البروفسور الدكتور عبدالاله الصائغ

قطوف من نخيل الصائغ

                           مذكراته  

 


 

قطوف من نخيل الصائغ

صفحات خاصة بالبروفسور

 عبد الأله الصائغ

الى ابنتي هديل كامل

ترشيح البروف سفيرا


خاص بموقع النخلة والجيران وموقع مركز النور للانتاج الفني

 

عودة الطيور المهاجرة

البروفسور د. عبد الإله الصائغ

الفصل الأول

أغنيتي :

مبتدا المسألة ...

يتيمٌ يُلَمْلِمُ داشة ً فوقَ جُرحٍ

يُكابِرُ كي لاتبوح الدموع

فيدرك غصّتَهُ السابلة

وأرملةٌ مثل زرقاء

جذّابة سرحةٌ هائلة

ومرثيةٌ تلسعُ الروحَ

جوعٌ الى القُبْلة المقبلة

صحابي

 صحا  بي

طفلُ الجديدةِ مانامَ ستينَ حولا

ولا هدأت سَوْرةُ العائلة

فذا أنا ها..  تخليتُ مزَّقتُ دشداشتي الآيلة

كنتُ ألثغُ : آهِ إذا ما كَبَوْتُ وأعني ( كبرتُ ) !

سأُبْدأُ بالعشقِ كي  تبدأًَ القافلة

وها انا ذا قد كبرتُ وأعني ( كبوتُ ) !

حريبا غريبا تفردني ليليَ الأزلي

وحيداً شريداً بزادٍ ضئيل

ودربٍ طويل

ولامن رفيق ولامن صديق

ولا من سنابل باذخة

تُعَوِّذُ خوفي بتعويذةِ البسملة

ومبتدأ المسألة

لوحةٌٌ سائلة

طيورٌ تناقَرُ من عطشٍ

زهورُ مبعثرةٌ ذابلة

المزامير مسبية بالنعاس

والمدائن موحشةٌ دون ناس

حقول السنابل منذورةٌ لليباس

صحا .. بيَ طفلُ الجديدةِ ثانيةً ثمَّ  نام

فجئت اغنيكمو عودة للطيور

لعل عسى نرتقي الجُلجُلة .

 

 

هذيانات الحبيب الشاعر جواد الحطاب

         

الكبير الكبير عبد الاله الصائغ  

اعرف ان كل لغات العالم قاصرة عن ترجمة دمعة واحدة

فكيف ساوصل دمعتي اليك ؛ ايها الجلمود الذي تتكسر عند حدود حزنه اللغات  !!كنت اقرأ حوار عبد الرزاق الربيعي الشاعر الشفيف واسئلته التي كانت مباضع مقصودة ؛ عل الصديد الذي يملأ الذاكرة يخرج للشمس ؛ فترتاح ! لكن المشكلة اننا من تسرب اليه الصديد ونحن نرى عقوقنا جميعا باولادك ايها الكبير الكبير عبد الاله

قدرك ان نكون على ظهرك صخرة سيزيف

ومثلما نلعن قتلة جدك الحسين ؛ سنلعن ظلمتك كائنا من كانوا

ولك من قلوبنا : ماوى

ومن اجسادنا : ثياب

ومن عواطفنا : ما يبعد عنك القرّ ؛ ايها الفتى الوسيم

قل لعلي ولدك المحسود بك

اذا ضاقت به الدنيا ؛ فليستند الى فاس الحطاب

فبالفؤوس ايضا يمكن ان نعمر القلوب الخربة

قبلاتي الى قلبك

واصابعي بدلا من الشرايين

ولدك وصديقك وتلميذك : جوادالحطاب

 

هذيانات الصائغ  

هل يتعين عليك ياصاحبي  الصائغ ان تبوح بأسرارك التي حبستها في صدرك وحدك نصف قرن وزيادة  ! وإذا بحت بأسرارك فهل ستسمي المخلوقات التي دخلت حياتك فخربتها بأسمائها ! والمخلوقات التي ادركت خرابك فرممته !! وإذا جرؤت على ذكر الاسماء دون تردد فهل ستجرؤ على ذكر الأدوار التي قاموا بها وأمكنة قيامها وأزمنتها ! لا ادري ان كنت متهيئا لمثل هذه المذكرات في مجتمع  يكره البوح ويعاقب الصدق ! مجتمع ظالم قاس لكن كل فرد منه يشعر بل موقن انه ضحية وانه مظلوم !  هذه اذن ليست مذكرات بل هي اعترافات وتداعيات تنوء بها حياتي التي اوشكت على النهاية ! سأقول كل شيء بجرأة كنت افتقدها  قبل هذه الساعة بسبب حنوي وتربيتي وقدرتي على التسامح ! لاوقت لديَّ كي انتظر ! أخشى ان تموت مخلوقاتي فيقول لي الآخرون اذكروا محاسن موتاكم ! فإذا كانت مخلوقاتي من الموتى بلا محاسن فهل أجترح لهم المحاسن ! شيء واحد اعدكم به وهو انني لن اعاقب خصومي فقد كفاهم مني ما كفاهم ! كما انني لن اكافيء صحابي فقد كافأتهم بمحبتي لهم وثقتي بهم . لكنني لن اغفر لأحد  كائنا من كان غدر  بي او حاربني في رزقي وحلمي او وقف حائلا بيني وبين فرحي  ! انتظرني يا صديقي زيد بن ارقم و يا حبيبي رماد الخيرزة  وانتظرني يا صاحبي مخمد قرادي  !  ويافلانة  الخلاني وياسجاح العورة  اذن انتظروني قبل ان تموتوا ارجوكم واصبروا عليَّ قبل ان تملُّوا ! أنا سآتي على كل  شيء ! ولسوف اكون اكثر منكم قسوة ولكم علي انني سادلكم على عيوبي وذنوبي  نعم كل شيء على الصائغ فآتي على كل شيء !

عبدالإله الصائغ - مشيغن المحروسة 30 جون حزيران 2007

 

******************************************************

( ابصرت النور وياليتني لم افعل )

حكايتي منذ مهد الطفولة الى لحد الغربة حكاية طويلة وطوييييييييييييلة جدا جدا ! لكنها رغم طولها واحزانها مشوقة! لأن قدراً غريبا كان يؤذيني ويحميني معا! يجرحني ويطببني معا! يقلقني ويؤرقني ثم ينزل السكينة والطمأنينة على قلبي! وانا بين التذليل والتدليل طفل لا ادري لماذا كتب علي دون غيري ان ارى الذي لم يره غيري وان اتعرض الى اعاصير وزلازل! لا ادري لماذا كتب عليَّ مثلا ان اكون يتيما وعمري ثلاث سنوات وان تكون امي ارملة وعمرها خمس وعشرون سنة! لماذا رزقني الله اعماما رغم انهم رجال دين  واصحاب مدارس وتابعين ويضعون العمم على رؤوسهم ويرتدون السواد مثل مسوح الرهبان وكانوا يبكون خلال قراءة القرآن ويرتعشون خلال الصلاة! لكن الله نزع الرحمة من قلوبهم وخلع النور من مروءاتهم ! فكنا نتضور جوعا ونرتعش من البرد في ليالي الشتاء وهم يبنون المساجد ويقيمون الولائم السخية في المناسبات الدينية وما اكثرها! لا ادري مثلا لماذا لم اذق نظرة حنان من عائلة والدتي او قبيلتها البو اصيبع وابوها زعيمهم المحبوب والمهيوب ؟ كنت طفلا ومازلت واظلها بل قررت ان أموت بطفولتي فذلك انفع لي! والطفل في داخلي لايدري ولا اظنه راغبا الآن بعد مرور ست وستين سنة عجفاء على طفولتي لا اظن انني راغب في معرفة السبب الكامن وراء قسوة اخوتي لوالدي علينا نحن بنات واولاد الزرقاء ! قسوة لم اطالع نظيرا لها في الروايات ولا افلام الرعب! يالهي هل يعقل ان يكون عمري ست سنوات واذهب في العيد الى بيت جارنا وهو اخي الكبير المعمم السيد جبر الصائغ (وهو اكبر سنا من والدتي – زوجة ابيه وضرة أمه!) لعله يطعمني او يعطيني عيدية  كما هي طقوس العيد !! فيطردني بدفعي من دكة البيت فاتدهور في الشارع! ويستشيط غضبا فيشتم والدي الذي هو والده! ربما وجدت احيانا محبة من اخي السيد محسن الصائغ  نور الله ثراه ومن امه الرائعة الطاهرة ام سليم ويدعونها ورد الجنة فبشرتها بيضاء وشعرها اصفر وعيونها خضر ولا ادري لماذا تزوج والدي على هذه الجميلة شكلا وروحا مع ان شكل أمي الاعتيادي لايقاس اطلاقا بجاذبية وملاحة ام سليم! واجد احيانا محبة من اختي   الكبرى نهاية  وهي ابنة ام سليم وتشبهها تماما! كانت نهاية متزوجة من رجل قروي طيب وطيب جدا جدا اسمه الحاج محمود الكاظم وهي زوجته الثانية واصبحت الوحيدة فقد كانت نهاية ذات سلطان وسطوة وكان رحمه الله يخشاها بل يخاف منها! وهي اي المرحومة نهاية كانت اثرى اهل مدينة بلد فممتلكاتها موضع حسد! الناس هنالك  بساتين وليرات! نسيت ان اقول ان اختي نهاية اكبر من والدتي بعشرين سنة! فلله درك يا ابي كيف تزوجت والدتي وهي ابنة ست سنوات اي اصغر من اصغر حفيداتك! ومن قال ان السماء موافقة  على الزواج من الصغيرات بعمر خمس اوست سنوات!  واجد أحيانا محبة من خالتي المرحومة قسمة محمد حسين زيارة البو اصيبع اخت امي من الأب! وقد نجحنا شقيقي  محمد الصائغ وانا عبد الاله الصائغ في مصالحة خالتي قسمة وأمي الزرقاء! وشيئا من الحنان كانت تغمرني به جدتي لأبي العلوية فطومة زوجة السيد حمود الحسيني المرعبي العذاري ! ورغم ثراء والدي وتدينه بيد ان امه المسكينة كانت تسكن في بيت الوقف وتحتل غرفة صغيرة مظلمة ليس فيها فانوس ولا ماكنة طبخ! ورايتها مجذوبة أحيانا وتتسكع في الازقة والشوارع وتجمع اوراقا وحاجات ولا  احد يعرف حاجتها منها! حين تراني تبكي او تتباكى و تقول انت تشبه وليدي  السيد علي هذي عيونه وحواجبه وفمه وتبكي وتبكي ! اما الحنان الأعظم في حياتي فقد منحتنيه جدتي لامي العلوية جلوة (جلاء) ابنة السيد حمد البو يوسف واصلها قروية من ريف الميهي والنفاخ ورأيت اختها الاصغر منها وكانت عظيمة في محبتها وسخائها واسمها خشيفة اي الغزالة الصغيرة وتقيم في ريف الميهي وزوجها اسمه الحاج عبد! وهو عذب ويحسن العزف  في المطبج (آلة موسيقية هوائية تصنع من القصب المثقب باربعة ثقوب وينفخ فيها فتعطي صوتا شجيا) أم سعد هي امي الثانية وثمة خادمة وقت اليسر وحين مات والدي لبثت معنا دون ان تأخذ أجراً وهي امي الثالثة نسميها ام فلحي وفلحي زوجها بيد انها لاتعترض وكانت متدينة جدا وحفيدها لابنتها صديق طفولتي الجنرال فيما بعد واسمه رزاق ثامر وكنا نسميه قيقو ويضحك وحين كبر وصار ثريا وجنرالا في الجيش كبيرا يطرق بابنا فنسأل من الطارق فيجيب افتحو انا قيقو!! ياللزمن الرهيب والحبيب معا! حكايتي طويلة وكتابتها بدأت تتعبني ولكنني مازلت اكتب فيها بعنوان عودة الطيور المهاجرة وقد بلغت حتى الساعة ثلاثين  فصلا واعتد الذي بين يديك هو الفصل الأول! نبدا على بركة الله فنقول :

اطلقتني  الزرقاء نحو الحياة  فجر يوم الثلاثاء11 آذار مارس 1941 في بيت صغير بمحلة الحويش تدل ضآلته على الفقر والقناعة! كان يسكنه والدي ايام فقره وحين تزوج الزرقاء بشطارة نادرة المثيل كان يعلم جيدا انها الدجاجة التي تبيض ذهبا! فكلف اشهر معمار نجفي وهو  اسطه خلف المعمار (مهندس فطري) ووضع بين يديه من المال ما يكفي لبناء قصر منيف على مساحة من الارض تكفي لبيتٍ فخم فسيح واقع في الجادة الثانية بمدينة النجف. وكانت سعادة السيد الوجيه والثري الجديد السيد علي الصائغ لاتوصف فقد وزع هدايا سخية لكل من بشرة بولادتي! واقام الولائم الباذخة والاحتفالات الكبيرة حتى تحدثت المدينة عن ذلك الانفاق لفترة طويلة! سعادة والدي لها اسباب منها انني جئت بعد بنتين هما حياة ونجاة نجاة ذات العينين الزرقاوين ماتت طفلة حين رماها ابن الجيران بحجارة  وحياة رماها الدهر بألف حجارة وحجارة وهي عافاها الله تكابد المرض والشيخوخة وحيدة فريدة !! ومنها انه لا احد من النجفيين وبخاصة الذين يخشون الله لا احد منهم يسره ان تلد امرأته بنتا! وان حفظوا آيات من القرآن الكريم توميء الى غضب السماء على الآباء حين يحزنون لان الله رزقهم بنتا! ووالدتي الزرقاء ابنة المرشد محمد حسين زيارة آلبو اصيبع وكيل العثمانيين في النجف (يماثل القائمقام)!! كانت اصغر سنا من اصغر اولاد السيد علي وبناته من ازواجه الأخريات فهو مثابة جدها!! ومات السيد علي الصائغ ليلة الجمعة الأولى من محرم الحرام سنة 1944 بمحله بقيصرية الصياغ في النجف وكانت القيصرية ملكا للسيد!! فهرول اخوتي لأبي وسرقوا خزائن الذهب والموجودات وكان بعضها امانات من الناس!! وهربوا وتركوا جثة ابيهم وقد سقطت عمته واستند جبينه الشريف قهرا على السندان!!!! وبعد ان سرقوا الذهب في دكاكين القيصرية انطلقوا نحو بيتنا الجديد ولم يكونوا قد دخلوه من قبل وكسروا الباب ودخلوه عنوة  واخذوا بالقوة مفاتيح القاصات كما اجبروا الوالدة الزرقاء  لكي  تدلهم على مواضع الكنجينات وهي غرف صغيرة لايعرف مكانها سوى صاحب البيت ويخزن فيها كل شيء غال يخشى عليه من السرقة! وهي منذهلة حتى حين ادخلوها احدى الغرف واقفلوا الباب عليها لكي يخلوا لهم البيت وغنائمه! فلما سرقوا الدار وتركوها دخل الجيران واخرجوا والدتي من الحجز واوصلوا اليها ان السيد علي الصائغ مات بالسكتة القلبية فطاش صوابها وهرعت الى القيصرية وقد نسيت ان ولديها الصغيرين  عبد الاله ومحمد كانا في الحمام وقد طلي رأساهما بالطين الحري ودخل شيء منه الى اعينهما!! الزرقاء معتادة ان تأمر الخدم فيشعلوا الحطب في الموقد اسفل الحمام مباشرة فتغسل للاطفال ثم تغسل هي ويكون الحمام مهيئا حتى اذا وصل السيد ابو عبد الامير شقيقي او ابو جبر اخي وجد الحمام ساخنا وكل شيء جاهزا! وما كان يدري الوالدة انه لن يستحم في هذا الحمام هذا اليوم والى الأبد! دخلت مدرسة غازي الأبتدائية التي يتاخم قفاها بيتنا مباشرة عام 1947 واستقبلني مديرها المرحوم رؤوف الجواهري بالصراخ والتهديد والشتائم لأن اخي الكبير السيد عبدالأمير الصائغ نور الله ثراه وهو خريج مدرسة غازي كان مكروها جدا جدا من قبل هذا المدير ومعظم المعلمين والطلبة!! وتشجع معلمو الحساب والجغرافية والرسم والأنجليزي فكانوا يجرحون مشاعري وانا ابن ست سنوات دون رحمة زد على ذلك تفرد الفراش عبد عون الياسري بسلطات استثنائية مرعبة فهو اي الفراش عبد عون الياسري هو مديرنا الحقيقي وكان المدير الجواهري رحمهه الله معتمدا اقصى الاعتماد على الفراش الياسري فبعينيه يرى وبأذنية يسمع وبعقله يفكر!!  وكنا حين ننصرف من مدرستنا  ننتقم من عبد عون الياسري بطريقة طفولية ونمر على بيته قرب المدرسة الزينبية الابتدائية للبنات ونحن نردد كما لو اننا متظاهرون :

عبد عون بعده جحش

كل المطايه شيبن

عبد عون بعده جحش !!

لكنني اعشق مدرسة غازي واحن الى ايامها ولعل كل منا يدين الى مدرسته الابتدائية! وهذه المدرسة اهدتني خيرة اصدقائي وجمعتني بمناضلين تاريخيين لن يتكرر ظهورهم ببساطة مثل نوري الشريفي وزامل مطرود وعباس حموزي وصادق الخاقاني ومحمد السيد علي الحبوبي ومعطي جبر وهلال معلة وعبد الحسن جعفر وناجي مطر وضياء زيني! وفيما بعد اخبرني الدكتور زهير غازي زاهد انه زميلي وكان يجلس معي على الرحلة ذاتها التي اجلس عليها! كما اخبرني الصديق امير جواد الحلو انه كان معي في تلك الفترة وعبد الامير معلة كذلك لكنني بصدق لا اتذكر زهير زاهد ولا امير الحلو ولا عبد الامير معلة!!.
وثمة المدرسة المركزية الابتدائية في الناصرية قبالة المستشفى الكبير وفيها درسني عبقري العربية المعلم كاصد الزيدي وثمة مدرسة الغري الأبتدائية الأهلية  في النجف وفيها نعمت بأساتذة تاريخيين كبار جدا اذكر منهم الشيخ عبد الله الشرقي أديب العراق المعروف وهادي المواشي الخطاط والمناضل التقدمي المحبوب  والملة سلمان الدلال العلامة المميزة لمدينة النجف وهو أب لمناضلين تقدميين صلبين هم الأساتذة :عبد الرضا وداوود وسعاد فضلا عن انه يدير مدرسة في العطلة الصيفية هو مديرها ومعلمها الوحيد وكان رحمه الله يمتنع عن اخذ قسط الدراسة مني لأني يتيم! وثمة ابن حيان الأبتدائية في الكوفة ومديرها راضي الاعسم وقد ذكرني البروفسور الدكتور هادي الخليلي المستشار الثقافي العراقي في السفارة العراقية بواشنطن انه كان زميلي في تلك المدرسة وقد تذكرته مباشرة لان ملامحه لم تتغير كثيرا! ثمة  مدرسة الأمير عبدالإله الابتدائية في الكاظمية!! ولتعدد مدارسي كما ترون فقد انهيت الدراسة الأبتدائية في ثماني سنوات!!.
متوسطة الخورنق في النجف كانت رائعة تماما واستقبلني مديرها الأديب عبد الرزاق رجيب بحنان  ابوي جعلني اكره ايام العطل لأنها تبعدني عن الخورنق واستاذنا كريم علي عودة كان ذواقة أدب ومربيا من طراز خاص وكان شقيقي الصغير محمد الذي سجل في مدرسة غازي بعدي بسنة قد انهى الابتدائية قبلي بسنة ودخل متوسطة الخورنق قبلي بسنة! فقدم لي معلومات ثمينة جدا عن وضع المتوسطة الادارة والمدرسين والطلبة والتيارين الشيوعي والقومي! اذكر بعض المدرسين ذوي الميول القومية الذين قاوموا العهد الملكي ببسالة  وحرضونا على التظاهر والاضراب ومنهم محسن البهادلي ومحمد علي المقرم وعبد عاصم ابو ناصرية واسعد عبد الرزاق ...!! وانا بين الطلبة الذين حملوا الفكر الناصري والقومي وقتها متأثرا بشخصيات في عمري كانت ذات جاذبية مثل علاء البرمكي وحمودي المقرم من داخل الخورنق وامير الحلو وعبد الاله النصراوي وعبد الرزاق الحلي من خارجها  !! بل ان الصديق الرائع عبد الاله النصراوي كان يساعدني ماديا  وحين صار عندي راتب واردت ان اعيد له ما بعنقي من دين له غضب وزعل وتجاهل انه كان يساعدني فأي جنس من البشر هذا الرجل الحميم !! وقد غسلت تعليقات المذيع المصري الكذاب احمد سعيد عقولنا الصغيرة ويا سبحان الله ظهر بعد احمد سعيد عراقي اشد كذبا وصلفا هو وزير الاعلام محمد سعيد الصحاف!! وكان زميلي وعلى الرحلة ذاتها الشاعر المعجزة عبد الأمير الحصيري والقاص المبدع موسى كريدي والبعثي المتبختر حميد المطبعي لكن الزميل الأروع في ذاكرتي هو الشهيد المناضل محمد موسى التتنجي نقيض رفيقه الشيوعي زهير شكر مصور الشعبة الخاصة – الأمن فيما بعد -!! والشهيد الشيوعي علي الصفار الفتى الوسيم الذي كان يقلد الممثلين المصريين وثمة زميل شيوعي معي لم اكن احبه ولم يكن يحبني واسمه عبد الامير العمية وقد التقيته في الزمن البعثي بالبصرة يعمل شرطيا في الامن الاقتصادي وكان يمسك الصبيان الذين يبيعون السجائر ويلقي بضاعتهم في الماء !! . وفي الخورنق التي كانت تقود المظاهرات ضد العهد الملكي السعيدي وضد العدوان الثلاثي على مصر مع شقيقتيها : السدير واعدادية النجف وبعيني هاتين شهدت مصرع الزميل عبد الحسين محمد جواد الشيخ راضي على السلم المفضي الى الطابق الثاني وحملته ودمه يشخب حارا على جسدي الواهن وبعيني هاتين كنت اشهد الشهيد الوسيم أحمد علي الدجيلي وهو يقود المظاهرات القادمة من متوسطة السدير بصوته العذب الرخيم!! والقومي علاء البرمكي واليساريينَ محمد موسى التتنجي وعبدالأمير العمية وعباس حموزي.
انجزت المتوسطة في امتحان البكالوريا وكان معدلي 89 من مئة واعتبرت الطالب الاول في لواء كربلاء لان مستويات الامتحانات كانت متدنية بسبب افراح الناس وانشغالها بالاحتفالات والمباهج بانقلاب 14 تموز جولاي 1958 ولم يدر بخلد هؤلاء الفرحين ان هذا الانقلاب سيكون فاتحة لتاريخ عسكري دموي ذهب ضحيته نصف الشعب العراقي ولكن من منا قادر على قراءة الغيب؟ اردت ان اكمل دراستي الاعدادية فوبخني اخي الكبير المغفور له عبد الامير الصائغ وكان مضمدا! وقال لي اولا انت غبي انجزت الابتدائية بثماني سنوات ثانيا انت يتيم ومن ذا الذي ينفق عليك وانا راتبي 11 دينارا! واقترح علي ان تزوج قريبتنا المطلقة وان اعمل جابيا اقطع التذاكر في مصلحة نقل الركاب! وكان عبد الامير رحمه الله اول من جعلني اتذوق الارهاب واعتاد عليه منذ نعومة اظفاري! ثمة صديقي جواد كاظم الشمس وكان اخي عبد الامير لايحبه لاسباب طبقية فهو ابن نجار وانا ابن صائغ! هذا الصديق اقترح علي التقديم الى دار المعلمين الابتدائية في كربلاء فكان اقتراحه جاء في محله لينقذني! فسافرنا معا الى كربلاء وقدمنا اوراقنا هناك وكان مدير عام التربية وقتها الاستاذ صادق الحكيم وهو يعرفني جيدا ووعدني خيرا فقلت له انا نجحت الاول على لواء كربلاء ولسوف اقبل مئة في المئة ولم يكن جوابي معه مهذبا لكن قلبه وعقله كبيران! وقبلت في دار المعلمين بكربلاء اول القائمة واستلمنا بطانيات ولوازم القسم الداخلي ثم خابرني اخي عبد الامير الصائغ وكان يعمل مضمدا في القسم الداخلي ويكمل دراسته في مهد الموظفين الصحيين! وبشرني انني قبلت في دار المعلمين بالأعظمية وترتيبي الأول ايضا! فشعرت بسعادة لايمكنني وصفها فهرعت الى بغداد واوصيت جواد الشمس بان يعيد بطانياتي الى القسم في كربلاء ويسحب اوراقي لانني قبلت ببغداد واين بغداد الحلم الناعم من كربلاء الواقع الخشن ؟ وبلغت بغداد وراجعت واكملت اوراقي واصبحت طالبا في معهد المعلمين الإبتدائي بالأعظمية! المعهد المجاور للمقبرة الملكية والمتاخم من الخلف لبيت الطائفي الشوفيني عبد السلام عارف البزاز (لا صلة له بالصديق سعد البزاز مجرد توارد القاب عبد السلام بن محمد من الدليم وسعد بن عبد السلام من الموصل) أدرس في المعهد صباحا ثم اعود مع الطلبة الى القسم الداخلي وما كان اجمله وارحبه! ويشاء التاريخ العراقي ان البث شهورا حتى حدثت عملية اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في راس القرية ببغداد فكنت ارى الاستعدادات المخيفة البعثيون ينصبون المدافع على اسطح البيوت وتفرط عقد الطلاب فالحزبيون ذهبوا لتنفيذ واجباتهم وذوو الاقارب ذهبوا الى اقاربهم وبقيت وحيدا في القسم الداخلي وكان معلوما ان الاعظمية ستكون موضعا لارتطام قادم بين جماعة قاسم وبين البعثيين ومن والاهم! وازداد رعبي حين قررت مظاهرة من الشيوعيين ومحبي قاسم في الكاظمية قررت عبور جسر الأئمة باتجاه الأعظمية للاقتصاص منهم جزاء وفاقا على اغتيالهم الزعيم قاسم وكانت اصوات الهتافات تصلني واضحة! فلو عبر هؤلاء وبلغوا الاعظمية ووجدوني وحدي في القسم الداخلي ماذا سيفعلون بي!؟ وتنفست الصعداء حين اعلن نجاة الزعيم عبد الكريم قاسم نور الله ثراه  وتقرر منع التجول بدرجة جيم! المهم ذقت هناك ضربا من التعامل لايمت للوطنية بل ولا يمت للروح البشرية بصلة وشهدت الطائفية بأقذر صورها فهم يشربون الخمور ويدخلون بيوت العاهرات ولايصلون ولكنهم طائفيون فأية لعنة هذه!! فقد كانت القاعات في الداخلي كما ذكرت مكتوب عليها من قبل الطلبة قاعة اهل بغداد قاعة التكارتة وقاعة السوامرة وقاعة الدوريين! وسالني الطلبة من اي مدينة جئت فقلت لهم من النجف فتجهمت الوجوه وقال بعضهم الى بعضهم تصوروا جاي من النجف من موسكو الصغيرة! وكان زملائي في الدار والقسم الداخلي من عتاة الطائفية والموت!! وهم فاضل صلفيج ومحمد محجوب ومحمد الدوري وصابر الدوري وانور مولود ذيبان وعبدالله فاضل السامرائي وعبدالأله عبد القادرالسامرائي وخالد عبد الكريم الحلي وضياء الشيخلي...... قائمة المرعبين  طويلة لكنني رزقت ايضا اصدقاء معقولين بينهم الحميم المتواصل!! أذكر منهم ثابت عبد الرزاق ظاهر الآلوسي التكريتي ومولود ابراهيم حمو التكريتي وجابر عوين التكريتي وعمار عبد الحميد التحافي البغدادي وماجد البلداوي وهاشم السامرائي.. وكان مهندس الطائفية المعتوه خير الله طلفاح مديراً للمعهد وجاء بعده الفتى الرقيق الوسيم الديموقراطي عابد توفيق الهاشمي الموصلي كان لايعرف الطائفية فهو موصلي من عائلة هاشمية وكم مرة وجدنا نحن الطلبة جالسين فجلس معنا وشاطرنا الحديث ! وكم مرة وجدنا نلعب الرياضة فيخلع ملابسه ويبقى بالشورت ويلعب معنا! وقد درسني في المستنصرية ثم اصبحنا زملاء في جامعة صنعاء واخوه صديقي وهو الجنرال طبيب العيون غياث زين العابدين ... ومع ذلك شعرت ان لبوثي في القسم الداخلي غير ممكن اذا لاتوجد قاعة مخصصة للشروكَيين فضلا عن ان محمد محجوب كان على يقين انني شيوعي مرسل من اهل النجف للتجسس على اهل الاعظمية وخلق المتاعب! ولم يجد معه اي كلام! ومحمد محجوب كان الطالب الابرز في الدار ورئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق! علمت انه كلف من يراقبني ويسجل تحركاتي!! لابد من التخلص من القسم الداخلي فقد بدأت عمليات اغتيال الطلبة الأبرياء بحجة انهم شيوعيون تتكرر ويكون القتل ليلا خلال نوم الضحية فيجهزون عليه ! وفي احدى المرات علمت ان هناك مخططا لاغتيال خمسة طلبة من مدينة  بلد بينهم ماجد البلداوي فاخبرتهم ولأن باب القسم كانت تقفل فهذا يعني ان خروجهم مستحيل فاضطررت الى اخفائهم في غرفة اخي عبد الامير دون علمه فقد كانت له غرفتان واحدة للتضميد والثانية للنوم وكان وقتها ساهرا مع صديقيه الكوردي على إحسان والعربي غني سعود! ولبثوا تحت السرير وخلف الدواليب! وفي الليل وكانت عادتهم اقفال الكهرباء بسحب المنسويج ثم ذبح الضحايا ومكاناتهم مشخصة وحين وصلوا لم يجدوا اثرا للطلبة البلداويين! وسألوني عنهم فتجاهلت معرفتي بهم وفي الفجر اخرجتهم من القسم الداخلي وهربوا ولم يعودوا بعدها ! فقد انتقلوا الى دار المعلمين في ابو غريب! نعم واخيرا عثرت على عمل او وظيفة وقد ساعدني صديق من حركة القوميين العرب اسمه رزاق ونسيت لقبه! عرفني عليه الشهيد باسل الكبيسي فوجد لي عملا جيدا بالنسبة لي كطالب ومفلس فعملت مأمور بدالة في السنك بشارع الرشيد!! ففي الليل عمل مضن وسهر الى الصباح وفي النهار دراسة طويلة مملة اتلقاها نائما وكان راتبي الشهري جيدا بحساب ذلك الوقت 11دينار وربع الدينار اتبرع بشيء منه لأصدقائي. اما اساتذتي فهم: فيصل نجم الدين الأ طرقجي مدرس الجغرافية ومحمد احمد المهنى مدرس الجغرافية والأدب واكرم رؤوف مدرس الموسيقى ووجيه عبد الغني مدرس المسرح و محسن العرس مدرس الانجليزي والمدرس المصري العظيم محمود يوسف مدرس التربية ومحمد مصطفى مدرس علم النفس والرياضي صباح عبدي والفنان الكبير سعدي الطائي والفنان قاسم محمد وعبد الحميد بلال مدرس التاريخ ويحيى الثعاليبي مدرس الأدب والنحو والرياضي اموري اسماعيل والأديب والرسام  الدكتور سعدي لفتة!  وفي بغداد تريشت كما يقال فقد كنت البس افخر الملابس التي اشتريها من اللنكات وادخل السينمات واشاهد النساء السافرات! واتسكع في شارع الرشيد والسعدون وادخل الاسواق العظيمة حسو اخوان واورزدي باك! بل وصادقت صبية جذابة احببتها واحبتني اسمها ليلىبتها قرب بيتنا في ساحة زبيدة  وكانت لاترد لي طلبا ان كان في حدود المعقول فمنحتني اشهى الاوقات! وفي بغداد ايضا تعرفت على اصدقاء قوميين مهمين مثل الشهيد باسل الكبيسي وشهيد عملية عينتيبة عبد الرزاق السامرائي ونايف حواتمة (خالد) ورياض الياور والمحامي يوسف الخرسان كما وطدت علاقتي باصدقاء شيوعيين مثل رضا ملا سلمان وسعاد ملا سلمان وماجد البلداوي (عضو فرع بغداد لحزب البعث فيما بعد) والمحاميين حسين الاعرجي وهاتف الأعرجي.... تخرجت من دار المعلمين الابتدائية في العام 1961- 1962 واستقلت من دائرة البريد وسلمت بيت الايجار الذي استأجرته في محلة الشيوخ بالأعظمية الى مالكه وكان الاستاذ اسماعيل العارف وزير المعارف قد افطر ذات رمضان معنا نحن الطبة في القسم الداخلي فهتف البعثيون بسقوط عبد الكريم قاسم فترك الافطار وانصرف غاضبا وقال لنا خير الله طلفاح وهو لايكتم شماتته بالوزير: يا اولاد منقاركم والحصى غضب الوزير فلن يكون هناك تعيين لدورتكم! ويدري خير الله ان الوزير اسماعيل العارف نور الله ثراه  اكرم واشرف من ان يكون بهذا المستوى وقد اثبتت الايام معدن اسماعيل عارف النفيس ومعدن خير الله طلفاح الخسيس.  صدر امر تعييني معلما في لواء الناصرية لأسباب سياسية وطائفية والعادة هي ان يتعين الخريجون من هذا المعهد في بغداد! جماعة خير الله باشروا في مدارسهم ببغداد! ونحن المنبوذين  الشراكَوة في ارض الله الواسعة! وتلقفتني مدارس سوق الشيوخ: الرفيعة والعكيكة والشريف الرضي ومن الناصرية وهبني الزمن عشقي الحقيقي الأول!! فبصمت هذه الرائعة في حياتي صباها الغض وخلقها وتضحيتها وتعلقها الأسطوري بمحبتي رغم ما لاقته من الاهوال ولولا حبيبتي هذه الأستاذة حربية سعيد لقتلني البعثيون في شباط 1963 فقد اخفتني في بيتها دون علم أهلها!! دون علم إخوتها وجلهم بعثي!! وحين بات الخطر مني ومنها قاب نصف قوس وبخاصة من اخوتها واولاد عمها! اذن انا مضطر فهجرت سوق الشيوخ وسكنت في بيت قريب من الحي الصحي الذي سكنته في الخمسينات مع اخي الكبير المضمد عبد الامير والبيت يقع خلف المستشفى قرب بيت الصديقين الاخوين  جواد بدهان  وعبد الرضا بدهان جنب البقال بجاي ! وتعرفت على صبية رائعة الجمال اسمها فاطمة وخضت معها تجربة مجنونة فقد كنا نمضي معا احيانا اربعا وعشرين ساعة في اليوم فلا هي تذهب الى اهلها ولا انا اذهب الى وظيفتي! فافتضح امرنا وتعرضنا معا الى الويلات وكان السبب شاب متدين ملتحي منافق اسمه السيد هاشم قال لي ذا سمحت لي بالعبث بصديقتك فلن يمسك اذى ولسوف افرغ لكما بيتي! وحين فوجئت باقتراحه النتن سألني ما هو جوابي ؟ فكان جوابي بصقة كبيرة على لحيته ووجهه وعينيه! واضطررت الى مغادرة بيتي للاقامة في بيت آخر بعيد عنه وقد شفيت نفسي من آثار ما حل بي وبصاحبتي! وكنت ومازلت احب امتطاء الدراجة الهوائية! وذات يوم خرجت العصر على دراجتي كعادتي فواجهتني كوكبة من الصبايا الجميلات فسولت لي نفسي ان العب اكروباتيك على دراجتي لكي احتاز انتباههن وربما اعجابهن! وكنت اتقن عددا من الحركات بينها وضع رجلي اليمنى على سرج الدراجة وارفع فوق ظهري رجلي اليسرى ممسكا مقود الدراجة بيدي اليسرى تاركا يدي اليمنى تراقص كفها وهذه الحركة اؤوديها بيسر ولكن سوء الحظ جعلني اسقط من الدراجة سقطة مخجلة وقاتلة ودخل لسان المقود السفلي في يدي اليسرى مسافة 20 سنتمتر عرضا وسنتمترين عمقا والدم يشخب بشكل يهدد بنفاد الدم فتجمعت الصبايا حولي وانا ملقى على الارض فثار غروري وصرخت بهن لماذا انتن واقفات هيا انصرفن! فقلن لي نحن قلقات عليك فقلت لهن انا بخير فانصرفن وهن يرثين لحالي! ولم تحدثني نفسي ان اذهب الى المستشفى لتخييط الجرح الطويل العميق بل عدت الى غرفتي وشاهدتني صاحبة البيت وكانت ملاية تعتاش على قراءة الحسين بن علي! وكانت تحبني وهي محرومة من الاولاد فخمشت خدها وخرجت فما عادت الا ومعها ممرضة اسمها فوزية هاشم  لم تر عيني اجمل منها وجها وجسدا فتركتنا الحاجة صاحبة البيت لوحدنا في غرفتي وذهبت الى مجلس عزاء وقالت لفوزية لاتتركي السيد  دون علاج واهتمي به جيدا دخيل جده  ولسوف اكرمك بالفلوس الكثيرة! لبثنا وحدنا وكان بيتها متاخما لبيتنا في زقاق ضيق فابتسمت خجلى حين كبستني انظر اليها باشتهاء! وقالت بماذا تفكر؟ فقلت لها هل اقول الصدق ولا اخشى زعلك ؟ فقالت وماذا يربطني بك حتى ازعل هيا قلها! فقلت لها والله يافوزية لو كنت اعلم ان هذا الجرح القاتل سيجمعني بك لجرحت نفسي قبل هذا الأوان فانا وحيد وشاعر! وكلام منها وكلام مني ونكتة مني وقهقهة منها حتى سكنت اعيننا حين تشابكت ايدينا في حالة وجد صوفي! ولم تمض تلك الليلة الا وانا ادخل غرفتها واكتشف انها مطلقة من رجل كبير تزوجها وهي في العاشرة! واستمتعت بصداقتها كثيرا حتى كنت احيانا لا اصدق ان كل هذا الجمال بين ذراعي! احببت الناصرية مكانا وزمانا وناسا وذكريات وطيبة وسخاء!! فأنا عشت فيها زمن تهدم روف ابو جداحة الذي يحمي المدينة من الغرق!! عام 1954 واسهمت مع طلبة المدرسة المركزية في حمل كَواني الرمل (الهزز مفردها هزة) لحماية المدينة العظيمة!! وعملت في الطين من الشروق الى الغروب وأجري اليومي ربع دينار يأخذه منى اخي الكبير رحمه الله ويخسره بلعبة الطاولي او الدومنة!! ومن زملائي عهد الخمسينات من القرن الماضي العشرين الرياضي محمد مسعود وصباح حداد طوبية وحسين شياع. ونقلت الى الديوانية بعد ان زين لي القومي المعروف السيد عدنان ابو الريحة (حصل فيما بعد على الدكتوراه في الجغرافيا! فقد التقيته صدفة واستاذي محسن البهادلي  سنة 1983 عند محل الخباز في ساحة الزهراء بالكاظمية !  فعانقني  والبهادلي بحرارة وحين علم انني ظلمت من قبله وحكيت له ما حصل لي التفت الى جهة مرقد الامام الكاظم واقسم به وبشرفه ان شيئا من ذلك لم يكن قد سمع به ولام صديقنا المشترك رزاق عبود فقال لي كان ينقل عنك انك مرتاح وانك تبث الداعايات ضدي وتسخر مني وتقول هذا مو عدنان ابو الريحة هذا عدنان ابو الجيفة!) اعود فاقول ان الصديق عدنان ابو الريحة زين لي فكرة النقل وكان مديرا عاما لتربية لواء الديوانية وهو صديقي وابن مدينتي قال لي تعال يمي عبدالأله وآني أرَيْحَك وحين قدمت ادركت انني ابتلعت الطعم فقد خاصمني واوصى موظفيه ان لا ادخل عليه وعينني في مدرسة مهلكة على حدود السعودية اسمها المراشدة ومياهها اي الآبار ملوثة بفايروس الكبد وقد اصبت به لكنني لم امت!! وكانت مركزا مع الأسف لتهريب الأسلحة والخمور والسجاير الروثمان وفيها مدير طيب جدا وضعيف جدا هو فخري ابن فراش اعدادية النجف الحاج اشنيف وقد استغل بعض المعلمين الملتحين هذا المدير لكي يهربوا البضائع العراقية الى السعودية ويتسلموا بدلا منها مسدسات كندة نمرة 8 وروثمان ومخدرات!! وحين علموا انني اعتد التهريب خيانة وطنية خافوا ان افشي سرهم وزادهم ايذاءا لي علمهم انني مغضوب علي من قبل المدير العام صديقي المنقلب وابن مدينتي ابو الريحة!! وكان اشد الناس ايذاء لي صديق طفولتي وزميلي في ابتدائية غازي هو المعلم علي بصي فقد كنت على وشك ان افقد عقلي من تصرفاته المهينة معي ولا اقول صبري وكان الأشد ايذاء من علي بصي هو معلم خريج دورة عبد الكريم قاسم الدينية اسمه السيد علي ابو شامة فهو يقرأ على الحسين لذوي الطلبة ويعلمهم الدين ويعقد ويطلق مقابل تزويده بالدجاج والرز والبيض والزيت والخضرة واللبن والحليب وكان يمتلك موتوسكل وضع عليه بردعة حمار اي والله مع خرجين ويعود من المدرسة غانما مثقلا بهدايا ذوي الطلبة! وكان والحق يقال شبه امي ليس في القراءة والكتابة والطرق التربوية فقط بل وفي العلوم الدينية! وحين اكتشف انني اديب ومثقف وتقدمي ونجفي وسيد ابن رسول الله كما يكررها بسخرية موجعة كلف ذوي الطلبة ان يوجهوا لي سؤالا خبيثا وهو: هل التطبير (ضرب الرؤوس الحليقة بالسيوف والسكاكين) حلال ام حرام! وهل ضرب الزنجيل واللطم حلال ام حرام! فانتبهت الى هذا المطب! وتذكرت المرجع الديني الاعلى السيد ابو الحسن الموسوي كيف سئل مثل هذا السؤال وقال لهم التطبير ليس واجبا ولا مستحبا بل هو مكروه فضربوه واسقطوا عمته وبعد اسبوع وكان يصلي والى جانبه ولده محمد الذي بلغ مرحلة الفتيا وكان ابو الحسن يهييء ابنه لخلافته! حدث ان امسكت الغوغاء برأس محمد وذبحوه مثل النعجة بالقامة ووضعوا رأسه في حضن ابيه اثناء الصلاة فما تافف ولا قطع صلاته وانما نطق الحوقلة فقط ! وحين سمع اغابزرك الطهراني صاحب الذريعة الى تتصانيف الشيعة احتج على ذبح ابن المرجع الديني الاعلى فما كان من الغوغاء الا التوجه الى بيت اغابزرك وكان جارنا فضربوه بالعصي وضربوا خادمه قنبر واحرقوا جانبا من مكتبته ومخطوطاته! اذن من انا حتى اجيب هؤلاء الغوغاء؟ وحين الحوا علي الحاحا شديدا قلت لهم اسألوا السيد علي ابو شامة فهو اعلم مني! فالحفوا ولجوا في طلب الجواب فاضطررت للقول : لهم كل تصرف يؤذي الصحة والجسم دون مسوغ فالدين لايقره! وهنا خرج جماعة بالسكاكين وهجموا علي ليقتلوني بتحريض من علي ابو شامة وكان يصرخ باعلى صوته اقتلوه فهذا اموي  سفياني من ربع يزيد! وكان مقررا قتلي ودفني في الصحراء الفاصلة بيننا وبين السعودية لكن تشاء المقادير ان تخرج فتاة اسمها زهرة اخت عبد علي ابو العربانة جيراننا في الكوفة محلة السراي خرجت هذه الشابة وطوقتني وقالت اقتلوني مكانه فهذا سيد ابن رسول الله وابوه رجل دين معمم وكانت تبكي وهدأت ثائرتهم وادخلتني الى بيتها ثم جاء زوجها وشكرها لموقفها المشرف ونصحتني زهرة بعدم البقاء في المراشدة فهناك من يريد قتلك! وماتت زهرة بعد شهر بفايروس الكبد وحزنت عليها بل بكيت وانتحبت فليرحمها الله!!! وقررت السكن في النجف بشارع المدينة الذي ازاله فيما بعد صاروخ ارض ارض غب فشل الانتفاضة الشعبانية 1991 ودخول الحرس الجمهوري بقيادة حسين كامل واخيه صدام كامل! وفي هذا البيت عاش معي ملاوة ابن شقيقتي الوسطى عدنان الصائغ وكان يلتقي اصدقائي الأدباء ويقرأ لهم شعره دون علمي لأنه كان ومازال شديد الحياء امامي!! عمره عهد ذاك لا يتعدى الخامسة عشرة وقد تحدث عدنان عن هذا البيت بمحبة طاغية!! وهناك اسهمت في تشكيل ندوة الآداب والفنون المعاصرة وكان اعضاؤها هم عبدالإله الصائغ وزهير غازي زاهد وزهير الجزائري وعبدالأمير معلة وموسى كريدي وموفق خضر وجاسم الحجاج والشيخ محمد كاظم الطريحي وحميد المطبعي!! الشيخ استقال مبكرا وحميد المطبعي فصل من الندوة بالأجماع!! جاء في الصفحة 8 من مقدمة الرحيل عبر وديان الصمت وهو ديوان شعر جديد للدكتور زهير غازي زاهد مطابع الثورة العربية في ليبيا 2003 (...وإئتلفنا مجموعة من الادباء ضمتنا مقهى ابي المسامير في النجف ! كان الجدل يطول بيننا في قضية التجديد في مجال الشعر خاصة وكنا تقرا مجلة الاداب البيروتية الى جانب مجلة حوار وريثة شعر البيروتية التي كنت اقرؤها قراءة ناقدة! هذه المجموعة التي ضمتها مقهى ابي المسامير من الادباء الشبان كان تنقسم الى الى تيارين في الذائقة الفنية والأبداع! كنت انا والشاعر عبدالأله الصائغ ننشد التجديد ونندفع نحو التجديد مع الأحتفاظ بالأصالة الشعرية ولا اقصد بالأصالة الإحتفاظ بالتقليد الشعري انما روح الإبداع في الشعر وشعرية الإبداع! فالجديد تظهر جدته من خلال تجربته وبنيته الفنية فلم نكن نؤيد تغريب الشعرالعربي أو الأدب عامة انما ندعو الى الأنفتاح على الثقافات المختلفة والأفادة منها في تجاربنا وتجارب حياتنا نحن دون ان نستعير تجارب الأخرين وندعي انها تجاربنا فهذا هو التزوير الفني بل الوهم الفني . اما عبدالأمير معلة وموسى كريدي فكانا يدافعان عن تغريب الأدب دون حدود !!وانبثقت هذه المجموعة ندوة سميناها ندوة الآداب والفنون المعاصرة سنة 1966 من زهير غازي زاهد وعبدالله الصائغ وعبدالأمير معلة وموسى كريدي وزهير الجزائري وموفق خضر وآخرين... وامتد اثر هذه الندوة الى بغداد والمحافظات العراقية!! كانت هذه الندوة تقيم امسياتها في قاعة اعدادية النجف التي كنت مدرسا فيها وكانت ندوتنا تمثل الحداثة بصورتها التي ذكرت وتدعو الى التجديد مقابل جمعية الرابطة الأدبية العريقة في النجف التي تضم شيوخ شعراء النجف وندوتنا تثير الجو الادبي وتحاول ان تحرك الأبداع في مجال الشعر والقصة القصيرة وقرئت القصة القصيرة لأول مرة في هذه الندوة اذ كان القاص موفق خضر وموسى كريدي وجاسم الحجاج ممن يشاركون بقراءات ابداعية وكان الشعراء عبدالأله الصائغ وعبد الأمير معلة وانا نشارك شعرا! ولم تقتصر ندوة الآداب على مشاركاتنا انما كان يشاركنا فيها من النجف الشيوخ المجددون مرتضى فرج الله ومصطفى جمال الدين! وكانت تزور مقر الندوة في مقهى ابي المسامير وفود من بغداد وكربلاء والحلة وكركوك وغيرها وكان لهذه الندوة صدى خرجت موجته الاولى من النجف ومن هذه الندوة انبثقت فكرة اصدار مجلة الكلمة على صورة حلقات شهرية باسم شاب متحمس كان يجالسنا هو حميد المطبعي وطبع عددها الاول في مطبعة الغري بتبرعنا لما يسد كلفة الطبع ثم استمرت الكلمة في الصدور واتسعت دائرة الكتابة فيها للأقلام الجديدة في الشعروالفنون الأخرى وبعد ذلك صارت الكلمة تمثل التيار المتطرف الذي ذكرته قبل قليل بالإنزلاق في تيار التغريب فتوجهنا انا والشاعر عبدالإله الصائغ لأصدار مجلة عبقر باسم المرحوم هاشم الطالقاني على صورة حلقات ايضا وقدم عبدالإله الصائغ لعددها الأول بما يشبه البيان .وظلت المجلتان تتباريان كل لها كتابها وما تمثله من الحداثة والدعوة لها! وكانت بينهما جسور فنية موصولة وان كنا نميل الى اتجاه عبقر ونبتعد عن الكلمة لأعتبارات فنية وفي نهاية الستينات اجيزت الكلمة سنة 1969 وقدمت طلبا لوزارة الأعلام لأجازة مجلة عبقر فلم تحصل الموافقة لأسباب غير فنية ايضا!! لقد كان لندوة الأداب صدى ادبي واسع عبر سني الستينات وما بعدها انطلاقا من النجف وصعودا الى العاصمة بغداد وغيرها من المدن العراقية وكانت في بغداد وغيرها مقاهي تضم مجموعات من الشعراء والكتاب مثل مقهى البلدية قرب الميدان ومقهى حسن العجمي وكلاهما على امتداد شارع الرشيد ومقهى الشابندر ومقهى الزهاوي وكانت امسيات ندوتنا ثم صدور مجلتي الكلمة وعبقر تتفاعل في احاديث مقاهي بغداد وكثير منهم كان يشارك معنا في امسياتنا وفي مجلة الكلمة وعبقر. وختمنا مرحلة ندوة الآداب في النجف بمهرجان النقابة الشعري 1970 .... إ. هـ). ثم نقلت الى الحلة الرائعة وتسنمت عملي في مدرسة برنون الأبتدائية الكائنة في قرية برنون المتطورة والسخية والحالمة وكم كنت سعيدا في هذه القرية وكم كنت احب شيخها ومدير مدرستها الابتدائية واسمه الحاج عبيد الحميد فنجلس معا وقت العصر في مقهى تحف بها الاشجار وندخن النرجيلة ونتحدث في الشعر والدين والسياسة بدم بارد وكان راتبي بحدود اربعين دينارا ادفع منه دينارين ايجار بيت كبير وفخم اما الطعام فلم يكن ليكلفنا في الشهر ازيد من ستة دنانير! اي انني استطيع توفير 32 دينار شهريا وستكون هذه 320 دينارا كل عشرة اشهر وبمثل هذا المبلغ يمكنك شراء بيت من ثلاث حجرات وحمام ومطبخ ومرافق صحية في محلة شعبية ببغداد!! فجأة ودون سابق دراية نقلت الى المدرسة الغربية النوذجية في مركز الحلة ولم استجب للنقل لأنه كارثة بالنسبة لي! لكن البعثي القاتل مولود الدوري وهو ينظم الشعركان مديرا عاما للتربية في الحلة وصديقه ومعاونه البعثي القاتل حسن العاني وهو متأدب ينظم الشعر ايضا احبا ان اكون في المركز وفي مدرسة كل مكان فيها