البروفسور الدكتور عبدالاله الصائغ

قطوف من نخيل الصائغ

                           موسوعته/الأعلام  

 


 

قطوف من نخيل الصائغ

صفحات خاصة بالبروفسور

 عبد الأله الصائغ

الى ابنتي هديل كامل

ترشيح البروف سفيرا


خاص بموقع النخلة والجيران وموقع مركز النور للانتاج الفني

موسوعة أعلام الصائغ الثقافية

حرف الزاي ( زير ) . الحاج زايـــــر1860 – 1919

تمَّ تحديث هذه النسخة في  4 جولاي تموز 2007

 

مثابة إهداء : الى محمد وفؤاد وسمير وعداً بمواصلة المشوار الإبداعي  نحو الجلجلة ! رغم  مخلوقات  الحوأب 

عبد الإله الصائغ

يا صاح عودي ذبل وبكل دوا مايصح

والدمع سال وجره من ناظري ما يصح

والنيب مثلي ابحنينه لو صحت ما يصح

من حيث مضروب مابين الجوانح تبن

بمعالج الروح سري لم اموتن تبن

لا تنهضم عل سبع لو صار علفة تبن

واليوم حتى التبن علف السبع مايصح

من يوم فركَاك جسمي من صدودك عود

هيهات عكَبك يسلّيني نديم وعود

كلما أعذْل النفس روحي تكَـلِّي عود

لي صاحبن كَط محَّد كَال إله لوله

وحياة من بالمهد جبريل إله لوله

لو ما يكَولون واعرف بالحجي لوله

جنت احجي ويَّاك لا جن بالزبيبه عود

ظعن الولف شال عن امتيمه ونوحه

والكَلب حزنان يِلْعَهْ وما بطل نوحه

راح الذي بيه جنّا عل المها نوحه

عجَّزت أهل النجم والياخذون الفال

كل يوم أكَولن يفل همي ولا هو فال

كَطان جني طحت ما بين عَجْلَة فال

واحد للآخر  يكَلَّه ها ولك نوحة

فائدة : أملى عليَّ العلامة عبد الحميد العلوجي نور الله ثراه : ان التاريخ سيكون اقرب إلى  الحقيقة لو أعتمد الشعر الشعبي الى جانب الشعر الفصيح ! وان دارسي حضارة اي مجتمع لن يحققوا ماينشدونه دون ان يقاربوا لهجته في البيت والسوق فهي تمسك نبض الحياة في ذالك المجتمع ! وحتى المشاعر العراقية مثلا لايمكن ترجمتها الى الفصحى لأن عددا من الكلمات اللهجوية عصية على قبول مرادف فصيح لها مثلا وليس حصرا : أفيش / أويلاخ / يبو / طركَاعة / جم دوب / ها ولك / لوله /  يضرب تبن / دلل لول / يلعة / إيكَرمع / إشدعوه / طَرَّة ... وأضاف رحمه الله : كم كان جميلا من المؤرخ الطبري لو انه اهدى لنا هدهدة او هلهولة او دارمي من العصور التي أرخ لها ؟! إ. هــ (1) والشعر الشعبي لدى الأمم كافة لا يحتاج  الى شهادة الباحث لكي يدخل وجدان التلقي وميدان الشعرية ! فلقد اسس مبدعو هذا الضرب شعرية قصائدهم من تراب ارضهم واغنيات شعبهم وذائقة متلقيهم ! ومن يظن ان اللغة العربية ستكون في خطر من زلزال الشعر الشعبي فهو يمينا لايفقه شيئا عن اللغة العربية ولا الشعر الشعبي ! فهذه اللغة التي نتكلمها ونسميها الفصحى لم تكن فصحى في وهلتها الأولى  بل كانت لهجة محلية تتكلمها قريش حسب وثمة لغات عربية الى جانبها لاتقل على راي علماء اللغات عن الثلاثين ! ( 2) ا والمعلقات السبع او التسع  التي زعم انها علقت على استار الكعبة وكتبت بالذهب الأبريز كانت علميا قصائد من الشعر الشعبي عهد ذاك ! ( 3) محاولتي هذه ترجمة لتعاطفي  مع شعر  أهلينا ! وتوكيد على ان شعرهم  كان ويظل  متفوقا على شعر الفصحى ( كذا ) بشعريته العالية المؤثلة على الصور الفنية  الحارة والعبارة الإنفعالية الحادة  والنغم  السرمدي الخلاب !

دار الملوك اظلمت عكَب الضوة بسروج

يهناك دمعي يكت إعله الوجن بس روج

والخيل لمن تردَّت واضلعت بسروج

والكدش اصبح لها عزمن  شديد وباس

والزين دنَّكَـ على جف الزنيم وباس

والشهم لو عاشر الأنذال ما هو باس

من جلَّة الخيل شدو عل جلاب اسروج .

يقول المستشرق الفرنسي جاك بيرك :

الحاج زاير وهو أكبر شاعر شعبي في العراق وقصائده تدوي على كل الشفاه منذ جيل في بيئة تلهبها محبة أهل البيت !! حدث بعد وفاته أن ظهر في الحلم وحين سألوه كان مختبئا وراء صمته لكي يحافظ على السر !! وكان التوافق بين إيمانه الجماعي ومغامرات حياته الخاصة مع دوي اشعاره يعكس اندماج المكان والزمان !! وكان إلهام الشاعر الحاج زاير يهبط عليه في اي مكان حتى لو كان بين اخوانه وبالطبع كان يرتجل المقاطع الصوفية في حب اهل البيت بالدفق الذي يوجه فيه النداءات الأنيقة الى فتاة عابرة !! إ . هـ  ( 4) ويقول الأستاذ حسن الأسدي : هو أشـعر شعـراء الحسكة على الإطلاق وشعره صورة ناطقة لحوادث عصره وتقاليد مجتمعه وسيـرة مواطنيه ! والجيل الذي عاصره والجيل الذي تلاه يردد بإعجاب وفخر أشعاره التي يجد فيها كل شخص ما يوافق طبعه ويلائم غرضه وهذه  هي ميزة الخلود التي تمتع بها سلفه المتنبي إ.هـ  :  أما كبير مؤرخي العراق السيد عبد الرزاق الحسني فيقول  :

الحاج زايرأسرع شعراء عصره بديهة ! وينشد القصيدة التي تبلغ المئة بيت ارتجالا وفي آن واحد فيخال السامع أنه كان يحفظها منذ مدة دون إعمال فكره ! وله اليد الطولى في الموال والأبوذية والمربع والميمر  إ.هـ .

اما صديقي الشاعر الكبير الأستاذ شاكر السماوي فقد اهدى أنفس دواوينه – إحجاية جرح – مطلع ستينات القرن العشرين الى الشاعر الحاج زاير !! وكان السماوي معجبا أيما إعجاب  باعتداد الحاج زاير بنفسه في قوله  : والناس كَالت مجنون ابعكَلي اقنعت بس آنه  ولهذا فقد اهدى الشاعر شاكر السماويديوانه  الشهير – إحجاية جرح – الى الحاج زاير !!. ويرى الأستاذ شاكر السماوي أن الحاج زاير مثابة امام الشعر !! و الشعراء  ليسوا سوى  زوار في صحن الحاج  زاير إ. هـ .

وقال السيد محمد جمال الهاشمي :

وزاير في الشعر أنشودة       غنى بها البادي مع الحاضر

  هلهل في قيثاره مطربا         أيامه في لحنه الساحر إ . هـ .

ورثاه صديقه وتربه وحافظ شعره السيد علي القصير بن السيد محمد بن السيد عبودي المرعبي الحسيني من قرية السادة آل بو اذبحك قرب مركز الحلة وهو جد صاحب هذه الموسوعة :

إذا امعنت في لوح المصاير    وجدت الخلق للمجهول ساير

وآية قولنا علم فِطَحْلٌ          بسبك الشعر يدعى حجي زاير

       فقد وهب القصيد مذهَّباتٍ     وأبكاراً خوالد في الضماير إ . هـ(5).

*الحـاج زايـر هو زاير بن عسكورة بن علي بن جبر من قبيلة بني مسلم المنسوبة الى ابي المكارم مسلم بن قريش بن بدران بن مقلد العبادي !!

ولد زاير عام 1860 في قصبة بُرس المحاذية لبابل والمقاربة للنجف وهي منطقة عميقة القدم ! فيها آثار مدهشة وبرج شاهق  مفرط العلو يسمى برس نمرود     !!  وهو الاسم المحرف عن بورسيبا ومعناها باللغة البابلية قرن البحر وجاءت في التلمود بصورة برسي وبرسيب  ( 6 وقد امتلأت ذاكرة الطفل فالصبي زاير بالمشاهد التاريخية المدهشة والحكايات الخرافية العجائبية التي تمثل التاريخ الشفاهي لدى اعامة الشعب ! وقد أثبت مؤرخوه ومعاصروه ان روحه فاضت الى بارئها بعد مكابدات شاقة  سنة 1919 !! وهو ولمّا يبلغ الستين بعد  فاية خسارة  تلك التي رزيء بها التراث الإبداعي الشعبي  !! فكأن المبدع العراقي  يعيد انتاج  صرخة الشاعر الصيني القديم فيو: ولدوا وعاشوا فتعذبوا وماتوا  ( 7)!  والشاعر العراقي موسوم بالرؤيا فهو يرى امورا لا يراها غيره فيحار الناس في امره أهو نبي أم ساحر أم مجنون أم طفل ؟؟ حتى ان ملحمة جلجامش تفتتح نصوصها بـ ( هو الذي راى كلَّ شيء فغني بذكره يابلادي ( 8 ).ويبدو ان الحاج زاير سئم الدنيا وهو في عز نضجه وعطائه  وضاق صدره عن احتمال الحياة  وهو حبيب الناس ! فقد كانت الأخبار الشفاهية عهدذاك تلاحقه مع الاشاعات ومع الحاجة تكون الأثافي الثلاث قد اكتملت ! الا تراه كثير الشكوى مهيض الجناح لايجد في وسطه غير علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ليبثه عذاباته التي لايطيقها

يا بلحسن ضاك صدري والحشه حامي

من جور دهري عليَّ ابسطرته حامي

مامن مجيرن سواكم للدخل حامي

هل يوم كلت يحيدر حرفتي والحيل

والسمع مني ذهب بعد الظهر والحيل

عني توانو جفوني خلِّتي والحيل

وامسيت جتَّان ياحامي الحمة حامي

ومن ذا سوف يصدقني لو قلت ان الحاج زاير رثى نفسه بشعره تماما كما فعل سلفه مالك بن الريب حين رثى نفسه بيائية  باذخة  الجمال !والغريب حقا ان الحاج زاير تفوق على سلفه  مالك بن الريب حين حدد ميقات موته الى صحبته  بدقة متناهية ! فسيموت قبل ان يطلع الفجر ! :

وحك التين والزيتون والمن

اجروحي الطابن امن اسنين ولمن

السدر والجفن والكافور والمن

كَبل طرت الفجر يسرون بيه

قارن هذه المرثية بمرثية ابن الريب مالك حين رثى نفسه واقترح على اصحابه دفنه

ألا ليت شعري هل ابيتن ليلة ... بوادي الغضى أزجي القلاص النواجيا !

فليت الغضا لم يقطع الدربَ عرضُهُ   وليت الغضا ماشى الركاب لياليا

لقد كان في وادي الغضا لو دنا الغضا      مزارٌ ولكن الغضا ليس دانيا

خذاني فجراني ببردي اليكما     فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا !!

وخطا بأطراف الأسنة مضجعي    وَرُدّا على عيني َّ فضلَ ردائيا

ولا تحشراني بارك الله فيكما      من الأرض ذات العرض انة توسعا ليا

..نحن نتكلم هن الحاج زاير ولا نتحدث عن أي  شاعر آخر !  فهو معجزة الشعر الشعبي كما سلفه الشاعرة العظيمة فدعة الزريجاوية ! ولم يكن الاختلاف بينا في نسبة الحاج زاير كما حدث في نسبة فدعة ! فالحاج  زاير  هوإبن  الحاج عسكورة بن علي بن جبر من قبيلة بني مسلم نسبة الى ابي المكارم مسلم بن قريش بن بدران بن مقلد العبادي !! وبنو مسلم فخذ من قبيلة طفيل العربية المنتسبة الى طفيل بن عامر القيسي وتقطن بنو مسلم على ضفاف الفرات فرع الهندية ضمن منطقة نبي الله ذي الكفل !! (9) وكان والده كدأب شيعة العراق كثير الزيارات لمرقد الامام علي بن ابي طالب في النجف وكان يؤدي الزيارات وحيدا فإذا شب ولده زاير  اصطحبه معه الى مدينة النجف التي كانت وما لبثت قبلة كل قروي طموح  من جنوب ووسط العراق !! ! واسم زاير عند الشيعة يعني انه فأل حسن فكل من زار النجف يسمي نفسه زائرا  ويطالب مقربيه ان يدعوه بزاير ! اذن  اسم زاير فيه عبق التيمن بزيارة مرقد علي كرم الله وجهه , ومعنى  اسم زاير عند اهل الفرات فيه تناصات مع بركات كثيرة في الموروث الشعبي الضيق وكما مر بنا فزاير  هو الذي زار العتبات المقدسة او انه موعود بزيارتها !! زاير الصبي الذي يرى النجف اول مرة فيفتح عينيه على وسعهما مندهشا من مدينة تبتكر أفراحها وأتراحها ولا تكل من الاحتفالات ولا تمل !! زاير يرقب المباهج التي تفتقدها قصبة بيرس !! حتى المآتم الحسينية بالنسبة للقروي هي شيء من المباهج التي تبدد الرتابة في الحياة الساكنة !! يرقب البيوت والمحال والاسواق والسور الكبير الذي يحيط المدينة كل ذلك  مبني بالجص والطابوق  كما بهرته شناشيل  النجف المزخرفة المنمنمة والملونة معا ! والأزقة المفرطة في الطول والضيق وأضواء الثريات المتدلية في الصحن والمساجد والحسينيات والسوق الكبير  ومواكب العزاء او التشييع او المواليد والاعراس !! واصوات الباعة في سوق الخضار تلك التي تحاكي الغناء ! وحركة النساء في الأسواق او الأزقة او العتبات بعباءآتهن السود ( العراقيات ) والملونة ( غير العراقيات )!! تعلق الصبي زاير بالنجف المدينة العبقة بالعلم والشعر والكفاح الوطني  وهو يصطنع مقارنة بينها وبين قرية برس التي تنام مبكرة وتصحو متأخرة  دون ضجيج او كهرباء !! بيرس او بورسيبا القصبة الزراعية الآيلة الأطلال وقد عانت زقورتها وقصورها وكنوزها من جهل الريفيين وجشع تجار الآثار الذين كانوا ينبشون القبور والتلال والقصور للعثور على قطع النقود والأواني والحلى الذهبية والفضية والنحاسية أما آجرها فيبنون منه البيوت وزرائب الحيوان ! ناسين انها كانت موضع اقامة مردوك الذي انتصر على تياما في ملحمة التكوين وكان طعامه يأتيه ساخنا لأن الناس تصطف خطا  طويلا من بابل الى بورسيبا وكل سابق يسلم اللاحق طعام مردوك فيصل بهذا البريد البشري في وقت قياسي !! فضلا عن ان الناس يتحدثون عن ملك اسطوري تمرد على الله ورمى السماء بالمنجنيق من زقورته فصعق وغارت قصوره تحت الأرض والناس تدعوه النمرود  وكل مغرور او ظالم يسمى شعبيا النمرود  وصاغوا منه فعل تنمرد !!! في هذه القرية المنسية اطلق الحاج زاير صرخته الأولى وابصر النور لأول وهلة ذات شتاء مختلف اهدى لكل الفصول فصلا خامسا هو زاير !  ويبدو ان مخايل موهبة قول الشعر بدأت مبكرة في حياته فقد كان وهو طفل يأخذ ألألحان القروية ويؤلف عليها كلمات من عنده فيجن جنون السامعين لهذا الطفل المعجزة !يعطونه لحنا ليمتحنوه فيصوغ كلمات من عنده وعلى البديهة !! وقد صقلت النجف مواهبه وعمقت إحساسه بأهمية موهبته !!  يقول جاك بيرك : (.... وكان  التوافق المؤثر بين الأيمان الجماعي ومغامرة حياته الخاصة ودوي اشعاره يحقق له حتى النهاية اندماجا يدل على المكان والزمان !وكان الهام الشاعر يهبط على الحاج زاير وهو بين اخوانه ! وفي احدى الجلسات البكائية التي يتفجعون بها على المصائب التي توالت على علي بن ابي طالب وأولاده قام زاير وارتجل شعرا مؤثرا ثم القى مقاطع صوفية .........  وها هو الحاج زاير وقد اضحى جنديا في نهاية العهد العثماني !! فأرسل الى حامية قطر ! وهناك كان ينفس عن حزنه بتنهدات بلغ من تناسقها وعمقها ان جعلت رفاقه المجندين يتحلقون حوله مما حمل القيادة على الإشفاق عليه وصرفه الى منزله ..... وها هو يعود الى السفر عام 1914 وكانت العودة مناسبة لنظم الأغاني حول مواضيع بطولية !! ولسوء الحظ يهاجم الأنكليز البصرة فيتقدم العلماء الصفوف على راس معركة الدفاع ضد اعداء الدين ويضطر الحاج زاير بعد استنكاره لإنسحاب العثمانيين ... يضطر الى الإختباء في الكوفة ثم يعود للظهور في بغداد ! ويراه الناس في جامع الحيدر خانة حيث يدعوه احد السادة الى الحرب المقدسة وكان ذلك كافيا لإثارة قريحة الشعر عند الحاج زاير ! فهو يتهيج من هياج الناس فيرتجل مرة اخرى عواطفه النبيلة في شعر مؤثر ..... ولكن صورة الحاج زاير لا تقتصر على الملامح المثالية فقط فهو اسير رغبات ذات خصوصية !!! فعند عودته من حامية قطر الى بلده وهو يعيش في وئام مع فتى يافع وسيم يدعى  هادي !! وقد قتل  هذا الفتى  الحبيب الى قلبه غيلة فحامت الشكوك حول الحاج زاير ووجهت اليه تهمة قتل حبيبه الفتي هادي فأي مروءة لدى الناس حين يتهمون شاعرا شفيفا لايسره ان يرى مشهد ذبح الخروف فيتهم بذبح حبيبه ( كذا !! ) !! وكانت هذه المفارقة المأساوية مناسبة لوضع اشعار جميلة تقارنه بالشاعر ديك الجن الحمصي فهو الآخر متهم بجريمة قتل مزدوجة إرتكبها بحق صديقه وحبيبته عندما فاجأهما يخونانه فقتلهما واحرقهما وصنع من رمادهما كأسين يشرب منهما بالتناوب مغنيا عواطغه ......فظل يولول :

ياطلعة طلع الحمام عليها   وجنى لها زهر الدى بيديها

رويت من دمها الثرى ولطالما    روى الهوى شفتي من شفتيها

فوحقِّ نعليها وما وطيء الثرى   شيء اعز علي من نعليها إ. هــ (10 )

مدخل ثان

أيمكن اعتداد العناية بالشعر الشعبي العراقي ضربا من الإساءة للغة العربية الفصحى الأم ؟ وقبل الإجابة سوف نقصي عن منهجنا خطين متشددين لا يمتان الى العلم والحضارة بأية وشيجة !! الأول قومي يرى ان الشعر الشعبي فعل شعوبي غايته هدم كيان القومية العربية والآخر قطري محلي ضيق يستميت في جعل الشعر اللهجوي بديلا من الفصحى !! والرأيان هشان لا يستحقان حتى الدحض !! ان محاولتي هذه تكرس ان العلم مجرد قناعة تمتلك ادلة بينة تثبت الفرضيات ! والنص الشعري الشعبي خضع لمعامل العلم ! فإذا درسناه فإنما ندرس حضارة مجتمع في زمكان محدود خدمة للمؤرخين من الأدباء واللغويين والنحاة والإنتروبولوجيين ! نحن نقيد ذوقاً جمعيا في منهج عصي على المؤرخ التقليدي الذي يجهل اللهجات المحلية !! كيف مثلا يكتب مؤرخ ثورات الفرات الأوسط سنوات 1914 – 1915 – 1918 – 1920 إذا كان يجهل الدارمي والأبوذية والزهيري والميمر ونصف المعلومات وأجلها في ثنايا شعر الحسكة ؟! ثم من قال ان الفصحى التي بين أيدينا هي لغة العرب الوحيدة ؟ من قال ذلك فقد ألغى ازيد من عشرين لغة عربية احتج بها النحاة ورضيها قراء القرآن المعتمدون !! ولا نريد ان نعيد الى الأذهان كيف كان النبي الأمين -  صلعم - يكلم كل ذي ( لغة ) بلغته وحين سأله في ذلك على بن ابي طالب كرم الله وجهه قال له النبي صلعم ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) !! واللغة عند العلماء هي اللهجة او اللسان !! ولا نريد ان ننسى قالة ابي عمرو بن العلاء( زبان بن سيار ت 154 هـ ) التي قال فيها ما لسان حمير بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا  وقد عملت الأسواق الجاهلية على تنقية لغات العرب وانتخاب لغة وسطى وفك ارتباط لغات العرب بعدد من العيوب اللهجية التي اثلتها رطانات القبائل قال الفراء الكوفي ت 207 هـ ك كانت العرب تحضر الأسواق في مواسمها كل عام وقريش يسمعون لغات العرب فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به فصاروا افصح العرب وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ من ذلك الكشكشة وهي في ربيعة ومضر يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شينا فيقولون رأيتكش وبكش وعليكش ! فمنهم من يثبتها حالة الوقف فقط وهو الأشهر ومنهم من يثبتها في الوصل ايضا ومنهم من يجعلها مكان الكاف ويكسرها في الوصل ويسكنها في الوقف فيقول منش وعليش !! ومن ذلك الكسكسة يجعلون بعد الكاف او مكانها في المذكر سينا على ما تقدم ! ومن ذلك العنعنة تجعل الهمزة المبدوء بها عينا فيقولون في إنك عنك وفي اذن عذن ! ومن ذلك الفحفحة يجعلون الحاء عينا ! والوكم يقولون عليكِم بكسر الكاف ! والوهم يقولون منهِم بكسر الهاء والعجعجة يجعلون الياء المشددة جيما يقولون في تميمي تميمج وعلي علج والإستنطاء تجعل العين الساكنة نونا اذا جاورت الطاء كأنطى في اعطى ! ومن ذلك الوتم تجعل السين تاء كالنات في الناس والعروت في العروس ! ومن ذلك الشنشنة ان تجعل الكاف شينا مطلقا كلبيش اللهم لبيش اي لبيك اللهم لبيك )  (11)    وثمة لهجات سوى تلك كثيرة كانت تهدد لهجة قريش في الصميم ومنها الغمغمة عدم تمييز حروف الكلمات وظهورها في اثناء الكلام وهي في قضاعة والطمطمانية جعل ام بدلا من الـ  كقول القائل طاب امهواء في طاب الهواء وهي في حمير وتلتلة بهراء وهم بطن من قضاعة يكسرون احرف المضارعة مطلقا ! واللخلخانية في الشحر وعمان كقولهم مشا الله في ما شاء الله ! وقطعة طييء وتمثل في حذف آخر الكلمة يقولون يا ابا الحكا يريدون يا ابا الحكم كما في لغة بني سويف ! والإبدال مثل ابدال الميم والباء ميما في لغة مازن فيقولون بإسمك ؟ في ما اسمك ؟ ومكر في بكر ! وهناك لهجات تتمثل في الإعراب كنصب خبر ليس عند الحجازيين مطلقا ورفعه عند تميم اذا اقترن بإلا حملا لها على مثل : ليس الطيب الا المسك ! وفي البناء والبنية كتسكين شين عشرة عند الحجازيين وفتحها وكسرها عند تميم وكبناء الهاء من ايها على الضم عند بني مالك بن اسد اذا لم يتلها اسم اشارة فيقولون يا ابهُ  الناس وكبنائها على الفتح ووصلها عند غيرهم يَا أيُّها الناس ! وثمة حالة هي بين الإعراب والبناء كإعراب لدن عند قيس بن ثعلبة وبنائها عند غيرهم وثمة التصحيح والإعلال كإعلال الأفعال الثلاثية التي من باب علم كرضي وبقي عند طييء بقلب يائها الفا وكسرتها فتحة فيقولون رضى وبقى وغيرهم يصححها وكقلب الألف المتطرفة همزة عند تميم مثلا العلأ في العلى وثمة الإتمام والنقص كحذف النون عند خثعم وزبيد اذا وليها ساكن وابقائها عند غيرهم فيقولون خرجت ملبيت في خرجت من البيت وهناك الإدغام والفك مثل فك المثلين في المضارع المجزوم بالسكون المضعف وأمره عند الحجازيين مثل يغضض واغضض وإدغامها عند تميم مثل يغض وغض ! وهناك الترادف مثل المدية عند اليمن والسكين عند الحجاز( 12 )   زد على ذلك الإمالة والأضداد واختلاف النبر وهذه خصائص في لغات العرب لا يجوز السخرية منها او الغاؤها ولكن وبعد ان قر! الرأي على لهجة قريش التي تنزل بها القرآن الكريم صار لهذه اللغة السهم الأزكى ومع ذلك جوَّز القراء السبعةُ سبعَ قراءآت وعشر قراءات وزيد في العدد لكي تتيسر قراءة القرآن على بعض الأعراب والعرب ممن لا تستطيع أجهزتهم النطقية مطاوعتهم  على لغة قريش ! فحمزة مثلا كان يقرأ ولا تقربا هذه الشيرة بدلا من الشجرة وهي لغة السواد الأعظم من جنوب العراق !! فهل اعتراف النحاة بهذه اللغات اضعف الفصحى ؟ الجواب ربما اسهم في تمتينها !! امرؤ القيس كندي كتب شعره بلهجة قريش حتى يفهمه جمهور اعرض من جمهور كندة اليمانية وابو ذؤيب الهذلي كتب في لغة قريش ولكنه يستعمل إمالة هذيل وهي لهجة الموصل الآن !! وفي العصر الحديث كتب مظفر النواب بالفصحى لكي يفهمه جمهور عريض!!  وأذكر انني  قدمته بنفسي عام 1994 في القاعة الخضراء الكبرى بطرابلس ليبيا والجمهور وقتذاك  تضمن تونسيين ومغاربة وجزائريين !! وكانوا كما ازعم يطربون لشعره الشعبي كما يطربون لشعره الفصيح ! بل ووجدت من طلب اليه قراءة قصائده الشعبية من غير العراقيين !! ما المشكلة في ان نحترم الذوق الشعبي فهو النبض الأصدق للشارع !! فقط نذكر بتاريخ الطبري كم هو رائع لو ان الطبري نقل الينا اغاني ذلك الزمان الذي ارخ له ! لو نقل لنا لغة الباعة مثلا !! لو نقل الينا هدهدة ام لرضيعها في المهد !! وقد اعترفت الجامعات العربية ومنها الجامعات العراقية بالشعر المعرب والملحون !!  ولعل اشهر من نال دكتوراه فلسفة في ذلك هو صديقنا العلامة رضا القريشي تغمده الله برحمته !!(13)

شعرية الحاج زاير : الشعرية كما استقر مصطلحها اخيراًهي بؤرة الجمال في الشيء !! أي شيء العمارة واللوحة والديكور والوجه والجسد والموسيقا والشعر ... الخ هي ليست مقتصرة على الشعر وإن هيأ تماثل الحروف لنا ذلك !والشاعر لن يكون شاعرا ذا تميُّز ما لم يكتشف مكامن الشعرية في قدراته ! (14)ومكامن الشعرية عهد الحاج زاير يحددها الجمهور !! لقد رفع الحاج زاير الذائقة الشعرية الشعبية وارتفع بها ثم ارغم شعراء عصره على ترسم خطاه لكي ينالوا مثلما ناله زاير !! لم نعد نتلمس الترهل والسذاجة في الشعر الشعبي قارن :

         يا صاح عودي ذبل وبكل دوا مايصح            

 والدمع سال وجره من ناظري ما يصح

والنيب مثلي ابحنينه لو صحت ما يصح

من حيث مضروب مابين الجوانح تبن

بمعالج الروح سري لم اموتن تبن

لا تنهضم عل سبع لو صار علفة تبن

واليوم حتى التبن علف السبع مايصح

وما كانت ايقاعات الزهيري لترتفع مسلة في ذاكرة الناس لو لم يؤسس لها الحاج زاير تقاليد ثابتة لحمتها الإبتكار وسداها البهجة في اطار من اللوعة العميقة .. تلك التي ينزفها وعي الإغتراب الذي اتم مشواره رواد الشعر العراقي الحديث مظفر النواب وشاكر السماوي وعزيز السماوي وطارق ياسيمن وعريان السيد خلف واسماعيل كاظم الكاطع وزهير الدجيلي!! معطف الحاج زاير مثل معطف كوكَول !! فقد طلع من معطف الحاج زاير اساطين الشعر الشعبي قارن الحاج زاير :  :

جم دوب أهج هاج ما جن الذرى ولفاي

امهجول ولا عاود الديرة هلي ولفاي

ما اطلب اديارهم طاري الفلا ولفاي

هايم بالوهاد من يوم النوو بالراح

مذهول مذعور حاير بس ادكَـ بالراح

جنة وجانوا وجان إلنه الهنا والراح

لا جنه جنه ولا جنهم كَبل ولفاي

ان البحث عن شعرية الحاج زاير يحيلنا الى شعره كافة فهو كما قال جاك بيرك شكسبير الشعر الشعبي العراقي فأنت مثلا قبالة الصور الفنية المتدفقة الحارة والموسيقا التي تساعد المعنى على السطوع وتجمله فضلا عن ولعه باستعمال الحواس الى اقصى شحناتها !! وسنرى انه يستعمل حاسة مكان اخرى وهو ما يدعوه النقاد تراسل الحواس ! وسنرى انه يؤنسن النبات والحيوان والجماد بل ويؤنسن المجردات التي لا تتبع الحواس في سلوك يسمى الأنسنة أو التجسيد كما انه استعمل القناع واستثمر طاقات التناص بشكل مبهر حقا !!

دلالة الإغتراب

يفاجأ الباحث في الأغتراب بحشد من المفهومات تأتلف تارة وتختلف أخرى وتتجاوز ثالثة وتنفتح على النظر التأسيسي رابعة !! نحن نحاول ايجاز دلالات الإغتراب في اطار الخلق الابداعي كأن : الإغتراب هو عشق التجديد / تغريب المتلقي وابقاؤه منفصلا حيث لا يحدث الإندماج الإنفعالي بالنص / الإغتراب عن الذات لحظة تشكيلها صورة للعالم / نقد الآخر الذي يعيش خارج الجلد / يجعل شيئا ما ملكا للآخر / إنعكاس لزيادة الوعي على السلوك والهيئة / شعور بخلل ما / نقص في المغترب يقابله اكتفاء او زيادة في الآخر / الإغتراب اسئلة غامضة بلا اجوبة / الإغتراب طغيان الحرية على منظومة استيعاب المبدع / فقدان الحرية نتيجة القناعات الفيزيقية او الميتا فيزيقية الجمالية والميتا جمالية / خوف من الموت او رغبة فيه / نهم للحياة اوزهد فيها !!.

يقول هيراقليدس  : الإغتراب يعني البحث عن النفس !! يقول ريلكة : إننا لا نحس بالألفة بشكل وثيق في هذا العالم المضطرب والمبدعون الكبار هم على وجه التحديد رجال لا يمثلون غيرهم !! وقد امر غوته فيرتر بالإنتحار وهو بطل اول قصة كتبها !! اما صيحة فاوست لغوته فقد وردت في رواية ستيبان وولف لهيرمن هسه ( ثمة روحان يقطنان ويا للحسرة جسدي ويناضل كل روح منهما للتخلص من توأمه ) !! دانتي في الكوميديا الأ لهية عبر عن اغترابه ومرارته فأدخل اولئك الذين يحتقرهم في الجحيم رغم انهم يحتلون الصدارة في مجتمعهم !! اجاثا كريستي في جزيرة الموت سلطت القاضي لكي يقتل كل مجرم افلت من العقاب مستغلا ثغرة في القانون !! القاضي قتلهم كلهم ليتخلص من احساسه الفادح بالإغتراب وانه يعيش بين مجرمين لم يقدر القانون على إدانتهم / الإغتراب موت الصبر وانبعاث الحلم المستحيل / الحنين الى الماضي / النص المغترب عمل شاذ كتبه شاذ لمجتمع شاذ / الغربة عن الطبيعة والمجتمع والأصحاب والذات / جزء من تصاعد المبدع في معراج النمو / الإغتراب كامن في كل الأزمنة والأمكنة والحضارات ولكن تعبيراته المختلفة / للإستعمار اثر كبير في خلق الإغتراب عند المبدع / المبدع يشعر انه غريب عن ارضه وحضارته ولغته وذاته ويجد نفسه سلسلة من الإستلابات تبدا باستلاب الحرية / هو تمرد على المكان والزمان والأهل !! عنترة مرضت نفسه لشدة إحساسه بالأغتراب ولم يشفِ نفسه الا اعتراف الفوارس به :

ولقد شفى نفسي وابرأ سقمها    قيل الفوارس ويك عنترة اقدم

وامرؤ القيس قبل ان يلفظ انفاسه في انقره قال :

أجارتنا انا غريبان ها هنا       وكل غريب للغريب نسيب

المتنبي العظيم :

ما مقامي بارض نخلة الا  كمقام المسيح بين اليهود

أنا في امة تداركها الله     غريب كصالح في ثمود

والجواهري العظيم في بريد الغربة :

لقد اسرى بي الأجل   فبي من طوله ملل

وبي مما يخبيء لي  غدٌ في طيه وجل

سلاما  كله قبل     كأن صميمها شعل

سلاما من غريب الدار عيت دونه السبل (15 ) .)

اما الحاج زاير فكان يشكو بتعبير هذا الزمان من كآبة حادة عبر عنها بضيق الصدر اي عجزه عن الإحتمال بسبب من احساسه الجاحم بأنه غريب  لا يجد في الناس المواسي والناصر او المشفق !!

يا بلحسن ضاكَـ صدري والحشه حامي

من جور دهري عليَّ ابسطرته حامي

مامن مجيرن سواكم للدخل حامي

هل يوم كَـلَّتْ يحيدر حرفتي والحيل

والسمع مني ذهب بعد الظهر والحيل

عني توانو جفوني خلِّتي والحيل

وامسيت جتَّان ياحامي الحمة حامي.

ربما لم يجد في مدينته الفاضلة النجف الأشرف ذلك المثال الذي رسمه في مخياله ايام صباه وفتوته !! فمجتمع مدينة النجف زمنذاك يهزأ من القروي ويسميه معيدي ! مهما كان من شأنه !! والمنافسة بين شعراء  المدينة المقدسة على النجومية منافسة غير مقدسة فتنحدر الى الحضيض ! هل اكثر من ان يتهمه خصومه من الشعراء الخاملين ! والتفيهين الحاسدين ؟ يتهمونه بممارسة الإنحراف الجنسي مع صديقه هادي !! بل ويتهمونه بقتله ويحرضون أهل هادي عشيرته  لكي يقتلوا الحاج زاير بدم هادي !! مما اضطره للاختباء المهين ! فإن ظهر ليدفع التهمة عنه قتل كما قتل غيره ! وإن واصل الاختباء ثبتت التهمة عليه ! ولا من نصير او معين ! ولكن الأيام أظهرت  براءة زاير قبل ان يهدر دمه !! وهناك عشرات المآسي التي تعرض لها الحاج زاير من الغوغاء الذين حاربوه في رزقه وجمهوره وعرضه ! فثمة التفيهون دائما في كل زمان ومكان يظهرون بوجوه مختلفة ولكنهم يعملون بنوايا مؤتلفة ! وكما انتاصر انتصر ابو تمام والمتنبي فقد انتصر   الحاج زاير على خصومه اخيرا بعد ان تساقط شعره وعشيت  عيناه واحدودب ظهره ومات قبل الستين معدما  مهملا  وبدلا من الرحمة تكال عليه النقمة !! وقد اضطر لكي يعيش  الى الغناء في مجالس الأعراس والنواح في مجالس العزاء وقد عرف عنه إجادته الضرب على آلة الرق خلال غنائه مما يبعث الطرب وشدة الأنفعال وسط سامعيه !! بل غنى اشعاره بمقام خاص به ابتكره لنفسه عرف فيما بعد بمقام الزايري ! غناه داخل حسن وياس خضر !! الناس الطيبون يعشقون الحاج زاير ولكنهم لا يمنحونه سوى الدعم المعنوي أي المحبة والتشجيع أ ما الدعم  المادي فكأنهم صم بكم عمي !! وخصومه يسرقون القوت من فمه والفرح من قلبه ! أية معادلة هذه ؟؟ حتى في زماننا هذا ينهد الملوثون ومعطوبو الاعراض لكي يحاربوا المبدع الساطع في سمعته وعرضه وهدوئه ! ويواجهون كفاف المبدع وهو ابن اثرى بلد بكلمات تنم عن حضيض وعيهم فيسمونه بالاستجداء !  وقد عانى الجواهري الكبير الفاقة وشكا وبكى فما ناله سوى التشجيع من المحبين والتقريع من المبغضين حتى اضطر الى مديح حافظ الاسد والملك حسين وزايد آل نهيان مثلا !!  وبعد ان ساء حال المبدع الحاج زاير  رغم ملايين العشاق لشعره  وهصرته الفاقة وشلَّته الإعاقة  وتخلى عنه القريب قبل الغريب التفت اليه صديقه  الفاضل الحاج مجهول شنتة زعيم آل فتلة وطلب اليه ان يكون مهوال آل فتلة اي شاعرهم الخاص بهم الذي لا يمتدح سواهم !!  وهذا شرط قاس ولكنه يضمن للحاج زاير حياة مناسبة تغنيه عن سؤال الغوغاء  والسفلة التاريخيين !! ورضي زاير بطلب الحاج مجهول فحصل على قطعة أرض زراعية خصبة هدية من آل فتلة لشاعرهم الذي ستحرم من موهبته القبائل الأخرى !! وكان كثير التردد على قرية السادة البو اذبحك والمبيت في بيت زعيمها وقتذاك السيد علي القصير بن السيد محمد بن السيد عبودي المرعبي الحسيني (والد جد عبدالإله الصائغ  صاحب الموسوعة ) ثم مال قلبه الى ارملة حسناء شابة  ( هيلة  ) و كانت تحب شعره بفطرتها وتحفظ الكثير من زهيرياته وتحنو عليه بل وتحبه حب المحرومة للمحروم !! فهي تعاني وابنتها الصبية من عزلة قاتلة واغتراب مدمر  وكآبة مزمنة ! فالأرملة  في مجتمعنا العراقي تقر في بيتها الى ان تموت وإلا سلقتها الالسن الحداد فالرجال يحومون حولها حوم الطير على الجثة المتفسخة والنساء يلفقن لها مغامرات فضائحية مع الرجال المتزوجين فيثيرن ضدها زوجاتهم  !! فبادل الحاج زاير حب الشابة الارملة بحب جارف اغلق عليه الفضاء فبات لا يطيق فراقها !! فتزوجها بمساعدةٍ وهبةٍ من السيد المرعبي وعطف على ابنة زوجته من زوجها الأول كما لو انه ابوها الحقيقي وليس زوج امها !وما ذا نتوقع من طيبة وحنو وإنسانية الحاج زاير ؟! وقد انجبت له الأرملة إبنته الوحيدة ( فاطمة ) التي تعلق بها تعلق المستهام  بيد انه لم يقلل من حنوه على ابنة زوجته  فوازن حبه بينهما !! فهما بنتاه معا وقررا السكن في قرية ابو ذهب التابعة للمشخاب ! وليس بيدنا معلومات كافية مع الأسف عن زوجة زاير وابنته الوحيدة سوى اسمها  وابنته بالتبني ( زينب  )! بل نحن لا نملك معلومات كافية عن ام الحاج زاير واشقائه ! مع انني زرت الأماكن  التي اقام فيها الحاج زاير في النجف والكوفة وقرية السادة والمشخاب املا في العثور على وثائق عن الحاج زاير كما شافهت كبار السن الذين قاربوا عصره وزعم احدهم انه رأه وهو يقوم بدور الرادود في عاشوراء ! لكن شيخوخته الطاعنة وذاكرته الممسوحة وهذيانه احيانا فوت علي فرصة الأفادة منه بله تصديقه !! كما شافهت قريبه العالم الكبير البروفسور سامي سعيد الأحمد نور الله ثراه اول من ترجم ملحمة جلجامش عن السومرية وهو في الثمانينات من عمره وقت المشافهة في براكات السكن الجامعي بطرابلس ليبيا !! وشافهت الشاعرين الكبيرين شاكر السماوي والمغفور له عزيز السماوي حول امور تخص حياة زاير ! وشافهت الزملاء الفاضل  رشاد علي عودة وجواد  كاظم الشمس والشيخ صادق الخاقاني والشيخ احمد الشيخ محمد السماوي وهم معنيون بالحاج زاير ولكن معلوماتهم عن اسرته ليست ذات بال ومما اغلق الأمر هو ان الحاج زاير لم يذكر احدا من عائلته في شعره ! نعم هناك خبر متواتر مؤداه ان والد الحاج زاير تمنى على ولده ان يكون عالما دينيا او خطيبا حسينيا فأدخله مدرسة القوام في محلة المشراق بالنجف ليتعلم مقدمات القراءة والكتابة وشيئا من الأجرومية والفيتي ابن معط وابن مالك والمنطق ومقتل الحسين واهل بيته ( مقتل ابي مخنف ) !! والدراسة وقتذاك تتطلب تفرغا تاما فإذا مات ابوه ترك زاير المدرسة والدراسة معا واشتغل عتالا وحفارا ينقب عن الآبار وهو عمل شاق ومخاطر الموت بالأختناق فيه معروفة !! واخيرا وبعد عياط وشياط وشفاعة من قريش اكتشف في نفسه موهبة الشعر وعرف اثر كلماته في نفوس النجفيين خاصة والفراتيين عامة !! والحاج زاير سليل اسرة حرز الدين ووارث امجاد جيل الرواد الذين ظهروا اواخر العهد العثماني امثال الشاعرة الكبيرة فدعة الزيرجاوية والشاعرين محمد نصار وعباس الجاحي وبينه وبين جيل الوسط مثله الشعراء : هتلوش وكَنين الخزاعي وولده حميد !  ويبدو ان منطقة الفرات الأوسط  خصبة ولود  وحاضنة ودود   مما يبعث على قول الشعر وعشق الجمال ونماء الخيال فظهرت الوان من الشعر ! أهل المدن اختصوا بالشعر الشعبي والعامي واختص اهل القرى والأرياف بالشعر العامي واختص الساكنون في منطقة الحسكة ( الحيرة – الديوانية – السماوة ) بشعر الحسكة وتلفظ كاف الحسكة جيما بهيئة CH  وبرع الحاج زاير بكتابة الأنماط الثلاثة !! بل انه كتب شعرا نبطيا اقتبس صوره ومفرداته ونبره واوزانه من اعراب باديتي النجف والسماوة المتاخمتين لبادية الحجاز حاضنة الشعر النبطي !! وهناك ملاحظ أُخر قوامها ان دارس شعر الحاج زاير لا يكاد يجد اثرا في شعره للأحداث السياسية والإجتماعية الدامية التي حدثت في عصره وهو ابن النجف بالتبني الذي احب النجف هذه المدينة التي قادت بكفاءة عالية النضال ضد المستعمر والنضال ضد التخلف والجهل ! هذه المدينة التي شكلت اول جمهورية في العصر الحديث !! ونرجح استنادا الى معايشتنا لمفردات هموم الحاج زاير من خلال البحث والمشافهة والتنقيب الميداني !! نرجح ان يدا حاسدة ظلامية امتدت الى جل شعره واتلفته والى الأبد بسبب ان شهرة الحاج زاير ونجوميته لم تموتا معه ولم تدفنا في قبره !! بل ظل وهو ميت يقود حداثة الشعر الشعبي وموواويل الإغتراب التي راج سوقها بعد النكسات التي منيت بها الحركة الوطنية بعامة والنجف بخاصة ! بل ان طبيعة التراجيديا الحسينية  متوحدة مع ايقاعات الإغتراب وذلك ما سنراه لا حقا ! لله در الحسد بين المبدعين !! قتل المبدعون الصغار موهبة الحاج زاير بمحاصرته وبث روح اليأس في قراراته !! وحين مات لبثت تركته من الشعر المدون والذي ملأ الدفاتر الكبار لبثت في بيته وبمتناول كل يد عابثة !! فالشعر الذي وصلنا من الحاج زاير لا يزيد بأي حال من الأحوال عن عشر  شعره !! فأين بقية شعره !! ؟    كانت تربطه علاقات حميمة بالشاعرين الكبيرين : عبود غفلة ( شاعر التراجيديا الحسينية ) وحسين قسام ( شاعر الكوميديا النجفية )  وقد عاصرت هذين العلمين الكبيرين في نهايات حياة كل منهما !ووجدت مدونات مؤرخة شعبان 1917 تشير الى ان الشعراء الثلاثة اصدقاء يجتمعون عصرا في صحن الروضة الحيدرية ويتطاردون في الشعر او يتناقشون او يرتجلون ويتحلق حولهم حشد من الناس كبير !! كان من سوء حظ الشعر ان يكون عصر الحاج زاير صاخبا مضطربا والناس يعانون حقبة انتقال من عصر السبات الى عصر الصحوة فإذا تبدلت تقاليد الحضارة تبدلت تقاليد الأنتاج والعلاقات بين الناس واهتزت القناعات وبدأ ضجيج الغوغاء ليعلي شأن النقود والإستجابة الحسية للحياة باعتداد ذلك جسرا سهلا للوصول الى شواطيءالثراء المادي والإجتماعي ولأن النجف مجتمع غير زراعي وغير صناعي وصحراوي  فقد برزت فيه سطوة رأس المال المتذبذب والذي يداهن التيارات العشائرية والدينية ويسحق دعاة التنوير دون رأفة !! والحاج زاير من خلال شعره داعية تنوير وناقد سياسي واجتماعي من طراز ممتاز !!

دار الملوك اظلمت عكَب الضوة بسروج

يهناك دمعي يكت إعله الوجن بس روج

والخيل لمن تردَّت واضلعت بسروج

والكدش اصبح لها عزمٍ شديد وباس

والزين دنَّكَـ على جف الزنيم وباس

والشهم لو عاشر الأنذال ما هو باس

من جلَّة الخيل شدو عل جلاب اسروج .

وقد قرأت مرة تفسيرا لهذا الزهيري كتبه واحد من نياقدة ىخر زمان  الذين يهرفون بما لا يعرفون فزعم ان هذا الموال آية كبرى على النزعة الملكية عند الحاج زاير !! وهذا الزعم يجهل طبيعة اللغة الفراتية وطبيعة الحاج زاير !! ولم يكن في زمنه صراع على مستوى الوضوح بين الفكر الجمهوري والفكر الملكي !! وحتى هذه الساعة نحن نقول للمهذب الشريف الذي لا يذل نفسه ويترفع عن الدناءة نقول له ملك ! او امير دون ان يعقد مخيالنا مقارنة موضوعية بين صفات الملك وصفات الرجل البسيط النزيه !! وهنا مرثية للقيم الإجتماعية ! وإدانة للمتغيرات غير الأخلاقية التي تلبست الناس !! فالشرفاء اصبحوا فقراء !! وبيوتهم مطفأة الأنوار كناية عن رحيل زمنهم ولذلك رسم زاير صورة لنفسه وهو يبكي مر البكاء على ضياع القيم وانطفاء المثل النبيلة ثم ولتوكيد الموازنة بين الدار المضاءة قبلا والمطفأة بعدا يصطنع موازنة بين الخيل ( كناية عن الناس الأصلاء الشرفاء ) وبين الكدَّش ( كناية عن السفلة والغوغاء ) !! وقول الحاج زاير ( الزين ) يهتك سرية الصورة فالشريف النزيه اضطر الى ممالأة الوضيع !! الى حد انه قبل يده وهنا لا تشترط الصورة التقبيل الواقعي بل المجازي !! وذلك يذكرنا بقول الشاعر احمد الوائلي عام 1965 في قاعة الشعب ! التي ضمت الى وزارة الدفاع ببغداد  :

ويد تكبَّلُ وهي مما يفتدى       ويدٌ تُقبَّلُ وهي مما يُقْطَع

والكفاءة الحقة مغموتة الصوت فكأن العين لا ترى الخيل الأصيلة فيظن الجاهلون ان الخيول قليلة او هكذا يزرعون في روع الناس لكي تمنح الرتب والمناصب الى السفلة !! الذين كنى عنهم  الحاج زاير بالجلاب (الكلاب )  !! والسروج كناية عن الرتب والمناصب والحظوظ .  !! !!

دواعي الإغتراب وأساليب التعبيرعنه

لا حظنا ان للإغتراب دواعي عديدة بسبب من التململ الحضاري الذي شهد حركته الشاعر والتبدل الخارق الذي لمس الحياة فغير العلاقات والملامح والنوايا ! يقابل ذلك شدة تنبه الشاعر وفرط حساسيته قبالة المتغيرات التي قايضت المعنى بالشكل والمثل بالواقع ! وما ذا يصنع الحاج زاير وهو يشكو طول الطريق وجفاف الريق وغياب الصديق ( المقولة لسيد الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام  ) فارتفع صوت شكاته من الزمان والمكان والناس والنفس تقول تلميذتنا الدكتورة بتول البستاني : ( الشكوى هي التوجع من شيء لا تقدر على احتماله النفس فتنوء به وتتجلى الشكوى من خلال بث ما يعانيه صاحبها الى الآخرين وهي تعكس لنا خوف الشكاء من الإخفاق في تكوين علاقات متوازنة مع الواقع كما انها تكون بسبب وجود الخلل في مجتمع متخلف يقف حائلا بين الوعي وتحقيق الذات ) (16)  نعم كان سلوك غوغاء الناس وقد تنعموا بالجاه فصاروا أباطرة كان سلوك الغوغاء استفزازا متصلا لمشاعر الحاج زاير وايذاءً لحلمه النبيل !فالشاعر حالم مسحور بدنيا نظيفة تزهر بالذكاء والبساطة والطيبة والإيثار !! لكن الواقع فاجع !!

جم دوب أدافع عواذل ياخلكَـ بالهوش

حتى دعوني شبيه السارحه بالهوش

لا جان هذا ابضميري لا ولا بالهوش

من حيث إذاني دعوهن من حجيهم طرش

لا خط لفاني ولا جدمي عليهم طرش

ياحيف نكَضي العمر ما بين وادم طرش

لو تلزم اذنة لزم لو ما يكَف بالهوش !!

انه يتحسر على عمر قضاه بين اناس لهم شكل بني آدم وطباع الحمير !! اي اغتراب ان يتحسس الشاعر ضياع عمره بعد ضياع حلمه !! ويبدو ان جلاء هموم الشاعر أمر عسير المنال في زمن الحمير فتضاءلت عافيته وذبل عوده من كثرة الجلي بسبب كلمات الغوغاء الكلمات المؤذية النابية ! ونأي احبته عنه ووقوف الشرفاء على الحياد حين يخوض الحاج زاير نضاله ضد سفلة الناس !! فضجت صوره الفنية بالكنايات ! فالمنجل مثلا معادل لحول زاير وطوله بعبارة اخرى معادل لقدرات الشاعر !فإذا انكسر المنجل لبث الشاعر دون قدرات وبات عليه احتمال شماتة الأنذال وسخريتهم الموجعة

آنه الذي اليوم عودي من الحجي منجلي

يامالك الروح أبكَه الياوكت منجلي

وما بين الأنذال أصبح ما هو كوتي ايصير

واللي عكَبناه عنه يمتنع ويصير

آنه الذي دوم اسمي بالحصاد ايصير

ومن جور الأيام أصبح منجسر منجلي !!

نعم الشاعر يسمي الأوجاع بأسمائها !! هنا يشكو من جور الأيام بحيث يكون الحاج زاير دون خلق الله طرا منكسر المنجل في زمان الحصاد والجني !! وآه من اهل الزمان !! الحاج زاير يحذر نفسه على سبيل التجريد البلاغي أي ان يخاطب رجلا آخر ويريد نفسه اي المقصود الحاج زاير وليس الشخص الآخر !! انه يحذر الآخر في ذاته محذرا اياه ان لا يأتمن اهل الزمان !! فهم شوائب الرز ( الدنان ) الذي يغش به تجار الرز المشترين !! هم شوائب الرز ولن يكونوا رزا !! لقد احرق الشاعر صورة الناس بنار كذبهم وشعبذتهم بحيث شق مرآهم على زاير !! :

أهل هل وكت بالك تمن بيهم

إدنان وعيب يحصل تمن بيهم

ثلاث من الخصايل تمن بيهم

الجذب والفتن والشوفة الردية

اذن زاير سلك في النص اعلاه دزاين الأبوذية المعتمدة على قافية موحدة اللفظ متعددة المعاني على سبيل الجناس البلاغي ! وسنرى لا حقا في النص الآتي صورة الحبيب متماهية مع صورة العاذل ! بحيث يشق الأمر على العاشق فيمرض ويصيبه النحول ! كأنه نفس بلا جسد ! والمغترب عادة يلوذ بمن يحبهم فإذا كان المحب عذولا فهو بمعنى ثان سبب أدعى للإغتراب !! الدواء داء والحارس قاتل !!

يعاذل نار شوكَي هل تمسني

إهديني الشوف حبي والتمسني

بجه من مد يمينه والتمسني

لكَاني نفس ما مش جسد بيه

نلاحظ شكوى الشاعر من الزمان وأهله ! هو ذا الشاعر يؤنسن الزمان فيمنحه طباع الإنسان ! فالزمان يجعل القزم عملاقا ويجعل الأخير قزما ويهدم قصور الأعزة ويبني بآجرها قصورا للسفلة !!

الزمان وي الجواد بسكَم كَصرن

ويبني بيوت للأنذال كَصرن

الكَصير يطول وال بي طول كَصرن

الصكَر يطلب من البومة هديه !

وفي ساعة نحس يستعرض زاير عذاباته في الحياة فهو الذي لم يذق الراح والراحة ! فإذا نال هذه افتقد تلك !! فيستبد به الجزع الى ابعد مما يكون الحد !! وآية ذلك عتابه المر لله ومكاشفة الله بخوف الحاج زاير الشديد ان يكون السفلة مرفهين يوم القيامة ويلبث المظلوم على ظلمه !! وهو اسلوب في معاتبة السماء غير مألوف في مدينة مقدسة كالنجف تحصي حركات نجوم المجتمع وسكناتهم !!

أنه بدنياي عيبن شفت راحات

أو علي مرت ليالي العسر راحات

أجيبن هاي كَالوا ذيج راحات

أخافن بالقيامة ذيج هيه !!

وتنسيقا مع الجزع وعتمات اليأس وسخرية الآخرين وشماتتهم وهم يرون خيبات زاير المتتالية وشعوره الفاتك بالأغتراب فقد امعن تفنن الخصوم في تنكيد الشاعر وتفنيد احلامه فهم يعتدُّون ذكاءه غباء وكياسته جبنا ومشاكساته للجهل جنونا !! وكان يردد الناس كَالت مجنون !! الناس كَالت مجنون !! قارن :

ما تعلم ابحالي اشلون

شيبت واصفرّ اللون

والناس كَالت مجنون

ابعكَلي اقنعت بس آنه !!

لقد اسس الحاج زاير أفانين عديدة للتعبير عن حالات اغترابه وبعض هذه الأفانين ذات مصطلحات نقدية علمية لم يكن الحاج زاير قد اطلع عليها ولكنه توصل اليها بموهبته الكبيرة وبدربته التي ثقفها من مدينة النجف !! فقد مات الحاج زاير قبل ان تولد يوليانا كرستيفا فكيف له ان يطلع على رأيها في آليات التناص مثلا !! وكيف لزاير ان يلم بفن القناع ولم يكن هذا المصطلح متداولا قبل خمسينات القرن العشرين !! الموهبة تقود الى الفتوحات فمثلا ت. س . اليوت حين كتب الأرض اليباب لم يكن يعرف شيئا عن المعادل الموضوعي

Objective Correlative حتى قرأ ازرا باوند الأرض اليباب واستنبط هذا المصطلح منها !! واشرنا في بحثنا عن حسين قسام انه لم يكن قد قرأ البيان السوريالي لأندريه بريتون ولكن موهبة القسام جعلته في زعمنا سورياليا كبيرا ! قارن :

التناص عند الحاج زاير

 والحاج زاير مثقف بينا جل الشعراء الشعبيين في زمانه اميون كتابة وثقافة !! وكان يطيب له احيانا ان يتسكع في كتب الشعر القديم وكتب التراث الأدبي وفي كتب الأمثال وقد يقتبس من القرآن !! ثمة افانين كثيرة للتناص !! ثم ينتقي منها ما يناسب جحيمه الإغترابي ويصوغ الفصيح بطريقته الشعبية المحببة !! وهذا الضرب من السلوك اسمته يوليانا كرستيفا سنة 1962 التناص !! Enter Text والتناص باختصار يستوجب نصا قديما غائبا ونصا حديثا ماثلا بصياغات اسماها ابن رشيق القيرواني ت 456 هـ في العمدة السرقة الشعرية واجاز حلات منها وهو ما فعلته كرستيفا دون ان تشير الى ابن رشيق  القيرواني ت 456 هـ !!  وكان ابو نواس معروفا بتمثل المعنى الذي يعجب في شعر غيره !! فحين قال الأعشى الكبير ميمون بن قيس البكرى وهو جاهلي :

وكأسٍ شربتُ على لذَّةٍ     وأخرى تداويت منها بها

قال بعده ابو نواس بقرون :

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء     وداوني بالتي كانت هي الداء

وهو من التناصات المبكرة وابو نواس لا يعرف يقينا شيئا عن التناص ولكأنه دأب الشعراء في كل عصر ومصر !! وحين ضويق المتنبي العظيم لأنه يضع المعاني التي سبق اليها في شعره قال ( الشعر جادة وقد يقع الحافر على الحافر ) !! والتناص مع المثل الشعري يسمى في علم البلاغة  استعارة ثمثيلية ومع القرآن الكريم يسمى الإقتباس !! ولكل حالة مصطلحها !! قارن التناصات الإغترابية التالية :

ابو فراس الحمداني :

أيا جارتا ما انصف الدهر بيننا      تعالي اقاسمك الهموم تعالي

الحاج زاير :

نحل جسمي وتظل روحي تعالي

هبطنه والنذل بينه تعالي

يجارة الدهر ما انصف تعالي

نخلط همومنا ونجسم سوية

عروة بن حزام :

هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى     وإني وإياها لمختلفان

الحاج زاير :

وحكَـ المرتضى إيمامك وإما ماي

عبيط الدمع لفراكَك وما ماي

هوه الناكَه لفة خلفي وما ماي

الهوة مدري لوين ايريد بيه

شاعر قديم :

أحباي لو غير الحمام أصابكم      عتبت ولكن ما على الموت معتب

زاير :

آنه انشر للهوه وما طلع حباي

ومن ضعفي غديت انحيل حباي

لون غير الحمام ايصيب حباي

عتبت ولا عتاب اعله المنيه

شاعر قديم :

الخيل عندك ملتها مرابطها    والبيض منها عرا أغمادَها السأمُ

زاير :

إجبود ابجمر من الوكت ملت

وكَلوب الناس من الهجر ملت

مرابط خيلك من الخيل ملت

وبيض اسيوفكم امست صديه

شاعر قديم :

لا يعرف الشوق الا من يكابده     ولا الصبابة الا من يعانيها

زاير :

من هل بله جاني المرض

ويطول حجيك ويعرض

لا تنشد الخالي الغرض

انشد ال بالشوكَـ ابتله

الشاعر القديم :

وكم علمته نظم القوافي      فلما قال قافية هجاني

زاير :

ما حلب وياي صافي

وعكَبه جفني موش غافي

آنه علمته القوافي

ومن تعلمها هجاني

الشاعر القديم :

لو بات من اهواه وسط حشاشتي   قلت ادن مني ايها المتباعد

زاير :

نحل جسمي وزاد اليوم مرضاي

على اللي  ما شفت له شخص مرضاي

لو بات الترف بحشاي مرضاي

اكَله اكَرب يهل مبعد عليه

وقد ينهل الحاج زاير من المثل السائر المتداول  في عصره او من بطون الكتب !! من نحو : تسمع بالمعيدي خير لك من ان تراه ! والمعيدي في مجمع الأمثال للميداني هو نعت اطلقه النعمان بن المنذر بن ماء السماء اللخمي اليمني أمير  مشيخة المناذرة في الحيرة على خصمه اللدود ضمرة بن ابي ضمرة ! وكان ضمرة قصير القامة نحيل البنية ضئيل الوجه لكن اسمه كان كافيا لبث الرعب والهلع في نفوس جيش النعمان المكرس اصلا للدفاع عن بلاد فارس ويتسلم الأمير وجنده الرواتب من كسرى !! وضمرة اتعب النعمان وكسر هيبته لأنه اتعب كسرى وبعد ان عجز النعمان عن ان يقبض عليه اعطاه الأمان فقدم ضمرة على حصانه وكأن جسمه من الضآلة جسم صبي نحيل !! فضحك النعمان من المفاجأة وقال : تسمع بالمعيدي .... فغضب ضمرة وصرخ بوجه النعمان ابيت اللعن ( ايها الملك الذي يأبى الزمان لعنه ) اعطيتني الأمان على ان لا أهان ! والرجال لا تكال بالقفزان ولا توزن بالميزان وإنما المرأ بأضغريه فإن قال فبلسان ! وإن صال فبجنان ! فانظر ايها الملك فيمن رايت !! فاعتذر النعمان وكان معروفا بالحمق !!

زاير :

المسامي يصير ادغارهم من تره

ما يصح كفاف مكنهم للدمع من تره

تجاه المعادن تره من تنشذب من تره

مانيش مليوم بس اتبع وراهم وصف

تعبان ظليت بيهم بس اجتف وصف

ذجر المعيدي يفيدك من تتبعه وصف

بيه اكتفي من تسمعه خير الك من تره

وفي الأمثال : ذهب بالعنب والسلة أو خذ العنب  واعطني السلة  :

زاير :

من عكَب زين المحاجي عاد سلتنه

صرنه خلف ماتفيد السيف سلتنه

من فوكَـ هذا الضعف دنياك سلتنه

يهل الهوه ممتحن كَلبي خذوني لكم

لو تنستر دمعتي بيدي ابجفاكم لكم

عفنه العنب ما نريده يارفاكَه لكم

لاجن نباري بعد وانريد سلتنه

إنت هم ؟! معناها:  أنت ايضا ؟! حتى انت ؟!  وهي تشبه صرخة يوليوس قيصر حين طعنه بروتس متضامنا مع من تآمر على قتله : حتى انت يابروتس ! ونشك ان يكون زاير قد اطلع على هذه الحكاية لكن مشاعر البشر تتراسل وتتخاطر !!

زاير :

ياكَلب لا تنهضم او تكَضي العمر وانتهم

بهواك اون بونين السمع وانتهم

من دون اهل الهوه آنه ابتلي وانتهم

مالي صديجن تألملي ولا لي صاح

جاني ايتغطرف كَلت سكران لا لا صاح

هميت امد ايدي اعله خده صاح

وانزعج واغتاض مني وكَال الي وانت هم

وقد حدث ان اعترض عليَّ باحث جليل وقال لي وانا احاضر في مركز التراث بالمغرب وقال ان الحاج زاير كان يجهل القراءة والكتابة !! فكيف تأتى له التسكع في اروقة التراث كما زعمت ؟  فاجبته ان التسليم بأمية الشاعر الكتابية وهي فرضية جدلية ليس إلا لا يلزمني بالتسليم بالأمية المعرفية !! فالنجف في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الميلاديين كانت عاصمة العراق الثقافية بجدارة فمجالسها مدارس ! واعلامها منائر اشعاع ! وقد شهدت النجف الطباعة مع بغداد يوما بيوم ! كان الأب انستاس ماري الكرملي يزورها فيجد في استقباله جمهورا عريضا ممن يقرأ له ويتابع صحيفته الرائدة ! وقد نبغ تلك الأيام اعلام من آل  الحبوبي و الجواهري و بحر العلوم و البلاغي والخاقاني و الحلي و الشبيبي و الشرقي و القاموسي والبحراني والمظفر وكاشف الغطاء والموسوي والحسيني وجريو  والطفيلي والشريفي والقابجي والوائلي وزوين والفرطوسي  وشيرعلي !! بعض العوائل انجبت اكثر من علم بين شاعر او مجتهد او خطيب او رادود او صحفي او مصلح اجتماعي او سياسي او مجاهد !! كل مناسبة مفرحة او محزنة فيها شعر وما يشبه الغناء ! كل مناسبة دينية او اجتماعية او وطنية فلابد من الشعر والنثر الفني وقراءة القرآن !! كيف لشاعر مثل الحاج زاير درس في مدرسة القوام ومدارس اخرى ليكون رجل دين او خطيبا ان لا يتفقه من فيض النجف !! العجائز كن مستودعات للشعر والف ليلة وليلة وحكايات عاد وثمود وعوج بن عنق !! كيف لزاير ان لا يتسكع في التراث وان لا يستنشق عبير التاريخ وفي زيارة الإمام على توكيد على ان سيدنا آدم وسيدنا نوح وسيدنا هود وسيدنا صالح عليهم السلام مدفونون في النجف وأي نجفي لا يخامره شك في ذلك لعدم وجود وثيقة تدحض ذلك ونحاول على عجل إيراد شواهد على دراية الحاج زاير الواسعة بالتراث ! وهو يقتبس ما يوائم شعوره المدمر بالإغتراب ! ولن تجد نصا فرحا في المتبقي من شعر الحاج زاير فهو رفيق قديم للحزن والخيبة ونحن ننتقي له نماذج من تناصاته او مقبوساته ونرى ان زاير بتوكيده على المعرفة في شعره ينفي من خلال اللاوعي عنه تهمة القروي الساذج غير المتعلم وهي صبغة كان النجفيون يسبغونها على القرويين الطيبين !! نعم ربما حاول الحاج زاير ان يري الآخرين باعه الطويل في المعرفة !!

الإقتباس من القرآن الكريم

1/ ( فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى – القيامة 31 ) :

زاير

َوكَـ الله أكل بعجيله

مثل التصدكَـ حيله

لا صدكَـ ولا صلّه .

2/ قصص يوسف وأيوب وموسى عليهم السلام :

زاير :

ثوب العليه ركد وأمسه بوجدك وصل

والهم لملم جموعه وجر عليه وصل

جانون هجرك دوه البين الجوانح وصل

اشجيلك الحال حال ايوب حالي وارد

لاجن يهون عليه يوم خطك ورد

وآني أشبهك لموسى العاد لمن ورد

لو ثوب يوسف لعد يعكَوب لمن وصل .

3/  ) وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى ولكن كانوا انفسهم . – الأعراف 160 وانظر طه 80 ) ... والتين والزيتون وطور سنين - الزيتون  1-4 )

زاير :

وحك التين والزيتون والمن

اجروحي الطابن امن اسنين ولمن

السدر والجفن والكافور والمن

كَبل طرت الفجر يسرون بيه

 

هكذا اذن قالت الغوغاء في ابي تمام والمتنبي ودعبل الخزاعي والسيد الحميري  وبشار بن برد او  في العصر الحديث :الحبوبي والخليلي والشرقي والشبيبي والنجفي والجواهري والسياب والبياتي والنواب  !! هذه هدية المجتمع العربي لكل مبدع يرتكب إثم الخروج على تفاهات الناس وبخاصة تفاهات اولي أمر الغوغاء وإذا كان قد ابدع الحاج زاير في فن التناص وهو لا يعلم عنه شيئا !! فها هو الحاج زاير يخوض مخاضة القناع Mask (17) الذي يظهر اسما معروفا في مرجعيات المتلقي ويبطن اسم الشاعر !! يظهر هموم بطل تراجيدي مثلا تتعاطف العامة معه ومن خلال هذا البطل يتماهى الوجعان وجع البطل الذي استعار زاير قناعه ووجع زاير الذي يراه الآخرون أقل أهمية بالنسبة لهم !! وهي لعبة حذقها اليونان قبل ميلاد سيدنا المسيح عليه السلام وتخصص بها المسرحيون !! انظر اي قناع اختار الحاج زاير لكي يجد نفسه فيه ؟ لقد اختار زاير قناع العلوية الشهيدة حميدة ابنة الشهيد مسلم بن عقيل بن ابي طالب رضوان الله عليهم !! انها تتحدث عن غدر الناس بأبيها ذلك الغدر الذي ارغمها على اليتم في وقت مبكر !! هي تتحدث عن الناس الذين راسلوا الحسين وتخلوا عن سفيره مسلم بل وحاصروا مسلما وقطعوا راسه ثم شدوا الحبال برجليه الشريفتين وسحلوه في ازقة الكوفة !!

ودروبهم كلها خطيره

وشافوا فلا واحد يديره

بالغدر حفروله حفيره

بس ما وكَع فاخت الديره

يبويه مسلم والله حيره

يتيمة صرت وآني زغيره

وهاهي صورة فنية يتقاسمها ميكانزما القناع لبطل خفي تارة والمنولوج الداخلي تارة اخرى  !! قارن :

من مثلي بالناس توحش روضتي وحدي

وبزموم الهموم بيهن طوحت وحدي

أومي لهم كل مسا لابد كَعود او جزر

والزمن كلّه انفنه ما بين مد وجزر

دمعي الخلكَـ شبهت لو سال مد وجزر

عكَب السراجين بالظلمة صرت وحدي !!

وقد يوهمه حزن الإغتراب ان الخلاص كامن في لقاء الحبيب ! وصال الحبيب ينسي الأحزان فتكون الغربة ألفة والوحشة أنساً ! وتشاء صروف الشاعر ان يكون حبيبه المفرط في الجمال مفرطا في الملالة !! اطاع الشاعر قلبه طمعا في سراب ويقسم زاير ( لولا ... لولا ) فكأنه حذف شيئا لولاه لهدّم الدنيا وتهدم معها !!

حبل الهوه اوياك انكَطع

مليت والشامت سمع

غرك من الودك طمع

وياك صارت سوله

هل سوله لما تندفن

ملال بالوادم تظن

تعمد على هدوم الحزن

واتفارج الهلهوله

كَالولي ليش اتولعت

ياصاحبي الحبك طعت

والله لوله او لوله !!

والشاعر الذي يطيع ويهدد لن يقوى على صرم الوصل بينه وبين الحبيب !! لأن عشا للحبيب بناه لطير الحبيب !! فكيف ينشُّه؟؟

لطيور حبك ما أنش

لو رادت ابكَلبي تخش

من حيث مبني ابكَلبي عش

لو بيَّضت بي فرَّخ !!

وربتما انتبه زاير الى الزمن فوجده زمنا نسبيا او كما يسميه وولتر ستتس زمنا نفسيا ( الزمن والأزل ) فهو يطول ساعات الشقاء ويقصر ساعات الهناء !!

وخمار شوكَك عليّْ سيف المودة شهر

لمن شهرني بحالات التجافي شهر

انت عليك السنة تمضي بحسبة شهر

وآنه عليَّ الشهر كل يوم منه ابسنه

وسيظل الحاج زاير باكيا عقوق الحبيب وانشغاله عنه بل وسخريته منه في مقام العذال ! ولولا كبرياء الشاعر فيه والقيم النبيلة التي استقاها مع حليب الرضاعة لكان واجه الحبيب بالوقائع وكشف الحجب !! ولكن ...

ياصاح بيضة ودادك ما وراها صفر

شنهو البذانك عليَّ من العواذل صفر

معتدل لونك ولوني من التجافي صفر

ينبيك حالي وصل للموت واشرافه

إي والسما والعرش والبيت واشرافه

عندي من اشوفك هلال العيد واشرافه

هاي المروة من اجيك اتكَول هلهل صفر

وكما ارسل ( هلهل صفر ) مثلا تناقله النجفيون والمعجبون بشعر زاير !! فإن للحاج زاير عذابات كثيرة سرت مسرى المثل !! وقد كتب زاير موالا في الشكوى من الحبيب !! الحبيب الذي رمزه في صورة  ( صاحب ) منكَّرة منونة ( صاحبن ) هذا الموال يكرس شعور زاير بكآبة لن تنجلي الا بوصل الصاحب !! فلا الضرب على اوتار العود يطربه ولا النديم والخمرة ينفعان معه !! وزاير يتمنى ان يصارح صاحبه ولكن كنى عن المحظور ( لاجن بالزبيبة عود ) وهو يذكرنا بقطرة الدم في الحليب والسم في العسل !!

من يوم فركَاك جسمي من صدودك عود

هيهات عكَبك يسليني نديم وعود

كلما اعذل النفس روحي تكَلي عود

لي صاحبن كَط محد كَال إله لوله

وحياة من بالمهد جبريل اله لوله

لوما يكَولون واعرف بالحجي لوله

جنت احجي وياك لاجن بالزبيبة عود

وها نحن نقدم بين يدي هذا المبحث نصوصا قليلة للتعزيز والتعضيد :

1/ إعليه الروي ولا طفته

نص ثلاثة وثلاثون :وياك تمت جمرتهن