عبدالاله الصائغ

قطوف من نخيل الصائغ

 

النجف الأشرف ربيع حضاري
الباب الخامس

  

 

الباحث النجفي الاستاذ حيدر التميمي بعدسة الصائغ والباب الخامس اهديه اليه وفاء لملاحظاته العلمية التي ينورني بها حين اكتب عن النجف  

عبد الاله الصائغ

هذا هو الباب الخامس الذي يحوم حول النجف فلا يستطيع مقاربتها فكيف بالتماس معها ؟ بله دخولها ؟ نعم حاولنا في الباب الأول تأصيل ( نجف ) ! والنجف مدينة  ذات اشعاعات متعددة المصادر منها اللاهوتي ومنها الناسوتي !! هي مدينة صحراوية ليس فيها ماء وهي منطقة بلا صناعة ولا زراعة ولا فلاحة ولا تعدين !  ومع ذلك فهي رابعة المدن المقدسة في دنيا الاسلام  بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف !  يقال انها كانت ميناء تقع على بحر متلاطم اسمه بحر الني وقيل النيل !  يقول البعض  ان النجف مقبرة دون مأثرة ! ليس للحي فيها مكان !  ويقول الآخر انها منطقة صحراوية لاماء ولا شجر فكيف  تنهض وطنا ! مدينة  عطشى نباتها  الحسك والشيح والقيصوم والرتم والعرار ! ومن هنا نفهم محنة الشاعر احمد الصافي النجفي فهو يحب الماء والخضراء والوجه الحسن ! وهو كما قال للجواهري الكبير ( يا أخي ان الله خلق من الماء كل شيء حي ! وما لم يكن ثمة ماء لن يكون ثمة خضراء ! واذا خلا المكان من الماء والخضراء فأنه وبالقوة خلا من الوجه الحسن ! كيف تريدني اعيش في مدينة قلت فيها  :

صدقَ الذي سماك في وادي طوى          يادار بل وادي طوى وعراء

جلستْ على الأنهار بلدانُ الورى          فعلامَ انتِ جلستِ في الصحراء

وقد ناكف الكاتب الاستاذ محمد علي البلاغي الشاعر النجفي فقال له  انك اذا بحثت عن الجمال البدوي الخلاب فلن تجد غير النجف مأوى له ! فضحك احمد الصافي وكتب :

إن الغريَّ بلدةٌ تليق أن                       تسكنها الشيوخُ والعجائز

فصادرات بلدتي مشائخٌ                              وواردات بلدتي جنائز 

قد تكون النجف البعيدة عن المداخن والصناعة نقية الهواء لبيثة الأشذاء ! لكن مزية النجف هي ان تحب حتى تؤهَّل للساكن ! فماذا مثلا وجد الشاعر والموسيقي اسحق بن ابراهيم الموصلي  في النجف لكي يبالغ في جمالها لو لم يكن الحب عينيه اللتين رأى بهما اليها ؟  قارن  :

ما إن ارى الناس في سهل وفي جبلٍ       اصفى هواء ولا اعذى من النجف

كأنَّ تربَتَه مسكٌ يفوح به                     أو عنبرٌ دافه العطار في صدف

لكن اجماعا كبيرا علل جمال المكان بالمكين ! فجمال هذه المدينة جاء بسبب احتوائها لرفات  أمير  المؤمنين علي بن ابي طالب  فلولا ذلك لما كانت النجف نجفا ! فزائر ضريح الامام علي ملتمس فيه البركة مؤملا منه الشفاعة !   قارن الشاعر العباسي  الحسين بن الحجاج:

ارجو بأنك يا مولاي تشفع لي           وتسقني من رحيق شافي اللهف

لانك العروة الوثقى فمن علقت             بها يداه  فلن يشقى ولم يخف

لان شانك شان غير منتقص                وان نورك نور  غير منكسف

وانك الآية الكبرى التي ظهرت         للعارفين بانواع من الطرف

ولقد استطاع المجتمع النجفي اضافة لمسات مهمة الى جانب قداسة المدينة فمثلا اشتغل النجفيون بالأدب والمعرفة والعلوم الدينية ! وبرز جيل جديد من النجفيين شد الرحال للدراسة في فرانسا وبريطانيا وامريكا وروسيا والمانيا وحصل على اعلى الدرجات العلمية واكتنـز أعمق الخبرات الحياتية والحضارية وسيان في ذلك بنات النجف وابناؤه ! فربط هذا الجيل الجديد تالد المدينة بطارفها ! فضلا عن ان النجف كانت بؤرة نضالية كبيرة فقد قادت الغضب العراقي منذ ان وضع الليل العثماني كلاكله الثقال على العراق ثم ورثه الليل البريطاني المهلك ثم وصلت نضالها ضد بني عثمان وضد الانجليز بنضالها ضد حكومة نوري السعيد ابان العهد الملكي ثم العهود الجمهورية ! فبرز منها قادة كبار مثل المناضل محمد الشبيبي والشيخ محمد باقر الشبيبي والشاعر محمد مهدي الجواهري والدكتور العلامة مهدي المخزومي والدكتور العلامة ابراهيم حرج الوائلي والمناضل حسين الرضي والإمام السيد محمد باقر الصدر والروائية والناشطة آمنة الصدر  والدكتور عباس الترجمان والشاعر حسن عوينة والمناضل عبد الاله النصراوي والاستاذ امير الحلو والشاعر مرتضى فرج الله  والشاعر الدكتور صالح الظالمي والاستاذ احمد الحبوبي !والروائي مكي زبيبة ...ويلبث اسم النجف بعدها موضع اجتهاد فالمعجمي  ابن منظور المصري في مادة نجف أو نجفة يقول : هي  ارض مستديرة مشرفة. والجمع نًُجُفٌ و نِجاف بينا يذهب  الجوهري الى ان  النًجف والنِجاف ، بالتحريك ، مكان لايعلوه الماء مستطيل منقاد، والجمع نِجاف أما ابن الأعرابي فهو ينص على ان النجفة المسناة ، والنجف التل ويحددالازهري مكانية المصطلح فيقول  : النجفة التي بظهر الكوفة وهي كالمسناة تمنع ماء السيل ان يعلو منازلها ومقابرها ! والنجف انما سمي بهذا الاسم لانه يعني ارضا عالية معلومة تشبه المسناة تصد الماء عما جاورها ، وينجفها الماء من جوانبها ايام السيول ، ولكنه لايعلوها فهي كالنجد والسد ، وتغلب على شكلها الاستطالة دون الاستدارة التي اشار اليها بعض اللغويين الكبار  !   فإذا رجعنا الى مظنة الجغرافي  ياقوت الحموي فسنجد ان  النجفة بالتحريك تكون في بطن الوادي شبه جدار ليس بعريض وقد يقال لابط الكثيب نجفة الكثيب وهو الموضع الذي تصفقه الرياح فتجففه اما النجف بالتحريك فقال :  بالفُرُع عينان  يقال لاحداهما الرَّبَض وللأخرى النجف تسقيان عشرين الف نخلة وهو بظهر الكوفة كالمسناة تمنع مسيل الماء ان يعلو مقابرها والنجف قشور الصلبان وفي هذا الموضع قبر امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام !! و في المعجم الوسيط   اشارات مهمة   الى كل شيء في مادة نجف  ولكن  ليس ثمة اشارات  الى أن النجف المدينة التي تنورت  بقبر امير المؤمنين علي ! قارن  نَجَفَ الشيءَ نجْفا حفر فيه ووسع جوفه ويقال نجف الشجرة أي قطعها من اصلها ونجَّف الشيءَ  مبالغة في نجف أي  رفعه وعلّاه  والمنجاف هو سكان السفينة الذي تعدل به  , والنجف : التل وجمعه نِجاف والنجفة مكان مستطيل كالجدار في وسط الوادي لا يعلوه الشيء  , والنُّجْفَة : القليل من الشيء يقال اعطه نُجْفَةً  من لبن ! ومهما يتعمق الباحث عن دلالات مادة نجف في المظان مصادرها ومراجعها فلسوف يواجه صبرا عجيبا لدى الباحثين لايجاريه صبر لكي نستعيد العبارة التي قلناها بأن الحب مزية النجف الكبرى ! فكيف ومتى قرنت النجف الى صفة الأشرف ؟

اضافة كلمة " الاشرف " الى النجف هي اضافة حديثة  فالكتب   القديمة  لاتوضح او تورخ مثل  هذه الأضافة  بما يولد قناعة  مفادها  ان  الأشرف صفة  حادثة  وليست قديمة  !!بيد ان المؤلفات التي صنعت في القرن الثالث عشر الهجري تسلط شيئا مهما من الضوء  على هذه المسألة  ! ، فالشائع المتواتر في  وصف الروضة العلوية  هو إلحاق الشريفة كحالة من الإتباع فنقول المرقد العلوي الشريف والروضة الحيدرية الشريفة ولم يكن شرف النجف من مسوغ واحد فقط هو كونها مثوى لرفات امير المؤمنين علي بن ابي طالب فقد اوردت  الروايات انها  تضم قبري آدم  ونبي الله نوح عليهما السلام  كما تضم مدينة النجف قبري النبي هود والنبي صالح عليهما السلام  ! فهل حدث كل ذلك بمحض الصدفة ؟ واذا كانت النجف والكوفة تسميان النجفين او الكوفتين فقد وردت روايات عديدة عن ائمة اهل البيت عليهم السلام في فضل النجف ، منها ماروي عن الامام علي عليه السلام ان   اول بقعة عٌبد الله عليها  هي ظهر الكوفة وذلك  حين  امر الله الملائكة ان يسجدوا لآدم ، فسجدوا على ظهر الكوفة ! ويمكن للزائر ان يرى في رحبة مسجد الكوفة عددا من مقامات الانبياء  التي اوردتها الكتب السماوية المقدسة وفي المقدمة القرأن  الكريم! فليس اذن كثيرا على مدينة النجف ان تكون احدى  اربع جامعات اسلامية قديمة  وهي جامعة القرويين في المغرب  وجامعة الزيتونة في تونس وجامعة الازهر في  مصر ، وجامعة النجف في العراق  وهذه الجامعات الاربع تجاوزت في  عمرها الف عام ! وكان امام الازهر الشيخ محمد عبدة 1890 – 1905 يذكر في مجالسه ان فضل جامعة النجف لايمكن ان يكون على قدم  المساواة مع الازهر والزيتونة والقرويين فهي تفضل سواها ! اما الشيخ جمال الدين الافغاني   1838- 1897 فلم يكتف بترجيح جامعة النجف على نظيراتها الجامعات الثلاث بل شدج الرحال الى النجف وتلقى هنالك العلوم الحوزوية واسهم الافغاني في تدريس الفرنسية لطلبة النجف !  وكان الشهيد الاديب عبد الرحيم محمد علي قد تهيأ وهيَّأ معه كوكبة من الدارسين والممولين من اجل الاحتفال بألفية مدينة النجف وكان جزاؤه ان سجن وقتل في السجن صبرا ! هي جامعة النجف التي احتفلت بألفيتها همسا وتوجسا منذ عقدين ونيف فهي رابعة المدن المقدسة في العالم الإسلامي بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف  ويمكن اعتداد  تاريخ انتقال مؤسس النجف ومرجعيتها  العلامة الشيخ الطوسي من بغداد الى النجف  ، وهوعام 449هـ تاريخ نشاطها المرجعي الذي عرفت به فيما بعد    النجف  تشرفت بمرقد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام  والأنبياء الأربعة ، ولعل الذين اضافوا كلمة الاشرف الى النجف نظروا الى كون هذه الجامعة اشرف الجامعات الأربع  الاخرى لكونها تشرفت بمرقد الامام علي كرم الله وجهه فهو  باب مدينة العلم كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم  : انا مدينة العلم وعلي بابها

لقد وجدت النجف منذ نهوضها القرن الرابع الهجري قلوبا شذية   وجيوبا سخية فعمرت وزينت ووسعت وسيجت وعملت لها الاسواق الكثيرة منها :

السوق الكبير

سوق النجارين

سوق المسابج

سوق القصابين

سوق الريحة

سوق العبايجية والروافين

سوق الحمير

سوق الصفارين

سوق البزازين

سكلة بيع السمك

سوق الخضار

سوق العطارين

سوق الصاغة

وثمة اسواق صغيرة لبيع اكياس الجوت الكَواني ومشتقات اللبن وتجهيز الموتى !!

لقد  أمر السلطان مسعود بن بابويه الديلمي ببناء سور مشهد النجف بعد ان فرغ من تعمير القبة الحيدرية  وتجصيص خارجها وداخلها ثم دخل الحضرة الشريفة ومعه  الشريف الرضي وقبَّل السلطان القبة المنيفة  فوقف الشاعر ابو عبد الله الحسين بن الحجاج وانشد قصيدته مشددا على الشرف الذي تحضى  بها النجف :

ياصاحب القبة البيضاء في النجف     من زار قبرك واستشفى لديك شفي

زوروا ابا الحسن الهادي لعلكم             تحظون بالاجر والاقبال والزلف

اذا وصلت فاحرم قبل مدخله                    مُلبِّياًواسْعَ سعياً حوله وطفِ

حتى اذا طفت سبعا حول قبته                    تأمَّلِ البابَ تلقى وجهه فقف

وقل سلام من الله السلام على              اهل السلام واهل العلم  والشرف

اني اتيتك يا مولاي  من بلدي             مستمسكا من حبال الحق بالطرف

راجٍ بأنك يامولاي تشفع لي                 وتسقني من رحيق شافي اللهف

لانك العروة الوثقى فمن علقت                 بها يداه  فلن يشقى ولم يخف

لان شانك شان غير منتقص                    وان نوركَ نورٌ غير منكسف

وانك الآية الكبرى التي ظهرت                   للعارفين بأنواع من الطُّرَف

بحب حيدرة الكرار مفتخري          به شرفت وهذا منتهى الشرف (14 )

وهكذا نجد ان القلوب كانت مهيأة لتمييز هذه المدينة المقدسة عن سواها ! فضلا عما تتمتع به النجف من كريم الصفات التاريخية والمكانية  والدينية !

الكوفتان : النجف والكوفة مدينة واحدة فالمشهد ( النجف ) مدينة شتوية والجسر ( الكوفة ) مدينة صيفية ! بل ان النجف والكوفة والحيرة بحساب المدينة الواحدة  حتى قال الشاعر حنين الحيري :

أنا حنينٌ ومنزلي الـنـجـف   وما نديمي إلا الفتى القصف

أقرع بالكأس ثغـر بـاطـيةً    مترعةٍ، تـارةً وأغـتـرف

من قهوة باكر التجار بـهـا    بيت يهودٍ قرارها الخـزف

والعيش غض ومنزلي خصبٌ     لم تغذني شقوةٌ ولا عـنـف

  مدينة النجف تجاور  الحدود الحجازية من جهة الشرق ، فهي  في الطرف الغربي من المنطقة الوسطى فوق الهضبة الغربية قريباً  من ضفة نهر الكوفة ( المتفرِّع عن الفرات ) بمايساوي ثمانية كيلومترات ,   وقد  امتد اليوم البناء فيها الى الكوفة تقريباً  فالزائر للكوفة والنجف يحسبهما مدينة واحدة . وتحدها من جوانبها الاخرى مدينة كربلاء ، ومدينة الكوفة ، ومدينة ابو صخير ، ومركزها الاداري الحالي " محافظة "   من احدى محافظات الفرات الاوسط العراقية  (وتطل مدينة النجف الأشرف من الجهة الغربية على البحر الناشف حيث يشاهد القادم من مسافة بعيدة القبة التي تضم مرقد الإمام علي بن ابي طالب )  وقد سمعت كما سمع غيري من بعض معمري النجف تفسيرا شعبيا متواتراً شائعاً لدلالة النجف يتجه الى ان النجف كانت ضمن بحر يسمى بحر ( الني ) ثم جف فقيل: بحر الني جف ثم اختزلت العبارة الى ( النَّيّ جَفَّ) ثم ادغم الأسم ( الني ) مع الفعل الماضي  ( جَفَّ ) فنحتت ( النجف ) إ.هـ  ولكنني اضعِّف تفسير المعمرين المتداول لدى العامة لأن المنطقة  ليس فيها اسم ( الني ) ولم تسعفنا كتب الجغرافيين  الى قبول هذا الراي الشعبي !!  لكن هناك نُهَيْراً صغيرا بين الحلة والكوفة  اسمه ( النيل ) ذكره الشاعر الأعشى الكبير !

ما النيل اصبح زاخرا في مده        جادت له ريح الصبا فجرى لها

زبدا ببابل فهو يسقي اهلها         وغدا تفجره النبيط خلالها

ولا نجد صلة جغرافية بين(النيل )كنهر و( الني )  كبحر   ومع هذا التضعيف فإن الذي ينزل وادي النجف  من النجفيين  يقول نزلت الى البحر ولم يقل نزلت الوادي  وتسمى المنطقة المنخفضة اليوم ( البحر ) والذي ينزل الوادي يكتشف مشاهد محيرة منها وجود جزر صغيرة  مرتفعة عن الأرض  وقد جف الماء المحيط بها  لكنه ترك آثاره التي لاتخفى حواليها ! وهي جزر مازالت ماثلة للعيان حتى اليوم ! ويكتشف ايضا وجود قواقع متحجرة كثيرة بشكل ملفت للنظر  ويسميها النجفيون ( مغيزل بابا ) تصنع منها النجفيات قلائد وأساور !! : انشد الشاعر اسحق بن ابراهيم  الموصلي وصفا بصريا لمدينة النجف حين زارها   :

حُفَّتْ ببرٍّوبحرٍ من جوانبها                   فالبرُّ في طرفٍ والبحر في طرف

وبين ذاك بساتين يحفُّ بها                 نهرٌ يجيش بجاري سيله القَصَف

وهناك من يرى ان بحر النجف انما هو نضح من نهر الفرات !!  فهو ينخفض في الصيهود ويرتفع في الخنياب !  واذا كانت النجف خد الكوفة فهي  جارة الفرات وقد ذكر البحاثة البدري نقلاً عن القاموس الآشوري الذي اصدرته جامعة شيكاغو : إنّ (كادو ) اسم للفرات القديم  وقد جاء في رواية عن المفضل ، عن الإمام الصادق عليه السلام: أنّه فرات الكوفة! ونقل ان  العلامة المجلسي تصوّر أنّها مصحّفة ، وأنّ الصحيح (قرب الكوفة) .. ونقل أنّه تحقق : أنّ (أراراط) الوارد في التوراة العبرية ، و (قردو) الوارد في التوراة الآرامية والسريانية على أنّ سفينة نوح استقرت على جبالهما إنّما هما اسمان لبابل ممّا ورد يقرب مع معرفة التحريف في العهد القديم صدق الرواية

و بحر النجف كما ترى كان قائماً تاريخياً بل أدركنا منظره قبل جفافه حين أصبح ضحلاً ، وليس لدينا عنه أخبر عن تاريخه  يوثق به عدا ما حدّثنا به الرحالة البرتغالي (تكسيرا) وان كان ذلك في وقت متأخر تاريخياً. قال تكسيرا الذي وصل النجف في 18 أيلول 23 ربيع الثاني سنة 1013هـ: إنّ مدينة النجف كانت تطل من موقعها العالي على بحر النجف … وقال: إنّه ليس لهذه البحيرة شكل معين لكنها تمتد بطولها حتىّ يبلغ محيطها خمسة وثلاثين إلى أربعين فرسخا ، وهناك قريبا من منتصفها ممر ضحل تستطيع الحيوانات اجتيازه خصوصا في المواسم التي يقل فيها ماء البحر . وقال: إنّ هذه البحيرة كانت شديدة الملوحة، ولذلك كان يستخرج منها الملح الذي يباع في بغداد والمناطق المجاورة مع ملوحتها كان يكثر فيها السمك بأنواعه المختلفة ، ولهذا كان يسميها الناس بـ (الرهيمة) . ويرى تكسيرا: إنّ بحر النجف يستمد ماءه من الفرات ، ولذلك يلاحظ ازدياد مقادير الماء في مواسم الطغيان ( الخنياب ) كما يلاحظ انخفاظ المياه ايام ( الصيهود )  فالبساتين قائمة حول النهر المنحدر من أبي صخير والذي يزداد أيام فيضان الفرات ! ونرجح ان هذا المنخفض الكبير العميق كان موضعا لتجمع مياه الأمطار بحيث يظنه الرائي بحرا ! وكانت مياه الفرات زمن الفيضان تتجمع فيه  بحيث يسبح فيه النجفيون  حين تتكاثر ! لكن بناء سدتي الهندية  والرَّزَّازة اسهم حثيثا بجفاف هذا الحوض المائي !

ويذكر الشيخ  محمد كاظم الطريحي :  بعث الوزير الهندي آصف الدولة يحيى خان النيشابوري ت 1220 هـ 1785 م اموالا طائلة لشق نهر الهندية وعند جريان هذا النهر صادف اراضي منخفضة اجترفها بقوته وهناك حدثت اهوار كثيرة منها بحر النجف وبحيرة يونس حتى كان بمقدور الراكب ان ياتي في سفينة من البصرة الى النجف إ. هـ  (!! . وهناك من يطلق على مدينة النجف اسم ( المشهد ) ومازال الناس يسمون النجفي ( مشهدي ) ويبدو ان مشهد اكتسبت شرعيتها من وجود الروضة الحيدرية فهي مشهد لهذه الروضة المشرفة , قال الشاعر ابو اسحق الصابئي  في صفة النجف :

توجَّهْتَ نحو ( المشهد ) العلم الفرد          على اليمن والتوفيق والطائر السعد

تزور أمير المؤمنين فيا له                      ويالك من مجد منيخٍ على مجد

فَلَم يُرَ فوق الأرض مثلك زائرا               ولاتحتها مثل المزور الى اللحد

وقال علي بن عيسى بن فتح الإربلي :

عرِّجْ على أرض ِ الغريِّ وقف به            والثم ثراه وزره خيرَ مزار

واخلع بـ ( مشهده الشريف ) معظما    تعظيم بيت الله ذي الأستار

 ونقل  الدكتور مصطفى جواد ما مؤداه  ان اطلاق اسم النجف على الغري واطلاق الغري على النجف  لا يلتبس لأن الموقع حمل التسميتين  منذ  العصور الجاهلية القديمة ! إ. هـ   والغري  تسمية قديمة لعل تاريخها يرجع الى عصور ما قبل الإسلام  وقد نقل المؤرخون ان جذيمة بن الابرش كان كثير السكر متهورا خلاله  وكان له صفيان حبيبان الى نفسه هما مالك وعقيل فجعلهما نديميه  في مجلس شربه الخاص !! وذات ليلة أسرف  جذيمة في احتساء الخمرة حتى  طاش صوابه فأمر بنديميه  ان يبطحا ارضاً وأمر حراسه ليقطعوا  راسيهما فكان له ذلك !! وحين صحا في اليوم التالي طلبهما للسمر معه قأخبر بأنهما مقتولان بأمره فحزن عليهما وبنى لهما بنائين طويلين وسميا الغريين لان سلفه النعمان بن المنذر كان يغريهما بدم من يقتله في يوم بؤسه قال خطام المجاشعي :

أهل عرفتَ الدار بالغريين          لم يبق من آيٍ بها يحلين  .

ويبدو ان اسم النجف اقدم من اسم الغري فقد ذكر الشاعر الجاهلي الأعشى الكبير ( ميمون بن قيس البكري ) انه رافق النعمان بن المنذر في نزهته  المعتادة  بظهر النجف فرأى زهور الشقائق بألوانها  الجمرية الجميلة فأعجبه مرآها وادخل على نفسه السرور  ! وأمر بحمايتها وقتل كل من يقطفها او يتسبب في اتلافها  فسميت  من عهد ذاك  شقائق النعمان . وقد ارتبطت النجف بالحيرة كما رد من اخبار شقائق النعمان !بحيث  عثر على قصر الخورنق على اطراف مدينة النجف  فكان يمكن له ان يكون معلما سياحيا  و تاريخيا مهما  لكن العمى الطائفي اقام عليه بناية المعهد الصناعي في النجف حتى لا يظن العراقيون ان النجف اصيلة وماثلة من اقدم العصور !  وحين كنت استاذا في كلية الفقه  وعضو مجلس جامعة الكوفة سعيت الى الحصول على امر بتهديم المعهد الصناعي في النجف الذي بنى عن عمد فوق اطلال قصر الخورنق العظيم هددني بعض وجوه النجف بمظاهرة ضدي ان عملت على تهديم المعهد الصناعي من اجل احياء اثر وثني ! لله اشكو هؤلاء الناس !

قال  الشاعر علي الحماني :

فيا اسفي على النجف المعرّى                     وأودية منوَّرة الأقاحي

وما بسط الخورنق من رياض                       مفجرة بأفنية فساح 

القناط وعريسات :

ومازالت الدهاليز والممرات التي اصطنعها اليهود زمن سابور ذي الأكتاف ماثلة حتى الآن رغم مرور اكثر من الفين سنة ويطلق عليها النجفيون ( القناط ) ويعنون ( القناة )  وهناك شرق النجف وقد زحف عليه البناء الآن ( عريسات ) وهي مسلحة لجند النعمان بن المنذر شيخ مشيخة الحيرة وديماس ايضا تحت الأرض اتخذه سجنا للمحكومين مدى الحياة !! ويقال ان النعمان بنى عريسات من اطلال مدينة قديمة اسمها ( تيز ناباذ ) وفيها حانات ومعاصر خمر وخانات للهو ! وقد جددها العباسيون وجعلوها وكنائسها امكنة للهو غير البريء وقد وردت في الشعر وهذا بيت للحسن بن هاني ( ابي نواس  :

قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم         أخشى الإله وأغشى طيزناباذا

يقول الدكتور محمد فاضل الجمالي ان  مدينة النجف تبعد ثلاثة اميال عن مدينة الكوفة التي تقع على نهر الفرات والتي تحوي الجامع الذي صلى فيه الامام علي بن ابي طالب فالنجف والكوفة متقاربتان إذ يمكن اعتبار الكوفة ميناء للنجف على نهر الفرات واعتبار النجف ميناء للكوفة على الصحراء والكوفة كانت العاصمة الأسلامية الأولى واشتهرت بمدرستها في علم  تنافس البصرة في هذا العلم ثم ان النجف اصبحت اعظم مركز للدراسة الدينية للشيعة الأثني عشرية ويمكن مقارنة الدراسة فيها بدراسة الأزهر في القاهرة والزيتونة في   تونس والقرويين في الرباط ! إ. هــ

وبعد ستظل النجف عمقا حضاريا للشعب العراقي ومنارة للتسامح الحضاري بين الاديان والمذاهب والملل والنحل ! ولقد مرت على النجف وباءات سميت سنوات الطواعين بحيث كنت تتجول في الازقة فلا تجد احدا وتدخل البيوت فترى الجميع موتى دون دفن ! ثم استعادت النجف عافيتها ! ومرت على النجف الحصارات بحيث اكلت الميتة وصار ثمن الرغيف ثمن مثقال ذهب ثم تخلصت النجف من الحصارات ! وهي اليوم تعاني حصارا من لدن رجال زعموا انهم سفراء الله وخلفاء النبي فجعلوا الظلام شعارا  والخوف مسارا والياس منارا ! وكما خرجت النجف معافاة من قبل ستخرج معافاة من بعد 

أقول لها وقد ثقل الغياب  سلام الشوق ايتها القباب

أمان  الله يا اصلي وفصلي    وأهلي والمحبة والصحاب 

امانٌ  ياعلي فداك رهط    محبتهم اذا استعرت سباب

ألم تهتف بهم بالأمس جهراً   أطيعوني لتخضل الرحاب 

   أنا السِّرُّ المخبا  في مداكم    وعن عيني  قد كشف الحجاب

كدأبك قد صرخت بروع أهلي  فلم يقرن بصرختنا المآب

أبا الحسنين ادركنا فإنا    يكذِّبُ في بوادينا السحاب

تكاثرت الوعود ولا وفاء   وجُمِّعتِ القشورُ ولا لباب

وكلٌ يدعي وصلا بليلى   وليلى سهمها السمُّ المذاب

وها نحن الضياع بكل أرضٍ   رفيقانا التشرذم والعذاب

تراثي ياعليُّ اراه نهباً    لمن بشموا كما بشمت كلاب

أمان  الشوق مأوانا اغتراب   وغادرنا على كمدٍ شباب

كأن مدينتي عنَـتْ للاتٍ       واهليها لسطوتها استطابوا

أبسم الدين ترتكب الدواهي   وباسم الرب تغتصب العراب 

هي الدنيا فلا تأمن خطاها   فتالي الخطو تقتطف الرقاب

سيأتي الصبح يا نطفَ الجواري    وعند جهينة النبأ الصواب

برامكة المدينة قلت مهلا   سيقفو سيفَ هارونٍ عقاب

جسومكمو يدبِّقُها  الذباب     بيوتكمو سيقطنها  الخراب 

فلا شعر يطيب ولا غناء   وقد حمت على الربع اليباب

ولا زاد يساغ ولا شراب   ولا سعدى ستؤنس او رباب

حذار يالئيم جهلت قدري    ستعرفني إذا ابتدأ الحساب   

أنا ابن مدينة نبغت علواً   وجعجع عن أعاليها الشهاب

 انا ابن مدينة عبقٍ ثراها   وكلُّ دعاء زائرها مُجاب

أنا ابن مدينةِ الآلاء حتى   لشفي سقمَ زائرِها التراب

انا ابن مدينة الشهداء فاسأل  ثراها يأت من دمنا الجواب

انا ابن مدينة الكرار حسبي   اذا ماسامني دهري انتساب

 انا ابن عليٍّ الذهبِ المصفى    له في كل مأثرة كتاب

سلام اليأس   ايتها القباب      فهل وصلٌ وقد أذن الغياب .

 

********

النجف الاشرف ربيع حضاري-الباب السادس   
الشيخ  محمد الحسين آل كاشف الغطاء  مرجعية حضارية

يمنعون عليك التفكير ويطلقون على انفسهم صفة المفكرين ! ويحجرون عليك الخوض  في معمياتهم ويأنسون لنعتهم بالمجتهدين ! هم رجال لم يصدقوا ماعاهدوا الله عليه فعاثوا في حياتنا وداثوا في حياتهم فلاتدري هل يمتحننا الله بهم ام يمتحنهم بنا ؟ لقد حجبوا عن تابعيهم  حقاق التنوير والتحديث وبات هم التابع ان يعجل موته بأية طريقة ممكنة لكي ينظم الى جيش المجاهدين في الجنة حيث كل الرغبات محللة فلا حرام في الجنة حتى  شرب الخمر فثمة نهر يتدفق خمرا والى جانبه نهر يتدفق لبنا وللتابع  ان يشرب الخمر من نهر ويمزمز اللبن  من نهر ! اما الذي يجرؤ على التفكير في وسط  التحجير فهو اما ان يكون طائشا او يكون زنديقا او ان يكون مدسوسا وفي كل الحالات يتبع مبدا الحجاج الثقفي حين يخاطب ضحيته ( في قتلك صلاح للأمة ) ! كل هذه الافكار وسواها اعتورتني وانا اقترب من شخصية وطنية وقومية واسلامية واجتماعية في زمكان واحد ! انظر كيف كنا وكيف نكون !! كان كاشف الغطاء يطرد الحاشية الذبابية التي تحوم حوله فتوهم الناس انها المدخل  الوحيد المفضي اليه ! فكان يتمشى لوحده في أزقة النجف وشوارعها ويتفقد الناس في الاسواق والحمامات والمقاهي !! لكي يفهم الناس عن كثب ويراهم بعينيه هو لابعيني بطانة السوء !كان  يغدق  على الفقراء والمحتاجين  والمستحقين ومتوسطي الحال من المتعففين ملايين الدنانير  ( الدينار كان ثلاثة دولارات وثلث ! فكل الف دينار عراقي يعادل ثلاثة آلاف وثلاثمئة دولار امريكي ! ) فانظر كيف اصبحنا وكيف كنا؟ ! لم يكن كاشف الغطاء حوزويا صامتا ولا ناطقا كما تصنف المرجعية الآن ! بل كان مروءة تمشي على قدمين  وكفاً ا تسخو  وقلبا يتسع ! ولم يكن مصابا بايما عقدة  مهلكة من مثل داء العظمة او داء  الكآبة او داء الإغتراب وداء الدروشة والاستيحاش من الناس ! كان يصغي الى النكتة ويضحك حتى يستحلفك ان تسكت كي لايخنقه الضحك ويميته  ! وكان يبكي لمشهد اليتيم او الارملة او الثاكل او العليل او الغريب ! بل وكان يدني الاطفال والصبيان ويمنحهم وقتا كافيا وكنت من اولئك الاطفال المحظوظين ! مرة سالني : ياصغيري هل تجد في منظري ما ينفرك مني ؟  فقلت له لا ! فقال هل انت متيقن انك لا تجاملني في جوابك ؟ فاقسمت له انني صادق معه وانني احبه كما احب والدتي ! فتبسم ثم قبل سبابته اليمنى ومس بها جبينه تعبيرا عن رضاه وشكره لله ! ربطتني صداقة  جميلة مع ولده الشيخ رحيم  وكان عمري وقتها ربع قرن وعمره تسع عشرة سنة فوجدت ابنه يحلم بشراء ملابس جديدة مثلنا وكان يجيء الكوفة بمصلحة نقل الركاب يتدافع كي يحصل على مقعد فيها ! لم يكن له حماية ولا أمين صندوق ولا مستشار ولا مدير مكتب  ولا هو بمدير مؤسسة ظاهرها خيري وباطنها  ضيري تنفق الملايين باسم الملايين ! ولم يكن الشيخ رحيم ليشعر معنا انه متواضع بل كان يشعر اننا متواضعون معه ! فانظر يرحمك الله كيف كان أولاد المراجع الكبار وكيف غدوا في زمننا وكيف غدونا في زمنهم ! وكان كاشف الغطاء  حميما مع اسرته زوجته السيدة ام لطيف واولاده وبناته ! ولطيفا مع عدلائه  بل وحميما مع جيرانه وكثيرا ما كان يدعوهم الى مائدته او يستجيب لدعواتهم ! كان يقول الشعر المطبوع سيان في ذلك الشعر الديني او الوطني او الوجداني ! واكاد اشهق وانا احصي قصائده فاجد ان ازيد قصائده كانت في الوطنية وبعض قصائده الغزلية تذكر باللفظ الصريح الكؤوس والندمان والنادي ! وكاشف الغطاء الى هذا مؤلف كتب حصيف ومفكر منيف وواعظ عفيف ! وقد انجز مكتبة يقام لها ويقعد واعني كتبه المطبوعة اما المخطوطة المفقودة فليس لي الا ان اقول حياك الرب ايها الشيخ المتنور المتحضر الذي يفهم الدين حبا وقلبا وشفافية واريحية ويرفض ان يكون الدين طقوسا اعجمية فلقد كان النبي الامين يمنع كفه عمن يريد ان يبوسها فيقول غاضبا ومحذرا (  مه مه  لاتفعلوا بنبيكم ما تفعله الأعاجم بملوكها ! ) وهذه سلفة مما  كتبه كاشف الغطاء  بجدارة :  1 - أصل الشيعة وأصولها. 2 - نقض فتاوى الوهابية. 3 - تحرير المجلة. 4 - وجيزة المسائل ، بالعربية والفارسية. 5 - حواشي عين الحياة. 6 - المراجعات الريحانية ، مجلدان. 7 - الأرض والتربة الحسينية. 8 - الدين والإسلام. 9 - نقد كتاب ملوك العرب لأمين الريحاني. 10 - حواش على وسيلة النجاة لأخيه الشيخ أحمد. 11 - السؤال والجواب. 12 - زاد المقلدين. 13 - حاشية على كتاب التبصرة للعلامة الحلي. 14 - حاشية على العروة الوثقى. 15 - الفردوس الأعلى. 16 - الآيات البَيِّنات. 17 - نبذة من السياسة الحسينية. 18 - مختصر الأغاني. 19 - المِيثاق العربي الوطني. 20 - مباحثاته مع السفير البريطاني والأمريكي. 21 - التوضيح في بيان ما هو الإنجيل. 22 - المثل العُليا في الإسلام لا في بحمدون. 23 - جنة المأوى .... الخ !

ولم يكن هذا الإبن البار للعراق بعربه وكورده وتركمانه وآشورييه وإيزيدييه ! سوى رجل مثلنا لكنه يفضلنا بالفضل والعلم والصبر ! لم يكن هذا العظيم  الهميم ليكتفي بالجلوس بين حيطان غرفته او الصلاة امام مريديه ! لم يكن مكتفيا  فقط بالتصريح وابداء الرأي عما  يجري حوله من مشكلات في العراق او العالمين العربي او الاسلامي !  بل كان يشد الرحال وحيدا دون رفيق او خادم او حامل اختام او صكوك او تبريكاتي مبخراتي ! فيشارك في المؤتمرات ويجادل ويجادل كسر الدال الاولى فتح الدال الثانية فيعن له المؤتمرون وينحنون احتراما واعترافا بالفضل ! ولم يكن ثمة وهابي في عهده يستطيع ان يفتح فاه وهو حي يرزق ! بل كثيرا ما كان علماء ابناء العامة يطلبون اليه بقرار قاطع ان يكون إمامهم  !!  فلماذا لم يخلف هذا الامام المتحضر المتشبه بعلي وعمر  رضي الله عنهما خلفا يشبهه في التواضع والسخاء  ومعايشة الفقراء ؟ لماذا لم يخلف مثيلا له وترك الامور بعده مثل قشة في المهب ! كان محمد حسين كاشف الغطاء من اسرة عربية عريقة عرفت بـ " آل كاشف الغطاء " نسبة الى جدهم الكبير الشيخ جعفر من رجال  القرن الثاني عشر الهجري اما ابوه فهو المصلح  المفكر الشيخ علي كاشف الغطاء ذو الاسفار الكثيرة للبلاد الاسلامية والمسيحية ! وتذكر كتب التاريخ  أسفاره الى استانبول ومقابلته السلطان وكبار الوزراء والقادة والعلماء والقضاة من اجل توضيح  حقيقة مذهب جعفر بن محمد الصادق  ! ولم يكتف بذلك فشد الرحال الى عدد من البلدان البعيدة لملاقاة ابرز شخصيات زمانه مثل جواهر لال نهرو ونيكيتا خرشوف فالملكة اليزابيث فجون كنيدي ، وقد اعترف  السيد بحرالعلوم  بعالميته فأجازه في التقليد وهو حي بل والزم السيد بحر العلوم وكان وحيد زمانه نعم الزم عياله وخاصته  بالرجوع اليه اعترافاً بفضله وورعه ومكانته العلمية هذا الرجل الذي نترجم له كان الشبل من ذياك الاسد ! فانحدر من  هذه الاسرة العريقة ليؤسس مجده ويضيف الى مجد السلف ! فالشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (1294- 1373) الموافق  بالميلاد المسيحي   (1294 -  1954  ) ربيب بيت مشرق  وهو من اعلام القرن الثالث عشر  ، ولم يقصر  اهتمامه الشديد بالتوجه العلمي والتاليف في الدين الذي وهو من هو في علو الكعب  !!   بل جعل نفسه قدوة للناس في النضال والقتال  فقد قاتل  هذا الشيخ الجريء  المصـــلح  كما كان يطلق هذا اللقب عليه في عصره  المواقف الوطنية والهزات  العنيفة التي دوخت  العالم الاسلامي والعربي ، منذ  عام 1917 فشارك في القتال الفعلي  ضد الانكليز  وقاتل  في جبهة الكــوت مع السيد محمد نجل السيد كاظم اليــزدي وجرحا عدة مرات  ! ورغم انه وافق على   الحكم الوطنـــي  وسانده  و لكنه حين  شهد  عمالة الدولة  للمندوب  البريطــاني السامي أعلن موقفــه الصريح الواضح المضــاد للحكم وشجع العراقيين  على رفضــهم  لمواقف الحكوميـــة ! وكان يدرك ان استقلال العراق رهن بتوحيد الخطابين السني والشيعي او في الاقل العمل على ردم الفجوة بينهما ! ولم يدع  هذا العراقي النجيب لوحدة الخطاب الاسلامي من معتكفه أو مصلاه بل كان يتنقل بهمة عالية  لاتعرف الكلل او الملل بين مكة ودمشق وبيروت ومصـــر واستمرت واحدة من سفراته  ثلاث ســنوات من عام 1911-م1913 بعيدا عن اهله وعياله ووطنه ومآله !  وفي خــلال اسفاره  طبع كثيرا من كتبه مثل الدين والاسلام ومثل  المراجعـــات الريحانيـــة ونشر مجموعة مقالاته العلمية والفــكرية والدفاعيــة عن ارائه  ومعتقـــــده ! ولعل سفرته الموفقة جدا  الى القدس الشريف ابان  عٌقد المؤتمر الاسلامي العام سنة 1931م كانت السبيل اللاحب الى إكتشاف جمهور المسلمين  سنة وشيعة لشخصيته الكارزمية الجذابة بعلميته ومروءته فخلب الالباب واستولى على القلوب ! وكان يعتد قضية فلسطين قضية عراقية فقدم بين يدي اعتداده ذلك  مقترحيم مهمين هما :

اولا :  ان تكون المطالبة بفلسطين والقدس بمشاركة عربية اسلا مية  ولا تقتصر على جهة واحدة حتى لاتستفرد الدول المتخندقة مع  الدولة اسرائيلية بالعــرب  .

ثانيا :  ان يفتي علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم  بتجميد  الحــج الى مكة مؤقتاً ويتوجه المسلمون لزيارة القدس بدلاً من مكة  كي يغلق الباب بوجه المخطط الصهيوني لأسرلة القدس .ورغم رفض المؤتمرين لمقترحي كاشف الغطاء رفضا باتا فان الشيخ لم يبرد عزيمة فواصل اهتمامه الكبير  كثيراً بموضوع فلسطين حتى افتــى بالجهــاد في سبيل تحريرها كاملة  من الغزاة الصهاينــة ونجتزيء شيئا من خطبته المدوية في احتفال بمدينة النجف الاشرف اقيم بمناسبة ذكــرى تقسيم فلسطين قارن قوله بالحرف الواحد ( يعلم الاساتذة والافاضل اني أول عراقي هــب الى دعوة فلسطين ومعونتها على نكبتها ! فشخصت بنفسي قبل بضع سنوات على عظيم ضعفــي وعجــزي  وحضرت تلك البلاد المقدسة مع جم غفير من رجالات المسلمين   وما كان تكليفي ذلك العناء وتحملي تلك المشقة الا لانــي اصبت بادء ذي بدء بعظم المصيبة وخطر البلية على عموم الاسلام والعرب وعرفت ان قضية الصهيونية لاتخص فلسطين وحدها بل تعم العرب والمسلمين وعرفت هذا قبل ان تفتضح القضية  ويتضح الامــر ، وتلوكــه الالســن .تعلمون ان موقع فلسطين من البلاد العربية موقع القلب من جسد الانسان ، فهاهي كما ترونها بين العقبة وشرق الاردن ، وبين عدن واليمن ، وبين مصر والحجاز ، كما هي بين سوريا والعراق ، تحوطها الاقطار العربية الصميمة من جميع نواحيها ، وما مثل الصهيونية الا مثل جرثــومة السل الخبيثة التي تتبوء من جسد الانسان أشرف اعضائه الرئيسية من الرئــة والقلب فتفتــك بحياته ...اذاً فالواجب المحتم على كل عربي ، وعلى كل مسلم له أدنى حس وشعــور،  وبمقدار ماله من الغيرة على قــومه وبلاده ان يبذل كل ما في وسعه وامكانه ، واقصى جهوده بماله ولسانه ونفسه في مقاومة هذه الفكرة الخبيثة ، فكرة انشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين ، لامساعدة لاخوانه مسلمي فلسطين ، وان كانوا جديرين بالمساعدة ، وهم اهل للمفاداة والتضحية ، فان المقصود بضربة العرب جمعاء ، وانما صار عرب فلسطين مجناً ودريئة للباقين . ولكن مع ذلك كله فأن الواجب يحتم علينا ان نشاركهم وننهض معهم لا مساعدة ومحاباة لهم فقط ، بل حماية لأنفسنا ودفاعاً عن بلادنا واوطاننا ، فأن السم القاتل والبلاء النازل وشيكاً ، ولا محالة واصــل الينا لاسمح الله ، فليعمل كل انسان بمقدار ماعنده من الشعور والغيرة ، وما يوحيه اليه ضميره ووجدانه قبل ان يفوت الامــر ويندم حيث لاينفــع الندم ، واستودعكم الله والسلام .. إ. هــ وقد جشمته حماسته لفلسطين كثيرا من التقــول واللغط  من ذوي الالسن المتسخة والنوايا المفخخة وازيدهم من النجف ومن الوسط الديني ! نظير ما تجشمه رحمه الله  في رحلته  لحضــور المؤتمــر الاســلامي عام1371هـ ، الذي دعت له الباكستان ،وكانت الباكستان  عضــواً  في حلف بغـــداد،  وقد أشيــع وقتلهــا ان لهذا المؤتمــر علاقات بجهــات اجنبيــة استعمارية وماسونية ! ولاكت الغوغاء سمعة هذا الجبل العراقي العربي الشاهق ! ولكن الشيبخ لم ييكترث لقالة السوء  وسافر رغم  شيخوختـــه ومرضه والقى كلمة عظيمة نصـــح فيها المسلمين بالتماســـك ووحــدة الكلمــــة ! وقد حققت اطروحته اهدافها ! وحين دعــي في 1954م الى المشاركة في مــؤتمــر جمعية اصــدقاء الشرق الاوســـط في منتجع بحمــدونوكان شرط الدعوة  ان تكــون ابحــاث المؤتمـــرين  محصـمقتصرة على النواحــي الروحيــة والقيم المثــلى التي وردت في  تعاليم الدين الاسلامي من اجل تبيان  عقم الفلسفة المادية ( كذا ) !  وقد رفض المرحوم الشيخ كاشف الغطاء حضـــور هذا المؤتمــر المريب  وكتب خطبة تاريخية لهم  استخف بهدفهم المركزي في محاربة الشيوعية ! وقد أكد فيها على ان  الشيوعية لا تدفع والشعوب فقيرة ومستعبدة فلابد اذن من  تحقيق حرية الشعوب وتأسيس العدالة الاجتماعية! ( وقلع جذور الظلم والعدوان ، وقمع رذيلة الحرص والشر على حق الغير والتجاوز عليه ) وخاطب الواقفين وراء هذه الدعوة قائلا بالحرف الواحد (هل انتم يامعاشر الامريكان ، وياحكومة الولايات المتحدة   ويا حكومة دولة الانكليز هل انتم واجدون تلك الصفات ؟ وهل عندكم شيء من القيم الروحية والمثل العليا؟ وهل ابقيتم للقيم الروحية قيمة ؟ ، وقديما قال الحكماء : ان فاقد الشيء لايكون معطياً...) !! ويمكن متابعة الرسالة في كتاب   المثــل العليا في الاسلام لافي بحمــدون! كانت حياة الشيخ  كاشف الغطاء ثرة في كل جوانبها وفي صعيد التأليف ذكرت له بعض المصادر المختصة 38 كتاباً و بحثاً مطبوعــاً" ان الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء واحد من اهم شخصيات  القرن العشرين و يعد   أول داع للاصلاح الديني والاجتماعي من خلال تحديث المناهج وطرائق التربية  ! وكان لايتهرب من المواجهة مع الغريم بل يواجهها بالحب قبل البغض بالعقل قبل النقل ! فكان يتبادل الرسائل الطويلة والصريحة مع طه حسين وعباس العقاد واحمد امين والاب انستاس ماري الكرملي ! بل كانت تربطه علاقات صداقة ادبية بمبدعين عراقيين يهوديين هما مير بصري وانور شاؤول ! وكانت الغوغاء والدهماء في النجف تعتد المراسلات بينه وبين امين الريحاني مثلبة ترقى الى الكفر وكان يكرر حين ينقل اليه اشاعات الدهماء ان كاشف الغطاء لايحتاج شهادة حسن السلوك من هؤلاء الاجلاف ثم يضحك ليغيضهم ! وحين زار امين الريحاني النجف طلب الغوغاء من الأمام كاشف الغطاء ان لا يستقبله في بيته ! ولكن الشيخ رحب به في بيته وحين خرج الريحاني من بيت كاشف الغطاء صرح للناس المتجمهرة حول البيت كأنه يستفز الناس ( كان الأمام كاشف الغطاء من اعز اصدقائنا فافسده الدين علينا ) . ومثل ذلك صداقته للسيد صالح الحلي المعروف  الجريء في اقواله ونقداته ! فلم يسلم منه الكبير السيد ابو الحسن الموسوي وهو من هو فمزاحه ثقيل ولسانه سليط وفؤاده حديد  ! فلم يبال الأمام كاشف الغطاء بشيء . كذلك صداقته مع احمد امين وكان احمد امين قد استفز مشاعر الشيعة بكتبه التي تفرق الجمع ولكن حين  زاره احمد  امين الى بيته عاتبه كاشف الغطاء على المغالطات في كتابه ( فجر الأسلام ) وفي لحظة مزاح قال احمد  امين مشيرا الى قصيدة كاشف الغطاء في مصر : متى كان النزوغ والبزوغ في قصيدتكم ؟ فقال كاشف الغطاء على البديهة : منذ بزوغ فجر الأسلام ونزوغه ! وقد عمل كاشف الغطاء على وضع الميثاق الوطني بالتعاون مع الدعاة والناشطين  وقد  اطاحت جهود كاشف الغطاء بوزارتي علي جودت الأيوبي وجميل المدفعي! وكان كاشف الغطاء لايخفي كراهيته للانجليز وهذه واحدة من قصائده :

كم نكبةٍ تحطم الأسلام منها والعرب

والأنجليز اصلهافتش تجدهمو السبب

بل كل ما فيه من الـويلات حرب وحرب

هم اشعلوا نيرانه وصيروا الناس حطب

واستخدموا ملوكنا لضربنا ولا عجب

هم نصبوا عرشا لهم في كل شعب فانشعب

واسوأة ان حدث التاريخ عنهم وكتب

ثمة مثال ثان اوثالث او رابع وهو ما حاق بالمفكر العراقي العلماني الدكتور علي الوردي يروي المؤرخ جعفر الخليلي ذكرى جميلة حين زاره ذات ليلة بمستشفى الكرخ ببغداد وكانت صحته مقلقة  وحوله جمع يخوض في الدوي الذي احدثه كتاب وعاظ السلاطين لعلي الوردي وكان الجالسون يتحدثون عن افساد الوردي لأفكار الناس وكفره واستهزائه بالدين والأئمة وكان كاشف الغطاء يحتدم غيظا ويحوقل ويستعيذ  وبعد نقاش دار بيني وبينه ارسل الى ارشد العمري ليكف عن معاقبة الدكتور علي الوردي ! والسؤال هو لو كان الوردي حيا وحاربه الدهماء ومجلس الوزراء ومجلس العلماء فهل سيجد قامة كقامة الشيخ كاشف الغطاء تنتصر له ؟

ولم يكن كاشف الغطاء رجل دين مختصا بدائرة العلوم الدينية والحقوق الشرعية بل كان عراقيا مشرقا  وعربيا صليبا ففي  1935ابلغ الحكومة العراقية سخطه وطالبها  بالعدالةوالانصـــاف حين تتعامل مع الشــعب العراقــي وشدد على ان  الطائفيـــة محرقة العراقيين ويستغرب كاشف الغطاء كيف الطائفية  اصبحــت دليل عمل  للحــكومــة آالعراقية  وارفق موقفه  مع مذكــرته المشـــهورة التي انذر فيها الحكومة  انذاراً النهائيا ! لقد طالب رحمه الله بدولة مؤسسات راقيـــة عربيـــة اســـلامــية دســـتورية وكان الشيخ  محمد الحسين كاشف الغطاء فضلا عن كونه المرجع الاعلى مشغولا بالسياسة  بوصفها معبرا للعمل الوطني فكان يقول  ( انني  غارق فيها الى هامتي بالسياسة وهي من واجباتي واراني مسؤولا عنها امام الله والوجدان ) وخير ما نختتم به الباب السادس هو المذكرة الوطنية التاريخية التي صيغت بشكل ان العراقيين رفعوا للشيخ ميثاقهم وطلبوا الى الشيخ مناقشته مع الحكومة ويمكنني القول ان ليالي طولا انفقها  الشيخ كاشف الغطاء في الكاظمية كي يحبك المذكرة الميثاق فجاءت على هذا النحو :

 نص مذكرة

الامام الشيخ محمد حسين كاشـــف الغـــــطـاء

نحن الموقعين بذيله ادناه قد رفعنا مطاليبنا المشروعة التي كان جل الغرض منها اصلاح وضع المملكة العراقية  حتى يتقدم العراق الى مصاف الامم الراقية ويمشي الى الامام على اقدام العدل والمساواة بين سائر طبقاته   وعناصره ، ويبرهن على اهليته للاستقلال  وقد رفعنا مطاليبنا الى سماحة زعيمنا الروحاني  المصلح الاكبر  الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء   كي يتقدم بها الى مليكنا المعظم صاحب الجلالة غازي الاول   وحكومته الموقرة ، ويطالبه بانجازها وسماحته هو الممثل لنا جميعاً ! وقد اعطيناه  هذا الميثاق شاهد محجة علينا مع التعهد والالتزام منا جميعاً على محافظة مصالح الاجانب في البلاد  وتمام الرعاية للمعاهدات الدولية  مع المثابرة على انجاز تلك المواد الاصلاحية وتحقيق رغائبنا القانونية مهما كلفنا الامر

اولا : لقد تمشت الحكومة العراقية منذ تأسيسها حتى اليوم ، على سياسة خرقاء لا تتفق ومصالح الشعب واتخذت سياسة التفرقة الطائفية اساسا للحكم ، فمثلت اكثرية الشعب بوزير واحد او وزيرين ممن يسايرون السلطة في سياستها ( على الاكثر ) . وعلى مثل هذا الاساس تمشت في سياسة التوظيف فظهر التحيز صريحاً في انتقاء الموظفين واعضاء مجلس الامــة  بينما القانون الاساسي لم يفرق بين ابناء البلاد  كما نصت المادة السادسة من القانون الاساسي  فلايجاد الاستقرار والطمأنينة في نفوس الشعب  ورفع التفرقة بين ابناء الامة  يجب ان يساهم الجميع في مجلس الوزراء   وفي مجلس الامة   وسائر وظائف الدولة  كما يساهم في الجندية والضـــرائـب .

ثانيا : ان طريقــة الانتخابات النيابية اسىء استعمالها   حتى اصبح مجلس الامة لا يمثل الشعب تمثيلاً صحيحاً  وضماناً لرفع التلاعب   من ناحية الحكومة   نرى وجوب تعديل قانون الانتخاب على اسا س ضمان الحرية المطلقة  بوضع القيود بدرجة واحدة واعتبار كل لواء منطقة انتخابية مستقلة .

ثالثا : لما كانت المادة 77 من القانون الاساسي تنص على وجوب تعيين القضاة من مذهب اكثرية السكان   فنطلب تطبيق احكا م المادة المذكورة من القانون الاساسي ، مع لزوم تدريس احكام الفقه الجعفري في كلية الحقوق العراقية .

رابعا : لما كانت محكمة التمييز العراقية المرجع لمحافظة ارواح واموال الشعب   وقد سبق ان مثلت الطائفتان المسيحية والاسرائيلية والعناصر الاخــرى فيها،  فعليه نطلب ان يكون لنا في كل فرع من فروع المحكمة المذكورة عضو شيعــي لتطمئن النفوس باحكام المحاكـــــــــــم .

خامسا : لما كانت الصحافة  لسان الشعب الناطق ، فيجب اطلاق الحريات الكاملة للصحافة ، ورفع القيود الادارية وحصر المسؤليات بالمراجع القضائية ، تمشياً مع روح المادة 12 من القانون الاساسي .

سادسا : لما كانت الاوقاف العامة اوقافاً اسلامية  خصصت لخدمة الشرع الشريف   واعاشة المتفرغين لهذه الخدمة وما يتفرع عنها  غير ان سياسة الحكومة اتجهت الى نواح اخــرى  واصبحت مواردها تصرف على تشكيلات الاوقاف الادارية ، واهملت دور العلم ومساجد العبادة ، فعليه يجب الاقلاع عن هذه السياسة في ادارة الاوقاف العامة وصرف مواردها على المؤسسات  الاسلامية بصورة عامة .

سابعا : تعميم وتعديل لجان تسوية الاراضي ، التي يتم بواسطتها الاستقرار الزراعي  كمانطلب الاسراع في تنفيذ قانون البنك الزراعي الصناعي  وتمليك الاراضي لاربابها من غبر بدل .

ثامنا ك الغاء ضريبتي الارض والمــاء  واستبدال ضريبة الكودة على المواشي بضريبـــة الاستهلاك وعدم فرض الضريبة على الالآت الرافعة .

تاسعا : ان وظائف ادارة الدولة في تضخم مستمر  بسبب عدم استقرار الملاك  وان رواتب الموظفين في تزايد بصورة لاتتناسب مع الوضع الاقتصادي  ومع مستوى العيشة كما ان الموظفين قد تمادوا بالاستهتار بمصالح الشعب بعدم رعاية القوانين  فيجب اتخاذ تدابير سريعة لاستبدال موظفي الدولة ، المعروفين بسوء السلوك والسمعة  والتخفيف من نفقات الدولة بتخفيض رواتب الموظفين الضخمة الى الحد المعقول  وتخفيض رواتب التقاعد المدني والعسكري

عاشرا : ان معظم مؤسسات الدولة الصحية والعمرانية والتهذيبية لم تراع في توزيعها النسبة العادلة بين ابناء الشعب  وخاصــة في المنطقة الجنوبية من العراق  كما يجب وضع الانظمة والقوانين لمنع تفشي الامراض الاجتماعية والاخلاقية  وتهذيب مناهج المعرفة . 

احد عشر : عدم التعــرض لمن اشترك في الحركات الوطنيـــة الحاضــــــرة من ابنــاء الشعب اومن الموظفيــــن وافراد الجيش والشـــرطــة .

الثاني عشر : توقيــف  احكام القوانين التي تعارض هذه الطلبات واستبدالها بما يضمن تنفيذ الطلبات المتقـــدمــة .

لقد سبق هذا الميثاق تصريحات صدرت خلال العشرينات من بعض رجال حزب النهضة ، وفي مقدمتهم الحاج امين الجرجفجي ، عبروا فيها عن تبرم الشيعة من الغبن الذي اصابهم في الحكم ، ولكن تلك التصريحات لم تكن ، على حد علمي ، بيانات رسمية صادرة عن الحزب ولم تلق التأييد الذي لقيه هذا الميثاق الذي كان في الواقع اول بيان صريح يعبر فيه فريق كبير كم رجال الشيعة عما كان يخالج قلوب الاكثرية الشيعية من شعور عميق بالتبرم والاستياء مما كان ولا يزال شبه احتكار للحكم وصنع القرار من الاقلية الحاكمة ، ومن حرمان لاكثرية الشعب من حقها في الاشتراك العادل في الحكم وصنع القرار .

لقد انقسم رجال الشيعة ازاء هذا الميثاق الى ثلاثة فرقاء : فريــق مؤيد له ، وفريــق معــارض له ، وفريق ثالث لم يعلن موقفاً صريحــاً منه ولاذ بالسكوت .

لقد ايد الميثاق بعض رؤساء العشائر الشيعية في الفراتين الاوسط والادنى الذين كانوا يناصرون الوزارة الايوبية والوزارة المدفعية الثالثة ، بالاضافة الى واضعي الميثاق من المحامين وغيرهم ممن كانوا يرون انه لابد من مصارحة رجال الفئــة الحاكمــة بما كان يسود الاوساط الشيعيــة العربية من تبرم وشعور عميق بالغين ومن مطاليب لتصحيح ذلك الغبــن .  الموقعون

وقد عارض الميثاق بعض الزعماء العراقيين من مؤيدي الوزارة الهاشمية الثانية  وفي مقدمتهم عبد الواحد الحاج سكر  و السيد محسن ابو طبيخ والسيد علوان الياسري وكان مسوغ معارضتهم هو خوفهم  من يؤدي   الميثاق تعميق الشعور الطائفي بما يشجع على  التطاحن الطائفي  والى تفتيت الوحدة الوطنية ! وما يهمني في معرض نص الميثاق هو تركيز الموقعين بموافقة الشيخ كاشف الغطاء على مدنية الدولة العراقية وان الزعماء المعترضين لم يدفعهم ولاؤهم الطائفي مثلا لتاييد رفاق مذهبهم فمارسوا حقهم في حرية قرارهم ! وليكن حال العراق  في الثلاثينات الذي لم يكن ليسر معاصريه عبرة لنا بأن رجل الدين يقاتل بمهجته الاحتلال ولايكتفي بالفتيا ! وان رجل الدين لايدخر المال لنفسه وعياله وبطانته فثمة من هم الاحق بها ! وان رجل الدين يعترف بالتقارب بين المذاهب والاديان السماوية ويدعوا الى ان تنال كل الشعوب العراقية حقوقها المشروعة في التمثيل في الوزارات والوظائف العليا والبرلمان ولنقل هكذا رجال كانت تحتضن النجف ليظل ربيعها متجددا .

 

عبد الاله الصائغ

assalam94@gmail.com

مشيغن المحروسة  السادس والعشرون من جون 2008

 

 

 

 

 

 

العودة الى قطوف من نخيل الصائغ