برهان المفتي

عاشق ريتا ينام تحت مديح الظل العالي
يموت الشعراء حين يجف حبر القصيدة

تسقط الحروف كطيور أصابتها رصاصات القنص، تسقط دون معنى، كأنها أشلاء ريتا مبعثرة في طرقات المدينة، أو كقصة حب غير نهايتها جنون الزمن وعبثية القضية، تلك الحروف التي كانت تحلق عالياً في سماء المخدوعين بأن الاوطان تتشكل بالكلمات دون غيرها.

نلتقي بعد قليل

بعد عامين وجيل

وتمر الاجيال، وتبهت صورة الوطن، ويبتعد اللقاء بخطوات أسرع من خطواتنا، حتى يصير الوطن قلادة نحملها فوق صدورنا، أو حمالة لمفاتيحنا، أو يختزل الوطن كله في إيقونة بؤس رسمها رسام  وتركها على صفحات الجرائد وزجاجات السيارات. نكاد أن نننسى الوطن، فيأخذنا محمود درويش لنستريح تحت مديح الظل العالي، ونشرب القهوة معاً.

كان محمود يؤمن بأن الكلمات ستثمر يوماً ما، ورحل ولم يات ذلك اليوم، ولن يأتي في زمن نطارد فيه الكلمات كما نطارد إزعاج الذباب في حر الصيف. توسل محمود أن يعيش وقال (في الحياة أشياء تستحق الحياة) وكما قال (ونحن نحب الحياة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً) ، ويبدو أنه لم يجد للحياة سبيلا في أميركا.

أسمع الآن مارسيل بصوت عوده الحزين، وهو ينعى محموداً إلى أمه، لا تنتظري بعد اليوم، وأطفأي تنورك، ولنبدأ صلاة الجنازة لإله في العيون العسلية.

والذي يعرف ريتا

ينحني لإله في العيون العسلية

عيون ريتا كالبندقية

يموت الشعراء حين يجف حبر القصيدة، ويمرون على الأزقة وهم أرواح تسأل عن عناوين ضاعت  منهم وهم مشغولين بغزل الحبيبة، تلك الحبيبة التي كانت وطنا وبيتا، كانت فتاة تنتظر في محطة الباص قبل أن تنشطر إلى أشلاء مبعثرة.

مارسيل ومحمود، قادا جنوننا في أزقة التيه زمنا طويلاً قبل أن نصحو على وهم وطن تلاشى وصار قلادة من حديد صدىء، حتى أضفنا نحن العراقيون شيئأ آخر على ذلك بأن جعلنا الوطن يبعث رأئحة الحنين حين نعلق علم الوطن على مرايا سياراتنا كمعطر للجو.

عرف محمود وهم قضيته متأخراً حين طلب من أطبائه أن لا يحاولو إيقاظه حين يجدوه نائما بعد العملية، فقد عرف محمود في تلك اللحظة فقط أن الاوطان إذا ضاعت فلا تأتي مرة أخرى إلا في حلم خاطف.

 burhanalmufti@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة مقالات