مركز دراسات المجتمع العراقي

  IRAQI SOCIETY STUDIES CENTER

   ISSC



 

                       



 

الصفحة الشخصية للاستاذ الدكتور قاسم حسين صالح وأهم ما كتبه في موقع النخلة والجيران

نحو بناء نظرية في الابداع وتذوق الجمال في العالم العربي ج/1


أ.د.قاسم حسين صالح

                                                                                                                         رئيس الجمعية النفسية العراقية

استهلال في حكاية

 كان الملك الإغريقي يشك فيما اذا كان تاجه مصنوعا من الذهب الخالص أو مطليا بالذهب وتحته مادة أخرى كأن تكون الخشب مثلا . وللتحقق من ذلك استدعى العالم  أرخميدس  وطلب منه ، وفي طلبه صيغة تحدّ ، أن يخبره بحقيقة تاجه شرط أن لا يحدث  أي ضرر فيه ، وتلك هي المشكلة التي تحتاج الى حلّ فريد من نوعه . فكيف له أن يعرف أن التاج مصنوع من الذهب الخالص أم لا من غير أن يحدث فيه خدشا بسيطا أو يفتح فيه ثقبا دقيقا ولو بإبرة !. 

 أخذ أرخميدس يفكر بالحلّ ..ثم نحّى الموضوع جانبا . وذات يوم دخل الحمّام ليستحم . وعندما وجد جسمه يطفو في حوض الحمّام ، قدحت في رأسه فكرة لحلّ المشكلة . ..بأن يضع التاج في الماء ويقيس كمية الماء المرتفع في الحاوية التي يوضع فيها . فقد كان يعرف كمية الماء التي يزيحها الذهب وتلك التي تزيحها المواد الأخرى الأقل كثافة كالخشب مثلا . وبهذه الطريقة سيعرف ما إذا كان التاج مصنوعا من الذهب الخالص أم لا ، من دون أن يحدث أي ضرر في التاج الذي يحبه الملك كثيرا . وفي ومضة اللحظة هذه خرج أرخميدس الى الشارع وهو يصيح فرحا ( Eureka  ) ، أي ( وجدتها !). وهذا هو الإبداع ..أن يأتي الإنسان بحلّ فريد من نوعه لمشكلة معينة .

الإبداع .. إشكالية تعريف

يرى  الباحثون  في مجال الإبداع  أن الإبداع يعني : القدرة على جعل النتاجات البشرية ، مثل السمفونيات أو حلول المشكلات الاجتماعية ، تتسم بالجدّة وذات قيمة للآخرين ( Lahy , 2001 P. 284). أو هو القدرة على التفكير بخصوص شيء ما بطريقة جديدة وغير مألوفة ، ينجم عنها حلول فريدة للمشكلات (Sentrock, 2000, P.310). أو هو تلك العملية المعرفية التي تؤدي الى نتاج شيء ما يتسم بالأصالة واستحقاق الأهمية (Sternberg ,2004 ,P. 528). ويعرّفه تورنس بأنه عملية تحسس للمشكلات ، والوعي بمواطن الضعف والثغرات وعدم الانسجام والنقص في المعلومات ، والبحث عن حلول والتنبؤ ، وصياغة فرضيات جديدة ، واعادة صياغتها أو تعديلها من أجل التوصل الى حلول أو ارتباطات جديدة باستخدام المعطيات المتوافرة ، ونقل أو توصيل النتائج للآخرين (Torrance, 1993). فيما يعرّفه جيلفورد بأنه سمات استعدادية تضم الطلاقة في التفكير والمرونة والأصالة والحساسية للمشكلات واعادة تعريف المشكلة وإيضاحها بالتفصيلات أو الإسهاب (Guilford,1986 ).

 وتعّرف الموسوعة الفلسفية العربية الإبداع بأنه إنتاج شيء جديد أو صياغة عناصر موجودة بصورة جديدة في أحد المجالات كالعلوم والآداب والفنون . و تعرّفه الموسوعة البريطانية الجديدة بأنه القدرة على إيجاد شيء جديد كحل لمشكلة ما أو أداة جديدة أو أثر فني أو أسلوب جديد (The New Encyclopedia Britannica ,1992). فيما يعرّفه قاموس علم النفس بأنه تعبير يستخدمه المختصون وغيرهم للإشارة الى العمليات العقلية التي تؤدي الى حلول أو أفكار أو أشكال فنية أو نظريات أو نتاجات فريدة أو جديدة ( في : جروان ،2002 ، ص:20 ).

  وهنالك من يرى أن الإبداع هو تعبير جمالي أو ذاتي للفرد ، ومن  أمثلتها    تعريف   جزلين ( Ghislen ,1955 ) الذي يرى أن الإبداع عملية تغيير وتحوّل في تنظيم الحياة الشخصية للفرد . فيما يرى راندRand  أن الإبداع ما هو إلا إضافة جديدة للمعرفة المتراكمة عبر تاريخ البشرية . ويرى لوينلفد Lowenfeld أن الإبداع هو محصلة العلاقة الشخصية للفرد مع غيره ومع محيطه .

 وفي كتابه (الإبداع - Creativity ) الصادر عام 1996 الذي تضمن نتائج دراسات شملت أكثر من تسعين مبدعا ، توصل Csikszentmihalyi الى أن الإبداع عملية تؤدي الى إحداث تغيير في المجال الرمزي لحضارة ما ، وذلك من خلال التفاعل النشط في إطار منظومة من العناصر تضم الفرد ومجاله المعرفي وأهل الخبرة في حقل الاختصاص . فيما يعرّفه جروان بأنه (الإبداع ) مزيج من القدرات والاستعدادات والخصائص الشخصية التي اذا ما وجدت بيئة مناسبة يمكن أن ترقى بالعمليات العقلية لتؤدي الى نتاجات أصيلة ومفيدة سواء بالنسبة لخبرات الفرد السابقة أو خبرات المؤسسة أو المجتمع أو العالم ، اذا كانت النتاجات من مستوى الاختراقات الابداعية في أحد ميادين الحياة الإنسانية (  جروان ، 2002 ، ص : 22 ).

إن تعدد التعاريف وتنوعها ، يعزى الى أنه لا توجد نظرية واحدة في تفسير الإبداع . وستظل الإشكالية قائمة الى أن يصار الى تحديد مفهوم الإبداع بدقة ووضوح .  ومن جانبنا فأننا نقترح التعريف الآتي :

الإبداع عملية عقلية معرفية تمتاز بنوع من التفكير الراقي ، يفضي الى إنتاج منجز يحظى بالقيمة والأهمية،ويضيف الى المعرفة شيئا جديدا في ميدان تخصصه يثير المتعة والدهشة .

وثمة اشارة هي أن بعض الباحثين يفضل تداول مفردة (  ابتكار ) ، وهو الشائع في دراسات كليات التربية ، فيما يفضل آخرون مفردة ( إبداع ) ، وهو الشائع في دراسات أقسام علم النفس وكليات الفنون الجميلة .  ونرى أن مفردة ( الإبداع ) أنسب في مجالات العلوم الإنسانية ، لاسيما الفنون والآداب . ومفردة ( الابتكار ) أنسب في مجالات العلوم التطبيقية لاسيما الهندسة والطب . هذا وترد ( أبدع ) في مختار الصحاح بمعنى اخترع الشيء لا على مثال ، فيما تعني ( ابتكر ) أدرك الشيء من أوله ، و(باكورة ) الشيء هي أوله .

تصور مقترح للابداع

  إن الإبداع نشاط إنساني محكوم بالعمليات العقلية المنجزة من قبل الدماغ . ونرى انه يحدث بتوافر ثلاثة شروط أساسية :

الأول   : الإنسان من حيث تكوينه الحياتي ( البايولوجي ).

الثاني   : نوع وكم التنبيهات التي يتعرض لها الإنسان .

والثالث : الحضارة والتغير الاجتماعي .

أولا": التكوين الحياتي للفرد.

الجهاز العصبي للأنسان هو اعقد جهاز وأرقى مستوى يبلغه تطور المادة العضوية عبر ملايين السنين في هذا الكون ،  وما يزال فهم جميع وظائفه أمرا" يحوطه الغموض . والنفس البشرية ـ من جهة أخرى ـ ما يزال فهمها أمرا" بعيدا" عن الكمال ، بالرغم من الجهود المتواصلة والمضنية التي بذلها ويبذلها علماء النفس بشكل خاص . وعندما تصبح القضية متعلقة بفهم وظائف أعقد جهاز في علاقته بأعقد تكوين .. أي عندما نصبح بصدد محاولة فهم العلاقة بين الأحداث الجسمية والكيميائية وبين الأحداث النفسية مثل الإدراك الحسي والدافعية والتعلم والإبداع ، فأننا نكون بلا شك أمام مهمة عسيرة وشاقه .

وتطرح في هذا المجال أربع وجهات نظر تفسر السلوك بأربعة أنواع من الحتميات هي : الحتمية النفسية ، والحتمية البيئية ، والحتمية البايلوجية ، والحتمية الاجتماعية - الحضارية . وابرز من يمثل الحتمية الأولى ( النفسية ) هو فرويد ، عندما طرح فرضية التركيبية البنائية بخصوص العقل Structural hypothesis وقال بأنه تتكون من ثلاث قوى نفسية : ألهو id  ، الأنا ego ، والانا الأعلى super ego . وأن هذه القوى الثلاث تتفاعل باستمرار ، وأنها في حالة صراع لتباين أهدافها ودوافعها ، وأن السلوك محتم بسيادة إحدى هذه القوى وطريقة تعاملها مع الدوافع المكبوتة.

ويمثل الحتمية البيئية واطسن والسلوكيون عموما"، الذين يرون بأن السلوك محتم بالتنبيهات التي يتسلمها الفرد من بيئته الطبيعية والاجتماعية عبر أجهزته الحسية . ويعدّ التعلم في ضوء مبادئ الاشراط بنوعيه ( الكلاسيكي –بافلوف ، والإجرائي – سكنر ) المبدأ الرئيس في فهم السلوك بوصفه نتاج حتمي لخبرات حسية تتبعها استجابات وثواب عقاب.

أما الحتمية البايلوجية فيمثلها كثيرون ( انظر ستيفن روز واخرين 1984 ) يعزون السلوك الى خصائص جسدية فطرية ، واختلافاته تعود الى اختلافات في التركيبة البايلوجية للأفراد . ولقد استطاع علم الوراثة أن يحرز تقدما" هائلا" في العقود الأخيرة وخصوصا" دراسة الصفات الوراثية عبر الأجيال عن طريق الأحماض النووية ، وظهور نظريات علمية جديدة تزيد من إبراز دور الوراثة في السلوك . بل أن بعض هذه النظريات فسّر السلوك كله بالوراثة ، وكأنها العامل الوحيد أو أهم عامل يوجّه الحياة . وتعزز هذا التوجه الخارطة البايلوجية ( الجينوم البشري ) التي تعد أهم اكتشاف علمي يستقبله القرن الواحد والعشرون.

 والحتمية الرابعة يمثلها منظور أو توجّه ظهر حديثا هو المنظور الاجتماعي الثقافي Socialcultural Perspective  ، يقوم على افتراض :أن شخصياتنا ، ومعتقداتنا ، واتجاهاتنا ، ومهاراتنا ،هي متعلمة من الآخرين . وأن من المستحيل فهم الشخص بشكل كامل من دون فهم ثقافته أو حضارته Culture  ، وهويته العرقية Ethnic Identity ، وهوية نوعه Gender Identity . أي أنه ينظر الى هذه لعوامل على أنها أساسية من أجل فهم السلوك ، والتفكير،والانفعال،والمعتقدات ..والمنجزات.( صالح، 2005) .

  إننا لسنا مع أية حتمية تقدم تفسيرا" أحاديا" للسلوك ، الذي نعدّه حصيلة تفاعل تكوينات وعوامل وراثية وعقلية ونفسية وثقافية وبيئية... على جانب كبير من التعقيد ، بل ومذهل .

  على أننا نعدّ الجهاز العصبي للأنسان هو المسؤول المادي عن عملية الإبداع ، وأن عملية الإبداع هي من وظائف الجهاز العصبي ، وان الناس ـ  بشكل عام ـ يولدون وهم مزودون بأجهزة عصبية متماثلة من حيث طبيعتها التكوينية . وهذا يعني أن أي طفل سوّي التكوين يحمل الأساس المادي لأن يكون مبدعا" .

والسؤال هنا : هل هذا يعني أن أي طفل يولد سليم التكوين مهيأ لأن يكون مبدعا" ؟ . الإجابة بنظرنا : ( نعم في الأغلب ) من حيث توافر الشرط المادي للإبداع . أما لماذا يكون بعض الأفراد مبدعين وغيرهم غير مبدعين ، فأن الأمر يتعلق بشروط أخرى غير هذا الشرط .

  غير أن السؤال الأكثر إثارة للجدل هو : لماذا يبدع بعض الأفراد في نشاط محدد ( الرسم ، الموسيقى ، الشعر ، الطب ، الهندسة ، الرياضيات ، ....... ) ولا يبدعون في غيره ؟ .

   لقد استعرضنا عددا" من النظريات والتفسيرات في هذا المجال ، من هلمهولتز ولودفيج ودببوا ريمون وبركه في القرن التاسع عشر ، الذين فسروا كل العمليات الجسدية بلغة فيزيوكيميائية ، ثم الماديين الميكانيكيين ( موليشوت تحديدا" ) الذين فسروا المخ بأنه يفرز الفكر كما تفرز الكلية البول . ثم أولئك الذين ادّعوا أن الملكات البشرية يمكن تجزئتها الى وحدات متفردة : قدرات مثل الرياضيات ، أو ميول حب الموسيقى أو حب إنتاج الأطفال ( جول وشوبور مسنهايم تحديدا" ) ، ثم أولئك الذين درسوا أمخاخ العباقرة بعد موتهم ( ومنهم لينين وانشتاين ) . وانتهاء" بتفسير الشفرة الوراثية في القرن العشرين ، وكتابات ولسن ( البيولوجيا الاجتماعية : التركيب الجديد ) وريتشارد دوكنز ( الجين الأناني ) ودراسات أيزنك وكاتل .... ودراسات أخرى ، فوجدنا نظرية بافلوف ووجهة نظر نوري جعفر ( التوليفية ) تصلحان لأن تشكلان  أساسا" مقبولا" للتفسير المادي المخي لعملية الإبداع . وسواء كان عدد أنماط الجهاز العصبي المركزي للأنسان ثلاثة ـ كما يرى بافلوف ـ أو أكثر ، وان هناك ست مناطق حسية وجبهية في المخ ـ كما يرى نوري جعفر ـ أو أكثر،  فأننا نتفق معهما بأن المحصلة النهائية هي أن الأجهزة العصبية لدى البشر تتباين في استجاباتها للتنبيهات . وأن هذا التباين اذا لم يكن راجعا" الى تكوين فسلجي فأنه يعود الى أن الجهاز العصبي المركزي للأنسان يتطور وظيفيا" عندما يتعرض  الى تنبيهات معينة دون أخرى . وعليه فأننا نفترض وجود اختلافات وظيفية في الأجهزة العصبية للأفراد ناتجة عن انشغال هذه الأجهزة بتطوير استجابات معينة . وان أمخاخ المبدعين تكون قد تطورت وظيفيا" في المجالات التي ركزوا انتباههم على تنبيهاتها ، فتطورت لديهم بالخبرة والمران ، طرائق في إدراكهم للتنبيهات وتحليلهم لمعلوماتها ، تقود الى تقديم استجابات ( أو نتاجات ) غير تقليدية . وان هذا الافتراض النظري يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار أن المخ البشري يتكون من حوالي مائة ألف مليون من الخلايا العصبية تتصل فيما بينها برقم فلكي من المسارات  ( 10أس 14 ) أي مائة مليون مليون .

نخلص من ذلك الى أن الجهاز العصبي والتطور الوظيفي لخلايا المخ في نشاط معين ، يطور بالتبعية استعدادا" فسلجيا" للإبداع في ذلك النشاط الذي ينشغل به الفرد.

                             (  الشرط الثاني ..في الحلقة القادمة )

 

 مشاركاته في مركز دراسات المجتمع العراقي

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة دراسات

  IRAQI SOCIETY STUDIES CENTER