|
مؤلف كتاب
شفافية الخطاب ووسائل الاتصال الجماهيري والإعلام .. هو
"باتريك شارودو"، مدير مركز تحليل الخطاب في باريس 13، وأستاذ
علوم اللغة في جامعة باريس ـ الجنوب. لقد قام "شارودو" بعديد
من المساهمات الفكرية وتأليف العديد من الكتب في ميدان اختصاصه
ومنها: "اللغة والخطاب" (1983)، "المقابلة التلفزيونية"
(1986)، "النقل السينمائي" (1988)، "التلفزيون، المناظرات
التلفزيونية" (1991)، "الحقيقة في فخّ المؤثرات العاطفية"
(2002)، "معجم تحليل الخطاب" (2002). يشكل الخطاب الإعلامي
قاعدة الديمقراطية لأنه يمكّن من نسج علاقة اجتماعية لا يمكن
بدونها تكوين شعور الانتماء للمجتمع. من هنا تبرز أهمية وسائل
الإعلام في الحياة الاجتماعية. إلا أن هذه الوسائل أصبحت منشآت
لصنع الأخبار والأحداث والرأي العام بما حولها إلى آلة
إعلامية، حسب تعبير الكاتب. في الجزء الأول يتعرض البروفيسور
شارودو إلى الإعلام كنشاط لغوي اجتماعي. ذلك أنه إذا كان هناك
من ظاهرة إنسانية واجتماعية تتعلق باللغة، فإنها ظاهرة الإعلام
تحديدا، لماذا؟ لأنها تكمن في نقل ما يمتلكه فردا ومجموعة من
معلومات ومعارف وأخبار إلى الآخرين بواسطة اللغة. وبهذا لا
يمكن قصر هذه الأخيرة على نظام من العلامات اللغوية وكفى وإنما
تتجاوز ذلك إلى نظام قيم يتحكم باستخدام هذه العلامات في ظروف
محدودة ولإنتاج معنى العلاقات الاجتماعية. لقد أخذ الإعلام
انعطافا جديدا منذ أن أصبح مرتبطا بإطار نشاط اجتماعي مهني.
هكذا فمن نشاط يقوم به أي فرد في علاقته مع الآخرين، أصبح
الإعلام فعالية قطاع اجتماعي بحد ذاته، هو القطاع الإعلامي
الذي تكمن مهمته بطرح واستقصاء ما يجري للمواطنين. والأمر كذلك
فلقد أصبح هذا القطاع الإعلامي عرضة للنقد الاجتماعي بما
يجعلنا أمام خطابين بآن واحد: خطاب الإعلام وخطاب تسويغ
الإعلام. فإذا كان الصحافي يقول "هذا ما يجب معرفته"، فإنه
مضطر في الوقت نفسه للقول "هذا ما يبرر ما أنقله إليكم".
والمشكلة في البلد الديمقراطي لا تُطرح حول لماذا الإعلام؟
وإنما حول من يقوم به، وما هي الحقيقة فيما يكتب أو يذاع أو
يُتلفز؟ وما هي الأهداف الكامنة أو العلنية في هذا الإعلام؟
وما هي الاختيارات والإكراهات التي يعيشها؟ هذا ما يطرح مسألة
"العقد الإعلامي". فكل خطاب يرتبط كما رأينا بالشروط الخاصة
المتعادل بين مرسل ومستقبل يبرز فيه هذا الخطاب. إن "الحالة
الإعلامية" تشكل إذن في الإطار المرجعي لأفراد ومجموعات مجتمع
ما عندما يدخلون في اتصال فيما بينهم، إذ كيف لهم أن يتبادلوا
الكلام وأن يؤثروا على بعضهم بعضا، وأن يعطوا قيمة لأفعالهم
الكلامية دون أن يأخذوا بعين الاعتبار آليات الاتصال لديهم؟ إن
البشر يحتاجون إلى "تسوية" لممارساتهم الاجتماعية والتي يحاول
الأفراد أو الجماعات أن يقيموها فيما بينهم لتأمين حياة مشتركة
وعبر الخطابات التي ينتجونها بتبرير هذه الممارسات وجعلها
قواعد لضبط علاقاتهم، وإلا فإن حرب الكل ضد الكل تسود فيما
بينهم. هكذا تتشكل معايير لسلوكياتهم بما يجعلهم في إطار اتفاق
مسبق فيما بينهم، أي بما يربطهم بعقد يوفر إمكانية الاتصال بين
الجميع، الأساسية الخاصة بوضعية التبادل. السؤال هو من يتبادل
الكلام مع من؟ أو من يتوجه عن؟ سواء أكان ذلك يتعلق بفرد بحد
ذاته أو بفرد ضمن فئة اجتماعية بحيث لا يمكن للفعل الاقتصادي
أن يتجرد من هذه "الهوية الاتصالية" بالذات. كما أن غاية
الاتصال تشكل جزءا من العملية الاتصالية نفسها، لأن هذه
العملية تنتظم حول مقاصد محددة ترد على السؤال التالي: نحن هنا
ولكن من أجل أن نقول ماذا ومن أجل أن نصل إلى أي هدف؟ وإلا فإن
الاتصال نوع من إضاعة الوقت. إن المعطيات الداخلية للاتصال ترد
على سؤال "كيف نتحدث؟" أي الكيفية التي يقوم بها المتخاطبون
بالفعل الاتصالي وبالتالي في الأشكال التي يستخدمونها. هذا ما
يطرح عددا من المسائل وعلى رأسها "مجال التخاطب" نفسه، أي
المجال الذي يجب فيه على الفرد أن يبرّر "أخذ الكلام" بمعنى
"باسم ماذا، ولماذا؟". وبما ينسج له مكانا في العقد الاتصالي.
وهناك "مجال العلاقة" أن الفرد الإنساني يدخل في كل فعل اتصالي
بعلاقة قوة أو مخالف إقصاء أو مشاركة، تضامن أو تباعد مع
الآخرين في العملية الاتصالية. وأخيرا لا يمكن لهذا الفرد أن
يقوم بالفعل الاتصالي نفسه إلا على ضوء مجال تنتظم فيه ميادين
المعرفة، أي موضوع التبادل مع غيره، وإلا لأصبح هذا الفعل ضمن
مادة معينة. في هذا كله إذا كان الفرد البشري ملزما بالعقد
الاتصالي، فإنه يملك بنفس الوقت الحرية في تحقيق جزء من مشروعه
هو في الاتصال، سواء عبر استخدام التعابير التي تميّزه أم بناء
المعنى الذي يطرحه أو الإلحاح على موضوعات يراها دون غيرها في
العملية الاتصالية. ومن هنا فإن العقد الاتصالي الموضوعي
والمشروع الشخصي للفرد يدخلان في علاقة جدلية إن لم نقل
متكاملة. فإذا كان الأول يشكل إطار متطلبات التخاطب فإن الثاني
يستجيب لإستراتيجية ذاتية، تجعل من فعل التخاطب، فعل حرية وإن
كانت "حرية معقدة" حسب تعبير الكاتب. والواقع أن الفعل
الاتصالي الإعلامي يقيم علاقة بين طرفين، طرف الإرسال وطرف
الاستقبال وبما يجعلها في إطار عقد ديمقراطي. إلا أن الأمور
أعقد مما نراه لأول وهلة بسبب تناقضات الديمقراطية نفسها إن لم
نقل مفارقاتها. فإذا كان المبدأ الديمقراطي يكمن في حق جميع
المواطنين بالإعلام، فإن قسما كبيرا منهم لا يتمتع بذلك فعليا.
وإذا كان على الإعلام أن يكون موضوعيا وموثوقا، فليست جميع
المصادر الإعلامية التي تبث الأخبار والوقائع موضوعية وموثوقة.
وإذا كان لجميع المواطنين أن يعرضوا وجهات نظرهم وآراءهم، فإن
جميع وسائل الإعلام لا تحقق لهم ذلك.هكذا فإن الإعلام يجد نفسه
في فخ هذه المفارقات بل إن "غاية العقد الاتصالي الإعلامي"
تغدو في توتر دائم بين هدفين يحمل كل واحد منهما منطقه الخاص
به والمتعارض مع الآخر: هدف اطلاع الجمهور القارئ أو المستمع
أو المشاهد وذلك طبقا لمنطق يجعل من كل فرد مواطنا مطلعا على
شؤون مجتمعه ومشاركا فيها ومتمكنا من تحقيق اختياراته على
بيّنة ووضوح. هدف اجتذاب الجمهور الأوسع تمشيا مع منطق تجاري
من أجل بقاء المؤسسة الإعلامية في حلبة سوق المنافسة
الاقتصادية مع غيرها من المؤسسات وتحويل المواطنين إلى
مستهلكين لسلعة الأخبار. بعبارة أخرى نحن أمام عقدين في
النهاية. عقد الاتصال الإعلاني المرتبط بأصحاب الإعلانات والذي
يستخدم الوسائل الإعلامية لترويج البضائع الجدية ويجعل من
مختلف الصناعات الثقافية سلعة استهلاك. وعقد الاتصال الإعلامي
القائم على تقديم ما يعرفه ويستقصيه أو ما يكشف عنه الصحافي
والذي يفترض الحقيقة والصحة والمصداقية في العلاقة مع
المواطنين. هناك إذن نوع من "لعبة الأقنعة"، لأن الخطاب
الإعلامي يريد تغليف الخطاب الإعلاني بالمعنى الذي يحاول
إعطاءه للعالم وأحداثه. والأمر كذلك فإن الكاتب يتحدث في الجزء
الخامس من مؤلفه حول "عظمة وبؤس الخطاب الإعلامي" الذي أصبح
"مفخخا" بالآلة الإعلامية في المجتمعات الغربية. لقد أصبح
الصحافي مسبوقاً في هذا الواقع الجديد بفعل هذه الآلة وبحثها
عن الخبر المستبق دون تمحيصه، وفتح أبوابها للإعلانات التجارية
وصنع الأخبار حسب توجهاتها والتنافس حول السوق الاستهلاكية.
لقد أصبحت آلة لا يمكنها أن تنتج خطابا شفافا في الوقت الذي
يصعب فيه السيطرة عليها. لقد ارتفعت الأصوات ضد تلاعب هذه
الآلة بالمواطنين. وفي كل تلاعب هناك خداع واستلاب. إلا أن
الأمور ليست على هذه البساطة. فلا يمكن القول ان وسائل الإعلام
تحركها وبالضرورة إرادة التلاعب بالمجتمع الديمقراطي. كما أنه
لا يمكن القول أن المواطنين يتجرعون كافة الأخبار بشكل تلقائي
وبدون حس نقدي. إن الحقيقة أكثر دقة من ذلك خاصة وأنه لا بد من
التمييز بين مختلف الوسائل الإعلامية (صحافة مكتوبة، راديو،
تلفزيون)، لماذا؟ لأنها لا تخضع جميعا لنفس القواعد ولا تنتج
نفس نمط الخطاب، ولا تتمتع بنفس سلطة التأثير (كتابة وصورة
وصوتا). صحيح أن الآلة الإعلامية بإستراتيجيات اختيارها
للأخبار والأحداث أو بطريقة تقديمها أو افتعالها إياها أحيانا،
وبأشكال إخراجها (الصحافي أو الإذاعي أو التلفزيوني) وبأنماط
تصنيفها للمجال الاجتماعي وانتقاء التصريحات والمقابلات
والنقاشات، وبالطرق التي تنتهجها إبرازا أم إثارة أم تضخيما أم
تهويلا، لا يمكن اعتبارها مرآة خالصة للواقع، قراءة ومضمونا
ومعنى. فلا يوجد هناك خبر أو حدث مطروح بشكل خام ومتجرد، ولا
يوجد هناك من عمل صحافي دون الدوافع الذاتية للمهنة الصحافية
نفسها زمنا واستهدافا لأوسع جمهور، وتبسيطا للخطاب الإعلامي،
وارتباطه المباشر بوقائع الساعة، ودون الإكراهات الخارجية عليه
ضغوط سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية. |