|
|
|
أ.م.د. ناهضة ستار |
|
|
|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم إن عظيم الوفاء للماضين لا يتجسّد في حدود الاستذكار والنعي والتحسّر في الفقدان مكوثاً داخل البعد الزمني الخاص للظاهرة المحتفى بها... انّما أراه يتمثّل في استدعاء عناصر الأصالة والتميّز والنبوغ والتأسيس المتمثّلة في الشخصية المحتفى بها بمقدار الديمومة التي يحققها فعلها التأسيسي فيمن يأتي بعدهم.. نحن هنا نقرأ (عناد غزوان) فينا نحن طلبته ومحبيه.. نتقرّاه في مرايانا لذا يتعدد وهو واحد.. فقد صار (عناد غزوان) نصّاً إبداعيّاً نقرأ بنياته وأسلوبيّته وجمالياته ولغته ، ونتأوّل (ما وراء)" لأطروحاته لما قال وما لم يقله، فقد نقرأ في عناد غزوان/ النص ما لم يقله، وليس معنى هذا الافتعال والإدعاء ونفخ الحقائق الصغيرة أو إضفاء الخلع والمسوح وصنع الأصنام.. إنّما نقرؤه قراءة" نقتدي فيها بالوصف النبوي الجليل حين يكون فيه المؤمن كالنحلة لا يطعم إلاّ طيّباً ولا يخرج إلاّ طيّباً.. يعدّ (عناد غزوان) من الأسماء المهمة التي خرجت من التنكير إلى التعريف بجدارة وتعب وصدق ومحمود خصال وطهارة تاريخ.. أتبين ملامح هذه الشخصية المعرّفة في عدة نواح تمازج فيها العنصر الذاتي والسياقي، وهي في الاضاءات الآتية: -الإضاءة الأولى: الإسهام في مشروع مدرسة النقد العراقية. -الإضاءة الثانية: الثقافة الأكاديمية والنقد الأكاديمي. ولكل إضاءة منها محاور جانبية قد لا يتسع لها هذا المقال عسانا نكون بمقدار ما في قلبه من وفاء ومحبة حتى نكمل ما بدأه ونفيه حق الأستذة الجليلة فله الرحمة الخالدة من العلي العظيم تعالى وله الحياة الثانية في حسن الذكر في هذه الدنيا والحمد لله ربّ العالمين. الإضاءة الأولى: الإسهام في مشروع مدرسة النقد العراقية ذكرت مرة" في أحد الأبحاث النقدية كلاماً عن مدرسة النقد العراقية متخذة" من أسماء مهمة في جهودها النقدية إزاء قضية المناهج الحديثة وفوضى المصطلح النقدي وغير ذلك من قضايا النقد و المناهج .. فوجدت ملامح مخصوصة انماز بها الطرح العراقي النقدي مقارنة بنقدة مصر أو الشام أو المغرب وغيرها من بلاد العروبة، فاعترض أحد خبراء هذا البحث وقال انه لا توجد (مدرسة نقدية عراقية) .. بهذا التوصيف وعليه يرفع هذا التعبير فرفعته – احتراماً- من الأوراق لكنه بقي في الوجدان والأحداق لقناعتي به أولاً، ولوجود سمة عجيبة في الذات العراقية في (تصغير) كبير أبنائها و(تعظيم) صغير غيرها!!! ولا نتداول حُكماً أو مصطلحاً أو مفهوماً إلاّ بعد توكيده من لدن آخرين لذلك ينصفنا الغرباء أكثر من الأهل والأصدقاء و ابناء الجلدة !! أجاب المرحوم العراقي جداً (د. علي الوردي) عن علل ذلك وسكت عن أخرى، نعم، إن عملية تأطير منحى أو اتجاه ما لا تتم بمعزل عن رؤية مقارنة بقريناتها ومجايلاتها من الاتجاهات الأخرى سواء اتسقت معها أم تخالفت وانمازت منها، فالظواهر كما الأشياء تتمايز بجلاء أكثر حين تقرأ أفقياً مع مثيلاتها أو متضاداتها، وهنا تكمن روعة المقارنة فـ(النقدية العراقية) في دوالهما الباثّة في صياغة مؤشرات .. عسانا نمتلك الشجاعة والاعتزاز ليس الإشارة إليه بل التصريح بها و ليس الاشارة ، والتعريف بمميزاتها وعناصر إبداعها واختلافها وأصالتها وأسباب ذلك ودواعيه وآفاق تناميه وازدهاره وفقاً لرؤية منهجية وفحص علمي مسوّغ وحوار مفاهيم وليس ادعاءً انتمائياً أو نزوعاً وطنياً حسب، فالمنجز العراقي نقدياً يفصح عن جملة دوال وخصائص تحمل التنوع في الأطروحات ووفرة مستويات العطاء تبعاً لتعدد البيئات والمناخات الصادرة عنها؛ والتعدد ينتج الاختلاف والاختلاف يفضي إلى الإنعاش والتنافس والجدل الولود والإنتاج المتصل والمتواصل ولعل البيئة العراقية ثقافياً تنماز بعافية عجيبة حتى في أكثر الأزمات احتداماً وهذا مصداق وجود (المنح في المحن).. سأنطلق في هذه الورقة في تأطير لخصائص هذه المدرسة التي يُعدّ ( الدكتور الراحل عناد غزوان ) أحد أركانها وبخاصة عنصر الأصالة في الطرح ولاسيّما في التعامل مع قضايا التراث وكذا في المعاصرة، فحين يقرؤنا الآخر ويقدّم لنا قراءته في تراثنا ورموزنا في النقد والبلاغة والدلالة و اللغة و سائر المعارف ، تتحصّل القناعة بسمو ما لدينا بعد أن قرأه لنا ( الآخر ) بعينه وأعاد إنتاجه بمصطلحاته هو (الآخر) فنحن لا نكتشف (أسلوبية الجرجاني) أو ريادة الجاحظ في اللغة والنقد والدلالة، أو مستويات التلقي في شروحات الدواوين وغير ذلك.. إلا بعد ان يقوم الآخر بقراءة ذلك نيابة عنا .. فقد صنمّنا التراث في أطر ثابتة نقرؤه من خلالها ونعيد المقولات ذاتها التي طرحها آخرون.. إزاء هذه القضية تطالعنا مدرسة النقد العراقية في عقلانية تعاطيها مع التيارات المتواترة والمتلاحقة التي يطير بها نقاد آخرون يقف الناقد العراقي حذرا" متفحّصا" غير منبهر بهذا القادم الجديد، يتساءل عن محتواه ومصطلحه ومفاهيمه وتطبيقاته ، فهذا الناقد الكبير المرحوم (عبد الجبار البصري) يؤلّف (خرافات أدبية)([1]) يعالج فيها جملة من المناهج والمفاهيم والمصطلحات النقدية شاع تداولها في المشهد المعاصر حيث تبدأ رحلة اشتهارها بفعل سلطة التفوق الغربي بوصفه بيئة إنتاج المناهج ثم بعد ذلك تدخل مضمار التداول ثم الفحص والتساؤل عن صحتها وصلاحيتها... ويدخل في هذا المضمار الناقد الأكاديمي ( الدكتور جلال الخياط ) في كتابه الجميل (المتاهات)(2) يطرح المفهوم ذاته إزاء الجديد من المفاهيم والمناهج والمصطلحات وعدّها متاهات ولكنها ( رائعة ) برأيه لأنها تثير الجدل والحوار ورغبة الاكتشاف ورفع المهمّش إلى موقع المركز ، وقراءة الذات قراءة جديدة في ضوء هذا التحدي الجديد، فالغرب ينتج منهجيات ورؤى ثم يستدرك عليها وتنقض وتقوم أخرى محلها ونحن في الشرق نرفع شعاراتها هاتفين بها في الشوارع والساحات !! بينما هي عندهم أمست من التراث وجاءت مكانها أخرى وأخرى .. هل هي عقدة التقزّم أمام الغرب القوي الاستعماري المسيطر.. أم وجه آخر للجهل بماهيّات الثقافة الأصيلة وكسلاً عن معاينتها بدءاً ومعرفة قيمتها وتشخيص التميّز فيها... أم لدواعٍ لا نقدية ولا أدبية ولا معرفية تسهم في بعثرة صورة (الهوية)... يبدو لي أن العراقي ناقداً ذات لها اعتزاز بما حباها الله تعالى من مميزات تظهر في التعاطي مع الآخر حتى تتأطر العلاقة مع الآخر بنمط يمكن تسميته وتحديده .. هل هو صراع ؟ أم حوار ؟ أم استلاب ؟ أو غير ذلك اعتماداً على تقييم رد الفعل في فحص القادم وتقليب النظر فيه وهذا دال مهم على تماسك البنية الفكرية والحضارية والمعرفية حتى تشكّل جسداً (معتماً) لا تخترقه الأشعة القادمة بسهولة ويسر وليس كتلك الأجسام (الشفّافة) السهلة الاختراق، بل ان (اعتام) بيئة النقد العراقية هو دليل عافية فكرية متميزة يتطور إلى اعتام موشوري يتحلل فيه القادم إلى أطيافه المتكون منها ، ويتفكك إلى مكوناته الأساس ليسهل استيعابه والتعامل معه بلا غيب أو مؤثرات لا نصيّة ، ومن الدوال المضيئة الأخرى في مدرسة النقد العراقية ، الأستاذ الناقد الكبير ( الدكتور علي جواد الطاهر ) بمسيرته الجادة و الفاعلة و الرصينة و المثابرة مدة حياته ( 1919 ـ 1996 ) حيث قدّم قراءته الفاحصة لجهود التأليف العربي ، اذ كان رحمه الله يعدّ النقد ( هواية مسؤولة واجبة ) يجتمع فيها الواجب و الأنس و لاسيّما في زماننا المتسم ب كثرة التأليف حتى اختلط الحابل بالنابل و ربما غلب الردئ على الجيد ، تابع برؤية موضوعية ( فوات المؤلفين ) ناقش بروح ايجابي لا يطلق الأحكام قبل التحليل و التفسير و النظر في السياق الزمني لتأليف الكتب و قراءة أثر ذلك في نسق الكتابة و الرؤية ( 3 ) ، و الاسماء كثيرة زاخرة جليلة لا يتسع لها هذا المقام ... ولعل أحدهم و السابق منهم إلى الخيرات استاذنا ( الدكتور عناد غزوان ) عليه الرحمة الذي يعدّ حلقة" مهمة" ضمن هذا الجدل المثمر والبعد الهويّاتي في الحوار الحضاري المعاصر اذ تظهر هذه السمات الهوياتيّة في الإشارات الآتية: 1- دراسته في بريطانيا لنيل درجة الدكتوراه في (القصيدة العربية أصلها وتطورها إلى نهاية العصر الأموي) وقف وقفة" وصفت بأنها (المنزلة بين المنزلتين) يحاور برصانة العالم المثقف ، يفحص الاتجاهات ويقارن الحقائق بحصافة ورشاقة أسلوب ودقة في توجيه الأفكار ، يقول الأستاذ (شكيب كاظم ) عنه في محور التعامل مع الآخر والتلاقح الثقافي والمعرفي الذي يحافظ على الهوية والاعتزاز بها في مواجهة الآخر أياً كان والأخذ من معارف الشعوب لا الذوبان فيها لأن المعاني مطروحة في الطريق وما تحتاج سوى الناقل الحاذق الذي يعقل لغة القوم (4). هذا الأمر على غير ما نقرأ أو نسمع أن دراسته في الغرب أثّرت في مسار تفكيره حتى ان بعضهم تصعب لغته وتكثر مصطلحاته فلا تكاد تميّز بين أسلوبه هو وترجمته لغيره فيبتدع في العربية ما ليس فيها أو منها. 2- ترجمة المناهج والاتجاهات الغربية إلى العربية بلغة رصينة تعايشت مع أهل اللغة لتدرك البعد التداولي لكل ملفوظ فليس كل ما في قاموس الكلمات والمعاجم هو ذاته في الإطار التداولي للمفردة ودلالتها، فضلاً عن الانتقاء الواعي لما يترجم فليس كل ما يقع في اليد يُترجم، فهو حين ترجم لـ(ويلبرس سكوت) ( خمسة مداخل إلى النقد الأدبي )(5)، بمعيّة د. جعفر الخليلي، يُعرب عن منهجيّة (سكوت) في التصنيف على أسس موضوعية علمية حديثة حين يمهّد لكل مدخل بمقالة أو مقدمة هي خلاصة واعية ذكية وتاريخية لأصل المدخل أو المنهج وتطوره، والاهتمام العميق بطبيعته وحدوده العلمية، وأول مدخل فيها هو (المدخل الأخلاقي) على اعتبار ان الأدب ليس طريقة قول وبنية كلام وجماليات فقط بل في القيمة والجدوى والمحتوى والرسالة والغاية ، لعلاقة ذلك بالأفكار والمواقف الانسانية، فضلاً عن المداخل الأخرى، اقرأ هذا السعي الجليل في د. عناد غزوان مترجماً وأنا أرى لهاث تجار الترجمة وراء أي عنوان يحمل التناص أو السرد أو البنيوية أو الخطاب او السيمياء وغير ذلك من بضاعة ذات رواج ... حتى يترجم مهما كان قائله أو كاتبه عالماً في بابه أو سارقاً أو متطفلاً في النقد او ملفقا" بائسا" يريد ان يكون من القوم وليس هو منهم مهما لفق او ادّعى وسرق ..... وإنما حاز الرجل هذه الأمانة في عرض أفكاره هو وكذا في نقله عن الآخر وثقافته التي يتحرّى فيها عناصر اشتراك وتناغم بينها وبين ثقافتنا العربية وقيمنا الحضارية . 3 - رغبته الدائمة في تصحيح المفاهيم الشائعة والمصطلحات المتداولة عند النقاد والمثقفين بعامة والأكاديميين بخاصة. يطرح ذلك في عشرات الجلسات التي أسهم في رئاسة لجان مناقشة الرسائل و الأطاريح الجامعية فيها أو المشاركة عضواً أو مشرفاً في جامعات العراق و الوطن العربي , وكذا في المؤتمرات العلمية والندوات والمحاضرات التي يلقيها، مشفعاً ذلك بنفس خلقي جميل وضحكة باشّة جهورية الصوت تشف عن قلب جميل سموح فخلقه ووداعته على عكس اسمه فلا تراه إلاّ (سماح فرحان) وليس (عناد غزوان) !!! مع إجلالنا واحترامنا البالغين لهذا الأستاذ الجليل الذي تعلّمت من صفته هذه كيف أمارس رصانة العالم ، وكلمة الصدق ، ودقة الحكم ، في ابتسامة جميلة يتقبّلها طالب العلم بصدر رحب، فليس بالكلام وحده تصل الرسالة فهل اختصر د. عناد غزوان ما يعرف حديثا" بعلوم الاتصال والبرمجة اللغوية العصبية و فنون الإقناع و الحوار بحب و رغبة سامية في إفادة الآخر من دون إشعاره بنقص فيه او ضعف او قصور ... ففي ملامح وجهه وتنغيم صوته ، و رائع القائه للشعر و تذوقه الصوفي لجلال الكلمة و رشاقة التعبير ... وطرائق عرض الأفكار، واستعمال وسائل الاتصال البصرية والسمعية في إيصال رسالة العلم!! الإضاءة الثانية: الثقافة الأكاديمية والنقد الأكاديمي المبدعون الصادقون أنبياء الكلمة الجليلة لا يأتيهم الغياب إلاّ إمعاناً في خلودهم في الذاكرة والضمير والانتماء إلى مقدس القيّم والأخلاق.. رحلة عمره البهيّة الشاقّة خطّ فيها الجليل (د. عناد غزوان) بحرص العالم ونبل المعلم وسمو الأصيل .. مشروعه الأكاديمي والثقافي الممتد حتى عام 2004 ، بدأ" من رحم الديوانية عام 1936 فعمر الإبداع يتأرخ من لحظات المخاض،.. حرص بقوة وصدق عميقين على ترسيم مشروعه الثقافي الفذ باطاريحه في المحاضرات العلمية وما سجّله في مؤلفاته: مثل المرثاة الغزلية عام 1947، و التحليل النقدي والجمالي للأدب 1985، و آفاق في الأدب والنقد 1990 ، ومستقبل الشعر 1994، و نقد الشعر في العراق بين التأثرية والمنهجية 1999، و مدخل إلى الشعر الجاهلي 2000، وأسفار النقد والترجمة 2005، وغيرها فقد وصل عدد المطبوع منها إلى خمسة وعشرين كتاباً بين النقد والأدب والترجمة. فقد عني خلال جهوده التأليفية بما يمكن تسميته بـ(الثقافة الأكاديمية) أو الأكاديمية المثقفة، وازن بين الروح الأكاديمي الملتزم والتأصيلي ، وبين الثقافة بمفهومها العام وإذا ما أخذناها بتعريف العالم البريطاني تايلور(6): إن الثقافة هي ذلك الكلّ المعقّد الذي يتضمن المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والسعادة وكل المقومات الأخرى التي يكتسبها الإنسان. لعل تحديد مفهوم موحد لمعنى (الثقافة) يعدّ من الامور العسيرة لكثرة مكوناته واختلافها من بيئة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر ومن زمن إلى آخر، ما يهمنا هنا كيفية تكوّن الناقد ثقافياً بحيث يصبح عنصر إضافة لحركية الأشياء من حوله تصحيحاً أو ابتكاراً ولا يمكن أن نتصور المثقف الناقد من دون مكون (الهوية) ، في هذا الصدد يطرح (أدوارد سعيد) مفهوم الناقد المدني (Secular Critic) ( 7 ) فيرى أن مهمة الناقد المثقف في تحويل التعارض بين النظام والثقافة الى تجانس يخدم الفعل النقدي عبر استعداد الناقد لمساءلة الخطاب النقدي ذاته مع انفتاحه على الأقليات المهمّشة من أجل إحضارها إلى المتن الثقافي. ثم يطرح رأياً إشكالياً في توصيف (الناقد الأكاديمي) فيقول ان النقد الذي يمارسه هو أكاديمي وهو بعيد جداً عن هموم قارئ الصحف اليومية، وهذا برأي – سعيد- هو الصحيح، ويستدرك: بيد أننا بلغنا المرحلة التي يتعمّد فيها التخصص ارتداء عباءة الاحتراف بالتحالف مع العقيدة الثقافية، وتسامي التشرنق العرقي والقومي المحض، ناهيك عن الإصرار العجيب على الخنوع شبه الديني إلى ترحيل الناقد الأدبي الأكاديمي المحترف إلى عالم مغاير تماماً مع العلم انه من أكثر ما أنتجته الثقافة تبحرّاً وتدريباً على تأويل النصوص. الذي أبغي محاورته هنا، على ما أظن وأفهم ان الكلام السابق يطرح سؤالاً دائرياً هو هل ان الناقد في حاجة إلى الاتساق مع المنظومة الثقافية التي ينتمي إليها أم ان المنظومة الثقافية تجعل الناقد رائدها في قيادة حركة التطور فيها ... على اعتبار ان الذي يصنع الحضارات هم العباقرة والمبدعون والنقاد... نجد انه كلما رجحت كفة (السياسي) على (الثقافي) يتراجع دور الناقد في صناعة الحضارة لان الفاعلية هنا صارت للقوة و فلسفة المصالح ربما اراد أفلاطون قديما ان يوحد بينهما حين جعل ( الفيلسوف ) هو حاكم الجمهورية بوصفه مالك القوة العقلية ( الحكمة ) ، او الرؤية الاسلامية في كون ( النبي ) هو قائد الدنيا وامام الدين ... ، ترى الناقد يسير على منهاج الثقافة السائدة والمفترض ان الناقد هو صانع المناهج ، ومخطط المسارات ، ومقترح السبل والأدوات التي توصل إلى الأهداف الصحيحة والنافعة . كأن نرى الكثير من مظاهر ذلك في لغة البحث العلمي حين تنسج على منوال لغة الصحافة والإعلام ولغة الشارع والسوق بدلاً من أن الأكاديمي يصحح الخطأ الشائع في ضوء ثقافته الأكاديمية الرصينة . لا بل ان الميزان انقلب حتى صار ينعى على (الأكاديمية) كل ما يرونه تحجّراً وانكفاء" على حدود الدرس النظري، والوقوف عند التراث ونكران الحداثة.. إلى غير ذلك من التهم ... مَنْ يقود مَنْ ؟.. انه لسؤال غاية في الأهمية برأيي ومتى ما تمكّنا من إحصاء مراميه.. فان الثقافة والتنمية والتطور والمعرفة سيكون لها شأن آخر في حياتنا ومجتمعنا في الحاضر والمستقبل... هذا الرجل الجليل دأب في تصحيح المفاهيم الشائعة والمصطلحات التي تطلق على غير ما وضعت له فتشيع في الناس والبحوث والكتابات ويقتدى بها، فيعمل على إيضاح الدلالات وجلاء الصورة سواء في كتاباته وأبحاثه وفي المناقشات العلمية أو اللقاءات التلفازية في تبيان خطأ هذه الاستعمالات والصورة التي انتقلت بها إلينا استيراداً خاطئاً واستهلاكاً سريعاً شأن الكثير من مظاهر الحضارة فكان بصوته المميز ووجهه الطلق يحاور برقي أخطاء الترجمة وهفوات المترجمين وأثر الاستشراق في ذلك وليس من همّ له في هذا سوى نقل المعرفة الصحيحة للجمهور والمحافظة على صفاء العربية وسموها من الطوارئ والمستجدات ففي مكنة هذه اللغة العظيمة أن تنتج وتتوالد من ذاتها لما فيها من أبواب ثراء باذخ في المفردة والتركيب والاشتقاق ، من هنا عدّه (د. محمد الدعمي) : ((الرجل الذي جسّر الفجوة بين الجامعة وجمهورها)) ( 8 ) فهو أحد أعمدة العلم والفكر والثقافة المستنيرة ولقد تجلّت أصالته منذ ستينيات القرن الزائل في محاولته المثابرة والناجحة لمزاوجة المعرفة الأكاديمية بالثقافة الشائعة عبر وسائل الإعلام لذا نال الحظوة الكبيرة والمحبة والتقدير وهو يترجم معارفه الممتعة إلى لغة فنية يفهمها العالم المستنير ويدرك دلالاتها الإنسان العادي ولا يتيسر له ذلك إلاّ من خلال أدواته الأكاديمية وأبحاثه الجادّة التي اشتملت على الدرس التراثي والحداثي فكان المستشار الأمين لكل طلبة العلم وباحثي المعرفة يستأنسون بحصافة رأيه ، وخلق العلماء الاجلاّء فيه . ان ( الأكاديمية ) صفة تطلق على من ينماز بالعلم و جديّة البحث ، و المتابعة المنظمة و التوثيق و التأصيل و التخصص في إطار المؤسسة الأكاديمية (9 ) فحين توظف هذه المعايير و الأخلاقيات بوصفها أداة النظر و المعرفة لتحليل ما يطرأ من ظواهر و ما يعن من إشكاليات و ما يستجد من رؤى ... عندها يصبح الأكاديمي مستشار الأمة في شؤونها ، ودليلها حين تشتبه الطرق و تتشابه ، فالمقاربة النقدية للنصوص هي استنطاق للوعي وكشف عن رؤية الأديب للعالم و الأشياء و القيم و الجماليات وهي صورة تفكير و مجلى وعي و نمط تذوق و مستوى ثقافة .. من هنا فان وظيفة الناقد الأكاديمي لها بعد ثقافي مهم و فاعل في المجتمع بشرط توافر عنصر الاندماج و التشارك بين المؤسسة الأكاديمية و المنظومة الثقافية في المجتمع ..و الاّ فان الأمر يصبح كقول القائل : أنت بما عندك راض و أنا بما عندي راض و الكل مختلف ... فتح ( د. عناد غزوان ) نافذة" على المجتمع بأسلوبه السهل الممتنع الذي يستعصي على الكثيرين من أصحاب الشهادات العليا والدرجات العلمية التي تتحول فيها هذه الشهادات إلى حواجز وأسلاك شائكة بينهم وبين أبناء مجتمعهم فلا يتم الوصول اليهم إلاّ بعد مشقة وعناء بيد أن أخلاقية العلماء تؤمن أن العلم مسؤولية وزكاة هذه المسؤولية العظيمة إيصالها لمستحقيها فما قيمة علم لا يصل ؟ وما قيمة معرفة لا تطوّر الحياة أو تنمّي مجتمع أو ترتقي بأفراد...؟ إنما العالم كلما ارتفع في علمه درجة يسأل الله تعالى أن يحطّه في نفسه درجات.. فلا يغتر أو يتكبّر أو يتعالى وربما يتعذّر الوصول إلى مرتقى أولئك الأفذاذ الذين يحفرون لحداً في الغرفة التي يعيشون فيها و يؤلفون ويكتبون يكشفونها كلما تعالت النفس اللّوامة ويريد أن يركبها الغرور والعُجب فيؤدبها خير تأديب بتذكيرها بيوم ستنفرد فيه مع عملها الذي يوصل إلى طريقين لا ثالث لهما.. انه سمو جليل لا نقوى عليه جسّده د. عناد غزوان بأن جعل هذا المشهد الآخروي يغلّف زجاج نظاراته السميكة... فلا ينظر إلى مشهد أو إنسان إلاّ وسبقته صورة الحقيقة .. أعدّه مبتكر استعمال مصطلح (الحوار) في جلسات المناقشات الأكاديمية ، وهي و إن كانت امتحانا" إلا ان الطالب الممتحن و الحضور الجالس في القاعة صغيرا" كان أم كبيرا سيفيد مما يُطرح و يُقال و يُناقش ... فتناغم التخصص الدقيق مع الثقافة العامة سعيا" نتمناه في اتحاد الهمّ الثقافي بين الأكاديمي و الجمهور وليس هذا الأمر من ضرب الخيال فلقد ارتبط النقد الصحفي مثلا" بجهود نخبة طيبة من الأكاديميين فلقد بنى ( طه حسين ) في بدايات القرن العشرين مشروعه النقدي على المثاقفة مع أوربا و الاستشراق وأفاد من المناهج التاريخية و الاجتماعية و كيف يمكن ربط ذلك الفكر المنهجي التخصصي بالثقافة العربية و خصوصية الواقع العربي ليس الثقافية حسب بل الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية ( 10) وحين جاءت الاربعينيات و الخمسينيات ظهرت طائفة من النقاد الأكاديميين و غيرهم أسهمت بشكل فاعل في الحركة النقدية في القرن العشرين عربيا" ومنهم ( محمد مندور و سيد قطب ) ( 11 ) ، ثم ان الكثير من المجلات الأدبية و الثقافية من تنظير أكاديميين كمجلة (شعر ) و ( مواقف ) و( فصول ) و( الأقلام ) و ( المورد ) و ( الموقف الأدبي ) ومن الصحف المتميزة في العراق حديثا" جريدة ( الأديب ) حيث أثبتت حضورا" لافتا" في المشهد الثقافي المعاصر وان اغلب كتّابها من الأكاديميين العراقيين و العرب ، أسهم الدكتور عناد في اغلب الهيئات الاستشارية للمجلات الثقافية و العلمية حتى اختير رئيسا" للاتحاد العام للأدباء و الكتّاب العراقيين بعد سنة 2003 أثبت حضورا طيبا" في إدارة الشأن الثقافي للبلد في مرحلة إشكالية كبيرة في مجمل محاورها و قضاياها . لهذا بقي هذا الرجل الجليل في ذاكرة الاجيال التي تلمذت عليه و زاملته بمراياه الصافيات التي لا تُحصى ، مهما تشاكست الدنيا والأحوال والأفكار فإنها تهدأ على كفيه ... ينوجد في رحابه (الحل) دائماً لأي مشكل ... رافع معنويات من الطراز الأول ... لا تخرج منه إلاّ مبتسماً، يميز بيسر النافع الماكث من الزبد الجفاء ... صفحته الجميلة لم يخطّ عليها غير النافع، الصادق، الجميل. إن الاحتفاء بهذا الرجل الكبير هو احتفاء بنهري دجلة والفرات وبنخيلهما ، وبحضارة لا تمّحي او تزول بكل ما أودع البارئ سبحانه فيها من كل الثمرات ، وما جمع في أرضها ونبضها من صنوف الأضداد. يتضح مما تقدّم ، ان مقدار قيمة الأصالة في الذات الإنسانية و مستوى التميّز فيها لا يتشكّل من معطى خارجي حسب ، إنّما من صنيع ذاتي رصين بفعل التحدي و السعي الدؤوب و عمق التحصيل و الصدق و الأمانة و الخلق الجميل في إيصال رسالة العلم و المعرفة و التنوير و الإيمان حين يكون العالم الأكاديمي مرتقى تتسامى الأبصار و هي تنظر إليه .. تحتاج إليه و قليلا" ما يحتاج إليها .. يخالق الناس بخلق حسن حتى تتحقق غاية الرسالة في الحياة في القدوة الحسنة و المثل الجليل . قطاف و استشراف مما تقدّم نخلص إلى جملة قطاف زاهية نأمل لها الينع و الخضرة و البهاء .. يقف في مقدمتها رعاية الإبداع و المبدعين فليست حضارات الأمم إلا شخوص مبدعيها و مفكريها و منتجي عناصر الإبداع و التطور و الارتقاء العلمي و الأدبي و الروحي فيها ، لذا فكل امة تحتفي بمبدعيها و تخلّد ذكراهم و تصنع لهم التماثيل و النُصب لأنهم عنوان وجودها الحضاري و الإنساني ، ومن اكرم النُصب العصيّة على الهدم و التنكيل .. ذلك الذكر الحسن ، و البقايا الطيبات ، و الكلمة الأصيلة ، و الموقف النبيل من هنا نأمل : 1 ـ الاحتفاء اللائق بمبدعي العراق في كافة العلوم و المعارف و الآداب من خلال ترصين ثقافة مختلفة إزاء المبدع و المتميز و المُضيء من العلماء و الأدباء و المفكرين و النقّاد ، ونأمل ان لا نرى يوما" ان العراقي مبدعا" محارب في بلده و من أهل جلدته في حين يُكرم عند الأجانب ويُعظّم و يتسنّم أعلى المراتب باستحقاق طبعا" .. وان الكلام عن التفوق العراقي ليس به حاجة الى تفصيل فالحال أخبر من المقال .. 2 ـ تأسيس قاعدة معرفية تربوية في الدرس الجامعي و ليكن قبله كذلك ، في العناية بالتأليف الوطني و كتّاب البلد قبل الآخرين فعلى سبيل المثال طلبة كليات الآداب و التربية جميعا" يتخرجون وهم لا يعرفون احدا" في الدرس المقارن مثلا" غير د . محمد غنيمي هلال .. و يكاد لم يسمع بعلماءَ أفذاذ مثل د . داوود سلّوم ، و د. عناد غزوان و د . ضياء خضير و د . خالد سهر و د . مجيد الماشطة و د .عبد الواحد لؤلؤة .. و الكثير الكثير من هذه التيجان الرائعة ، فلكي نخلق ثقافة مغايرة إزاء المنجز الوطني فلابد أن يكون التعليم نقطة الشروع الأولى . 3 ـ طبع مؤلفات أستاذنا الكبير المخطوطة وكذلك إعادة طبع المطبوعة منها من مدة طويلة و باللائق من تقنيات الطباعة الحديثة و حبّذا أن تتبنّى جامعة بغداد أو أي مؤسسة أكاديمية هذه المهمة و تصبح سياقا" في العناية بالتأليف العلمي الرصين وبخاصة الذي مازال معتقلا" بين جلدتين سوداوين في رفوف المكتبات الجامعية . 4 ـ ان تكون ملتقيات الاحتفاء بالمبدعين العراقيين تقليدا" اكاديميا" و ثقافيا" سنويا" وان نفيدَ من تجارب الآخر في الاحتفاء بمبدعيه و رموزه .
الحواشي و بضمنها المصادر 1 ـ ينظر : خرافات ادبية / عبد الجبار البصري / دار الشؤون الثقافية / 2001 2 ـ المتاهات / د . جلال الخياط / دار الشؤون الثقافية سنة 2000 . 3 ـ ينظر : خطاب الآخر / د . عبد العظيم رهيف / دار الاصالة و المعاصرة / ط 1 سنة 2005 / ص 128 ـ 129 . 4 ـصحيفة الزمان / ملف ألف ياء / السنة السابعة ع 1944 / في 18 / تش 1 / 2004 . 5 ـ ينظر : خمسة مداخل الى النقد الادبي / تصنيف ويلبرس و سكوت / ترجمة و تعليق د . عناد غزوان و جعفر الخليلي / دار الرشيد بغداد / 1981 ص 6 . 6 ـ ينظر : قاموس علم الاجتماع / د . محمد عاطف غيث / الهيئة المصرية العامة للكتاب / 1979 ص 110 . 7 ـ العالم و النص و الناقد / ادوارد سعيد / ترجم الدكتور عبد الله الغذّامي هذا المصطلح الى ( الناقد المدني ) ص 50 في كتابه النقد الثقافي / المركز الثقافي العربي / 2000 ، أمّا في ترجمة عبد الكريم محفوظ فيدعوه ب ( الناقد الدنيوي ) في ترجمته لكتاب ادوارد سعيد المذكور / ينظر ص 5 و 30 . 8 ـ مقال في صحيفة الزمان / السنة السابعة العدد ذاته المذكور في أعلاه . 9ـ ينظر في النقد الأدبي الحديث / محمد صالح الشنطي / دار الأندلس / حائل ط 1 / 1999 / ص 364 . 10 ـ ينظر دليل الناقد الأدبي / ميحان الرويلي و سعد البازعي / المركز الثقافي العربي / ط2 / 2000 / ص 240 و ما بعدها . 11 ـ ينظر : نفسه / ص 245 . |
|