أ.د.قاسم حسين صالح

حوار مع فرويد

توطئة 

 لو اجرينا مسحا" لأهم ماكتب عن " فرويد " لوجدنا وجهات نظر تثير حدة التباين فيها دهشة الكثيرين منا . فبعض وجهات النظر اعتبرت " فرويد " ثوريا" قدم للقرن العشرين خدمات لا تقارن الا بما قدّمه " ماركس " للقرن التاسع عشر ، وانه ــ فرويد ــ لا يقل خطورة عن " ماركس " نفسه . فيما ترى وجهة نظر أخرى في " فرويد " بأنه هو الشخص الذي وجّه الضربة " القاضية! " للماركسية . وتقيّم فلسفة فرويد ـ من احدى وجهات النظر ـ بكونها تشاؤمية في حين يرى آخرون في فرويد مبشّرا من نمط كارل ماركس .

 ويتحمس بعضهم لفرويد لكونه ناقدا جريئا" " للأخلاق البرجوازية " وداعيا" من اجل قيم اخلاقية جديدة ، فيما يصفه آخرون بأنه خير معبّر عن برجوازية فيينا في القرن العشرين ، وعدّه آخرون زنديقا" هدف الى تهديم الأخلاق والدين .

      ويرى آخرون بأن احدا من المفكرين منذ عهد " ارسطو " لم يوفق الى فهم الطبيعة الانسانية مثلما وفق فرويد . وأنه الباحث الذي كشف عن رحاب وانفاق مجهولة للروح البشرية ، وأنه أحد أعظم المعاديين لليوثوبيا في اوائل القرن العشرين ، وأنه لا يوجد في العصر الحديث شخص عظيم له عقل ومزاج متطوران كما هو الحال عند فرويد. بينما يرى اتجاه مضاد بأن كل ما جاء به فرويد هو شكل من اشكال التعبير عن اللاعقلانية ، وان الفرويدية معادية للتقدم الانساني لكونها ترى ان الشر الاجتماعي لا بد منه ، ولأنها تعطي دورا" مطلقا" للدافع النفسي في سلوك الفرد.

     واذا كانت مثل هذه المواقف تأتي من خارج الحركة الفرويدية فان في داخل هذه الحركة تيارات تطلق على نفسها تسميات اليسار واليمين والمحافظة ، تتبادل التهم فيما بينها لدرجة ان اليمين منها يعدّ يسار الفرويدية الوجه السيكولوجي للماركسية ، في الوقت الذي ترفض فيه الماركسية كل هذه الاتجاهات بوصفها مثالية .

 لقد مات فرويد في (23 ايلول 1939) فهل ماتت أفكاره ؟ وهل مات التحليل النفسي بعد أكثر من سبعين سنة على تأسيسه؟.

 هنالك من يقول نعم ويرى أن نظريات فرويد ماتت لأنها غير علمية ، بل يذهب خطوة أبعد بأن ينصح قراءة فرويد بوصفه كاتبا writer  أكثر منه عالما  scientist. فيما يرى آخرون أن الأمر لو كان كذلك لما لجأ كتّاب الدراما وكبار المخرجين السينمائيين الى فرويد في ّ صياغة " شخصيات أبطال أفلامهم ، وكذا يفعل الأطباء النفسانيون وجمعيات التحليل النفسي المنتشرة في عدد من دول العالم والمؤرخون والروائيون وعلماء النفس والاجتماع والتشكيليون ...وأن فرويد اذا كان قد مات فأن نظرياته وأفكاره ما تزال تتنفس في حياتنا اليومية .

 قليلون عبر التاريخ الذين احدثوا تغييرا جوهريا في منظور الانسان للكون والطبيعة البشرية. غاليلو مثلا الذي صدم الكنيسة والناس بقوله ان الارض تتحرك وتدور وليست ثابتة  .وكوبنيكوس الذي أحدث تغييرا هائلا في منظورنا للكون بنظريته الانقلابية بأن الأرض ليست هي مركز الكون . ودارون في نظريته بأن الانسان هو نتاج عملية تطور الحيوانات الدنيا . وكذا فعل فرويد بأن غيّر الصورة التي نحملها بخصوص أنفسنا بقوله ، ان خبرة الانسان وأفكاره وشعوره وأفعاله ناجمة ليس فقط عن الشعور العقلاني انما عن قوى غير عقلانية خارج درايتنا وسيطرتنا.

     ان الفكر العربي لم يحسم الموقف بعد من الفرويدية كما جرى في بعض الجامعات الاوربية التي ادخلت مادة التحليل النفسي دراسة وتطبيقا ، أو كما هو الحال في " الاتحاد السوفيتي " سابقا" الذي منع دخول كتابات فرويد منذ ثلاثينيات القرن العشرين .

     وبصرف النظر عن صواب أو عدم صواب هذا الموقف أو ذاك  ، فان الحقيقة التي تفرض نفسها هي ان القارىء العربي به حاجة الى الاطلاع على مزيد من النقد الموضوعي لنظرية فرويد ،ومعرفة أي الأفكار منها ما تزال صادقة وأي منها كانت صادقة على الثقافة الأوربية في زمانه ولم تعد كذلك في زمان آخر وثقافات أخرى ، وهذا " البحث " مساهمة على هذا الطريق ، ارتأينا ان يتضمن الجانب الاول منه حوارا" يهدف الى توضيح اساسيات نظرية فرويد وافكاره ، وانطلقنا في طرحنا للاسئلة من افتراض أننا لو وجهناها الى فرويد نفسه لحصلنا على نفس أساسيات الاجابات التي استقيناها من كتاباته هو وليس مما كتب عنه ، وقليل منها اجتهدنا في اجاباتها ولا نظن فرويد يعترض عليها .

" الحــــــوار- 1 "

+ لنبدأ القسم الأول من حوارنا بأسئلة تقليدية عن حياتك الشخصية والعلمية .

فرويد:

 ولدت في السادس من مايس عام 1856 في فريبرج بمورافيا ، تلك المدينة الصغيرة التي توجد فيما يعرف (تشيكوسلوفاكيا ) . وفي السنة الرابعة من عمري نزحت الى فيينا وهناك تلقيت كل تعليمي متعطشا للعلوم الانسانية . وكان لمعرفتي بقصص الكتاب المقدّس أثر دائم في توجيه اهتمامي . وأردت أن أدرس القانون وأن أكرّس حياتي للشؤون الاجتماعية ، غير أن نظرية دارون اجتذبتني اليها بقوة لما كانت تبشّر به في فهم الكون . وأذكر أن استماعي الى مقال (جوته ) الممتع عن الطبيعة قبيل تخرجي من المدرسة ، هو الذي جعلني أقرر أن أدرس الطب . وعند التحاقي بالجامعة عام 1873 اكتشفت :

           ( سدى تجول في دروب العلم   لا يتعلم الانسان غير ما يستطيع تعلمه ).

+ هذا يعني انك لم تكن ميالا لدراسة الطب .

فرويد :

 نعم لم اكن في ذلك الوقت ، وفي أي وقت أخر ، أشعر بميل خاص الى مهنة الطب ما عدا الطب النفسي . ولهذا كنت اتابع دراستي الطبية بأهمال كبير فحصلت على شهادة الدكتوراه في الطب في وقت متأخر وذلك في عام 1881 . وبعدها بعام التحقت طبيبا" تحت التمرين في المستشفى العام ، ثم رقيت الى وظيفة طبيب مقيم .

وخلال الاعوام التالية ـ وبينما كنت ما ازال اعمل طبيبا" مقيما"متخصصا في النيورولجي ـ نشرت عددا من المشاهدات الاكلينيكية بخصوص ما يلحق بالجهاز العصبي من اصابات عضوية . واخذت خبرتي تزداد حتى صار بوسعي ان احدد موضع أصابة ما في النخاع المستطيل تحديدا" كان من الدقة بحيث لم يعد بوسع المشّرح الباثولوجي ان يضيف شيئا" شخصته التهاب اعصاب حاد .

+ ولابد انها كانت سببا" في بدايات شهرتك .

فرويد :

لدرجة أنه اقبل عليّ سيل من الأطباء الامريكيين كنت احاضرهم ولم اكن أفهم شيئا" عن الأمراض العصبية . حتى أنني عرضت ذات مرّة على جمهور الحاضرين حالة مريض عصابي يشكو من صداع دائم بوصفها حالة التهاب سحائي موضعي مزمن . وعن حق ثار الجميع ضدي وانفضّوا من حولي ، وكان ذلك خاتمة النشاط التعليمي الذي اضطلعت به قبل الآوان .

+ نعلم أنك في عام 1885 منحت مكأفاه مالية كبيرة في اجازة دراسية الى باريس ، وانك تعرفت هناك على الطبيب المشهور ( شاركو ) ، فما الجديد الذي تعلمته من شاركو وباريس ؟ .

فرويد:

  اكثر الأشياء تاثيرا" في نفسي خلال المدة التي قضيتها مع شاركو هي أخر بحوثه في الهستيريا . وقد شاهدته يجري بعض تلك البحوث ، منها أنه اثبت أن الأعراض الهستيرية تنتظمها وقائع قوانين ( ادخلوا فالألهة هنا ) . كما اثبت كثرة اصابة الرجال بالهستيريا ، وهذا خلاف الاعتقاد الشائع انذاك باقتصار الهستيريا على النساء ، واستطاع أيضا" احداث الشلل والتقلصات الهستيرية بواسطة الايحاء التنويمي. ولا شك ان ما تعلمناه من شاركو في ذلك الحين لم يعد كله اليوم صحيحا" .

+ بعد عودتك الى فيينا عام 1886وزواجك من مارتا برنايس التي بقيت في انتظارك اكثر من اربعة اعوام ،واصبحت اخصائيا في الأمراض العصبية ، تعرفت الى الدكتور ( جوزيف بروير)الذي كان من اطباء الأسر المرموقين في فيينا ،وكان ذا ماض علمي وشهرة وذكاء وقّادكما تصفه أنت ،وقد نشرت بالاشتراك معه كتابكما ( دراسات في الهستريا ) ولكنك خسرت صداقته وانفصلت عنه بسبب اختلافكما في تفسير الهستريا ..فما هو هذا الاختلاف ؟.

فرويد :

  كان ( بروير ) يفضّل أن ننحو في تفسير الهستريا منحى فسيولوجيا اذ كان يرى العمليات التي لم توفق الى مصير سوي انما نشأت ابان احوال نفسية غير عادية شبيهة بحالة التنويم . اما أنا فكنت أميل الى الاعتقاد بوجود قوى تتفاعل فيما بينها ، ونوايا وميول تعمل على نحو ما يحدث في الحياة العادية . وهكذا تتعارض نظرية بروير " الهستيريا التنويمية " مع نظريتي " العصاب الدفاعي ".

+ أشرت الى العصاب الدفاعي ، فكيف تفسّر العصاب ؟ هل تراه اضطرابا انفعاليا، نفسيا ، فسيولوجيا ..أم ماذا ؟.

فرويد :

  ان ما يعتمل خلف مظاهر العصاب ليس اضطرابا انفعاليا انما هو دائما اضصراب ذو طابع جنسي ، سواء كان صراعا جنسيا حاليا أم نتيجة خبرات جنسية مبكرة .

+  الا ترى أنك بردّك الهستريا الى دوافع جنسية تعود الى بدايات الطب ، الى ( افلاطون ) الذي قرر أن الطب هو العلم بألوان الحب والرغبات الجسدية ؟.

فرويد :

  لقد اشرت صراحة الى تأثري بذلك . وقد تجاوزت مجال الهستريا وشرعت في فحص الحياة الجنسية لدى المرضى بما يسمى النيورواستنيا الذين يفدون الى عيادتي زرافات زرافات . وهكذا توصلت الى اعتبار العصاب دون استثناء اضطرابات للوظيفة لجنسية ، وما يدعى العصاب الفعلي هو المظهر المباشر لحالة التسمم الناتة من هذه الاضطرابات ، في حين أن العصاب النفسي هو مظهرها النفسي ، وقد طابت هذه النتيجة لضميري العلمي ، وآمل أن أكون ملئت بذلك فراغا في العلم الطبي . وأريد – حتى لا يساء فهمي – أن أفرر أنني لا أنكر وجود الصراع النفسي والعقد العصابية في النيوراستينا ، فكل ما هنالك أنني أرى أن أعراض اولئك المرضى لا تنشأ عن سبب نفسي ، كما أنها لا تزول بالتحليل . ولكن لا بد أن تعدّ تسمما نجم مباشرة عن اختلال في العمليات الكيمائية الجنسية ، ولم يبق الا أن أصوغ ما لاحظته في اعتبارات ، وبذلك وصلت الى نظريتي في الكبت .

+ يعني الكبت وفقا لنظريتك : معلومات غير مسّرة unpleasent تدفع الى اللاشعور من غير ان نكون دارين بها ، وتصفها بأنها الآلية الدفاعية الأعظم قوة التي تقوم بدفع طلبات الهو id  غير المقبولة الى العقل اللاواعي . فهل يعني هذا أنك الأول الذي توصل الى معرفة " الكبت " بالصيغة التي طرحتها؟.

فرويد :

 بالتأكيد .فلقد كانت عملية الكبت ابتكارا" لم يعرف له مثيل من قبل في الحياة النفسية . واصبحت نظرية الكبت الحجر الاساسي في فهمنا للعصاب  . واصبح لزاما" علينا ان نغير نظرتنا لمهمة العلاج ، بل ان يكشف عن عمليات الكبت ويستعيض عنها بعمليات حكمة عقلية قد تنتهي اما بقبول ما نبذ من قبل او بادانته . وقد اعربت عن اتخاذي هذا الاتجاه الجديد باقلاعي عن تسمية طريقتي في الفحص والعلاج تطهيرا" واسميتها بدلا من ذلك التحليل النفسي .

 

( الحلقة القادمة : الجنس والعدوان )

+ يمكن أن نوجز نظريتك في التحليل النفسي بأنها تحاول تفسير الشخصية والدافعية والاضطرابات النفسية بالتركيز على تاثير خبرات الطفولة المبكرة في الطريقة التي يتعامل بها الانسان مع ما بداخله من الحاحات جنسية وعدوانية حين يصبح راشدا..صح ؟

فرويد : صح

+ لكنك في هذا تلغي تماما امكانية تأثير الخبرات اللاحقة في الأحداث السابقة ، فحكمت على الانسان أن يبقى أسير طفولته حتى لو بلغ التسعين .

فرويد : 

       ذلك ما اثبتته كشوفي التي أجريتها على الراشدين .

+   وهؤلاء الراشدين ياسيدي هم من المرضى وليسوا من الأسوياء ، ومن يدري أن يكون بينهم – ومعظمهم من نساء الطبقة البورجوازية – يقول لك ما تحب ان تسمعه متأثرا بارائك .

فرويد :

        وهل أنا من السذاجة بحيث ينطلي عليّ مثل هذا ؟!

+ عفوا سيدي .لكن التحليل النفسي عندك يعني : تقنية أو تكنيك علاجي لتحليل الأفكار الموجودة في اللاشعور، صح؟

فرويد : صح

+ وهنالك من يرى أن التحليل النفسي يفتقر الى الدليل العلمي الذي يؤيد صحته ، بمعنى أن الوسيلة غير علمية وبالتالي فأن النتيجة التي تصل اليها غير علمية .

فرويد: هل هذا رأيك ؟

+ أنا محاور وعليّ أن اكون محايدا أولا ، وأن أمثّل رأي المغيبين ثانيا الذين يرون أن التحليل النفسي قد مات ، ورأي في جنابك أن سعة صدرك تتحمل حتى اسئلة من هم ضدك .

فرويد :

 أنا أعتقد ، بل تأكد لي عن طريق علاج مئات المرضى ، أن جذور كل المشكلات النفسية هي صراعات لاشعورية بين (الهو   idوالأنا  ego والأنا الأعلى  superego ). وللتوضيح ،فان الصراعات بين هذه القوى الثلاث المتنافسة أمر عادي ، ولكنها تتحول من الأمر العادي الى مشكلات اذا أصبحت خارج السيطرة . فاذا وجّه الأنا والأنا الأعلى الكثير من طاقتهما لكبح الرغبات الانانية للهو وانشغلا بوضعها تحت السيطرة ، واذا كانت هذه الكوابح ضعيفة  وقام الهو بالتهديد بتجاوزها ..نجم عنها الاضطراب النفسي .وللتخلص من هذا الاضطراب فان الحل يكون بأن نأتي بالصراعات اللاشعورية ونضعها على مستوى الشعور ، وتلك هي مهمة التحليل النفسي ، وعلى من يشك بصحته أن يجرّبه شرط أن يكون قد تدّرب عليه .

+ دكتور فرويد ، المشكلة لديك أن الفكرة المركزية في نظريتك تقوم على أهمية العمليات اللاشعورية . فأنت تقول بأن معظم ما نفعله لا نكون على دراية به ، وأن سلوكنا محكوم بما يحتويه لاشعورنا فتلغي بذلك دور الوعي . ثم أن كل نظريتك تقوم على مبدأ الحتمية النفسية في قولك الصريح بأن كل الأفكار والانفعالات والافعال ناجمة عن أسباب نفسية . ماذا لو خففتها يادكتور كأن تقول ان للاشعور دورا في تحديد ما نفعله وأن للحتمية النفسية دورا مشاركا في حتميات أخرى تعمل معا في تشكيل شخصياتنا وسلوكنا .

فرويد :

       أنت تطرح اكثر من سؤال ومع ذلك أجيبك .

ان اكتشافي للاشعور أعدّه من أعظم كشوفاتي ، وأن ما أصاب البشرية من كوارث وما يصيب الانسان من كدر هو أنها ظلت آلاف السنين تنظر الى العقل كما لو كان يساوي الوعي فقط ، فكان جهلنا باللاشعور سبب مآسينا .ثم أن الدور المركزي للاشعور ما كان قولا من على مكتبي بل أثبتّه عمليا ، ومن يريد أن يتأكد عليه بتحليل نفسه ان كان يمتلك المهارة . وأظن أن اكتشافي للاشعور فتح بابا جديدا للتأمل في الحياة العقلية . وبالمناسبة ، ان كنت تريد ادلة عملية عليك بمراجعة الفن السوريالي في الرسم والأدب والسينما .أما عن الحتمية النفسية فأنا مازلت مؤمنا بها وأرى في الحتميات الأخرى ما هي الا توابع لها .

+ مع أن شكسبير كان قد سبقك في اكتشاف اللاشعور وضمّن تأثير العقل اللاواعي في العديد من مسرحياته ، غير أننا نعترف بأنك أنت الذي اعطيت العمليات اللاشعورية الأهمية الجوهرية في الحياة اليومية لدى الانسان العادي من قبيل النسيان وزلات اللسان والنكتة التي وصفتها بأنها وسائل تستخدم لخفض التوتر النفسي واشباع دوافع خفية " النكته مثلا تنفيس عن عدوان" ، لكنك حددت محتوى اللاشعور بدافعين فقط اختزلت بهما سلوك الانسان هما الجنس والعدوان ، وتفترض أن كل الحيوانات بضمنها الانسان تولد ولديها غريزة العدوان ، وان هذه الغريزة –على ماترى – تخلق دافعا للقيام بالعدوان لأشباعها، بمعنى : انها تخلق ضغوطا تجبر الانسان على أن يقوم بالعدوان بطريقة ما فالغيت بذلك دور العلم والثقافة والتمدن وصورت لنا الانسان بأنه لا يختلف عن الحيوان من حيث تحكّم القوى البيولوجية في سلوكه ان لم يكن أشد ضراوة منها ، وأنه – وفقا لطروحاتك - ليس سيد عقله.

 فرويد :

 العدوان سلوك بيولوجي لدى كل من الحيوان والانسان . هذه حقيقة واقعة يمكنك التأكد منها بمراقبتك سلوك الديكة في المسابقات ! وملاحظتك سلوك الأطفال .فالغضب يظهر على سلوك الطفل قبل ان يكون عمره سنة ، ولاحظ العدوان الجسدي لدى الأطفال كيف يضرب بعضهم بعضا وهم بعمر سنتين . وتشير الملاحظة التتبعية أن الطفل العدواني بعمر ست او سبع سنوات يكون عدوانيا حين يصبح راشدا . ولو لم يكن العدوان غريزة بيولوجية لما تقاتل الناس ولما نشبت الحروب بين الدول . وسيأتي يوم يثبت لكم فيه التقدم العلمي أن نظريتي صحيحة ، بل يثبت لكم ايضا أن زيادة او نقصان هرمون معين يفضي الى العدوان. اما عن دور الثقافة والتعلم والتحضر فان أفضل ما تستطيع عمله هو ترويض العدوان وليس السيطرة عليه وتفريع شحناته عن طريق نشاطات مشروعة كالرياضة مثلا .

+ هذا يعني ان نظرية ماركس في الصراع الطبقي والصراع على المصالح ودافع السيطرة ليست اسبابا لنشوب الحروب بين الدول على رأيك ؟

فرويد : ها انت ذكرت دافع السيطرة الذي اساسه غريزة العدوان ، اما الأسباب الأخرى فتمّثل رأي أصحابها .

+ الوظيفة الجنسية عند الاطفال ، هل هي متغير فرضي لديك ، ام انك اهتديت اليها علميا" ؟

فرويد:

    الوظيفة الجنسية موجودة منذ بدء حياة الفرد . وان كشوفي المستغربة في الجنسية لدى الاطفال وصلت اليها في بادىء الامر عن طريق تحليل الراشدين ، ولكن امكن فيما بعد ( منذ حوالي سنة 1908 وما بعدها ) التحقق منها على اتم واوفى وجه بالملاحظات المباشرة للاطفال . وانه لمن اليسير حقا" ان يقتنع المرء بوجود نشاط جنسي مطرد لدى الاطفال حتى لا يسعه ان يتساءل في دهشة : كيف استطاع الجنس البشري ان ينجح في اغفال الحقائق واعتناق الاسطورة المستحبة ، اسطورة لا جنسية الطفولة ذلك الزمن ؟.

+ نظريتك في الشخصية ، ومازلنا في موضوع الجنس ايضا ، هي نظرية نمائية او تكوينية developmental  . فأنت ترى ان شخصياتنا تتشكل عبر مرورنا بمراحل نمو تكويني اسميتها النمو النفسي الجنسي : من مرحلة الرضاعة وصولا الى مرحلة الرشد ، في كل واحدة منها تكون الدافعية الجنسية للطفل هي اشباع دافع اللذة من مناطق جسمية متنوعة تتمثل في :الفم بمرحلة الرضاعة ، والشرج بالمرحلة الشرجية ، والاعضاء التناسلية بالمرحلة القضيبية . وسؤالي : لماذا حددت هذه المراحل بثلاث اساسية  برغم انك لم تدرس الاطفال ، وانك الغيت تأثير الاحداث اللاحقة في الخبرات السابقة ؟.

فرويد:

    هذه استنتاجاتي من معاينتي لمرضاي وتحليلي لمشاكلهم واضطراباتهم النفسية .

+ سيدي ، أنت تذهب خطوة أبعد بقولك ان خصائص أو سمات شخصية الانسان الراشد تشتق من  هذه المراحل الثلاث للنمو النفسي الجنسي وكأن التعلم والخبرة والثقافة لا تستطيع حتى تعديل ما حصل في الطفولة .

فرويد:

الجواب نعم في حالة الشخصية غير السوية ، لأن تقصّي أسباب اضطراباتها النفسية يكمن في واحدة من تلك المراحل .

+ وماذا بخصوص مفهوم التثبيت    fixation الذي تقصد به بقاء جوانب من شخصية الراشد متجمدة على مرحلة من هذه المراحل  مرّ بها "الهو" بخبرة معينة ؟

فرويد : صحيحة تماما .

+ على رأيك فأن الطفل المنشغل في مرحلة الرضاعة بمص ثدي أمّه بكثرة وحصل له تثبيت ،فأنه يظهر عليه في الرشد بسلوك آخر كأن يكون التدخين مثلا عند الرجال وأكل ( الموطة أم العودة ) عند البنات ، ليعوض مص السيجارة ومص الآيس كريم أبو العودة عن مص الثدي ، صح ؟

فرويد : صح

+ وبما انك مدمن على تدخين " البايب" ّالذي لا تستطيع ان تتخلى عنه برغم ان التدخين سبب لك سرطان الفك ، فهذا يعني انك كنت تمص ثدي امك كثيرا ولديك تثبيت ، ولا يمكنك استثناء نفسك من " حقيقة " أنت عممتها على كل الناس ، وسؤالي : لماذا اخترت " البايب " بالذات ؟

فرويد :

       "يضحك " . سؤالك لا يخلو من خباثة ولكن لا تظن بي سوءا.

( الحلقة القادمة : الأحلام والفن ..دافينشي ودستيوفسكي وشكسبير وأوديب ملكا)

 

حوار مع فرويد – 3

+ لنطرق باب الأحلام الذي فتحته عام 1900 بأضخم مؤلف عنها في كتابك (تفسير الأحلام ) الذي توصلت فيه الى نظرية خلاصتها أنها ( الأحلام ) عملية يقوم بها اللاشعور لاشباع ما بداخله من دوافع مكبوتة ...

فرويد :

 صحيح ،لكن مضافا الى كونها تحقيق( مقنّع ) لرغبة ( مكبوتة ) فانها - كأي عرض عصابي ـ محاولة توفيق بين مطالب دافع مكبوت وبين مقاومة تبذلها الرقابة في الذات . وبعبارة سهلة :اللاشعور يحاول ان يشبع في الاحلام الحاجات التي لا يمكن التعبير عنها او اشباعها في حالة اليقظة .

+ هنا لديّ اشكاليتان ، الأولى تأكيد جنابك ان الاحلام تتضمن ذكريات من مرحلة الرضاعة وخبرات الطفولة المبكرة لاسيما الاحداث المرتبطة بالوالدين ،وأن مضمونها جنسي خالص..فكيف اهتديت الى حكم قاطع يبدو لكثيرين ليس فيه منطق ؟.

فرويد :

  دعني اقولها بالصريح : ما من غريزة لقيت منذ الطفولة مثل الكبت الذي لقيته الغريزة الجنسية .وما من غريزة مثلها خلّفت وراءها رغبات على هذا المدار من الكثرة والقوة تعمل على احداث الحلم في حالة النوم . ولأنني أعدّ الاحلام افعالا نفسية لها من المعنى مثل ما لغيرها ، وأن النزعة المكبوتة تسعى الى الاشباع حين لا تكون عليها رقابة ، فأنني علي يقين بأن معظم أحلام الراشدين ، ولم أقل كلها، تتضمن خبرات تعود الى الطفولة  ولها علاقة بالجنس ،وأنها تبدو واضحة لمثلي لدى الاشخاص المحرومين جنسيا . واؤكد لقرائك بأنه كلما زاد المرء اشتغالا بحلّ مشكلة الأحلام زاد استعداده للتسليم بأن غالبية احلام الراشدين تعالج مادة جنسية وتعبّر عن رغبات عشقية .

+ الاشكالية الثانية قولك ان للحلم معنى ظاهري سطحي وظيفته تشويه او اخفاء المعنى الحقيقي للحلم ، ومعنى خفي تكمن فيه حقيقة الحلم ..

فرويد :

 صح ولا اشكال في ذلك

+ الاشكالية في التفسير ياسيدي، فالشخص الذي يرى في حلمه افعى وربطة عنق ، وآخر يرى في حلمه ملكا او رئيسا ، فانك تنظر الى هذه الرموز بوصفها المعنى الظاهري ، اما معناها الحقيقي – على ما ترى جنابك – فان الأفعى وربطة العنق يرمزان الى الأعضاء التناسلية الذكرية ، فيما يرمز الملك او الرئيس الى الأب او المعالج النفسي ، الا ترى في ذلك تأويلا تريده ينسجم مع نظريتك ؟

فرويد :

 ان الرغبة المكبوتة أشبه بمجرم أودع في السجن ، ولأنه محرّم عليها أن تظهر نفسها للناس فقد دفع بها " الأنا " الى مخزن اللاشعور . وعندما ينام الرقيب ، او الحارس الذي يقف على باب اللاشعور فان الفرصة تتاح للرغبة المكبوتة ان تظهر على مستوى الشعور في حالة ينطبق عليها مثل لديكم يقول : ( اذا غاب القط ألعب يافار ) . ولكي لا توقظ سجّانها ( الأنا ) فان عليها أن تتخفى بالظهور لتظل  تسرح في الحلم وتمرح على سطح الوعي وتشبع حاجتها ولو في الخيال ، ولهذا أكرر القول بأن الأحلام اشباع لرغبات مكبوتة .

+ أفهم من ذلك أنني اذا قلت لمراجع يأتيني: قل لي أحلامك أقول لك من أنت ،  صحيحة وفقا لنظريتك .

فرويد :

 الى حد كبير ، شرط ان تكون ماهرا في التحليل النفسي وقادرا على استجلاء المعنى الخفي للأحلام.

+ قبل ان نتقدم خطوة اخرى ، نستخلص من حديثك بان نظريات المقاومة والكبت واللاشعور ، وقيمة الحياة الجنسية في تعليل المرض ، واهمية الخبرات في مرحلة الطفولة ، هي العناصر الاساسية التي يتكون منها بناء التحليل النفسي .

فرويد:

 صحيح تماما" ، مع ملاحظة أن المعالج النفسي يشبه في عمله التحرّي detective الذكي الذي يجد دليلا صغيرا يبدو للآخرين تافها لكنه بمهارته يوصله الى الحقيقة ، ومهارة المعالج النفسي تكمن في قدرته على استعمال وسائل التحليل النفسي المتمثلة بالتداعي الحر وتحليل كل من الاحلام والازاحة ، أعني بالازاحة نقل او ترحيل الانفعال من موضوعه الاصلي الى موضوع آخر كأن يكون المريض يكره اباه فيحوّل كرهه الى المعالج النفسي ، او تحب أباها فتتعلق عاطفيا بمعالجها النفسي ،  وأعني بالمقاومة الاستراتيجيات اللاشعورية التي يستخدمها المريض لمنع المعالج النفسي من فهم مشكلته او عقدته النفسية .

+ تقول في كتابك ( الجنس ) ما نصه :

  يظهر لي ان النمو الحالي للجنس البشري لا يحتاج الى اي تفسير يغاير ما ينطبق على الحيوان . فان ما يظهر في اقلية من الافراد كحافز قلق لمزيد من الكمال يمكن فهمه كنتيجة لغرائز فاشلة بني عليها اسمى ما في الثفافة البشرية من قيم . فما هو رأيك بالابداع الفني ؟

فرويد :

  ان التسامي Sublimation هو العملية المؤدية مباشرة الى الابداع الفني . فحين يتعذر الاشباع الكامل للرغبات الجنسية في الحياة الواقعية يتحول مجرى الطاقة الى نشاطات اخرى هي عمليات الخلق والابداع الفني في حالة الفنانين . والتسامي يختلف عن كل الآليات او الحيل الدفاعية من حيث أنه عملية بنائية ، ولأن وظيفته تتعدى حدود حماية الأنا. ففي التسامي يجري تحويل دوافع غير مقبولة اجتماعيا وأخلاقيا الى أشياء أو موضوعات مفيدة للمجتمع . وعن طريقه يتم الحصول على اشباع من  بدائل مفيدة اجتماعيا عندما يحال بين دوافع قسرية او غير مقبولة وبين اهدافها او موضوعاتها الفعلية . فالشخص الذي تتملكه دوافع عدوانية ضد الناس ، فهو بدلا من أن يوجهها فعلا ضدهم فأنه يحولّها الى عمل روائي ( رواية ، قصة) او عمل موسيقي او فيلم سينمائي او لوحة فنية ...وعليه فأنني افترضت بأن معظم أعمال فناني عصر النهضة ، لاسيما منحوتاتهم الجميلة لأجساد عارية من الرجال والنساء ، هي نتاج لتصعيد دوافعهم الجنسية . بل أنني أنظر الى الحضارة نفسها على أنها نتاج الآف السنين من التسامي .

+ لا ادري لماذا تستهويك أحكام كبيرة وقاطعة اترك أمرها لقرائك، ولكنني فهمت ـ تأسيسا" على وجهة نظرك ـ ان الفنان يبدو لجنابك كالعصابي أو مريض نفسيا.

فرويد :

  نعم من حيث انسحابه من واقع لا يرضيه الى دنيا الخيال، لكنه يختلف عن العصابي بكونه يعرف كيف يقفل منه راجعا" ليجد مقاما" راسخا" في الواقع. ومنتجاته ، اعني الاعمال الفنية ، اشباع خيالي لرغبات لاشعورية شأنها شأن الاحلام ، وهي مثلها محاولات توفيقية تتفادى اي صراع مكشوف مع قوى الكبت . ولكنها تختلف عن منتجات الحلم النرجسية من حيث ان المقصود بها اثارة اهتمام الغير وان بوسعها ان تستثير وترضي فيهم بدورهم الرغبات اللاشعورية نفسها . وزيادة على ذلك فهي تستفيد من اللذة الحسية للجمال الشكلي بوصفها ( جائزة مغرية ) وان ما يفعله التحليل النفسي هو ان يأخذ العلاقات المتبادلة بين ما تأثر به الفنان في حياته وخبراته ومنتجاته، ويستخلص منها نفسيته وما يعتمل فيها من دوافع .

+ في العام 1908تفحصت حياة دافينشي وأعماله الفنية وتوصلت الى أن دافينشي كان رجلا يعاني من كف جنسي متطرف ناجم عن الشعور بقلق الاخصاء ، وتعني به خوفه من عقاب أبيه على رغبته الجنسية نحو أمه بقطع عضوه الذكري ، وأنه قام بتحويل مجرى الطاقة الجنسية لديه نحو انتاج لوحات فنية مميزة لاسيما لوحته الموناليزا ، وفسّرت ابتسامتها الغامضة بأنها ابتسامة والدة دافينشي ، فكم أنت على يقين من استنتاجك هذا؟.

فرويد:

 أنا أرى أن الأعمال الفنية الابداعية اشباع لرغبات محجوزة في اللاشعور لكونها غير مقبولة أخلاقيا واجتماعيا ،وانها بارتقائها الى مستوى الابداع تنجح في التحايل على تجاوز القيود التي تمنعها من التصريح بها بشكل مكشوف ، ولو لم أكن على يقين لما نشرت ذلك .

+ انسجاما" مع نفس المنطق ، فانك تعتبر طفولة " دافينشي " ذات الطابع الشبقي هي العوامل المحددة لسلوكه . فما فشل " ليوناردو دافينشي " في تكوين علاقات عاطفية ناضجة ، والجنسية المثلية عنده ، وابتسامة الموناليزا ، واتحاد الانوية والذكورة في لوحة يوحنا المعمدان ، وانشغاله في محاولاته الفنية المبكرة بتصوير رؤوس نساء باسمات ، الا ـ من وجهة نظرك ـ كون  دافينشي كان اسير ابتسامة امه وانوثتها التي انفصل عنها في سن مبكرة .

فرويد :

يقول ( موتر ) عن ( دافينشي ) :

  لقد رسم ( ليوناردو من الجراد آكل الانجيل ، باخوس ابولو ، الذي ينظر الينا بأبتسامته الغامضة على شفتيه وبساقيه المتقاطعتين الناعمتين ــ بعيننين ساحرتين ) ان هذه لصور تنفث تصرفا" في السر الذي لا يجرؤ المرء على النفاذ اليه . فالمرء يستطيع ـ غالبا" ـ ان يبذل الجهد لاقامة صلة ذلك باعمال ( ليوناردو ) المبكرة . فالاشخاص فيها مخنثون ، انهم صبيان وسام ، يتسمون بالرقة ، ولهم اشكال أنثوية ، انهم لا ينكسون روؤسهم وانما يحملقون في غموض بنظرة انتصار ،كما لو كانوا منهمكين في حادثة هائلة سعيدة ، وعليهم ان يحفظوها في كتمان ، وتقودنا الابتسامة الفاتنة المألوفة الى ان نستنتج انه سر الحب . ومن الممكن ان يكون ( ليوناردو ) قد اخفى في هذه الاشكال تعاسة حبه وهزمها بفنه ، حيث مثّل تحقيق رغبة الصبي الذي فتنته امه في وحدة هائلة للطبيعة الذكرية والانثوية .

    ولنكن على يقين من ان الاب ايضا" كانت له اهمية في تطور ( ليوناردو ) من الناحية النفسية الجنسية، والاكثر من ذلك ان تلك الاهمية لم تكن بمعنى سلبي اثناء غيبة الاب خلال السنين الاولى من طفولة الصبي ، وانما كانت اهمية مباشرة اثناء حضوره في طفولته المتأخرة . انه لايستطيع الامتناع ـ وهو طفل يرغب في أمه ـ عن الرغبة في ان يضع نفسه في مكان ابيه ، وان يمثل نفسه به في مخيلته ، واخيرا" ان يجعل مهمة حياته ان ينتصر عليه .

+ ولكنك تشير الى ان حديثك عن ( دافينشي ) لم يتناوله الا من ناحية الباثوجرافيا ، وهذه لا تكشف عن نواحي النبوغ لدى ( دافينشي ) العظيم ، لان منهج التحليل النفسي لا يستطيع اطلاعنا على طبيعة العمل الفني .

فرويد:

     هذا صحيح ولكن ينبغي تثبيت نقطة مهمة هي انه في الفن وحده يندفع الانسان بفعل رغباته اللاشعورية فينتج ما يرضي أو يشبع هذه الرغبات. خذ مثلا" ( ديستويفسكي ) ـ ففي شخصيته الخصبة عدة وجوه :

    الفنان الخالق ، والاخلاقي ، والعصابي ، والآثم ـ فان الصلة التي لا يمكن ان يخطيء المرء في ادراكها بين قاتل الاب في الاخوة كارامازوف ومصير ( ديستويفسكي ) نفسه قد هزت اكثر من واحد من كتّاب السيّر وادّت بهم الى الرجوع الى مدرستنا ( التحليل النفسي ) . لقد كان الحكم على ( ديستويفسكي ) بالاعدام ـ كسجين سياسي ـ حكما" ظالما" .

     ولا بد أنه كان يعلم ذلك ، لكنه قبل هذا العقاب الذي لم يكن يستحقه بين يدي الاب البديل ـ القيصر ـ كعوض عن العقاب الذي يستحقه على خطيئته ضد أبيه الفعلي ، فهو بدلا من ان يعاقب نفسه ، عوقب بواسطة أبيه الفعلي .

+ انك تربط الابداع الفني بالكبت والجنس والعصاب ، وانك تعدّ عقدة اوديب ( التي تعني في نظريتك : رغبة لاشعورية لدى كل الأطفال – دون استثناء ! - بقتل آبائهم وامتلاك أمهاتهم جنسيا ) هي العقدة الرئيسية في الامراض العصابية . وتقرر بان الاعتراف بعقدة اوديب اصبح المبدأ الاساسي الذي يميز اتباع التحليل النفسي عن خصومه . و تقرر ايضا" بان عقدة اوديب تمثل القمة التي يصل اليها النشاط الجنسي الطفلي ، وأنها المحدد الأعظم أهمية الذي يقرر سلوك الطفل في تكيفه الجنسي والتي تؤثر في نتائجها تأثيرا" حاسما" حتى في النشاط الجنسي للراشدين . وتضيف بأن كل شخص يصل لأول مرة الى هذا الكوكب يجابه مهمة التغلب على عقدة اوديب ، التي هي جوهر العصاب ولبّه ، وكل فرد يفشل في ذلك يقع فريسة العصاب . وتقرر اخيرا" بان عقدة اوديب تبدو في حياتنا على انها نهاية حكم عليها ان تكون مرعبة . فكيف توصلت الى هذه الاحكام ؟

    وبالمناسبة كنت انت قد حلمت في صباك بأنه قد نحت ك تمثال كتب عليه : ( الى من حلّ لغز ابي الهول وكان اشدّ الرجال اقتدارا" ! ) .

فرويد:

    ( اوديب ملكا ) تدخل بين ما يعرف باسم مأساوية القدر ، ويقال ان تأثيرها المأساوي يقوم بالتضاد بين مشيئة الالهة القاهرة وبين محاولة الانسان سدى ان يجنب نفسه الويل الذي يتهدده، وان الدرس الذي يخرج به من شهد المسرحية هو الاستسلام لمشيئة الالهة والاعتراف بالضعف الانساني .

    ما أريد أن أقوله : اذا كانت ( اوديب ملكا ) تهز اليوم معاصرينا مثلما هزّت من عاصرها من الاغريق، فلا تفسير لذلك الا لأن وقعها لا يقوم على ما بين القدر وارادة الانسان من التضاد ، وانما ينبغي ان نتلمس سرّ هذا الوقع في طبيعة المادة التي تشخص بها هذا التضاد .ان النبؤة قد صبت علينا ـ ولمّا نولد ـ تلك الدعوة التي صبت عليه فلعله قد قدّر علينا جميعا" ان نتجه بأول نشاطنا الجنسي جهة الام ، وبأول البغضاء ورغبة الدمار جهة الاب .

    واحلامنا تقنعنا بان الامر كذلك ، فاسطورة اوديب قد نبعت من مادة حلمية قديمة ازلا، متصلة بهذا الاضطراب الاليم الذي ينتاب علاقة الطفل بوالديه من جراء نزعاته الجنسية الاولى . ذلك ما نجده في نص مأساة ( سوفوكليس ) من اشارة لاشك فيها ، فها هي ذي ( يوكاستا ) ترّفه عن اوديب ـ ولم يكن قد استنار بعد ولكن ذكرى النبؤة اخذت تشيع الاضطراب في نفسه ـ فاذا هي تشير الى حلم يأتي حقيقة اناسا" كثيرين ، ولكن دون ان يعني ذلك ـ في زعمها ـ شيئا"

   ( كم من مائت قبلك ضاجع في الحلم امه ، ولكن يسهل عبء العيش لمن لم يلق الى ذلك بالا ).   

واليوم كما في ذلك الوقت يحلم الكثيرون بمضاجعة الأم ويرون احلامهم مستنكفين متعجبين ، ومن السهل ان نفهم ان هذا الحلم هو مفتاح المأساة والجزء المكّمل للحلم بموت الاب . فقصة الملك اوديب استجابة من المخيلة الى هذين الحلمين النمطيين ، وكما ان هذه الاحلام تصحبها ـ حين تقع للراشدين ـ مشاعر من النفور ، فقد حق كذلك ان تضم الاسطورة في طياتها الارتياع وايقاع العقاب بالنفس . واما التحوير الذي يجيء بعد ذلك فمنشؤه مرة اخرى ان المادة تراجع هنا ايضا" مراجعة ثانوية خاطئة بهدف استخدامها في اغراض لا هوتية .

+ يعزو البعض ان اهتمام ( شكسبير ) بكتابة المأساة يرجع الى انه ـ شكسبير ـ شعر بهوة عميقة بينه وبين الحياة التي بدأت ترسخ سلطة الاقطاع . اما انت فانك تخضع هاملت شكسبير لنفس عقدة اوديب .. فما هي اسباب تردد هاملت من وجهة نظرك ؟ .

فرويد :

ماهي اسباب هذا التردد، ذلك ما لا يتحدث النص بحرف عنه وبذلت في تفسيره محاولات لا تحصى فما اتت بطائل. فهاملت في نظر (  فيلهم مايشتر ) اصلها ( جوته ) ولا تزال لها الغلبة حتى اليوم بمثل هذا الطراز من الرجال الذين شلت عندهم القدرة على العمل المباشر بفعل نمو العقل نموا" مفرطا". وفي نظرة اخرى ان الشاعر اراد ان يصور لنا مريضا" مذبذبا" شارف النوراستانيا . بيد ان المسرحية ترينا ان هاملت بعيد كل البعد عن ان يصور في صورة انسان فقد كل قدرة على العمل. فنحن نراه يعمل مرتين : الاولى في ثورة مباغتة حين يطعن السامع المسترق من وراء الستار ، والثانية فعن قصد مبيت بل في مكر جم ، وذلك حين يرسل برجلي البلاط الى الموت الذي كان مدبرا" له هو ، مبديا" في ذلك كل التحلل االخلقي الذي يمكن ان يتصف به أمير من أمراء عصر النهضة .

   فما الذي يوقفه على هذا النحو في انفاذ المهمة التي كلفه بها شبح أبيه ؟. الجواب نجده مرة أخرى في الطبيعة الخاصة لتلك المهمة . ان هاملت يستطيع ان يأتي كل شيء الا ان يثأر من الرجل الذي ازاح اباه ، واحتل مكانته عند أمه . الرجل الذي يريه ـ اذن ـ رغباته الطفلية وقد تحققت . وهكذا يحل عنده   تأنيب النفس وتخويف الضمير  محل الاستبشاع الذي كان كفيلا" ان يدفعه الى الانتقام الذي كلف بعقابه. وانا اذ اقول ذلك اترجم في عبارة شعورية ما كان مقررا" بقاءه لا شعوريا في نفس البطل .

    فاذا اراد البعض ان يدعو هاملت هستيريا ، لم اجد الا ان اسّلم بأن تلك نتيجة تخرج من تفسيري ، ويتسق ذلك احسن الاتساق ما يعرب عنه هاملت مع اوليفيا من نفور من الحياة الجنسية . وهذا النفور الذي كان مقدرا" ان يزيد على الدوام تمكّنا من نفس الشاعر في مستأنف سنواته حتى بلغ التعبير عنه اقصاه في ( تيمون الاثيني ).

    فما يطالعنا في هاملت بالطبع هو الحياة النفسية ( لشكسبير ) . واني الاحظ في كتاب ( جورج براندس 1896 ) قوله :

    ان ( شكسبير ) كتب هذه المسرحية فور موت أبيه ـ 1601 ـ اي حين كانت وطأة الحزن عليه في اشدّها وحين بعثت في نفسه من جديد ـ كما يحق لنا افتراضه ـ مشاعره الطفولية نحو والده . ومن الامور المعروفة كذلك ان والد ( شكسبير ) الذي مات في سن مبكرة كان يحمل اسم ( هامنت ) وهو يطابق هاملت .

+ طبقا" لوجهة نظرك فان اوديب سوفوكليس وهاملت شكسبير والاخوة كارامازوف لدستويفسكي ، تتعرض جميعا" لموضوع واحد هو قتل الاب ، وان الدافع لذلك هو المرأة الام .

فرويد :

    ان اكثر الامور صراحة هو بالتأكيد تمثل المأساة المشتقة من الاسطورة اليونانية ، ففيها نجد ان البطل نفسه هو الذي يرتكب الجريمة ، ولكن المعالجة الشعرية تكون مستحيلة دون تهذيب وتخفيف. فالاعتراف المكشوف بنية ارتكاب جريمة قتل الأب يبدو غير محتمل بدون اعداد تحليلي. فالمأساة اليونانية تقدم ـ مع احتفضاها بالجريمة ـ التخفيف اللازم للعبارات ، بطريقة فنية بوساطة اسقاط الدافع اللاشعوري للبطل ، في الواقع ، في صورة اكراه من القدر قد انتقل اليه . يرتكب البطل فعلته بدون قصد ، وهو يرتكبها في الظاهر تحت تأثير امرأة ، ويؤخذ هذا العنصر الاخير ـ مع ذلك ـ في الاعتبار ، في الظرف الذي يستطيع فيه البطل فحسب ان يصل الى امتلاك الملكة الام ، بعد ان يكون قد كرر فعلته عن التنين الذي يرمز للاب . والبطل بعد ان يكتشف ذنبه ويصبح شعوريا" ، لا يقوم بأية محاولة لمسامحة نفسه بالاستشهاد بالحيلة المصطنعة عن قهر القدر . انه يسّلم بجريمته ويعاقب عليها، كما لو كانت قد تمت على مستوى شعوري تماما" . وهو ما يبدو لعقلنا ظلما" ، وان يكن صحيحا" تماما" من الناحية النفسية .

    اما في مسرحية هاملت فالتمثيل غير المباشر اكثر من ذلك . فالبطل لا يرتكب الجريمة بنفسه ، انما الذي نفذّها شخص اخر ، لا تعدّ الجريمة بالنسبة له جريمة قتل أب .

    فالدافع الحقيقي للمنافسة الجنسية على المرأة لا يحتاج من ثم الى تخفيف . ونحن نرى عقدة اوديب عند البطل في ضوء معكوس حينما نعلم الاثر الواقع عليه من الجريمة التي ارتكبها الآخر ولابد ان ينتقم لهذه الجريمة ، ولكنه يجد نفسه عاجزا" ـ بصورة غريبة ـ عن ذلك . ونحن نعلم ان شعوره بالذنب هو الذي يعوقه ، غير ان الشعور بالذنب يفسح مكانا" ـ بطريقة تتمشى تماما" مع العمليات العصابية ـ لادراك عدم كفائته لانجاز مهمته. فهناك دلائل على ان البطل يحس بالذنب كفرد فائق التميز ، لكنه يحتقر الاخرين بدرجة لا تقل عن احتقاره لنفسه.

    اما الاخوه كارمازوف فتخطو خطوة ابعد في نفس الاتجاه ، ففيهما ايضا" ترتكب الجريمة بيد انسان اخر . مع ذلك فهذا الشخص الآخر ايضا" تربطه بالرجل المقتول نفس علاقة البنوة التي تربطه بالبطل ديمتري، ودافع المنافسة الجنسية في حالة الشخص الآخر معترف به صراحة ، انه اخو البطل وانها لحقيقة ملحوظة . ان ( ديستويفسكي ) قد نسب اليه مرضه هو ـ اي الصرع المزعوم ـ كما لو كان يسعى الى الاعتراف بان الجانب الصرعي فيه ـ اي العصابي -  كان هو مرتكب جريمة قتل الاب .

+ بما أنك لا تستثني أحدا من عقدة أوديب ،سأتجرّأ وأسألك : كنت الولد الأكبر بين أخوانك وأخواتك ،وكانوا يعدّونك من صغرك ذكيا . وكنت تحظى بعناية خاصة من والدتك ، فهل يحق لنا أن نطّبق قولك ( أن الولد ينجذب جنسا نحو أمه ) على تعلّق فرويد الرومانسي بأمه ، سيما وأنك كنت في العشرين من عمرك شابا وسيما وأجمل من أبيك بكثير ؟!.

فرويد :

   " يضحك " .ان كان قد حدث لك مثل هذا ..فقد حدث لي !.

( الحلقة القادمة : المرأة والحب..)

 

حوار مع فرويد-  4

+ حسنا" . دعنا ننتقل الى موضوع اخر ... الى النصف الاخر ... المرأة ... ما هو رأيك فيها ؟

فرويد:

    لقد عرفنا من اشتغالنا بالتحليل النفسي ان جميع النساء يشعرن بانهن اوذين في طفولتهن وانهن ـ لخطأ لم يرتكبنه ـ كن موضوعا لاستهانة ، كما سلبن جزءا" من جسمهن . وتمتلىء نفوس كثيرات من الفتيات بالمرارة حيال امهاتهن ، ويلمنهن لسبب لا مفر منه ، هو انهن جلبنهن لهذا العالم اناثا" بدلا من ان ينجبنهن ذكورا".

+ وفقا لرأيك فأن المرأة تحسد الرجل لامتلاكه القضيب..صح ؟!

فرويد :

         بلا أدنى شك . فأذا كان قلق الاخصاء بالنسبة للطفل الذكر هو الذي يجعله يكبت توقه ورغبته الشديدة في أمه ، فأن حسد القضيب بالنسبة للطفلة الأنثى هو الذي يدفعها نحو والدها ، فاذا امتلكته فانها تكون قد حصلت ، ولو بديليا في الأقل ، على العضو المرغوب .

+ الا ترى أن مفهوم " حسد القضيب " وعزوك سبب تعاسة المرأة الى أنها ولدت دون قضيب افتراض غير مبرر ، وأن فيه تحيزا لغرض في نفس فرويد ؟

فرويد :

 اذا كان لديك شك فانظر الى كل المجتمعات المعاصرة سترى أن الذين يحتلون مراكز السلطة والمكانات المهنية المفضلة هم الذين يمتلكون القضيب.

+ انك تختزل كل الأسباب بسبب بيولوجي فيما يخص الرجل (لامتلاكه العضو الذكري ) وسبب نفسي فيما يخص المرأة  ( الحسد والحسرة والشعور بالنقص) وتضع المرأة في مكانة أدنى من الرجل مع أن كليهما متشابهان في القدرات العقلية والتحصيل الأكاديمي والتعبير عن عاطفة الحب ، وأن المرأة تتفوق على الرجل في المهارات اللغوية والذاكرتين اللفظية والمكانية وسرعة الادراك . ولكن ما دمت مصّرا على رأيك فدعنا ننتقل الى موضوالحب.

فرويد :

  الحب ، كلمة نتداولها في احاديثنا اليومية للتعبير عن علاقات متبادلة : بين الرجل والمرأة، بين الأب وأبنه ، بين الأم وطفلها..وبين الانسان والمؤسسة التي يعمل فيها . وما أريد ان اقوله ان جميع هذه العلاقات تنبع من مصدر واحد هو " اللبيدو " او غريزة الجنس .

+ أنا أريد مفهومك للحب بوصفه علاقة بين رجل وامرأة .

فرويد :

 معظم علاقات الحب القائمة بين الرجل والمرأة تسودها درجة من الاندماج بين الاشباع المباشر للبيدو في العلاقات الجنسية وبين لبيدو مكبوح الهدف . وهكذا فان الشخص نفسه يكون موضوعا جنسيا وموضوعا للمشاركة الوجدانية ،وحين يفشل هذا التركيب من اللبيد واللبيدو المكبوح الهدف يكون المرء غير قادر على ان يشاطر في علاقاته الجنسية شخصا آخر يشعر نحوه بالعاطفة .

+ دعني أوضح للقراء مفهومك للبيدو بأنك تقصد به الطاقة النفسية للهو ID الذي تعني به ذلك الجزء البدائي من الشخصية ومستودع الطاقة النفسية للفرد والمتضمن للدوافع التي تسعى الى الاشباع المباشر على وفق مبدأ اللذّة ، والذي لا يكترث بالقيم والأخلاق والدين ،ولا يهمه الله والناس والشرطة  قدر ما يهمه سعيه لاشباع حاجته الى المتعة ، صح ؟

فرويد :

صح . واضيف ان ما يحصل باستمرار في علاقات الحب بين الذكر والأنثى هو ان خصائص او صفات احد الشريكين يجري المغالاة في تقييمها ،في حين ان الشريك الآخر يبخس او يحط من قدر نفسه .

+ يبدو أن المعادلة لديك في الحب قائمة على طرفي السادي مقابل المازوشي ، وأن الرجل هو السادي دائما والمرأة هي المازوشية دائما؟

فرويد : وهل لديك شك في ذلك ؟

+ نعم ، لأني أرى أن الحب الحقيقي هو القائم على التكافؤ في اشباع الحاجات العاطفية والبيولوجية والنفسية لدى الطرفين لا أن يكون أحدهما ساديا والآخر مازوشيا . ثم الا يمكن ان يحصل العكس : ان يكون الرجل مازوشيا والمرأة سادية في العلاقة الجنسية ؟

فرويد :

  طبيعة المرأة مازوشية ، هذه مسألة محسومة عندي ، أما أن تكون العلاقة معكوسة كما ذكرت ، فهذا يحصل في حالة المرأة العصابية التي يتضخم حسد القضيب لديها ويتحول الى حقد تفرغه في رجل عصابي ايضا ..مازوشي ، وتبقى المعادلة قائمة حتى في الحالات المعكوسة مع أنها قليلة .

+   لو سألتك عن شخص ، رجل كان أم امرأة ، تربطه علاقة حب قوية بشخص آخر ..وأن هذا الشخص تركه او هجره ، وأن ذلك الشخص انتحر بسببه ..فكيف تفسّر لنا انتحاره؟.

فرويد :

 ان الحزن الطبيعي يمر بمرحلة حداد معينه يرجع بعدها الانسان الى واقعه الاجتماعي ويعمل على اقامة علاقات جديدة وموضوعات اخرى للمحبة والمتعة واللذة . اما في حالة اكتئاب الحب فأنه يصعب على  " الأنا " سحب اواصر المحبة ، بل أنه يشعر بالاثم والملامة ، وهو لوم موجّه الى "الحبيب" المفقود الذي غدر به وهجره. وبما أن الحبيب غير موجود فعلا ، وأنه متوحّد فيه ومتقمص له ، يصبح اختفاء الحبيب يثير فيه اللوم والكره والغضب الشديد ضده . ولأنه اختفى من الوجود فان كل العواطف المتعلقة به ترتد الى الذات فيصبح كره الحبيب كرها وعداء ضد الذات نفسها ،ويصبح تعذيب " الحبيب المفقود " لذيذا ومستساغا لدى الفرد كعقاب لما جناه بسببه . وعندما يوغل هذا التعذيب والتقريع للذات التي تقمصت " الحبيب – المكروه " الى حد تحطيم الذات وافنائها لكي يتم القضاء على " الحبيب – العدو "..عندها يحصل الانتحار .

+ هذا يعني أن العاشقة التي تنتحر بسبب هجر عشيقها لها تريد قتل العشيق الساكن في قلبها .

فرويد : بالضبط .

+ تفسير غريب اتركه للعاشقات وقد تكون فيه حكمة ، ودعني اسألك :هل ترى أن الحب مذ نشأ بين البشر كان على وفق ما ذكرت ؟.

فرويد :

    بين حياة الحب عندنا وبين حياة الحب عند الاقدمين هناك فرق يتوضح بالحقيقة التالية ، هي ان الاقدمين كانوا يهتمون بالغريزة ذاتها ، بينما نحن نهتم بموضوعها.

   كان الاقدمون يعظّمون الغريزة ، وكانوا مستعدين ان يبجّلوا من اجلها اي موضوع حتى ولو كان حقيرا" . بينما نحن نحتقر النشاط الغريزي في ذاته ، ونلتمس الاعذار له فقط بسبب جدارة الموضوع . وفي هذا المجال فان ما يدور بخلدي هي النظرية التي وضعها افلاطون بين شفاه ( أرسطو طاليس ) في كتابه " المأدبة " وهي النظرية التي لا تعالج الغريزة الجنسية فحسب ، بل تعرض أيضا" لأهم اشكالها في ماله صلة بالموضوع الذي تنصرف اليه اذ يقول :

    (( ان طبيعة الانسان الاصيلة لم تكن كما هي الان ، بل كانت مختلفة تمام الاختلاف عما هي عليه في الوقت الحاضر . فقد كان الناس اول الامر منقسمين الى ثلاث أجناس ،وليس الى اثنين كما هي الان ، كان هنالك جنس الرجال وجنس النساء وجنس ثالث يجمع بين خصائص الانثى وخصائص الذكر ، وكان كل شيء مزدوجا" في هذه المخلوقات البدائية ، كان لكل منها اربع ايد واربع اقدام ووجهان وعورتان الخ . حتى قرر الاله ( زينوس ) يوما" ان يشطر هذه المخلوقات شطرين . لكن الذي وقع بعد هذا التقسيم ان شطرا من الشطرين كان يشتهي نصفه الاخر ، وكانا اذا ما التقيا التفت الاذرع منها حول بعضها وتعانقا عناقا" عنيفا" كي يستعيدا وحدتهما . وكان العناق يطول حتى لقد كانا يتركان انفسهما على هذه الحال حتى يموتا من الجوع وبسكون ، لأن كل نصف كان يعانق كل شيء لا يشاركه فيه النصف الاخر )).

    وقد وصلنا من تأملاتنا الى ان الحب كان يفعل فعله منذ بدء الحياة والى انه يبدو كغريزة للحياة مقابل غريزة الموت منذ ان نفحت الحياة في المادة الجامدة . وقد كنا نلتمس من تأملاتنا هذه حلا لالغاز الحياة فذهبنا الى ان هاتين الغريزتين كانتا تصطرعان منذ بدء الخليقة .

+ بخصوص غريزتي الحياة والموت ، هناك نظرية للعالم الالماني " وايزمان " ( 1834 ـ 1914 ) حاول فيها ان يقدم تفسيرا" بايلوجيا ـ وانت متأثر بعلماء البايلوجي ـ للموت عند الكائنات العضوية . فقد قام بتقسيم المادة الحية الى جانب فان وجانب خالد . والجانب الفاني هو الجسم في اضيق معانيه . اما الخلايا التناسلية فانها خليقة بالخلود بمعنى انها تستطيع اذا واتتها الظروف ان تتحول الى فرد جديد ، أو بعبارة اخرى ان تحيط نفسها بجسم جديد . اي ان " وايزمان " ميّز بين جانب كتب عليه الموت هو البنية أو الجسم ، وبين نظريتك عن الغرائز التي ميزت ـ هي الاخرى ـ بين نوعين منها هما غريزة الحياة ـ بضمنها غريزة الجنس ـ وغريزة الموت . الا يبدو ما تقدمت به بديلا" ديناميكيا للنظرية التي قال بها ( وايزمان ) ؟ .

فرويد :

    نعم صحيح . ولكن الرأي الذي وصلنا اليه من سبيل يختلف عن السبيل الذي سلكه " وايزمان " تمام الاختلاف . وخاصة في ما يتعلق باراء " وايزمان " في مشكلة الموت . " فوايزمان " لا ينسب التمييز بين البدن الفاني وبين خلية التناسل الخالدة الا للكائنات العضوية الكثيرة الخلايا . اما الكائنات ذات الخلية الواحدة فما تزال فيها الخلية الفردية والخلية التناسلية خلية واحدة لا تفرقة بينهما ولا تميز . ومن ثم ذهب " وايزمان " الى ان الكائنات العضوية الوحيدة الخلية خالدة بالقوة ، والى ان الموت لا يظهر الا بظهور الكائنات ذات الخلايا الكثيرة . اي ان الموت الطبيعي ـ بمفهوم وايزمان ـ يلازم حياة الحيوانات العليا . وهذا يعني بان الموت كان امرا" لم تعرفه الكائنات العضوية الا في عصر متأخر

+ أريدك أن تعترف : كم مرّة جربّت الحب وعشته فعلا ؟

فرويد :

        مرّة واحدة ..وكان لزوجتي مارتا برنايس .

( الحلقة القادمة :دين وسياسة ..وأرقام سحرية )

 

حوار مع فرويد -5

+ لقد وصفت عصاب القهر بأنه دين خاص مشوه،والدين بأنه عصاب قهري عام .هل يعني هذا انك لا تؤمن بالدين ؟ .

اننا حاولنا ان نحدد للدين مكانة في تاريخ تطور الانسانية ليبدو انه كسب خالد ، بقدر ما يبدو انه نظير للمرض النفسي الذي لا بد ان يجتازه الانسان المتحضر وهو يتطور من الطفولة الى سن النضج ، وكان التحليل النفسي اخر ما تصدى بالنقد للنظرية الدينية الى الكون ، اذ رد اصل الدين الى عجز الطفولة وقلة حيلتها ، كما رد مضمونة الى بقاء رغبات الطفولة وحاجتها حتى سن النضج . وهذا لا يتضمن على التحديد دحض الدين ، لكنه تهذيب ضروري لمعلوماتنا عنه على اننا لا نتناقض مع الدين الا حين يدعي انه ذو أصل الهي .

+ اذا كان تاريخ نشوء غريزتي الحياة والموت يعود ـ من وجهة نظرك ـ الى اللحظة التي نفخت فيها الحياة في المادة الجامدة . فاين يبدأ تاريخ نشوء الدين ؟

فرويد :

في التصور البدائي للكون الذي ينسب الارادة للجمادات مبدأ المغالاة في تقدير اهمية الواقع النفسي، واكتشفت مبدأ ( القدرة المطلقة للافكار ) الذي يوجد بدوره في اساس السحر , ومضيت في مقارنته نقطة فنطقة بعصاب الوسواس القهري ، فبينت ان كثيرا" من مسلمات الحياة النفسية البدائية لا تزال فعالة في ذلك الاضطراب الغريب . ولكن كثيرا" ما اجتذبتني في الطوطمية ـ اول اساليب النظام الاجتماعي في القبائل البدائية ـ اسلوب اتحد فيه النظام الاجتماعي بدين ساذج ، وسيطرة صارمة لعدد ضئيل من نواهي التابو . في ذلك النظام الكائن المقدس هو دائما" وابدا" حيوان تدعي القبيلة انها انحدرت منه , ومن الدلائل الكثيرة ثبت ان كل جنس من الاجناس ايا" كانت درجة رقيه قد مر لا محالة بطور الطوطمية . كانت نقطة بدايتي هي ذلك التقابل البارز بين الامرين اللذين حرمتهما الطوطمية ، أعني ( تحريم قتل الطوطم وتحريم الاتصال الجنسي بأية امرأة من عشيرة الطوطم نفسها ) وعنصري عقدة اوديب ( قتل الاب واتخاذ الام زوجا" ) . ولم يبق الا القليل كي اقرر ان قتل الاب هو نواة الطوطمية ونقطة البداية في نشأة الديانة .

+ لنتحدث عن السياسة : لقد كان " فلهم رايش " أحد المقربين اليك ، فقد كان عضوا" في جمعية فيينا للتحليل النفسي عام 1920 . ولكنه اضطر في ما بعد الى ان ينفصل عن التحليل النفسي لأسباب سياسية ، لان ( رايش ) كان عضوا" في الحزب الشيوعي النمساوي ثم عضوا" في الحزب الشيوعي الالماني الذي قرر طرده باعتباره مضادا" للثورة . فهل لحركة التحليل النفسي موقف سياسي معين ؟.

    وبالمناسبة ، لقد وصفك ( براون ) بانك خير معبّر عن برجوازية فيينا ، في حين يعدّك ( رايش ) ثوريا" وناقدا" للاخلاق البرجوازية ويتفق معك في دور الجنس في حياة الانسان والتطور الاجتماعي بشكل عام فانت تعتبر الغريزة الجنسية :

    (( هي السيد المطاع الذي يسيطر على الافراد والامم . وكثيرا" ما يتوقف تاريخ الشعوب والأسر على الاهواء التناسلية )).

    وان " رايش " عزا سبب الحرب العالمية العظمى الى الحياة الجنسية غير المشبعة للقيصر وللارستقراطية .

فرويد :

    هنا يجب ان اجيب عن ثلاثة اسئلة ، " رايش " والجنس والماركسية . في ما يتعلق بقولي أعلاه عن الجنس ، فان المعارضين لنا اعلنوا بعد انتهاء الحرب العظمى عام 1918 ، ان الاحداث تمخضت عن برهان قاطع ينفي صحة التحليل النفسي . قالوا : ان عصاب الحرب اثبت ان العوامل الجنسية ليست ضرورية في تقليل الاضطرابات العصابية . بيد ان انتصارهم كان فجأ .

    فمن ناحية ، لم يستطيع أحد ان يقوم بتحليل كامل لحالة واحدة من حالات عصاب الحرب. فلم يعرف اي شيء معرفة اكيدة بخصوص الدوافع، ولم يكن بوسع احد ان يخلص من هذا الجهل بنتيجة ما .

   وبخصوص " رايش " فقد كنت مدير تحرير المجلة الدولية للتحليل النفسي ، وكنت  استلمت بحثا"  له ترددت كثيرا" في نشره مع التعليق التالي الذي اضيف بأسم هيئة التحرير :

    ( ثمة ظروف خاصة تدعو الناشر الى ان يلفت نظر القارىء لنقطة يأخذها عادة مأخذ التسليم . ان هذه الصحيفة في اطار التزامها بالتحليل النفسي تعطي لكل كاتب من كتّابها الحرية الكاملة في أبداء رأيه الخاص ، ومن ثم فانها غير مسؤولة على الاطلاق عما تتضمنه هذه المقالات من اراء خاصة بأصحابها . ولكن فيما يخص مقال دكتور " رايش " فاننا نريد ان نحيط القارىء علما" بأن كاتب المقال عضو بالحزب البلشفي ، ومن المعروف الان ان البلشفية تفرض على البحث العلمي قيودا" وحدودا" تماثل ما تفرضه الكنيسة ) .

    اما الماركسية ، فان بعض القضايا في نظرية " ماركس " تبدو غريبة في نظري ، كالقول بأن تطور أشكال المجتمع يخضع لقوانين طبيعية ، وان التغيرات التي تتناول الطبقات الاجتماعية يصدر بعضها عن بعض نتيجة لعمليات جدلية ومنطقية . انهم ـ الماركسيون ـ يميلون الى ان يرجعوا الطبقات في المجتمع الى الصراع الذي يقوم ، منذ بدء التاريخ ، بين مختلف العشائر ، فقد كانت تلك العشائر يختلف بعضها عن بعض اختلافا" طفيفا" . والرأي عندي ان الفوارق الاجتماعية ترجع الى هذه الفوارق الاصيلة بين القبائل أو السلالات . اما ما كان يرجح كفة النصر فعوامل نفسية كمبلغ العدوان المجبول في النفوس ، أو درجة التماسك بين افراد العشيرة ، وعوامل مادية كامتلاك اسلحة امضى وافضل . حتى اذا ما قدر للعشائر المختلفة ان تعيش معا" على صعيد واحد ، اصبح المنتصرون سادة والمهزومون ارقّاء . وليس في كلّه ما يشير الى قوانين طبيعية والى تطور الافكار .

    ومن جهة اخرى لا يفوتنا ان نعترف بما لتحكم الانسان المطرد في قوى الطبيعة من تأثير بالصلات الاجتماعية بين الناس . ذلك  ان الناس جبلوا على ان يضعوا كشوفهم العلمية الجديدة طوع ما لديهم من حاجة الى العدوان ، فيستخدمونها بعضهم ضد بعض .

    فاكتشاف المعادن والبرونز والحديد قضى على بعض عصور الحضارة وما يصحبها من تنظيمات اجتماعية . كما اعتقد في الواقع ان البارود والاسلحة النارية قلبت عهد الفروسية واطاحت بسيطرة الطبقة الارستقراطية . وان الاستبداد الروسي كان مقضيا" عليه حتى قبل ان يخسر الروس الحرب . لأن اي قدر من التزاوج بين الاسر الحاكمة بأوربا ، لم يكن يتسنى له ان ينجب سلالة من القياصرة تستطيع ان تثبت امام القوة المتفجرة للديناميت .

+ هناك من يصف نظريتك بانها تشاؤمية . ويدلل على ذلك بما جاء في كتابك ( مستقبل وهم ـ the future of an allusion ) فهل كان لفلسفتي " نيتشه وشوبنهور " تأثير عليك ؟

فرويد:

    ان الاتفاق الكبير بين التحليل النفسي وفلسفة " شوبنهور " لا ينبغي ان يرد الى وقوفي على تعاليمه . فقد قرأت " شوبنهور " في وقت جد متأخر من حياتي . اما " نيتشه " ذلك الفيلسوف الذي طالما تتفق تخميناته واحداسه اتفاقا" عجيبا" مع كشوف التحليل النفسي الشاقة ، فقد تجنبته زمنا" طويلا" لنفس السبب .

+ دكتور فرويد ، هل تؤمن بالأرقام السحرية ؟

فرويد : مثلا"؟

+ السبعة . فالحكماء سبعة ، وكنائس أسيا سبع ، والليالي التي اهلكت قوم " عاد " سبع ، وان " أهوار مزدا " الذي وصفه " زرادشت " ــ وانت مولع به ــ له سبع صفات :

 النور والعقل الطيب والحق والسلطان والتقوى والخير والخلود ، ووصايا الكنيسة سبع : اسمع القداس ايام الاحد والاعياد والمأمور بها وانقطع عن الزفر يومي الاربعاء والجمعة واعترف بخطاياك للكاهن ولو مرة في السنة  وتناول القربان المقدس ولو في عيد الفصح  واوف البركة وامتنع عن الاكليل في الازمنة المحرمة ، وعجائب الدنيا سبع ، والفضائل سبع ، والقناديل التي ترشد الناس الى طريق الخلاص في الكوميديا الالهية سبع ، وختم سليمان ذو رؤوس سبع ، وهنالك عادة متبعة عند قبائل البونيرو ــ وهذه تهمّك جدا" ــ تقوم على اختيار ملك زائف كل عام من عشيرة معينة بالذات وهم يفترضون انه يتقمص شخصية الملك الراحل ويباح له بذلك الاتصال الجنسي بارامله في المعبد الذي دفن فيه الملك  ثم يقتلونه بعد ان يحكم سبعة أيام ، وان البقرات العجاف والسمان سبع ، وقد اعتبرت ــ في كتابك تفسير الاحلام ــ البقرات السبع السمان التي اكلتها البقرات السبع العجاف بديلا" رمزيا" لسبع سنين من المجاعة ، ولكل اله او ملك سبع ارواح ، وان سفر الرؤيا يذكر ان الله يوم القيامة يفتح كتاب الاقدار ويفض الاختام السبعة .

فرويد :

 فيما عدا الاختام السبعة فليست لي علاقة بالرقم سبعة ، والاختام السبعة هي : انا و جونز ، اينجون ، ابراهام ، رانك ، ساكس ، وفرنتزي ، وقد اهديت لكل واحد منهم حجرا" اثريا ليرصّع به خاتما" ، رمزا" للرباط الوثيق بضم حركة التحليل النفسي .

+ وانا متفق معك بأنه ليست لك علاقة بالرقم سبعة ، ولكن علاقتك برقم سحري أخر هو ( 3 ) فهناك اكثر من ثالوث في نظريتك .

فرويد : كيف ؟

+ أحسب معي لو تكرمت :

 لقد قسمت الشخصية الى ثلاثة اقسام هي : الأنا والأنا الدنيا والأنا العليا . ( وربما كان لهذا علاقة بــ " الله والابن وروح القدس " ) والعقل من وجهة نظرك ينقسم الى ثلاثة اقسام هي :

الشعور وما قبل الشعور واللاشعور .

والمناطق الشهوية في الجسم ثلاث هي : الفم والمخرج والاعضاء التناسلية . ( وبالمناسبة فانك تفحص ان كان التدخين فمّيا" لاننا نمسك السيكارة بفمنا ، أو أنه شرجي لان السيكارة تخّلف رمادا" ، او انه تناسلي بسبب شكل السيجارة ! )

ومراحل النمو الجنسي ثلاث هي : مرحلة قبل التناسلية ،ومرحلة الكمون ، والمرحلة التناسلية .

وان عقدة اوديب لها ثلاث حالات : سالبة أو موجبة أو مقلوبة . والنظام والبخل والعناد صفات ثلاث للشخصية توجد معا" بانتظام .

والدوافع ثلاثة اصناف : سادية ومازوخية ونرجسية . هه ، كم اصبح العدد ؟

فرويد : سبعة !

+ حسنا" لا اطلب تفسيرا" لذلك ، ولكن يصف البعض نظريتك ومنهجك في البحث كالبيت الذي كتب على واجهته : ( اهجروا كل منطق يا من تدخلون هنا ) اي ان المعايير العلمية لا تنطبق على التحليل النفسي .

وبالتالي فان التحليل النفسي ليس علميا" ، بل هو خليط من احتمالات بعيدة في براعة على نحو يجعلها تبدو معقولة للبعض .. فما هو رأيك ؟

فرويد :

  لقد بدأ لي ان الحائل الرئيسي دون تسليم المناوئين بالتحليل النفسي ، انهم عدّوه نتائج شطحاتي الخيالية ، واصروا على الا يؤمنوا بالعمل الطويل المثابر غير المتحيز الذي ادى اليه . وحيث ان التحليل النفسي لا شأن له في زعمهم بالملاحظة او التجريب، احّلوا لانفسهم رفضه دون تجريب . في حين ان غيرهم ممن كانوا اقل يقينا" بتلك الحجة ، كانوا في مقاومتهم يصطنعون الحيلة القديمة ، واعني رفض النظر من خلال الميكرسكوب حتى يتجنبوا رؤية ما انكروه.

+ ولكنك تقول عن اعمالك ما نصه :

( ولعل بعضهم يسألني عن مدى اقتناعي بصحة الفروض التي قدمتها . وجوابي على هذا انني انا نفسي غير مقتنع بها ، ولا اطلب من الاخرين ان يؤمنوا بها . وبعبارة افضل انني لا اعرف مدى ايماني بها ) .

فرويد:

مع ذلك فأنني حين  انظر الى ما اديته من اعمال ، اجد نفسي انني وضعت كثيرا" من البدايات . واوحيت بكثير من الامور التي سيخرج منها شيء في المستقبل ولو انه لا يسعني ان اتكهن كثيرا" ام قليلا" عما سيكون ، غير انني اعرب عن رجائي في ان اكون قد شققت الطريق الى تقدم هام في المعرفة الانسانية .

+ شكرا" دكتور فرويد.

*رئيس الجمعية النفسية العراقية
 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة مقالات