|
|
|
راغب الركابي
قرآءة في بحث العقل والمعجزة عند الشيخ الركابيالبحث الأول يشير الركابي إلى تعبير العلماء عن المعجزة بأنها الخروج على العادة , أوتجاوز المألوف . ويذكر هنا إلى ان المعجزة هي تحصيل حاصل بفضل عاملين . الأول : هي القدرة العليا القابلة للتصنيف والإمتلاك , الإرادة والمشيئة الذاتيتين . والثاني : هي الوجود الخارج بالقدرة عن الواقع الطبيعي . على ان الأول يعبر عن الإرادة الألهية ذات الطاقة الهائلة التي هي صاحبة الأمر والفعل . ويرى أن تحكيم مبادئ خارجة عن الإرادة البشرية في واقعها الحياتي متعلق بالهدف الذي ينبغي من ورائه. والحاجة إليه في تثبيت المبدأ من الناحية الفعلية ويقول في كتابه الأسس السياسية والمذهب الواقعي . على انها قوانين للطبيعة العامة ودور العقل الفعال والمفكر . وهنا يؤكد الشيخ الركابي . على الحقائق المطلقة الثابتة والتي لا تناقضها قوانين المعجزة سواء من خلال السببية أو المشيئة الألهية . ويرى عدم تناقض مع الحقيقة الطبيعية ولكنها غير مالوفة في حينها أي انها لاتشذ عن نظام الأزلية الثابت والمتطور لأنها تحتفظ بماهيتها وكمالها الذاتيين , وهنا يجب أن نذكر عن موضوعات القانون الإلهي تجاه الظاهرة المتطورة ودور العقل في الأحتفاظ بها . وهو ان كل ما يشاؤه الله او يحدده يتضمن ضرورة وحقيقة ازلية ومتطورة حدوثية . وهذا الأستنتاج قائم على عدم التمييز بين عقله وإرادته , ولربما يتصور البعض أن هنا فرق بين المشيئة والإرادة حال كون الإرادة غير التصور على شئ ما . أقول : أن الضرورة في إرادة الشئ منه وفقاً لطبيعته وكماله لا تجعل الإرادة منه على خلافه , بل وفقاً لها لأن الحقيقة لا تكون مجردة إلا بأمره . ويترتب على ان القوانين العامة للطبيعة ليست إلا مجرد أوامر تصدر عن ضرورة طبيعته وكماله , وبهذا يكون لوحدث شئ ما يخالف طبيعته فإنه لايتم وفقاً لذات الطبيعة , فحينما لا تكون بذاتها غير مألوفة فإنها حقاً تكون واقع طبيعي ولكنه واقع بالإرادة والمشيئة الذاتيتين فمعهما يحدث وبدونهما ينعدم , لأن العدم فيهما تحققه ذاتية الأمر المتعلق بعقله وطبيعته وتدبيره .وهذا يعود بالنفع العملي على الحقيقة التأملية , بأن ما من شئ يحدث دون علة منه سبحانه , لأمتناع الحدوث دون إرادة وبدون سبب ( فأبرأ الأكمه وأحيا الموتى ) تمت لوجود إرادة الأمانة والأحياء مع علته الشرطية في ذات السؤال مع عدم المناقضة لقانون الطبيعة , لأن العقل يدرك أن ما تم كان عملية مترشحة من القدرة المطلقة وأنتفاء المانع . يرى الشيخ الركابي على أنها بحسب الوجود تامة في نفس الفعل ( كن فيكون)ولأننا على الطبيعة صفة الأمكان الحدوثي منه فما فيها بالقدم والحدوث منه لتعلق الكل بقدرته تعالى , التي هي ذاتها ماهيته ,ويقول الركابي: أن الحدوث الأستثنائي ليس علة خارجة لا تقرها الطبيعة وقوانينها , لأنه لو صح ذلك لأمتنع الحدوث . فالإرادة إنما تضفي على الطبيعة الصفة المتحركة القابلة للحدوث منه والممتنع من غيره أي أنها محدودة بشرطها وظرفها وعلاقتها بالوجود والإثبات .ويرى أن كل مايحدث حقيقة الله وبأمره ,أي أنه لا يحدث شئ إلا وفقاً لقوانين وقواعد المشيئة الضرورية مما يستتبع توافق بين شرط القانون والمشيئة مع الطبيعة التي هي وعاء الحدوث في ظرف معين . لأن الطبيعة المجردة ليست لها قوة وقدرة بلا حدود , وكذلك : يرى أنها محدودة تتحرك ضمن قانونها العام الذي يضفي على كلياتها صبغة الأستدامة على أن لا تكون ذاتية لأنها في الواقع جامدة , وما حركتها إلا بفعل نظام الضبط والربط الموافق لطبيعتها الوجودية , فهي أذاً تنطبق على الجل ولكن البعض لا تنطبق عليه,فالموت والحياة والتوالد قوانين طبيعية مستديمة كلية ,تتعلق بمفهومنا العام للطبيعة ولكنها تصبح بعيدة عن القانون مرتبطة بإرادته حالما ينسب إلى عيسى (ع) فالأذن منه والعملية في الحدوث على الهيئة الطبيعية , أي أن الضرورة حقيقتها ,أنطباق الكل على بعض مصاديقه ولكنه قد ينطبق بالمجموع إذا ما قلنا بأن الحدوث اللامألوف هو منها بعد تعلقه بالإرادة والمشيئة الألهية , ويقول : أن النفي المتقدم من قبلنا كان على أساس التفريق بين قدرة الله وقدرة الطبيعة الذاتية ,أما كونها من قدرته تعالى فذلك صحيح لأنها جزء من الممكنات الحادثة بقدرته ولهذا فلا يصح القول بأن قوانينها هي أوامر الله ذاتها إذ ليس واجباً الأعتقاد بأن قدرتها لا نهائية . وأن قوانينها من الأتساع بحيث تسري على ما يتصوره العقل الألهي ثم أننا لا نقصد بذلك القول بعجز الطبيعة وعمقها بل نريد من ذلك أنها لا تتحرك بفعل ذاتها أو بفعل عقلها المجرد ما هي طبيعة , فالقول بوجود عنايته فيها لا يعني سلب إرادتها الذاتية بل يعني المحافظة على سيرها بإتجاه قوانينها العامة , حتى لا يقع التصادم بين قانونها ومصاديقه الطبيعية .وهنا الشيخ الركابي يعترف بأن ما في الطبيعة من مصاديق قد لا تسير بالرغبة الذاتية المقررة , بل تشذ أحياناً وفي كثير من المرات يقع التصادم بين عقل الطبيعة وأفرادها , مع الأعتراف المسبق أن التصادم ناشئ من الأفراد لا من عقلها المستديم الغير ذاتي , مما يولد نزعة تجاه الحقيقة القائلة , أن القوانين فيها ليست ثابتة بحيث لا تتغير , ترتب على أثرها نظام ثابت لا يتغير مما يشكل فيما بعد قناعة مشتركة بأن المعجزة ليست اللفظ الذي لا يمكن أن يفهم إلا من خلال صلته بأراء الناس .بل هي حادثة لا نستطيع أن نبين علتها أعتماداً على مبادئ الأشياء الطبيعية كما ندركها بالنور الفطري , ولقد أخطأ سبينوزا وجماعة من الفلاسفة الأوروبيين الذين حاولوا تأويل الظاهرة الأعجازية . يقول في كتابه رسالة في الدين والدولة : على أنها قانون طبيعي مألوف لكنه غير متكرر , لذا فالتذكير به على أساس ما يشابهه , قد يعود على العامة بالفائدة ونفي الظاهرة ككونها خرق للعادة الطبيعية وقالوا: من المؤكد أن القدماء قد أدخلوا في باب المعجزات كل ما لم يستطيعوا تفسيره بالوسيلة التي أعتاد العامة الالتجاء اليها لتفسير الأشياء الطبيعية , أي بالإتجاه إلى الذاكرة لتذكر حالة مشابهة يتصورونها عادة دون دهشة , إذ يظن العامة أنهم يعرفون جيداً ما يرونه دون أن تعتريهم الدهشة .مع أن القانون للطبيعة مشتق منه وتسير وفقه ظواهر الوجود جميعاً بغير أستثناء أو شذوذ , فهذا الكون المجسد من الله بمنزلة الجسر من قوانينه الرياضية الميكانيكية التي بني على أساسها , إذ القوانين هي جوهرة وقوامه إن زالت أندك هو على الأثر , ولكن تبقى صحيحة إذا ما أدخلنا عليه أن نفس الإدراك للطبيعة من العقل , يقول الركابي : إنما هو توكيد على الإدراك باتجاه المطلق فرؤية الطبيعة بكل تجلياتها وماهيتها وكمالها هي رؤية الله بأكمل صورة . وإلى هذا يشير الإمام علي :( والله ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه وقبله وبعده وفيه ) إذن فلا العقل ولا الإرادة المجردتين جزء من طبيعة الله بمعناهما المعروق ,ولكن إرادة الله هي مجموع الأسباب كلها والقوانين التي تسير في الطبيعة على أساسها , وعقل الله هو مجموع العقول كلها المنبثة في الكون ,( إن عقل الله هو كل القوة العقلية المنبثة في أرجاء المكان والزمان , هو الإدراك المنتشر في العالم وهو الذي ينفخ فيه الحياة ) لفظة العقل كما جأت في المعجم الصغير , أنما تطلق أصطلاحاً على سلسلة الأفكار , وكما تطلق لفظ الإرادة , أي أنهما يمثلان جوهراً مشتركاً واحداً , له صفة معينة لا تشذ حركة أحدهما دون موافقة الأخر , لأنهما يمثلان صورة في الماهية لكنهما يختلفان على أساس طبيعة كل منهما ,ومع هذا كله فأن العقل لا يمكنه ان يفرض هذا الأنتقال إلا مشاركاً للتخيل والحس ولا يمكننا إذا رجعنا إلى العقل الصريح أن نعقل جملة الحركة وأزاء الأنتقال العقلي فيما نعقله دائرة معاً , الركابي يرى : أن لا مانع من أن يكون هناك قوة نفسانية تكون هي المبدأ القريب للحركة , ولا يمنع أن يكون هناك أيضاً قوة عقلية تنتقل هذا الأنتقال بعد أستناده إلى شبه تخيل , (يتبع) قرآة في بحث العقل والمعجزة عند الشيخ الركابي ـــــ راغب الركابي البحث الثاني: يقول الشيخ الرئيس في الألهيات : وأما القوة العقلية مجردة عن جميع أصناف التغير , فتكون حاضرة المعقول دائماً أن كان معقولة كلياً عن كلي أو كلياً عن جزئي . ولنعود إلى المعجزة وطريقة الأستدلال بها وعليها نقول : يمكن معرفة ماهية الله ووجوده من المعجزة كما نستطيع أن نعرف العناية الألهية والقدرة الألهية , وهذه المعرفة لانستطيع أن نكتسبها من قانون الطبيعة لأنه ذاتاً لايبين الطريقة الفضلى في ذلك , الركابي يقول : أن قوانيين الطبيعة غير ثابتة دائماً بحيث يستحيل معها خرقها , لأن الخرق لقانون الطبيعة لا يناقض إثبات الله عن طريق المعجزة . ولأن أثبات المعجزة توكيد على وجود الله , وهي تكون علة من معلولاته وهي بذاتها لا تنفي الفكرة الواضحة تجاه الله بل تزيدها رسوخاً وثبوتاً , ولأن جوهر المعرفة الكلية لايجد تناقضاً بين إثبات الوجود وطريقة المعجزة لأنها دالة بالذهن عليه وهي منه بالقدرة , ويؤكد الشيخ الركابي ويقول :أن الطبيعة الخالصة لا تؤدي بنا دائماً للمعرفة اليقينية , ولأن المعجزة إنما تثبت القانون الطبيعي وتجريه وفق سننه العامة .وهذا التوكيد من الركابي جاء من المعرفة بالواجب أو بالله وهذه المعرفة تحتاج إلى أستنتاج الأفكار وطريقة الوصول اليها , مع الأخذ بعين الإعتبار ان ما يمكن تصوره لا يخل بنظام الطبيعة الثابت , وظرب لنا مثلاً على ذلك (يقول لوشككنا على سبيل المثال في اصل الوجود , مع تراكم الأفكار لدينا عن الطبيعة وقوانينها ونريد أن نثبت صدق الوجود فإنه يلزم أن نؤكد أن القانون يجب ان يبقى على حاله مع تغير في موازين طريقة المعرفة تجاهه , أي إننا لا ننفي ثبوت القانون , وإنما نعتبر كل تغير في ظواهره العامة توكيد على حدوث فعل له صفة مشتركة ) وهي لاتلغي القانون ولكنها تضفي عليه صفة القوة والرسوخ من حيث تقبله للظاهرة الجديدة مع كامل عللها وشروطها . ونحن نعلم ان تلك العلل وطريقة العلم بها قد تؤدي إلى شك مسبق في ذات العلة أي أنه يمكن فرض أن القانون ثابت حسب الطبيعة العامة , لكنه يكتسب الصفة المتغيرة حالما يكون له توكيد للعلة وثبوتها وتقريرها . ويقول الشيخ الرئيس في الألهيات: ان واجب الوجود الذي هو مورد التامل في أستدلالنا تام الوجود ,لأنه ليس شئ من وجوده وكمالات وجوده عنه ولاشئ من وجوده خارجاً عن وجوده لغيره كما يخرج في غيره ... فإن أشياء كثيرة من كمالات وجوده قاصرة عنه , وايضاً فإن إنسانيته توجد لغيره بل واجب الوجود فوق التمام لأنه ليس له الوجود الذي له فقط بل كل وجود ايضاً فهو فاضل وجوده . والركابي يقول : وهذا مما يثبت أن الوجود وحده قد يحتاج إلى برهنة على الوجود نفسه , أي هو لا يختلف عنه إنما يجعل الأستدلال بالغير من خلاله , استدلال الزامي حجته قائمة بتمام الوجود وأختلاف العينيات لكنه لا يفرق قانون الطبيعة أو يلغيه حتى في جزئه الخاص , ولهذا فالمعجزة لا تنفي القانون حسب ما اعتقد بعضهم . إذاً فالمعجزة إذا عرفناها قلنا إنها أعمال لا تناقض نظام الطبيعة وهي أيضاً طريق مع الغير لمعرفة وجود قدرة الله ... إذا الإعتبار الذي ينسب إلى بعض المتقولة بأن المعرفة عن ذاته لا تستوجب الإثبات بالمعجزة , ذلك ما يخالف عقيدتنا فنحن لا نقول أن المعجزة دائماً لا تفسر بالعلل الطبيعية , ولكننا نقول أن العلل الطبيعية عاجزة عن تفسير بعض المعاجز لكن الأصل فيها العلل الطبيعية لا تنفي الظاهرة الأعجازية إذ أن لها أيضاً عللها الطبيعية الذاتية المحدثة , ويتابع الركابي ويقول:يستحيل على الذهن الإنساني كشفها والبحث عنها , وهي بلا شك لا تشذ عن إرادة الله التي تخلق العلة الطبيعية , والتي تحتم علينا أن نخلص من ذلك القول بأن المعجزة سواء أكانت لها علل طبيعية أم لم تكن عمل يتجاوز حدود الفهم الإنساني , والحق أن كل ما نعرفه بوضوح وتميز يجب أن نعرفه إما بشئ أخر يعرف بذاته , لذلك فنحن نستطيع أن نعرف عن طريق المعجزة صفات الله وقدرته , ويقول : على أن لاتكون معرفتنا على أساس ثبوت القوانين وأزليتها , التي تحدث بناءً على ديمومة حركتها لأن ما يحدث من معجزة لا يتكرر مما يدحض العلم بالطبيعة وقانونها وشرط عدم الشذوذ عنه , ولكن المعرفة أيضاً لا تكون إلا بمعرفة العلة الأولى _ أو علة العلل _ التي تزيدنا ثقة بمعرفة إرادته وقدرته , على أن تبقى الخصوصية في أن مانجهله بالكلية ليس هو عدمية محضة وليس هو خلاف قوانين الطبيعة العامة , ولو حدث شيئاً نجهله يعني نجهل ما هيته الحقيقة بالموضوع , فحدوثه لا يغير من الأعتقاد بصحته وانه من القوانين الطبيعية الغير مألوفة , بل العقل الكامل يستأنس لهذا التبرير الذي هو أحد مقدمات الحكمة الطبيعية , ثم أن هذا الإلتجاء إلى معرفة القانون الطبيعي الثابت والمتغير من الإرادة الألهية إنما هو تمام العلم بالواقع وليس هو طريقة جزافية تميل تجاهها العقول الجامدة , ويعلق الركابي ويقول :ان إيماننا بالمعجزة على أنها خرق للعادة لا تقوم بالإستمرار على إثبات الإرادة والقدرة الأزليتين , بل هو إيمان في طرف معين وحاجة محدودة مما يجعل القول بأن المعاجز إنما تأتي للبرهان إما عن طريق المشاهدة القائمة على أصولها الموضوعية , وإما على الحركة الجوهرية في الأبعاد والحدود , وهذا التعليق منه يكشف لنا عن أن القدرة ليست محدودة بحاجة خاصة لا تتبدل وتنتقل من وقت لآخر , حتى يمكن أعتبارها تراكماً للأفكار تختزنه الطبيعة وتقدمه كجزء من براهين لعللها العامة , بل هو يؤدي منها على أكتشاف العلة من هذا المعلول , ويقول : لأن الطبيعة ليست تفعل بإختيار بل على سبيل التسخير , وسبيل ما يلزمها بالذات فإن كانت الطبيعة تحرك على سبيل الاستدارة فهي تحرك لا محالة إما من أين غير طبيعي أو وضع غير طبيعي , هرباً طبيعياً عنه وكل هرب طبيعي عن شئ فمحال ان يكون هو بعينه قصداً طبيعياً إليه , وهذا نجده عند الشيخ الرئيس في الألهيات يقول : أن الحركة المستديرة تفارق كل نقطة وتتركها وتقصد في تركها تلك النقطة , وليست تهرب عن شئ إلا وتقصده فليست إذن الحركة المستديرة طبيعية .ومن ذلك نستطيع أن نستنج مرة أخرى ان أية معجزة تناقض الطبيعة أو تتجاوز الطبيعة هي امتناع وإمكان محضين , وبالتالي نستطيع تفسير المعجزة بوصفها عملاً للطبيعة وخرقاً لها يتجاوز الفهم الإنساني له علله وأسبابه الخاصة , فالأمور جميعاً سواء كانت عادية أو خارقة للعادة , وسواء كان خارقاً للعادة في جانب الخير والسعادة كالمعجزة والكرامة , أو في جانب الشر كالسحر والكهانة , مستندة في تحققها على أسباب طبيعية وهي مع ذلك متوقفة على أرادة الله لا توجد إلا بأمر الله ,أي بأن يصادف السبب أو يتحد مع أمر الله وجميع الأشياء وإن كانت من حيث إستناد وجودها إلى الأمر الإلهي على حدٍ سواء , بحيث إذا تحقق الإذن والأمر تحققت عن أسبابها وإذا لم يتحقق الإذن والإمر لم تتحق , أي لم تغم السببية إلا أن قسماً منها وهو المعجزة من الأنتباء أو ما سأله عبد ربه بالدعاء لا يخلو عن إرادة موجبة منه تعالى وأمر عزيمة كما يدل عليه قوله : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) وقوله تعالى : ( أُجيب دعوة الداع إذا دعان ) يقول الطباطبائي صاحب الميزان ( إن المعجزة من حيث أنها مستندة إلى أمر مفارق للعادة غير مغلوب السبب قاهر العلة ) وأن القرآن الشريف إنما يؤكد على أمر الله ومشيئته , ومن ثم بالعناية الألهية , ويقول الركابي : حالما يركز على نظام الطبيعة إنما يركز على العناية والإرادة لا ذات النظام لها فالأمر يتعدى كونه وصفاً لها بما هي نتيجة ضرورية لا زلية القانون فيها . وإما معجزات القرآن فقد جاءت لتبيان الخط وقت الدعوة أو قبلها فما حكي عن موسى قوله تعالى: ( إذهب أنت وأخوك بأياتي ) وهذا الخط يستمر على طول المسيرة فقوله تعالى في عيسى : ( ورسولاً إلى بني إسرائيل إني قد جئتكم بأية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ‘إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين )فالعقل الصريح لا يرى تلازماً بين حقيقة ما أتى به الأنبياء والرسل من معارف المبدأ أو المعاد وبين صدور أمر يخرق العادة عنهم , ولكنه أيضاً متعلق القانون بما هو موجزأو تام في حقيقة أزلية معينة ليست على اخلاق ما أتى به الأنبياء , لأن تحققه في الظاهر يسبغ عليه صفة الإيمان به , وهذا لا يكون جاري إلا بمورد قبوله اليقيني واليقين بذاته لايتحقق بمجرد الخرق في القانون بل دالاً فيما يكشف عن الثبوت حالما يكون حققيقة موضوعية مصدقة ,لا أنها ترتكز على الخرق المحض إذ ذاك بدونه لايفيد في اغناء الحقيقة شئ ,بل لا يكسبه أي موضوعية والحق فيه لايكون صادق إلا بمجال ثبوته والثبوت مرآة للدلالة على صدق التحقق من جهة في الطبيعة ,ومن جهة تصديق العقل لها ,وعليه فلا يتم بمجرد الحدوث الخالص , لأن الحدوث إذا لم يسبقه مورد اإثبات لكان الوجود الحدثي ازلية ,طبيعية ليست فيها ممارسة للخرق بما هو ثبوت للمعجزة , ولكن الثبوت وعدمه فيها على حدٍ سواء وهذا ممتنع بل هو تأييد لما ذهب إليه جملة من الفلاسفة الأوروبيين القائلين بوحدة الطبيعة والله . وعلى هذا يمكن أن ننظر إلى استنتاج البحث الذي وضعه الركابي ونلخصه : 1- المعجزة حادثة خارقة للعادة تنطبق على الطبيعة , تناقض القانون الأزلي للطبيعة في بعض ابوابه , وهي بعد تقرير للعقل في مقولاته العملية لا التبريرية العاجزة والعقيمة , أي انها الصفة الألية والميكانيكية بل تضفي علية صبغة العلم بالسبب والمسبب الطبيعين مع ضمان الفكرة عن العلة القاهرة الغير مغلوبة وأختزانها . 2- نستطيع بالمعجزة أن نتبين القدرة اللألهية من خلال معرفة ماهية الله , على أن لايكون من باب الأولية والثانوية , بل من باب العقل له قدرة الأكتشاف للقانون الطبيعي بحيث يستطيع قبول الظاهرة على انها حقيقة موضوعية غير مغلوبة العلة , مع الأحتفاظ بكون الحدوث لا يناقض القانون الطبيعي في مستوى العقل لعلة عدم تحقق الشئ دون أمكانه . 3- والمعجزة تبين مشيئة الله وأمره وإرادته ثم العناية الألهية بالحياة الطبيعية . لا الأحتفاظ بالفكرة القائلة ذات نظام الطبيعة الأزلي هو صاحب قدرة الأعجاز لما يحتويه من تسلسلية يخزن بها لوقت الضرورة , بحيث تنتفي الظاهرة على أنها فعلاً ليست خرق إنما هي عدم إدراك واقعي للقانون الطبيعي , والعقل الصريح يرد هذه الفكرة ويعتبر حدوث المعجزة دليلاً على قدرة العلة باقية تنفرد وتتفرق بالأزمان والأماكن والحاجات وذلك من وجه لا ينفي القانون إنما يعتبره جزءاً منا وقت الحاجة . 4- وما جاء في القرآن الشريف آيات تبين إن المعجزة قد تكون موافقة لوقت الدعوة أو قبلها , بحيث تكتسب قدرتها في ثبوتها وعدم تكرارها وليست هي طريقة ضرورية لحكاية من أجل ترغيب العامة وجرهم للدعوة الجديدة , ولو قيل بما نسبته للديانات الأخرى وفي سفر الخروج والمزمور او في العهد الجديد من متي ليس إلا تبريرات علمائهم , أما نحن فنقول العقل لا ينفي الإعجاز وإلا لأمتنع الحدوث فهو منه ومترشح عنه لا بإعتباره كونه علة ناقصة بل بما هو علة تامة !! تنبيه: نشير إلى أن البحث القادم يكون عن العقل والأخلاق عند الشيخ الركابي
|