رحيم العراقي

 

 

 

رحيم العراقي

التلفزيون : هل إنتهى...؟

 مؤلف كتاب : نهاية التلفزيون هو جان لويس ميسيكا، الذي يدرس منذ عام 1984 علم اجتماع الإعلام في معهد العلوم السياسية في باريس، والذي عمل رئيساً ومديراًعاماً للقناة التلفزية الثانية(1979 ـ 1984)، ورئيس تحرير مجلة «ميديا بولتيك»)6891 ـ 1988)، ورئيس قسم الإعلام والاتصال لدى رئيس الوزراء(1988 ـ 1991). لقد قام «ميسيكا» بأعمال متعددة منها بوجه خاص: أضرار التقدم ـ العمال في مواجهة التحولات التكنولوجية(1977)، الشبكات المفكرة(1978)، المخيلة ـ التلفزيون في المجتمعات الديمقراطية (1983) المؤسسات العامة للتلفزيون(1997) الخ. لم يعد التلفزيون كما كان الأمر في الماضي، انه يغرق اليوم في بحر من الشاشات الصغيرة، وفي عالم من الشبكات والهواتف المتنقلة، انه يتشظى إلى غابة من البرامج والمحطات المتخصصة. هذا يعود إلى عوامل عديدة من التقدم التكنولوجي، والنماذج الاقتصادية والمهارات المهنية والتحولات الثقافية والثورة الرقمية. لقد عرف التلفزيون بذلك تحولاً هائلاً، مترافقاً بنفس الوقت مع تحولات واسعة لدى المشاهدين، والنتيجة هي بروز علاقة مختلفة بين التلفزيون والجمهور لم تكن موجودة من قبل. من هنا يركز الكاتب على ثلاثة أجيال من التلفزيون
ـ التلفزيون الكلاسيكي، الذي يشكل جيل الاكتشاف والانبهار أمام الشاشة الصغيرة والذي يمثل الفترة الذهبية للذاكرة الجماعية للنظارة. إنه التلفزيون الذي يتحكم بالطلب عليه ويقيم علاقة تراتبية مع جمهوره وذلك على قاعدة مفهوم بسيط جداً للحياة الاجتماعية: هناك من يملكون المعرفة التي تبثها النخبة التلفزية وهناك النظارة الذين يتلقون هذه المعرفة. وبهذا فإن الكلام كان يكتسي هالة قدسية وهو محصور فيمن يملكون «الهيبة» سواء في المجال السياسي أم الفني أم الفكري. ويمكن استغراب وضع الدولة يدها على التلفزيون كحيز عمومي مستقل عن السلطات السياسية. إلا أن الظروف تفسر ذلك وهي استمرار صدمة الحرب العالمية الثانية في النفوس، وتعاون محطات الراديو الخاصة مع العدو النازي، والخوف من التوليتاريات المشرقية
لقد أدى هذا إلى وصاية رسمية على الحيز بحيث إن المشاهد التلفزيوني كان ينظر إليه كـ «تلميذ» أمام أداة إعلامية ثقافية ـ سياسية. وهذا نفسه كان يترافق مع نظام «الدولة الراعية» لشؤون المواطنين وتقديم خدمات عامة لهم، بحيث إن النزعة الفردية لدى المواطنين كانت «نزعة سلبية»، أي مؤطرة ومقيدة من قبل الدولة باتجاه تدعيم دورها. ـ التلفزيون الجديد الذي بدأ بروزه خاصة مع التحرر التكنولوجي من مسألة الإرسالية المحدودة ومع تطبيق خطة تلفزية منذ عام 1982 تسمح بانتشار تلفزيونات متخصصة في هذا الميدان أو ذاك، والعمل على خصخصة القطاع التلفزيوني. لقد أعطى ذلك كله مشهداً جديدا للتلفزيون وخلق مشكلة هوية. فإما أن يلعب التلفزيون العام ورقة المنافسة مع المحطات التلفزية الأخرى، وهذا يعني فقدان هويته، وإما أن يلعب ورقة الاختلاف عنها. وهذا يعني أنه يغامر بجمهور المشاهدين له الأمر الذي لم يجد حلا حتى اليوم.
ومن جهة ثانية فإن الجمهور (أو على الأقل قسم منه) أصبح أمام اختيار واسع مع تعدد البرامج التلفزية، وبالتالي فإن مسألة اجتذابه واستبقاء وفائه أصبحت مركزية لأنه أصبح «سيد الطلب» على عكس ما كان في الماضي. لقد أصبح راشداً قادرا على فك الرسائل التلفزية وعلى إعطاء أحكام عليها وعلى التحول عنها إن لم تدخل في دائرة مشاكله واهتمامه. وفي الوقت الذي دخل فيه التلفزيون «غرفة النوم» فإن العمل التلفزي وجد نفسه متوجها نحو ما هو «خاص» و«حميمي» في حياة الفرد. فإذا كان هذا الأمر موجود سابقاً، إلا أن طريقة جديدة بدأت تفرض نفسها منذ الثمانينات إذ انتهى الأسلوب التربوي، من أجل تلفزيون يناسب عامة الناس؟ ويبحث من المؤانسة معهم والاهتمام بحالاتهم النفسية؟ أي بما يجعله مشاركا لهم في حياتهم اليومية وبما يرضيهم وينفس عن كربهم. فصدمة الحرب العالمية الثانية أصبحت بعيدة، وانتهت صدمتا أسعار البترول الأولى والثانية، وبدأ مجتمع الاستهلاك والوفرة يتفكك مع تهديد البطالة، وتعاظم انحلال شبكات العلاقات الاجتماعية التقليدية (الأسروية والمذهبية والمؤسساتية) وانتشرت أزمة الحياة الخاصة والعاطفية (الانفصال بين الزوجين، اضطراب الحياة الجنسية...) هكذا فالحاضر بلا استقرار والمستقبل بلا أفق مما جعل التلفزيون يقوم برصد ما هو «دون ـ اجتماعي» أي بما هو شخصي وحميمي يضطلع بدور المعزّي والمتعاطف والمتضامن مع الأفراد في حياتهم الجديدة. وفي مواجهة «الكلام المبجَّل»، كلام العالم والاختصاصي والرجل السياسي، حلّ الكلام العادي للفرد حول عزلته وتجربته الشخصية ومصاعبه. لقد تم الانتقال من «نحن» الجماعية إلى «الأنا» الفردية التي تريد عرض مشاكلها والمشاركة في الكلام التلفزي. إن هذه الأنا الفردية هي «البطل الجديد» العادي للتلفزيون الذي يمكن للمشاهد أن يتعرف عليه كصورة له بشكل أو بآخر.
هذا ما نجده في البرامج التي لاقت نجاحاً واسعاً عند الجمهور: «السيف والميزان» و«حالة طلاق» و«ليل البطل» و«الحب في خطر» و«حالة صدمة» و«مشاهد رقم 1» إلخ... ولكن هذا النجاح سرعان ما يخبو لأن تلفزة الآلام النفسية والحياة العادية والمشاكل اليومية يصعب أن تستمر دون أن تخلق ظاهرة «الإشباع الجماعي لها». ـ ما بعد ـ التلفزيون، إذا كان المؤلف قد شدد على المرحلة أو الجيل الثاني للتلفزيون فلكي يبين القطيعة التي تمت بينه وبين الجيل الثالث أو جيل ما بعد ـ التلفزيون ـ لماذا؟ لأن ليس من شأن أي شخص أن يتحدث بما هو مفيد، و«إنما من شأنه أن يقول أي شيء كان، بلا نفع أو جدوى». وهذه القطيعة تتوّج سياق تطلعات جديدة اجتماعية ـ ثقافية، أي أن تطوّر المجال السمعي ـ البصري لا يتعلق بشروط داخلية له، بقدر ما يتعلق بتحوّل مستجد في الحياة الاجتماعية. لقد تأكدت خلال الخمسين سنة المنصرمة قيمة أساسية ومعيارية ألا وهي «الاستقلالية الفردية» التي أصبحت تشكّل نمطاً في قراءة المجتمع والعلاقات مع الآخرين. ثمة تعزز لانتقال الفرد من تابع للأسرة ولمجموعات الانتماءات الأخرى التقليدية ليصبح دون انتماء إلا لنفسه،خاصة وأن انهيارات الهويات الطبقية لمجتمع الحداثة قد تحولت مع مجتمع ما بعد الحداثة، ومع تفسخ اليقينيات الاجتماعية المشتركة. وإذا كانت الروح الفردية «سلبية» في الجيل الأول للتلفزيون وتنتظر ما يقدمه لها، وإذا كانت بحاجة إلى المواساة والمشاركة في الكلام التلفزي في الجيل الثاني للتلفزة،فإنها أصبحت نزعة فاعلة جذرية تطرح وجودها الذاتي في وجه الأستذة عليها، وتفتحها الكامل ضد ما تعانيه، والتعبير عن نفسها ضد أي قيد، بحيث أصبح ذلك كله حقوقاً لها لا يمكن المساس بها. إن مبدأ المجتمع الجديد هو «هذا اختياري» كعلامة على الإرادة والاضطلاع بالاختلاف وقبول المآسي التي تواجه هذا الاختيار. وبهذا لم يعد الفرد ينتظر من التلفزيون «إرشاده» أو «تعزيته»، وإنما يطالب «بإثبات وجوده» والتأكيد على هويته، وعلى «حقه في الكلام» بحيث يصبح التلفزيون صدى لذلك. كان يكفي توسيع الثغرة التي منحتها المرحلة السابقة ليصبح الكلام حق الجميع، حيث كان يمكن للفرد أن يصل إلى التلفزيون منذ اللحظة التي كان يعاني فيها «أشياء غريبة»، أي «غير مألوفة فيما هو عادي». أما المرحلة الآن فتقوم بهدم هذا المتطلب،إذ ليس للفرد أن يعيش حياة داخلية منهارة، ولا عزلة قاتلة، ولا كارثة زوجية... لكي يصبح مسموعاً ومرئياً. يكفي أنه موجود كقيمة بذاتها ولذاتها، وأن ما يعيشه هو تعبير طبيعي عن هذا الوجود الذي يجب الاضطلاع به. وليس على المشاهد اليوم أن يبحث عن التشابه مع المتحدث التلفزي، لأن ذلك معارض للأصالة الفردية، الأصالة التي تؤكد على نفسها بالبحث عن الاختلاف وبمرجعية الفرد لذاته.. هكذا أصبح حلم العبور على الشاشة الصغيرة عاماً مع انتشار النزعة الفردية الجذرية التي تتحوّل إلى شخصية أصيلة متفردة بقوة الصورة. هذه الآلية الجديدة تعكس واقع الحياة الاجتماعية في الحياة الغربية فالمثال الفردي اليوم، أي أن يكون الفرد ذاتا مستقلة عن غيرها، وباحثة عن الاختلاف مع الآخرين والفوز عليهم، إنما يستلزم الصراع ضدهم أو تحويلهم إلى أدوات بيده وتفجير القواعد الاجتماعية المشتركة. هكذا فإن التلفزيون يقدم على طريقته نموذج الفردية الجذرية متعرضا بذلك إلى العلاقة الاجتماعية وطارحا فيما وراء ما نراه أسئلة عديدة: كيف يمكن التأكيد على الذات والعيش في مجتمع واحد؟ هل هذا التوافق معها أم لا؟ وبأي ثمن؟ وما هو نمط العقد الاجتماعي الجديد؟ ما هي القيم التي يجب اتخاذها مرجعية؟ هذا الواقع الاجتماعي المفتت يتواكب مع واقع التلفزيون التجاري الذي أصبح نوعا من غابة يسودها التنافس وصراع مختلف الأقنية على البقاء. علاوة على ذلك فإن الفرد الجديد بدأ يعرض عن الشاشة الصغيرة، إذ شرع يبحث عن تلبية حاجاته الإعلامية والاتصالية عبر وسائط تكنولوجية حديثة وذلك خارج دائرة هذه الشاشة. لقد غدا المستهلك «البدوي» المتنقل بين مختلف الأقنية والوسائط الإعلامية لكي يضع هو البرنامج الذي يريده ويلبي رغباته الشخصية. والتلفزيون في ذلك كله إنما يعاني عدم استقلاليته الاقتصادية ونماذجها السابقة بخضوعه أكثر فأكثر لسوق الإعلانات التجارية التي تتحول شيئا فشيئا نحو الانترنت بما يزعزع وجوده. وفي هذا الواقع الجديد فإن الحدود بين الصحافي المحترف وبين الهاوي تضطرب أكثر فأكثر، إذ أصبح الناس غير قادرين على صنع الصورة والصوت بالوسائل التكنولوجية الجديدة التي يمتلكونها وحسب. وإنما بإمكانهم أيضا بثها على الانترنت. وأن يكونوا مصدرا للأخبار «وبرامج التسلية» لاسيما وان الاحداث المتلاحقة منذ حرب أفغانستان حتى حرب العراق تبين هشاشة المسلكية والمصداقية والثقة في ساحة العمل التلفزيوني. إن القول بمعطيات أخرى منافية لهذا كله، لا يلغي اطلاقاً حقيقة التوجهات التي تعطي منذ اليوم أعراض اندثار التلفزيون والحاجة إلى تأسيس تلفزيون جديد يتواكب مع إقامة علاقة اجتماعية جديدة

 

**************

 

مشاركاته في النخلة والجيران

  العودة الى صفحة فنون