برهان المفتي

جلسة طارئة لعالم الحيوان بعد انفجار سوق الغزل

اهتز عالم الحيوان ألماً وهم ينظرون إلى مشاهد الدمار الذي أصاب تجمعات حيوانية للدجاج والحمام والخيول والكلاب والقرود في سوق الغزل.. وتصاعدت موجة الغضب الحيواني النبيل بعد أن أظهرت المشاهد الحية من موقع الانفجار رأساً مقطوعاً لديك (هراتي) كان البطل المتوج في آخر بطولة للمصارعة الديكية في مقهى الديوك في باب المعظم.

صاح الغراب بصفته الناطق الرسمي بأسم الحكومة الحيوانية المركزية ودعا الحيوانات التي لها جاليات دائمية مقيمة في سوق الغزل.. دعاها إلى اجتماع طارئ لمواجهة السلوك الوحشي للإنسان. وأختار الحيوانات محدثيها وكبار سياسييها للاجتماع الذي حُدّد مكانه تحت قبة البرلمان الحيواني في ساحة الحمار بنجامين – بطل رواية جورج أرويل.

أفتتح الحصان الجلسة الطارئة بصهيل قوي.. ثم فتح كمبيوتره الشخصي وبدأ بعرض سلايدات من موقع الأنفجار. كان العرض مؤلماً.. رأس عمدة الجالية الحصانية الذي كان يزور سوق الغزل مقطوع من شدة الانفجار.. حوافر جديدة لحصان كان يستعد للزواج.. مهرة يافعة وقد أنفجر بطنها وتناثرت أشلائها. وبصهيل حزين قال الحصان – النائب في البرلمان الحيواني – "ماذا جنينا من سنوات تعاوننا المستمر والمذل مع الإنسان غير هذه الصور المؤلمة" ثم غادر الأجتماع غاضباً دون أن يلتفت إلى صوت ونداء الكلب الذي ترأس الأجتماع لكون الجالية الكلابية هي الأغلبية في سوق الغزل.

تحدثت الدجاجة المنتخبة ديمقراطياً لمنصب عمدة الدواجن وقالت " كانت رؤية رأس ذلك الديك البطل بين بقايا الأنفجار وبالقرب من مجمع النفايات منظراً مستفزاً لمشاعر الملايين من أبناء الدواجن.. وسيعلن الديوك إضراباً مفتوحاً في كل العالم" ونزلت بحسرة قوية فهمها الغراب الذي كان قريباً منها.. بينما كان الحمام الزاجل ممثل جالية الحمام يصفق بجناحيه بحماس.

صعد الثعبان على طاولة الإجتماع وقال بلهجة حكمة ورزانة " زملائي وإخواني.. نحن جالية محدودة ولكن مؤثرة.. ونحن قوم مبتلون.. فالإنسان الهمجي يطلب جلودنا للسحر ولعابنا للعلاج وزيوتنا لزينة الشعر، وكل هذا ونحن لم نلدغ أحداً منهم، لكنهم قوم باغون. نطلب منكم التصويت على مشروع حضاري نواجه به السلوك الهمجي للإنسان". وتدلى من فوق الطاولة بهدوء ورزانة.

كل هذا والكلب يسمع ويدون ملاحظاته.. وذيله يصعد حيناً وينزل حيناً.

وبضحكة فيها الكثير من السخرية المُرة قال القرد ذو المؤخرة المكشوفة" سمعوني زين، آني ما أعرف أصفط كلام مرتب مثلكم، وبالعدلة ترى الإنسان ما ينراد له غير واحد سرسري وما يستحي، آني صار لي سنين وياهم أراقبهم، ترى أبن آدم ما يستحي،حتى صار يرتب لنفسه صلة قرابة وي القرود.. هاي وين صايرة، يعني آني أبن عم هذولة القشامر". ولخشية الكلب أن يستمر القرد في كلامه السوقي كما يفعل بنو البشر في برلماناتهم، آشار إلى القرد بذيله، ففهم القرد الإشارة وسكت وتظاهر أنه مشغول بملاحقة قملة في فروة رأسه.

فجأة.. رن جهاز (بلاك بيري) الخاص بالكلب كإشارة إلى ورود إيميل طارىء، وكان المرسل هو الأمين العام لمجلس الحيوان العالمي وهو يطلب من الكلب فتح الكاميرات التلفزيونية الموجودة في القاعة لإجراء مقابلة تلفزيونية مغلقة مع المجتمعين للوصول إلى موقف قوي وحازم ومشترك، وفعل الكلب كما طلب الأمين العام.

والأمين العام بغل وقور، فمن  عادة عالم الحيوان أن ينتخبوا بغلاً لهذا المنصب الحيواني المهم حتى لا يتوارث المنصب كما يفعل رؤساء البشر حين يسلمون السلطة إلى أبنائهم حصرياً، فالبغل لا نسل له.

قال سيادة الأمين العام " الحضور الكرام.. أحييكم من الطرف المقابل من العالم، وبفضل التكنولوجيا أستطيع أن أكون معكم. من الرائع أننا في عالم الحيوان قد قررنا منع استخدام الكلمات التي تدل على ردود فعل صوتية فقط، تلك الكلمات التي اخترعتها أقوام يسكنون بين المحيط والخليج. تلك الكلمات فقط عبارات صوتية كالطبل الفارغ. نحن لا نستخدم عبارات التنديد أو الاحتجاج والاستنكار، نحن قوم لنا الفعل فقط. غداً في السابعة صباحاً بتوقيت سوق الغزل ستأتيكم صقور جائعة تنطلق من قواعدها في جبالنا العالية، وسترافقها النسور الصلعاء لتنظيف الشوارع من الجيف الإنسانية التي ستسببها غارات الصقور الجائعة. لا أريد إطالة الحديث.. يجب أن نتفق على الخطة فوراً".

وفي الساعة السابعة صباحا وكما جرى الأتفاق عليه، كانت سماء بغداد مغطاة بأسراب الصقور الجائعة، فتوجهت تحديداً إلى مراكز حُدّدت بدقة وليست كقنابل الإنسان الذكية حين تشطح كيلومترات عن أهدافها، وكنا نسمع الغراب وهو يبشر بقرب القضاء على وحشية المشروع الإنساني، وبقرب إشراقة شمس الحضارة الحيوانية من سوق الغزل ليغطي شعاعها العالم أجمعين.

وحين المساء غادرت أسراب الصقور سماء بغداد بينما النسور لا زالت تنظف الشوارع من الجيف الإنسانية. وظهر البغل – الأمين العام لمجلس الحيوان العالمي، برفقة الكلب وهما يسيران في سوق الغزل، ومجاميع من الحمام الملون تصفق لهما بأجنحتها بينما البلبل يغني نشيد الأنتصار الحيواني.

كتبت بعد انفجار سوق الغزل

1/2/2008

 burhanalmufti@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة مقالات