء ، وأحول شهقتي مع هذه البنت ، إلى طفولة تجتهد في الوصول إلى الذروة عندما رفعتني وداد إلى أعلى الكتفين وقالت : هات ما عندك. الذي عندي كان مثل مخزن بندقية دون عتاد ، لم أمنحها سوى شهوة النظر ، وخطوط سعادة ملونة بخجل قهقهات النساء ، وهن يشجعن وداد على مزاولة ما يتمناه باطنها في صورة مزاح. المزاح في التلاقي لا يصنع الاكتمال في الوصول المتبادل ، ولهذا حاولت الإبتعاد عن الجسد المستعر من حرارة الماء ، لكنها أصرت لأبقى ، نظرات أمي أفهمتني رغبتها بمغادرة المكان ، وببطء كنت انزل رأسي من أكتافها ، ولحين وصلت إلى حلمتي العنب ، شعرت بغليان يثور بنار بهجة خفية ويكتسح أعماقي ، عدت ثانية أتسلق جسدها ، شعرت بشيء يبهجها ، وعادت تقول متفاخرة أمام حيرة أمي : هاهو يعود ، لقد أشعرته بما فيه ، ولولا كن لكان عرساً حقيقياً. تعالت القهقهات بقوة أكبر. أمي قالت : يبدو إنني خسرت ولدي. شعرت بحاجة للنوم .أغمضت عيني واستسلمت إلى نشوة من يستسلم لأمطار الصيف في حديقة. من أيقظني ، من مسح على خصلات شعري بأصابع رقيقة كعود بخور ، من همس : أستيقظ فقد صاح الديك ودق جرس المدرسة ، لا أعرف ...؟ الذي أعرفه إنني ما زلت أبحث في فضاء الحمام السومري عن ذكريات كانت تدون يوميات مدينة ، صباحها يبدأ بأبتسامة موجة نهر ، وينتهي نهارها بتثاؤب نخلة ، فأنسل إلى غواية المكان أبحث عن واحدة تطفو بصدرها على كتفي ، فتتوقد نار العبادة للدمى ، ويأتي استحضار الروح بسر المدونة ، وتحاول واحدة أن تداعب برقصتها الرقيقة خواطر الكاهن أو رب المنزل أو الملك المنتشي أو حتى جندي أتت به أقدار الدبابات من ايرزونا ، فيجتمع عندي مشهد كامل عن تواريخ غرائز الطفولة وتساؤلات الفلاسفة ومبارزات الجند ، وشروح المعلمين وتأوهات ليلة العرس وأبواق الحرب ، وضحكات اللائي ذهبن في ظهيرة آب إلى الحمام الذي دهنت جدرانه بالقير لمجرد سماعهن خبر عودة الجنود من ساحة المعركة. وأنا التفُ على صدر وداد ، وأتعطرُ بنعومةِ الشحم ومساج اللحظة الفاتنة ، وأشعر إني مثلهم قادم من ساحة حرب ، ولكن إلى ساحةِ حربٍ أخرى. وعلى بساط الريح ، حيث أيامنا كمشة قطن ننسج منه محطات أقدارنا وما حل بنا في مكان لم يذق من الموسيقى سوى مقدار دمعة ليس لها خيط مع تلك الأمكنة والأزمنة واللحظات التي تشد فيها الشظايا خواطر الجنود وتبعثهم إلى مهاوي الصمت ، وحتماً كل واحد تتعلق في أشواقه بوابات حمام نسائي كان في طفولته يفتعل البكاء والتوسل ليكون هناك ، حيث ألف وداد ، وألف لبنى ، وألف هيفاء ، من يوشمنَ على أفخاذهنَ نصوص الأساطير والمداعبات بدءاً من ملحمة جلجامش ، وحتى دكة البيت الأبيض. تتأملني ياكو موجي ، وكأنها تقرأ كل محطات أزمنة المكان الذي مارست عليه السيوف مساج حمامات الدم والنواح ، وتسأل وهي مخدرة تحت نشوة ما أقمته معها من وداد الجسد ودعابة الشفاه ، وصنع الذروة المشتركة : - لماذا نحب ..؟ - لأننا نشعر فيه ، كمن يشعر بهواء يملأ صدره ، فيصبح من متطلبات حياة ينبغي أن نعيشها كما عاشها آدم في مودته لحواء ، لهذا عندما نفكر بهاجس نشعر فيه بالحقد أو الكره على أحد ، نضع بدائل المودة ، نحس إن كرهنا وحقدنا في غير محله. فيكون الحب اقرب البدائل. - ولماذا نموت ؟ - لشعورنا بأن الذاكرة الهرمة لم تعد قادرة على صناعة الحب ، وهذا يعود إلى تركيبة الجسد الذي تتلف فيه كل حواس اليقظة ، وتسيطر عليه الأفعال الخاملة والذهن الشارد والعجز عن الحركة والتفكير ، فيختفي الحب ، ولا تبقى سوى آثاره ، وبالتالي تولد في شيخوختنا رغبة غامضة لعودة طفولية من أجل صناعة حب ، فلا نقدر ، وربما غيرنا يصنعها في كتاب أو سيرة ذاتية ، ولكنها مجرد حبر على ورق فيكون الموت حق. - بعد خمسين سنة من لحظة العري التي اصنعها معك الآن ، وعندما نفترق ، وتعود أنت إلى المكان الذي اشتهتك فيه وداد أول مرة ، وأعود لأقرع في ناقوس استذكار ضحايا هيروشيما ، ما الواصل الذي يبقي بينا لنكون متواصلين كما يفعله المتصوفة عندكم ، في جعل الزمان خيط وصل بين النور الفضائي والقلب الساكن بين الضلوع؟ - لا أدري ، ولكني تعلمت من جنوب صنعه الله من لوح الطين أن اكتب كل اللحظات الحلوة ، وحين أغادرك الآن ، حتماً سأكتب تفاصيل هذه المدونة ، وستبقى في دفاتري لحين تحين الساعة. - وماذا بعد ذلك؟ - ذلك ما انزعج منه دوماً ..ماذا بعد ذلك ؟..ربما مثاوي الصمت التي رأيتها في صمت الهياكل العظمية الممددة على أرضية قبو الأميرة شبعاد هو الجواب الذي ينتهي بمطلق لا نعرف ملامحه سوى بذلك الأيمان الذي تغرزه الديانات بفطرة الروح ومعتقد المكان ، وهواجس أخرى تزرعها فينا الطقوس والممارسات وغفوة الليل على السطوح حين تمد ناظريك إلى عمق السماء البعيدة وتحيل مكانك هناك ، في الفردوس الذي تملأه النساء بعبير العطر والعناق والثياب التي تشاهد من خلفها كل شيء. - بوذا يفترض مثل هذا ، لكنه يضع الفردوس في ذهاب الضوء إلى حيث ما يمكن. - وماذا يمكن أن يكون هناك؟ - ربما مثل فردوسكم. - مرات أتخيل الحمام فردوساً صغيراً ، مادام ساكنوه كما خلقهم الله ، مثل آدم وحواء أول النزول. وفيه يشعر الإنسان بخلوة حقيقية ليفترض ما يشاء، وكانت كل افتراضاتي هي نهاية الحرب ، وعودتي إلى بيتي ، هناك بمقدوري أن أبدأ من جديد ، وأستعيد مع وداد التي صار عمرها ستين عاماً ولم تتزوج ، بعد بهجة ما كان موجوداً ، الخيال الذي يسوره بريق أحلامنا المدهشة ، تلك التي كانت تصنعها المشاهد الرومانسية في أفلام السينما ، صدر هند رستم ، وسرير مارلين مورنو، وأراجيح عيد الدراهم المضيئة كما وجوه الفضة ، وقبل ليلة العيد تحتفي الحمامات بنا ، وتحتفي في نظرات وداد وشهوتها الاستوائية فأحترق في ليلة التمني ويمتد عمري إلى الأمام بسنين طويلة ، أحلمُ ..أحلمُ ..حتى أرتطم بقبعة الجيش. وبين الارتطام والجسد الرخام لهذه اليابانية الذائبة كما قطعة الثلج في فم شمس دافئة ، أمارس التمني وأعيش لحظة المنى من جنس أصفر بعد أن تعبت من سواد الكحل ، وخاصرة الطين ، وقبلة التراب والسمك. وبين جسدين تتقلب ذاكرتي في فصول تذهب وتأتي وذاتها حياتنا لم تعرف بعد مستقراً ، وعلي حين أكون عاجزاً عن صناعة ما أتمناه أعود إلى ما افترضه رجولة لإثبات ما كنا نتمناه ونشتاق إليه ، ونذبح أعناق خواطرنا لأجله. خلق الله المرأة لتكون مرآة لنرى فيها ما يكمن فينا من مشاعر متضاربة اتجاه حقائق كثيرة ومنها قضية الوجود الإنساني على الأرض دون سواها من كواكب المجموعة الشمسية. وفي غرفة الحجر المربعة بزاوية القبو المفترض لشبعاد وحاشيتها ، تضرب الموسيقى لحناً من رتابة تعاقب الأيام ولاشيء يتغير. وكلما يداهمها ضجر الظلمة وبؤس الجالسين معها ، تتعرى وتغتسل ، وتغني. أفترض إني اسمع أغنياتها الآن ولكن بصوت وداد وهي تخط بأظافرها الحادة أنوثة طافحة ، بعدما صارت منذ بهجة الحمام الأولى يوم رفعتني إلى صدرها كمن يرفع أحضان عشقه على وسادة الحب ، تجمعني فيها خلوة ومبادلة بت افهمها على أنها غرام نمارس فيه طقساً من المودة والمشاركة ، تأخذ مني ما تريد ، ولا احصل على شيء سوى عرق يتصبب من جسدي مثل ينابيع غزيرة ، بسبب إنني لم أكمل العاشرة بعد. تغني وداد، تدعوني إلى مشاركتها لنستحم سوية في حمام من حجر قيري جلبه والدها الذي كان عاملاً في سكة حديد بمحطة أور ، لقد أرادت أن يكون لها حمامها الخاص ، وليس لأحد يشاركها بهجة البخار والماء الدافئ سواي ، فلقد انزعجت كثيراً من نظرات الشبق وقهقهات النساء عندما كانت ترفع جسدي فوق خاصرتها. في ذلك الحمام الصغير كنت أسمع شدو غناءها يفيض بأنوثة الموسيقى وتمني صياح الديك والجسد الناعم ، لتقول لي : جسدكَ ناعم ولكن صوتك رقيق كأنثى ، ليته أخشن قليلاً ، لكانت متعتي معك جارحة. أتذكر الجرح ، الجرح العميق الذي أحسته شبعاد وهي تدرك أن لا سرمدية في هذا القبر ، وأن عليها أن تنتظر بؤس قدرها ، فراحت تستحم وتعزف الموسيقى ، حتى اختنقت وماتت حين نفذ كامل الهواء في القبو. أتخيل موت الحمامات ، يكاد يكون في تصنيف هواجس الموت ، من اللحظات السعيدة التي يودع فيها البشر طورهم الحياتي ، وربما طقس المؤانسة في الحمام يساوي لحظة الأبد التي يشتاق إليها الجنود في المواقف المرعبة ، فيتذكرون ما كان يجري هناك ، ليس في أقبية الموسيقى فقط ، بل في حمامات القصب التي كانت تبنى في أركان القرى عندما يجبر الصيف النساء الناهدات بالاستحمام بعد أن تكون الأهوار المكشوفة غير صالحة لتظهر للرائي فتنة الصدر ونعومة الساقين والضفائر الطويلة وهي تبتل بالماء مثلما تبتل السمكة بالطين وضوء الشمس ودمعة الصياد. وبين حمامات الأمكنة السومرية ، وحمامات اسطنبول ، تدير الحرب القديمة ظهرها للحظة الخوض في معركة جسدين على رخام حار ، وعطر شامبو الألماني وصابون يعطر بالياسمين الجسد الممتد بنحافته اللذيذة إلى أعماق نظرتك الحزينة ، وأنت منشغل بطقس الحب ، ومدينتك منشغلة بطقس تحمل أوجاع الدبابات والدوريات اليومية للمارينيز.
بلذة رغيف خبز حار ، تملكتني سعادة مشعة ، لحظة أمرني والدي بمرافقة السيدة الأجنبية التي سمحت لها الحكومة بالتنقيب في بقايا التلال الأثرية التي لم تبق حتى هذه اللحظة ، والتي تقع بجوار المقبرة الملكية التي نقب فيها في عشرينيات القرن المنقب الاثاري ليوناردو وولي والذي بفضل كشفه الرائع لأقبية المقبرة الملكية عشت لحظات تخيل الاستحمام في ذات الحمام الذي كانت الأميرة السومرية بو آبي تقيم مودة الحزن الجنائزي الأخير وهي تصب الماء على جسدها في شعور منها إن الماء والموسيقى حين يلامسان الجسد فربما يقربان لحظة الفردوس المنشودة... كنت وقتها أمسك صباي من خلال وجه أسمر ، وشعر أسود وعينين صغيرين تبعثان النظرة بحزن الفقر الذي ملكناه جراء هجرة جدنا من الريف إلى المدينة من قحط ضرب قرى الجنوب ، وبالكاد حصل أبي على وظيفة حارس بالآثار ، وكان لا يأتي إلى البيت إلا أياماً قليلة خلال الشهر ، فكنت لصيق أمي ، ولكن في صباي وخصوصاً أيام العطلة الصيفية صار أبي يأخذني معه إلى تلك الأمكنة التي يحرسها ، وكان ذلك بناء على رغبتي بعد تلك الرحلة المدرسية التي تعلقت فيها عيناي بخيال ما كانت وداد تظهرهُ من فتنةِ الجسد والنظرة في حمام النساء. تتجول السيدة بين الطلل المغبرة بعصور النسيان ، يشع في تخيلها ضوءاً غريباً ، وكنت أستعيد مع نظرتها ، شيئاً من هلع طفولتي عندما يضطرها الحر اللاهب إلى خلع ملابسها لتمدد بجسد الشحم الثلجي وتستلم لموج من شعاع الشمس الذي تظلله بمظلتها الملونة وتغفو كمن يستعيد لذة أطياف تمنحها الشعور بالمواصلة مع شيء ترغب مجامعته بجنون. بعيون بحجم وردة عباد الشمس أفتح لهفتي التي تعودت النظرة إلى العري فيتملكني ذات الاشتهاء ، فلا أفكر أن أبعد نظرتي عن جسدها الملتهب بالضوء والرمل والإغفاءة التي كانت تلتحم مع أطياف الأمس وتصنع لذتها على الجسد الثلجي ليبدأ معه مداعبات خاصة فافترض أصابع لملك سومري تحرك فتنة الشوق على خاصرة المرأة الأوربية فأشاهدها تتلوى من اللذة والفرح مثلما تتلوى العاشقة بين أحضان الحبيب في اللقاء الأول. إن تخيل سيدة من الشحم الجرماني تتلوى مثل أفعى مشتهية على تراب الزمن لكفيل بصناعة الهيجان حتى في مخزون الذاكرة لهذا امتدت خيوط طفولة النظر الذي تسرقه الأجفان ببراءة في حمام تملئه الثرثارات وقرع أواني النحاس للتشكل رؤيا جديدة في التخيل المبكر لعمق الذات التي أرقتها ويلات الزمن وحشرجة في حنجرتها أبواق الحروب وبطاقات التموين لترسم صورة المخيلة الأخرى لافتراض أن تكون هذه السيدة تتكامل في وعي العري والشهوة والحفر في أقبية التاريخ لتحصل على همس غريب وخمرة آتية بقوافل من ارمينا وصوت قيثارة يدع المداعبة الأنثوية بين ملك ومنقبة آثار هي مداعبة بين حضارة الأمس وحضارة اليوم. كانت السيدة كاترين دالاس والموفدة من جامعة بنسلفانيا الأمريكية تنظر إليَّ ببهجة من يمارس شوقا مع آخر لا يراه ، وكلما ابتسم لها ببراءة مشتهية تبتسم أيضا ، حتى تخيلتها وداد التي ستقول لي بعد لحظات : تعال وادخل أحضاني الملتهبة ، وكما كنت افعل مع أنثى الحمام ، سأدخل الحضن الدافئ وأمتع براءتي برجولة مبكرة ليس فيها سوى اللذة الغامضة وشيئا من حرارة القبلات والمداعبات اللطيفة ، لكنها وكما صاغ لي خيال الرؤية ملتحمة مع عالم تعشقه وقطعت لأجله آلاف الأميال لتكون في حضرته ، وعرفت إن ابتسامتها التي كانت ترمق فيها شهوة صباي هي ليست لي ، إنما هي انعكاسات حسية لما كانت تتلقاه من جسد ما يداعب فيها رغبتها الفائرة وعلى هذا النهار كان الملك السومري يدخل سيوفه في أحشاء المرأة فيما كانت هي تحفر بمعاول التنقيب في أعماقه والى حين غروب الشمس قرأت على جسد المرأة العاري تفاصيل ملهمة من المودة واللهاث والسكر وحوارات الميثولوجيا بين ملك سومري ومنقبة آثار ، ولأنني لم أغمض عيناي فقد تمتعت بالشجن الذي كان يدور بينهما في حمام شمسي ، وكما كنت في حمام وداد صنعت من متعة رؤيا المشهد كله في عيون المرأة المنتشية قصة لحوار دار بينها عندما كان الملك شولكي يعزف بقيثارته هواجس عشق هامسة ، وكانت هي معه تغط في ذات العشق ولكن بفوران أكبر. وعلى صدى الفوران الأكبر تولد شيطانية أخرى في رأسي ويقف انتصاب غريب بين فخذي ، فتدور ذاكرة الحلم كما دورتها الأولى في حمام النساء ، وفي ذروة الهوس المتبادل بين الملك السومري والسيدة الأجنبية يرتجف فيَّ عصب الحس السادس وتستيقظ اللحظة المتمناة لتتدلى على طرف الجفن السيدة كما يتدلى خفاش من حزنه بعد خيبة حب. واستجابة لسذاجتي وأنا أحاول أن أتفنن معها بحركات جديدة، كميلان جسدي مثل دوران حمار في ناعورة، أو إدخال رأسي في كهف صدرها كما يفعل الديك وهو يدخل رأسه بين جناحيها، وكنت أردد كلماتي الأولى يوم فضت بكارتي في طفولة مبكرة، عندما صحبني والدتي إلى حمام النساء أول مرة لأكتشف العالم برؤاه التي لامناص من العوم فيها حتى عندما يكون الرغيف عزيزاً ، وأمامها جلس القرفصاء خائفاً من ضحكتها السريعة وعينيها الزرقاويتين كبحر مفتوح إلى سماوات البهجة التي يعيشها الآن برغبة أن تكون له وليس لهذا الملك الذي يحرك لسانه على مساحة صدرها المشع بالبياض الناصع ، فأرى متلهفا وتنزل منه قطرات عرق غزير كما لحظة عنفوانه في ساحة معركة ، فيما تعيش هي اللحظة المدهشة بسمو آخر ، وبين لحظة وأخرى ترمي نظراتها صوبي وتهديني شيئاً من ابتسامة ليس فيها تمني من الذي املكه لأجلها الآن وقد أبقت حمالة الصدر وبنطلوناً قصيراً جداً، فكان كلما رفع رأسه ليتأمل جسدها المنحني وصدرها رمته بقهقهة طويلة وحدثته بعربية غير واضحة: (خذ ماتريد أيها الملك ، فأنا أحب حمامات الملوك ورجفتهم المدهشة. تنظر إليه يتلقي بريق عينيه بشهوتها ، تمد ابتسامتها إليه كمن يمد حبل نجاة لغريق ، ترتعش ساقيه ، وبصوت يحمل الغنج والمتعة من ممارسة طقس عذب تقول : عفريت ولد سلمان ، لا تريد أن تغمض عينيك ..عفريت ولد سلمان ... يرتجف. إنه ليس عفريتا، بل حزين فلم يعتد أن يرى غير نساء تكور اللحم في أجسادهن نتاج الجهل بمتطلبات الأناقة والرجيم ، وليس في ذاكرته سوى وداد الذي صنع الله جسدها من طينة خاصة ، والصور التي يراها لنساء الأجانب في المجلات هي صور لنساء يشبهن الملائكة في قصص جدته. مارلين مونرو مثلاً، برجيت باردو، هند رستم ، نادية لطفي، ولكن هذه المرأة الأجنبية التي تتمدد بجسد يضئ مثل مرايا خزانة ملابس العرس ، تلك التي أخذتها إليها وداد وتعرت أمامها بغنج لتريه لتعلمه كيف يغادر طفولته مبكرا كما تغادر العصافير أعشاشها الدافئة . إنها تخيفك يا سلمان، وأبوك لا يزال بين أطلال قبور الملوك الذين سحروك، يحمل بين طيات ثيابه غبار أزمنتهم، ولا يعلم إن ولده الصبي أمام الامتحان العسير والرعشة المسكونة بخوف وشهوة وعيون لا تريد أن تبعد مساقط ضوءها عن هذه الحديقة التي تلتحف التراب وتمارس مودتها مع ملك جاء من معطف التاريخ ليرتدي فحولته على حساب اللحظة التي أردت متعتها لي وحدي. ولكن لحظات الخوف لن تدوم ، فبيدين رقيقتين قدمت إليك قطعة حلوى، وشطيرة جبن لذيذة . للمرة الأولى في حياتك تتذوق غذاء معلباً. قالت: إنه لذيذ. ولأنني جائع أكلت. لم يكن لذيذاً، كان مالحاً، حتى الخبز المحمص كان مالحا. قالت مرة أخرى: ها سلمان لذيذ؟ قلت وقد ارتجفت الكلمات بين شفتي: لا شيء ألذ من طبخ أمي. - ولد عفريت تتكلم بشجاعة. كم عمرك؟ - اثنا عشر عاماً يا سيدتي. - في المدرسة؟ - نعم.. أقرأ جيداً، وأتعلم الكتابة حتى فيما لا يخص الدروس، من أي بلد أنتِ؟ - من أمريكا. - أنا رأيت نساء من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، أراهن في المجلات. إنهن جميلات جداً. ويلبسن مثلما تلبسين، وخاصة عندما يقفن على البحر للسباحة. - ولد سلمان. أنت شيطان صغير. تحب النساء العاريات. طفح الخجل الوردي، وقلت مع نفسي، وكيف لا أحب وقصص ألف ليلة وليلة حملت إلي في طفولتي جسد ألف جارية عارية. وذلك الحمام الذي دلفت إليه مع كل طقوس الفقر والتشكي والحاجة وسعال أبي ، وحسرته التي لم تغب عنه يوم أجبره القحط على ترك حقوله العطشى لتموت أمام عينيه كما تموت سمكة الشبوط على جرف الشاطئ بعد أن تبعدها شبكة الصياد عن دفء الموج. لكن هذه المرأة تقربني إلى دفئها من خلال نظرتها فقط ، فلا أمتلك سوى خيوط من براءة حزينة أنثرها على الجسد اللامع مثل وصف سكن مخيلتي للمتنبي كما الدراهم على رأس العروس ، فيتجاذب فينا شيء مشرك وأحس غنها مثل وداد بدأت تتمنى صناعة الرجولة المبكرة في جسد صبياني ، وكأنها في نظرتها الجديدة أرادت مني أن اقترب منها ، لكن أصابع الملك تحركت بما يشبه إشارة الغضب ، وأومأت لأبقى بعيدا ، وبقيت السيدة مستسلمة لغربته الجديدة وكأنه يعاود حلم لياليه القديمة مع إناث جلبتهن قوافل سومر من ارمينا وبلاد ما وراء النهر وربما من أمريكا نفسها. ولأنني لم احصل على وداد ثانية ، أخفيت نظارتي المشتهية في الأفق المفتوح على سماء لا تنتهي ، وبدلت متعة الرغبة بحمام الشمس مع الجسد الذي يظهر نصف مفاتنه لفم الملك وأصابعه ، ولحين أكمالها خلع كل ما عليها كنت أتصبب عرقا ورغبة بما كان يجري من متعة الحوار ومودة التصاق الشفتين بين الملك وعالمة الآثار. قال الملك : الملوك لا تهيج فيهم عاطفة المودة إلا مع امرأة في حمام. قالت : وأنا معك يا مولاي في حمام الشمس. - كل موتي تصاحبها نغمة من قيثارة تمنح الجسدين قوة لإبقاء التلاصق قويا وعميقاً. - أفترض قبلاتي لك موسيقى ، وسترى كم سأكون عميقة معك في مودة قطعت من اجلها محيط لا يعد بمسافة. - جئت من اجل التماثيل والألواح أم من أجل مودة مع ملك في سطوع الضوء هذا. - الاثنين ، ولكني لم أكن أتوقع أن أكون في حضرة جسد أتمناه ، ولهذا قد تكون الرغبة بكشف مزيد من التماثيل والألواح أمر ثانوي مع هذه اللقية اللذيذة : أحضان الملك. - غداً سيكون موعدي مع حرب أخرى حيث عيلام تنتظرني بسيوفها عند البوابات الشمالية لحدود سومر ، وسأفارق القيثارة وأعاشر السيف ، غير إن عشرتي معك الآن كفيلة بخلق متعة نسيان ما سيأتي به الغد لهذا أتمنى أن تكون بهجة مودتي معك في حمامي الأثير الذي يقبع فوق زقورة أور ، تلك التي بناها جدنا أور نمو لتكون ملاذا لنا حين نحتاج محبة الآلهة وعاطفة المودة لمن نتمناه ، هناك في قمة الزقورة سيكون لنا مودة الماء والطيب والجسد ، فهل تقبلي دعوة الملك. ممتنة كثيرا يامولاي لهذه الدعوة، حمامات الشرق هي السحر بالنسبة إلي. ومثلما يحمل العاشق محبوبته من بين وسائد العشب ، حمل الملك السيدة الأجنبية ، وهي تحمل بين أجفانها غفوة سكرانة ، لتنسى موعد التنقيب وزوجها الذي تركته بين الطلل يدقق في خرائط أمكنة محتملة تركها قبله المنقب ليوناردو وولي ، لتغرق في نعاس ازرق صنعته نشوة الحضن الدافئ للملك وهو يصعد معها مدرجات الزقورة ليقضا معا خلوة ممتعة في حمام جدرانه من الحجر الناعم وأرضيته من مرمر ابيض جيء به من بلاد الشمال. أنا أيضا صعدت ورائهما أجر أذيال شهوتي وحزني كما يجر الحصان المريض عربة البطيخ. في داخل حمام الملك ، جلست الآثارية كاترين دالاس منبهرة من جمال الملك وسائله إياه عن معنى أن تكون الحرب بدلاً من الجلوس في الظل وارتشاف كاس من الكونياك والبدء بكتابة يوميات تبدأ من العضلات الخشنة لعامل التنقيب "حمودي" وتنتهي بلهاث أنثوي ملدوغ في غرفة بفندق الهلتون في لندن. أو نسيان هم صليل السيوف ودربكة عربات القتال والبحث عن مجد بمعونة الآلهة والعوم في عطر الجسد وروحه اللذيذة ؟ ولكي يجيب عليه نزع خوذته الحديدية، وعندما فعل، همس لـه كبير الكهنة من وراء الباب ، وكان يتلصص معي على خلوة الملتصقين ببهجة البخار الحار والعطر الطيب كما يتلصص عين البوم في ليل البستان الموحش: مولاي لا يصح لملك خلع عدة الحرب من أجل امرأة! - ولكنها ضيفتني، دع الحرب الآن ولنرد على تساؤلها. همس الكاهن إلى مساعده: سينسى الملك جيشه المتأهب أمام بوابات السور وينشغل بعيون هذه الصبية، من دعا رجال الآثار إلى هنا؟ عرف الملك همس الكاهن، وقال: القدر واحد لأي سومري ملكاً كان أم من عامة البشر حتى الآلهة لها قدر فدعني أتمتع بهذه العيون. ولكنها عيون غريبة يا مولاي؟ - فنيت نصف كنوزي نذرا للآلهة لتمنحني شيئاً غريبا ولم تفعل، أرضى أن تقتلني عينا امرأة جميلة وهي تدعك أكتافي بأنوثتها ولا رمحاً يرمى عليّ من الخلف. ارتبكت كاترين وقالت بأدب فكتوري: لست قاتلة يا مولاي، أنا زوجة رجل آثار ومساعدته قال الكاهن: وما هذا المعول الذي بجانبك؟ - إنه لزوجي ، وقد جئت لننقب عن سلالة كان مليكك واحد من رموز أسطورتها عندما كان يعزف بقيثارة لها سبعة أمتار فيما بقيت الحضارات لم تكن تعرف سوى الناي عازفاً في ليل مودتها وشجن الحزن وطقوس تقربها إلى الآلهة.. أحمر وجه الملك من هذا الإطراء. انتفخت وجنتاه، تمنى ما يتمناه كل رجل، شده عطرها وزرقة عينيها. كان في يدها كتاب. تلمسه بأصابع مرتعشة وتساءل: ما هذا؟ قالت: هذا لوح من ورق دونت فيه مسرحية لكاتب اسمه "شكسبير" تراجيديا تؤدى من قبل البشر. نحن لم نكتب في ألواحنا سوى ما نشعر فيه تجاه الآلهة حتى لا تظن بأنا نخونها. - وتلك هي مصيبة هاملت، خيانة وموت. - خلعت درعي كي لا أموت، فيا سيدتي ابعدي هاجس الموت بشيء من غرابة عينيك وما مكتوب في هذا اللوح. قال كبير الكهنة بشفتين مرتعشتين: مولاي لا يحق لملك أن يقول سيدتي سوى لجلالة الملكة. الملكة لاهية بقيثارتها وأحجارها الكريمة. إنها لا تعرف إني خارج للحرب اليوم. قالت وقد تضايقت من تدخلات الكاهن: - أأمره يا مولاي أن يبتعد عنا عشر خطوات. شعرت بسعادة عندما تمنت على الملك أن يبعد كاهنه فقط عن المكان وهي تعلم أنني وراء الجدار أمد مسامعي لإغراء الهمس والمودة وما تصدره الأنفاس عندما يتلقى جسدان ، وحتما كانت كاترين تعلم بمستوى الشهوة التي تسكن صباي وأنا أتخيلها تفعل كل شيء في أحضان ملك نسي الحرب والتجأ يطلب لجوءاً عاطفياً في أحضانها الدافئة. قال الكاهن: همس النساء يؤذي الذاكرة وسومر لم تعتد إلا على همس الآلهة. أرجوك يا مولاي لا تلبي رغبة الغريبة. وبحركة رشيقة باعدت ساقيها ليظهر بعض من لمعان نجوم لذيذة. أغمض الملك عينيه وقد رسم الحياء على وجنتيه خطوطاً وردية مرتعشة. - ابتعد يانام- سين ودعها تهمس. قد يجد مليكك في هذا اللوح الذي تمسك أشياء جميلة. قال الكاهن: وسأظل أراقب هذا الهمس بنظراتي وإن لم أفسره سأشكوك إلى الآلهة. ابتسمت كاترين، وبدأت تفرك بين أصابعها دمية فخارية. قال الكاهن بذعر: ما الذي تفعلينه أيتها الغريبة؟ دعي تمثال ننار، لقد صنعه أطفالنا لحماية ملكنا في حروبه. وبحركة أكثر رشاقة من عازفة قيثارة مدت أناملها إلى عنقها الرخامي وداعبت أحجار قلادتها اللازوردية، وقالت: لا عليك أيها الملك ستكون بأمان معي. ثم أخذت بيد الملك ودفعته إلى جسدها كمن يدفع حمامة بيضاء إلى أحضانها ليمارس معها رفرفة الجناح وعذوبة الزقزقة : "هنا ستكون خلوتي معك بعد أن مللت غطيط زوجي. سأجعلك هاملت متحضراً يرتقي بهواجسه إلى تلك الغرائبية التي أبحث عنها لتكون عنوان مذكراتي. ومعاً عاشا اللحظة متلاصقين كشجرتين بجذع واحد. فيما وقفت عذارى المعبد يمسكن شموع الابتهاج لملك قرر بدل الذهاب إلى الحرب مؤانسة هذه المرأة التي لا ترتدي ثوباً سومرياً بل فستاناً أبيض شفافاً. عندما شاهد الكاهن ما خلفه لعق يده بلسانه وقال لمساعده: هات لي يا أوتو جرة الخمر. ترنح الكاهن من أول جرعة، وفي الثانية أفرغ كل ما في الجرة وقال بصوت عالٍ: لتمت عيلام وليعش الملك والسيدة الغريبة. ثم مال على دكة الزقورة وغفا، وأطلق من منخريه صفيراً عالياً، ذكرها بصفير منبه سيارة الدوج البطيئة التي أقلتها إلى هنا وتلتقي بمن تحلم بمقابلته. الملك الذي قال عنه التأريخ إنه أول ملك على الأرض كان ملكا وكاهنا وموسيقارا يعزف بقيثارة لها سبعة أوتار.. قالت كاترين وقد جلسا ليستريحا منتصف المسافة في طريق اللهاث والقبلات وتبادل الهمس والخمر المثلج ، وهي مليئة بنشوة مصاحبة ملك سومري: مولاي ، في هاملت هناك حب قاتل خلق لديه مأساة اقترنت برائحة المرأة.. مأساتك أنك ستقترن بالحرب وتنسى ما هو أهم من الحرب ، الموسيقى التي تحبها وتتقن العزف فيها؟ - هذا حديث عرافين. هو ملك. ربما تزاحم أحلامه عيلام أخرى. - مأساته اجتماعية صرفه، ومثلما دونت في شريعتك يكون للسيف الفصل بعد التأكد من الجرم ، هو حسم أمره إلى السيف بعدما عذبته المعاناة الروحية لما شاهد من خديعة وخيانة من أقرب الناس إليه. - كنت أظن أن الأشياء الشريرة لا تدوم مع البشر ما داموا يكتشفون أشياء جديدة. - إنها أزلية دائمة. الخير والشر سيظلان يلازمان حياة البشر. - أجدادنا دونوا مثل هذا في ألواح الخليقة. آه قيثارة الملكة ازدادت طرباً. ما الذي يحدث في القصر؟ أطل من خلال نافذة الحمام ليستطلع ما يجري حيث الكاهن غارق في سباق الثمالة . - هي ألحان الغيرة يا مولاي. لقد علمت إنك معي؟ - هذا لا يهم. والآن أسألك: جميلة هي أور؟ كان الهواء البارد يضرب الخد الأحمر فيزيده توتراً، وكان وقوفها بانتصاب وسط مساحة البلاط الحار بشهوته المرمرية البيضاء ليثر غزل الليل ، ويدفع النجوم بزحمة مضطربة لتختفي بين طيات جسدها المتلهف لشجن الموقعة التي يضمها حمام ليلي يشع طيبا وموسيقى تعزفها أنامل زوجة غيورة ،حركت الريح أطرافه وصار يرسل كما ورق الشجر إلى مسامع الملك حفيفاً موسيقياً، وهو يسرح بنظرة صوب أسواره فيما بدأ الجند يطفئون نيرانهم استعداداً للنوم. وبقيت مشاعل الخيمة الملكية مشتعلة منتظرة الملك ليضع مع قواده خطط المسير القادم ولكن إله القمر وقد سحره نومهما مضطجعين على سرير الرخام الحار وهما يصبان الماء على جسديهما كما مطر من غيمة ثقيلة ، أمر بإطالة أمد الليل ، فالإلهة لم تتعود أن ترى مودة الشوق في العناق البشري داخل غرف الاستحمام وهناك نشطت في ذاكرة الملك أمنيات فوق مستوى الزمن، وهاجت بين فخذيه رغبات طائشة جعلته يترنح نشوة وهو يخبئ رأسه في صدرها ثم يمارس إطلاق الأوامر إلى تلك الجهات المعجونة بالثلج والزبد. ورائحة زهور غريبة، ومع أول نفس هاج من فم كاترين المنتشية نهض الكاهن فزعاً وتساءل: أين أنا؟ قال المساعد: كنت نائماً يا سيدي. والملك وضيفته ذهبا مازالا في غرفة الاستحمام ولا يُسمع سوى نشيجهما المتصاعد مثل آلات الموسيقى الطروبة. انتفض الكاهن مثل مرعوب من مشهد لم يألفه ، رفع يديه إلى السماء كمن يطلب شيئاً وقال بصوت متضرع : هناك سيقتربان من أنو وسيعجب ننار جمال المرأة وسيعاقبني وأطرد من المعبد. وستعود نام ـ سين مثل عامة البشر، لا نذور، لا خمر، وستشرب الماء المالح، ما الذي فعلته هذه الشقراء؟ أربكت الحياة في سومر كلها. سأذهب إلى غرفة الاستحمام وأغرز خنجري في خاصرتها الزجاجية وإلا لن تكون هناك كهنوتية ولا حرب. رد عليه المساعد: ولكنهما الآن في مكان لا يحق لرئيس الكهنة الدخول إليه. - ستلومه الآلهة لعدم توجهه إلى ساحة الحرب وستمنحني البركات لموقفي وسأرقى وأصبح أنا الملك. أوتو يا كبير الكهنة هات للملك نام ــ سين جرة خمر أخرى. لكنه عاد وقد تملكه الحزن. أبعد عن فمه جرة الخمر، وأطلق نحيباً خشناً وقال: ما دام قد سمح لهما ننار بدخول غرفة الاستحمام معاً فقد أعجبه صعودهما ملتصقين حيث يجلب دفء النار إلى الأكتاف شعوراً بالتجاذب. جلس الملك على كرسي صغير يتأمل كما الأطفال من نوافذ المطر قرفصاء النار المتشكلة أحزمة زرقاء في فضاء غرفة الحمام المعطرة. قالت كاترين: الشرق هو أن تبقى دائماً مع الخيال، ملك وعطور وتحف ثمينة. - وهل كان هاملت شرقياً؟ - من الغرب ، من بلاد أبعد من أرمينيا التي هي أقصى ما يعرف جلالتكم. - أقصى الأماكن نصل إليها عندما نطلب من الآلهة، ولسوف تلبي رغبتي بالتعرف على هاملت. - هو من صنع خيال شكسبير، ولكنه موجود دائماً في كل عصر. أن تكون أولا تكون ذلك همه. - وأنا جعلني تدخل الكهنة وعيلام أفكر بهذا الهاجس وما هذه الجيوش إلا لأجل أن أكون . وغداً سيكون لي صراع مع عيلام لأحفظ سومر من شرها. وبخجل وارتعاش مفضوح نهض الملك وتقدم صوبها وقد أرخت ساقيها باتجاه الموقد ولتردد بكلمات ممسرحة عبارة هاملت "طوبى للذين امتزجت فيهم نار الدم برجاحة العقل، فيما عادوا كالناي تحت أصابع ربة الدهر تعزف لهم ما تشاء.. أعطني امرءاً ليس عبداً لشهوته أضعه في حبة قلبي. في القلب من قلبي".. على الصدى العذب لإلقاء السيدة نسي شولكي الممُلكة والآلهة والحرب ، وبحنو وهدوء تمدد قرب المرأة وليتحسس معها عذوبة أن يكون الرجل مع المرأة. فيما كانت مخيلة نام ــ سين تطيح فيها مشاريع مجنونة وبقرار جريء قرر الصعود إلى أعلى الزقورة، واقتحم عزلة الملك ، وهو يمسك خنجراً لم يجرب في جسد أي إنسان بعد، وبعيداً عما يحدث أبدى الملك رغبته بتدوين كلمات هاملت على حجارة المعبد، وقال وقد قربت إليه كامل جسدها: إني أهيم بما تمنحه ربات الدهر تلك التي نسير بحكمتها إلى أقدارنا، نحن المبتهجين الآن لا نعلم ما ستكون أور كلها مرهونة فيه في الغد. أيتها المرأة يا من ملكت حظوة الملكات في منادمة ننار. أنا لست عبداً لشهوتي. أنا عبد للآلهة وهذه البلاد. خذي لوحك الجميل ودعيني أطف في بحر ذكراك، وستظل عيناك أرقاً لأجفان ملكٍ لها لحظة عن شعبه لأنك جئت لتفتحي القبور، وعندما أيقظتني بشيء من خداع الجميلات لتقولي: أيها الملك جئتك بمرآتك الثانية - هاملت- لا أريد. لقد أغضبت الكهنة وأحزنت جنودي، وستغتاظ الآلهة أيضاً، وأفقد رعايتها، وتضيع سلالة بنيتها بعرق الجبين.. أغلقي الكتاب وعودي. وكأم حنون نهضت كاترين. لقد فهمت ما يريده الملك. إنه يريد أن يبقى مع عيون ننار والأقداح النذرية وصناديق الموسيقى، لكنها لا تستسلم. لقد أرسلوها لكي لا تستسلم وستلعب ورقة أخرى، وبذات الأصابع الرقيقة، أخرجت من بين نهديها كأساً من الكريستال وزجاجة خمر صفراء أنذهل الملك من دقة صناعة الكأس وصفاء لون الشراب. تراجع مفزوعاً وقال: هذا ثمن رفقتي لك "سم"!؟ - مولاي. هذا نبيذ من أجود الأنواع، أتوا به من اسكتلندا خصيصاً بوصية من مدير المتحف البريطاني. - يفترض أنا من يقدم النبيذ لأنك ضيفتي. - الكاهن شرب الجرة كلها، ولم يبق سوى نبيذي، ليتضارب قدحانا. إنه تقليد مجاملة للعصر الذي أعيش فيه. وتبادلا نخبيهما، ولأنها خمرة جيدة قال: لنتبادل النخب مرة أخرى. - هذه المرة وحدك تحتسي ما شئت من الأقداح. الليل طويل ويحتاج كما يقول العشاق إلى الشعر. -في الشعر قلما نمجد العشق. فيه نمجد الملوك والجنود والآلهة. - والمدن. كنت قد سألتك كيف ترين أور؟ -هي السحر والأحلام الأولى، ولكنها تحترق في النهاية وستدون لها قصيدة رثاء رائعة تقول: "مر أيتها المدينة طعم رثائك. أيتها المدينة التي كانت ترهب الأعداء. والآن قواك الإلهية نقلت إلى بلدان بعيدة. إلى متى ترثيك السيدة مر الرثاء وتبكي من أجلك، إلى متى يرثيك الإله ننار ويبكي من أجلك، أيتها المدينة أور، مر صار طعم رثائك" دمعة سالت على خد الملك، وقد أبعد عن شفتيه الكأس، وقال بصوت باكٍ ارتجف على أثره الكاهن خلف الباب. لقد سمع لأول مرة في حياته ملكاً سومرياً يبكي: إني أرى أور في عينيك وهي تحترق. - هذا فعل الخمر مولاي. أور لم تحرقها عيناي بل أحرقتها عيلام ولكن بعد عشرات الأعوام من عهد جلالتكم. قال الكاهن بغيظ مع نفسه متمتماً: بل أنت من يحرقها الآن إنك تنسين الملك أداء مهمته. ننار دفع بكلمات الكاهن إلى مسامع كاترين. وقالت وهي تعلم أن الكاهن الذي يتأهب مع خنجره خلف الباب سيسمعها. - أنا زوجة رجل آثار، جئت مع زوجي لأكتشف ما تقوله الأساطير عن سحر الشرق، كان عليك يا مولاي أن لا تخلع عدة الحرب وتغيظ الكاهن المتربص بي خلف الباب، لا أدري ماذا يريد غير هذا المجد. ربما يطمح أن يصبح ملكاً، وهو الذي أنقذته من التسكع في شوارع أور، وجعلته الكاهن الأول. ارتعب الكاهن وقد اكتشفت نواياه. قال هامساً من وراء الباب: لا أقبض على خنجري يا مولاي. إنني أمسك جرة خمرك المفضل. - لا خمر أفضل من هذا الذي أشربه. عد إلى المعبد مع خنجرك، وستحاكم غداً في بيت الحكماء وسأجردك من هذا المجد. ولتعود متسكعاً مثلما كنت لأني لا أرغب بأحدٍ غيري ملكاً. سقط الخنجر من يد الكاهن وبارتجاف ارتفع صوته الجنائزي فأيقظ صداه أور كلها: عفوك يا مليكي أتضرع بالإله ننار إليك لم أرغب أن أكون ملكاً، لكن عيون السيدة كانت تقول: إنك الأصلح يا نام –سين لتكون ملكاً، فملوك سومر في البدء كانوا كهنة ما خذلني غير عينيها، إني أحذرك منهما يا مولاي. سعدت كاترين، وقد كسبت الاثنين بعد أن ترجت الملك بالعفو عن كاهنه، ونادته وكأنها صاحب الأمر: أعد الخنجر إلى غمده يا نام – سين ، وفي المعبد هناك انتظر أوامر الملك الجديدة، اغسل رأسك بالماء البارد لتزيح عنه الخمار. امتثل الكاهن للأمر والحزن يملأ أجفانه ولكي ينزل، عليه أن يتحاشى نظرات الاستهزاء من العذارى حاملات المشاعل ولأنه لم يتحمل فكرَّ بطريقة مجنونة للوصول إلى الأرض دون النزول من السلم. رمى بجسده الثقيل بعد أن أطلق صرخة مدوية نفخ على أثرها بوق النفير لمسيرة الحرب، وما أن لامس جسده الأرض الصخرية حتى تحول إلى أشلاء. تقدم المساعد صوب بقايا الجثة وهو يفرك يديه فرحاً، ونزع عن صدره القلادة وهمس: نهاية سعيدة يا مولاي. وداعاً. كان الملك بعيداً عما حدث.. بوق النفير أيقظه من نعاس العطر الذي تضعه كاترين بين نهديها. قال: كنت أحلم، ولكن البوق أفسد كل شيء. ما هذا النفير؟ لم أقرره بعد. من تجرأ وأمرهم بذلك. - رئيس الكهنة يا مولاي. - مرة أخرى يتجاسر هذا الوغد. لسوف يدفع الثمن وسأقطع رقبته دون محالة. - عد إلى حلمك يا مولاي. لقد دفعه باهظاً. وهو عاقب نفسه، إذ دفع بجسده من أعلى الزقورة. ننار بعث الآن نسراً كبيراً وحمل الجثة بعيداً. وقلادة اللازورد التي تعطي لمن يخلفه أخذها مساعده، وهو الآن يهيئ في المعبد طقوس تنصيبه. ماكرون هؤلاء الكهنة.. وبالرغم من هذا كله تستطيبهم الآلهة فهم يلبون كل ما ترغب فيه المباركة منها والمشيئة. - وبالرغم من هذا تبقى أنت الأول في المملكة يا مولاي، معي ستكتشف وجودك ثم تذهب إلى الحرب لتنتصر. - إذن لتصبحي أنت كاهنتي، وسأرجو الآلهة لتبارك ذلك. انتشت كاترين فقد استطاعت أن تعيد الملك إليها. وباعدت ساقيها أكثر من ذي قبل وأخذت نفساً عميقاً حتى كاد صدرها المندفع برغبة كهنوتية أن يصل إلى السقف. بدا الملك حائراً. من أين يبدأ مرة أخرى وقد منحته نشوة الخمر الذي جلبته السيدة الأجنبية الرغبة بممارسة مودة الجسد بالطريقة التي تحسنها المرأة كما في زمنها . لقد كشفت له كل شيء. وقالت وهي تريد إرشاد الملك إلى الطريق: مولاي، في عصرنا الغرام يبدأ من قبلة على اليد. وبشفتين مرتعشتين قبّل راحة اليد الدافئة، ولأن الشفتين ملكيتان فعذوبتهما لا تحتمل سايرتها ارتعاشه قوية، نسيت أنها في مهمة أخرى. أن تلهي الملك وتومئ لرجال البعثة بنهب كل شيء، كان غراماً أسطورياً. دهش ننار وهو يرى الجسدين متلاصقين بعنف غريب كذلك الالتصاق الذي أحدثه العراك بين سليل الآلهة جلجامش وصنيعها أنكيدو في أول لقاء لهما في شوارع أوروك. الآن عراك من نوع خاص بدأ بقبلة في راحة اليد وامتد إلى الساقين العاجيتين ومن ثم إلى الخاصرة، وهنا سرت كهرباء ملكية مشعة اشتعلت مصابيح الكلمات في الكتاب الذي تمسك به وواصلت ترديد كلمات لاتينية، ربما هي صلاة خصب تعلمتها من أيقونات كنائس روتردام، ننار سمع كل كلامها، وطلب من خاصته ترجمة ذلك. لا أحد يعرف سوى زوجها النائم في مخيم البعثة قال الإله: أيقظوا زوجها. أنو أشار إليه أن لا يفعل ذلك كي لا يفسد ليلة الملك. لم يحزن أنو ولا ننار لفقد الكاهن، هما الآن يملكان حسابات أخرى فيما كانت قيثارة الملكة تضرب أوتارها على صوت مغنية القصر التي أطربها خبر موت نام- سين. لقد كان شهوانياً في نظراته حتى وهو ممتثل في حضرة الملكة. كان آنو يلاعب أحجاره في ساحة المعركة كي يضمن انتصار الملك، لكن الأحجار لم تتحرك من مكانها رغم أنه أمرها بذلك اندهش شيخ الآلهة وقال بصوته الكوني: ما الذي يحدث. قال ننار وقد مال شجناً بتلك التي تسرح شعرها في مرايا عيون الملك وعلى صدرها ينقل بيادقه وخيوله، حيث تهاوت دفاعاتها مع أول نفحة عطر جلبها إلى أنفها الزجاجي صدر الملك العاري. قال: وحدها، أحجارك ظلت واقفة لأن العالم منشغل حتى عن إله عظيم مثلك يا آنو. هذا فعل النساء أيها الشيخ، لقد جذبت مليكك إلى أحضانها وأنسته خطط الحرب كان عليه في الغد أيذهب ليلاقي جيوش عيلام، كل أعداء سومر تريد ننار ليزيح عنها الظلمة ويكشف أقدارها ويثبت تيجان ملوكها، حتى هذه المرأة القادمة إلىَّ أنا ولكن بريق عيون أورــ نمو سحرها ولأنهما الآن في وضع بشري لم أر أكثر سحراً منه في التصاق كائنين فلن أفسد عليهما هذه المتعة، ودع أحجارك إلى الغد عندما يفيق الملك من نشوة ليلته ولتذهب إلى أريدو حيث الإله. انكي ينتظرنا على مائدة الخمر الإلهية، فهؤلاء البشر في أحايين كثيرة، رغبتهم تفوق رغبة الآلهة. قال أنو، وقد أغاظه كلام ننار: اعتبر كلامك هذا عصياناً وانحيازاً للبشر. - سمه ما شئت، وعلى الآلهة أن تعرف أن لا هروب من حقيقة يصنعها البشر، لقد استطعت أن تحد من جموح جلجامش وخلقت ثوراً سماوياً لأن جلجامش سليلنا، هل تريد أن تخلق آخر يمنع لهفة الاشتياق عندهما، ستهزأ منك الآلهة كلها، فليس ثمة ثور في حكايات البشر حال بين اثنين من أن يمارسا الحب. صمت أنو وقد تصدعت كل حواسه، فالابن غير الشرعي لأنليل يمنعه بحجة حكيمة من إيقاف ما حدث الآن في الحمام الملكي ، أطرق برأسه وأومأ للنجوم أن تطفئ قليلاً. - وأنت يا ننار أزح وجهك بعيداً فثمة أمر ارتأى التفكير فيه وحدي. أذعنت النجوم طائعة لأمره، وأطفأت شموع أفئدتها، غير أن ننار انبرى ضارعاً: لا أريد أن أتركك تفكر لوحدك أيها العزيز كف عن دفع البشر للاحتراب والاقتتال لا بد أن يكون ثمة حد فاصل بين معركة وأخرى وليكن لحظة غرام. -ها أنت لاهب الشهوة كدأبك يا ننار، أقحمت حكمك علي فكسبت لكنك لم تطع أمري ولم تزح وجهك عني، بقيت ناصعاً تفضح نواياي، سأجمع مجلس الآلهة وسنتناقش في أمرك. رد ننار بتمرد وغضب: - أنا سيد الليل وسادنه، إني أدعهما يفعلان ما شاء لهما فلن يرهبني مجلس الآلهة. - في يوم ما سأجعلك تدفع ثمن تجاوزك، فأنت حقاً سادن هذا الليل، لننس الأمر ولنقصد أنكي، لنكرع الخمر في معبده. كانت كاترين ترمي بجسدها الثائر في أحضان الملك النحيل وكان تحاور الآلهة يطرق مسامعها وقد حققت انتصاراً، ثم واصلت الاستجابة لعواطف الملك النارية وحين أطلق الفجر خيوط نوره الأولى كنا هما في وضع استرخاء منعش وقد افرغ الملك كامل زجاجة الخمر في جوفه وقد مارس مع محضيته الجرمانية ما يفعله مع ملكيته لسنة كاملة ، لهذا دب النعاس إلى أجفانه فانسلت بهدوء وغادرت الغرفة ليقابلها الضوء ، وأصوات المعاول، وليخاطبها زوجها: - أين كنت يا كاترين؟ لدي خبر يسرك، عثرنا على قبر الملك شولكي ، سأهدي قيثارهُ إليك. فتحة باب حجرة الحمام الملكي ، نزلت بهدوء من سلم الزقورة يملؤها ارتعاش ليل الغرام، وقالت وقد طفحت على وجهها سعادة زرقاء: حسن أنا قادمة لأرى إن كانت أسناني وقبلاتي لا زالت مطبوعة على صدره الواهن.
لحظة البدء ، حين خلق الله آدم ( ع ) وأنزلهُ الأرض وعليها بنى حضارة الوقيعة الأولى بينهُ وبين بعله حواء ، فكانا قابيل وهابيل ، اللذان عاشا ألفة إخوة العيش في البراري والاستحمام سوية ، وسوية كانا شجارهما الأول فمات واحد من الأخوة من شجة حجر صلب على رأس ، ومن يومها تطور الشجار بين اخوين ليصير بين جماعتين ثم قريتين ثم مدينتين ثم بين دولتين. وبين شجار الحجر وشجار الدبابات عاشت الأرض عصوراً لا تحصى ، أمم سادت ثم بادت ، وفي النهاية هذا الحجر الذي أنهى المودة بين قابيل وهابيل ، صار محكاً للأرجل والأيدي يستعمل في طقس الاستحمام ، وفي العادة يكون هذا الحجر اسوداً وخشناً بنتوءات كثيرة ، ولا احد يستذكر معه لحظة ملامسته الجسد ، إن هذا الجحر الذي نستخدمه لكي نكتسب النظافة ، كان في الأصل أداة قتل ، لهذا أستذكر الآن كيف كانت وداد تدعك جسدها الترف بسوادٍ خشن فيزداد لمعاناً كما ومضة شهاب ، فيما يبقى الحجر اسوداً وخشناً مثل الشظية في خاصرة الجريح. ذات يوم حملت حمامي إلى ساحة الحرب وفي جعبتي ذات الحجر الأسود الذي استكان الآن إلى الهدوء والصمت ولم يعد مخيفاً للرأس بشري بقدر ما تخيفه الرصاصة أو شظية المدفع أو تناثر حديد اللغم الأرضي ، حملتهُ ليس دفاعاً عن نفسي في هوس حرب قاسية ، بل أردته محكاً للجسدي حين تسمحُ لي راحة الجندية بغسل جسدي والاستحمام وإزالة غبار الخنادق الشقية وتحصين سور الموقع بأكياس التراب ، وتعرق السير الشاق في الدوريات الليلية ومد الأسلاك الشائكة ، وكنا قد بنينا لنا في الحافة البعيدة من محيط موقعنا الصخري الواقع على نتوء جبل يلامس الغيوم بأصابع الخضراء كما تلامس أصابع الموسيقى مفاتيح البيانو. نشوة الاستحمام فوق جبل تبدو أكثر متعة من شم الورد بالنسبة للجنوبي الذي يستذكر في برودة الماء على الرأس تلك البيئة الدافئة لسلالات البط والنخيل ومقاهي الفرات في أماسٍ تملأها ثقافة الشاي والعرق والاراجيل بحديث صاخب عن الذي يجري في عالمنا ، من قبعة جيفارا إلى رموش صوفيا لورين ، ومن حنجرة أم كلثوم إلى دموع زهور حسين وهي تلاقي اجلها في حادث سيارة في طريق الديوانية ــ بغداد ، ومن سدارة الزعيم عبد الكريم ، إلى بعوض المخافر الحدودية ، حيث يصبح الجنوب للجنوبي كما العطر إلى الوردة ، وكما القبلة في دقيقة الوداع ، وكما الرصاصة في قلب من يود الموت الآن.للشمال متعة الليل ، وللجنوب حلم قيلولة الظهيرة .. ولكي تجعل الجسد واحداً ، صاهر الجهتين على سرير شهوة الشعر وسترى ، أن الله حين خطط بقدرته الشفافة تضاريس الأرض فصل بين ا لعاشقين بجهة أسمها الوسط ، فبين كل شمال وجنوب منطقة نعبر منها أما صاعدين أو نازلين ، وفي الحالتين كنا نرتدي قبعات الحرب ، ولأجلها كنا نصنع الحزن كما تصنع أمهاتنا شهقات القلب حين تدق البيانات بيوتنا بخبر التعرض الليلي على رواقم بنجوين ، حين كنا هناك ، صبية تتورد على خدودنا شهوات القبلات وتندمج بين شفاهنا تعبير الهمس لأمراه حين تطل بجفنيها على ورق الرسائل يتوقف الزمن كمذنب أمام الآمر ، وحين تنطق أوامر الضبط عقوباتها ، ينالنا اليأس من أن الذي كنا نريده لن نحصل عليه بسبب دعارة الحرب وقدرتها على تشتيت الذاكرة في مساحة ضيقة ممتدة بين الفرضة والشعيرة . دشت أخضر . يبسط جسده الفستقي على مساحات تنحدر أليها خطوط لامعة من ماء ينابيع الرواقم التي تحتضن المكان مثلما يحتضن عملاق القمقم أقزام الغابة وهم يرتجفون من هذا الكائن الهائل كعمود في كبد السماء ، كذا تلك الرواقم الحافلة بقمم تتدرج على سلم السماء وتصعد في متون الفضاء مثل خطوات مرتبك لتصل نهاياتها إلى ما فوق الغمام حيث القمة وأشجار الجوز التي أعلنت بصراحة الطبيعة أنها لن تنتج ثمراً في العام القادم أذا ظلت الأرتال الراجلة تمارس قسوة التخلص من برودة الشتاء بقطع جذوعها السميكة مثل صدر المرأة البدينة التي حين تأخذك أليها كأن دباً شهوانياً لا يتمالك نفسه أمام رقة الأرنب. كانت الرواقم المتعددة القمم مثل قبعات الظل في مواعيد الحب تشبه الدببة الكبيرة . وكنا نحن أرانب الحرب التي حولها قدر جيلها أن تترك أكل الجزر لتأكل الشظايا وصمون الجيش ، ومعلبات الأرزاق الجافة ..وعلى تلك الكتل الهائلة من الصخر الغامق كانت الحياة تصنع ألفة من نوع خاص فلقد تعلمنا أن نكون جزء من عالم كان أول النزول أليه غرباء لا ندري أي قدر سيركب بجواد المجهول ويمشي على صدورنا التي تعبت من حفر الخنادق الشقية في أرض بنيت تعرجاتها من حجر الصوان ، ورغم هذا كان العريف الجنوبي يقول أحفروا كي تعيشوا وقتاً أطول وكأنه يعلم أن الموت ينتظرنا هنا مثلما تنتظر العاصفة سفينة السندباد .. مع مرور الزمن تأقلمت الذاكرة مع هذا الكون الواقف على رؤوسنا مثل أب يهيمن على مشاعر العائلة ..رواقم لانهاية لها ألا عندما تغمض العيون أجفان مودتها وتذهب إلى دلمون طيعة هادئة مثل طفل ارتضت حواسه أن يموت دون شعور ببهجة الحياة . أما الجنود فكان موتهم على الأرض التي ابتدعتها الحروب ،يمثل قدراً يائساً من شكل افتراض حميم . الحياة التي تحلم فيها لا تأتي دائماً ، خاصة عندما تكون أنت وريث لكد بروليتاري في مدن السلالات الفقيرة :عامل ، أو بائع خضروات ، حداد ، أو نجار ، أو من أولئك الذين تنذرهم أمهاتهم لخدمة الجامع ، فتكون صدقة المصلين هي مالئة البطن ، ثم يأتي النفير ، وتأتي الحافلات ، وتأتي المصائب. في رواقم حوض بنجوين . صباح الشتاء هو تذكير بأبدية الحزن الممتلك من طبيعة الولادات التي قدرت لنا بأمر من آلهة سومر وعلينا أن نمسك هذه الكآبة الرمادية لنصنع منها سير ذاتية لهذه الأحوال البائسة ،حين تتأخر مواعيد توزيع الكسوة الشتائية ،فتصبح محط التندر للجبل الذي يرى فيك مجرد حجرة تتحرك بغرائبية وهي تمسك عصا من حديد يسمونها البندقية لتنحني بنفس ذلك القنوط الذي ملكته يوم مزقت تلك الصبية البيضاء مثل صحن القيمر أول رسالة حب كنت قد دونتها بمسمارية رقيقة لتعلن أعجاب طفولتك بنهديها الصغيرين مثل دائرة يصنعها حجر صغير على الماء المندفع بشجن السمك وهو يسمع غناءك الذي تهديه أليها .لكنها أعلنت رفضها لمودتك وهمست لصاحبتها : لا أظن أن الذي عنده يقف على قدميه . لم يزل طفلاً هذا الذي تبدو عيناه مثل دمعة جافة. تلك الدمعة الجافة مثل بئر أثري تنساب الآن على طريق الخد النيسمي وهي تتأمل حالها في فضاء الجبال الممتدة مثل خطوط السحب المندفعة إلى المعنى ، وعندما يراد لك أن تفسر المعنى فعليك أن تعرف قاموس الجبل ومفرداته التي تطل بشتاءاتها على حروب التأريخ لتسأل نفسك . أما آن الأوان لهذه المرتفعات أن تهدأ ؟ يتكون حوض بنجوين من سعة من الصخر محصورة بامتدادات عالية لجبال كونتها جيولوجية المكان بتداخلات متشعبة ، غير أنها تتصل بعضها ببعض من خلال مضايق محصورة ووديان يظل الماء ينساب فيها في كل الفصول لتكون مساحات صالحة للرعي ، ولأن المكان ذو دروب صخرية حادة النتوء فالماعز وحده من يفضل هنا للجني والرعي . أنه يتسلق الجبل بقدميه النحيفتين وكأنه واحداً من أولئك الذين يحلمون بالوصول إلى قمة الهملايا . ومسميات الجبال المطلة على حوض بنجوين ، هي مسميات اقترنت بالحدث الأزلي لتكوين المنطقة وبيئتها الاجتماعية والميثولوجية . ولا يعرف من سمى هذه المرتفعات باسمها . إنها تقترن بحدث بعيد جداً . حتى أنك لن تجد جواباً واضحاً . عن سؤال عن سر تسمية جبل ( قبر العاشق ) رغم أن الإجابة واضحة المعالم ، فهذا الجبل هو قبر لعاشق ما في أزمنة المكان ربما قبل أن تولد ليلى ، ويقع قيس في محظور الحب ، وهناك جبال تعرف معانيها حين تبحث عنها في القاموس الكردي للهجة أهل بنجوين . جبال ، تاريار ، لاله حمران ، هرزلة ، قاية ، كاني بنكه ، حديد ولأن الرواقم المكللة بالثلج وشجر الجوز والبلوط لا ناقة لها ولا جمل في تلك الحرب ، إلا أنها منحت جنود الوطن واحدة من أجمل عواطف التخيل وكانت دموع الرواقم تسيل ينابيع بيضاء كاللؤلؤ وهي ترى ضحايا جنون القادة الميدانيون وهم يضحون بالألوية تلو الألوية في حرب لا معنى لها . أسماء لا تنتهي ، ومسميات لا حصر لها .حتى أنك تحس أن كل شبر هنا له أسم : التلة الزرقاء ، الشجرة الهرمة ، الخط الوهمي ، الربيئة المحدودبة ، الأفق النازل ، المنزل الأثري ، مقام الملة ، ضريح الشيخ ، نجمة النهار ، الغابة المقلمة ، صنوبر المنحنى . نهاية العالم . وهذه المسمية استوقفتني كثيراً ، فلم يكن المكان سوى ثلاثة شجيرات متراصة بشكل أنيق في وادي يسمى ناوندة . سألت عن أصل التسمية وسرها ، فنحن لسنا في منطقة ما في القطب الشمالي ربما ينتهي العالم فيها وبالرغم من العداء الأزلي بين الجيوش والمزارع ، حيث يمثل الجنود الغرباء في كل العصور ما يمثله الجراد للحقل إلا انه فضل أن يصمد ، وكان يتفقد مزرعته يومياً ، وكلما رأى شجرة عبثت فيها استراحة الجنود وقطعت التين قبل نضوجه يتوجه إلى آمر الوحدة ، وبصوت حكيم وعقل مفتوح يرجو الرجل أن يتركوا التين حتى ينضج ليأكلوه . كان الضابط ، وهو آمر السرية التي أنتمي أليها . ساذجاً حد اللعنة ، إذ سريعاً ما ينسى رجاء صاحب المزرعة ويذهب هو إلى شجرة التين ويقطع ثمارها وهي لم تكتمل النضج ، ولأن العسكرية لا تسمح لجندي كي ينصح آمر ذهبت إلى الشيخ في إحدى زياراته وقلت له : هذا قدر أزلي يربط الحرب بالحقل فلا فائدة من نصح جندي ، انه هنا ليحارب فقط لا ليداري مشاعر شجرة تين حتى تنضج . ثم عرجت على رغبتي لمعرفة سر تسمية هذا المكان بنهاية العالم . قال والرجل الذي يشتد وقاره من خلال حدة نظرته وأناقة ملبسه وقد جاوز الستين عاماً : سمعت جدتي تقول عن المكان :أن العالم انتهى هنا حين أحرق أحدى السلاطين في هذا المكان أبنته العاشقة ، وكانت المواد التي أعدت منها المحرقة هي ص |