|
رجل العلم والأدب والجهاد ـ المتولد سنة 1266 هـ
والمتوفى سنة 1333هـ
هو أبو علي السيّد محمد سعيد بن السيّد محمود الحسني الشهير بحبوبي، من
أشهر مشاهير عصره، فقيه كبير، وأديب فطحل، وشاعر مبدع.
ولد في النجف الأشرف في الرابع من جمادى الآخرة عام 1266هـ ونشأ مطبوعاً
على الخير، مثالاً للخلق الرفيع والنفسية العالية، فانطبع على حب العلم
والأدب انطباعة كانت تشير إلى ذكاء ونبوغ.
اتجه صوب المجتمع فكان ولوعاً بتكوين الحلقات الأدبية التي تصقل المواهب
وتثيرها. والتحق ببعض رجال أسرته الذين عرفوا باشتغالهم بالتجارة بين نجد
والنجف، وما أن أظلته سماء نجد وأرض الحجاز ورأى من صفائها ونقاء تربتها
إلاّ وتبدل حسه إلى لون آخر، فقد انطلق يغرد بألوان من الشعر لم يعهد النجف
لها مثيلاً، ويحف المحافل والأندية بقطع من قلبه الرقيق وروحه الكبيرة.
واستطاع أن يتملك زمام إمارة الشعر، ويترأس الأندية التي ضمت النوابغ
والفحول من أرباب
درس الفقه والأصول ردحاً من الزمن عند الأستاذ الكبير الشيخ محمد حسين
الكاظمي ـ المتوفى 1308هـ ـ إذ كان هو المدرس العربي الوحيد في زمانه
الحبوبي شخصية ذات تأريخ واسع وحياة مليئة بالصور والخواطر والبطولات، فقد
كان إنساناً لم يفهم غير الحق هدفاً أسمى، ولا غير الدين ناموساً أعلى، ولا
غير الفضيلة نهجاً صحيحاً، فشب على ذلك واستمر حتّى شاب وحتى ارتحل إلى
الفردوس الأعلى.
ان تاريخ الحرب العالمية الأولى خصص صفحة مشرقة لجهاد السيّد الحبوبي،
وأفرد فصلاً لبطولته وعزمه الملتهب في حفظ كيان الإسلام والمسلمين.. وكانت
الليلة التي أعلن فيها جهاده ضد الإستعمار الإنكليزي هي السادسة عشر من
المحرم من عام 1333هـ، وما أن انتشر خروجه حتّى لحقت به الجموع المحتشدة من
الذين نذروا أنفسهم لصون كرامتهم ودينهم، يتبعونه، وقد قصد الناصرية فاطمأن
بها حتّى تكامل العدد، والتحق به معظم عشائر العراق وسار بهم إلى الشعيبة
المنطقة التي رسخت فيها أول قدم انكليزية، الا ان قلة عددهم واسحتهم حالت
دون تحقيق الغلبة على الاستعمار الانكليزي وبعد معركة ضارية رجع السيّد مع
فريق من المخلصين إلى الناصرية وقد غمرته موجة من الألم على تطور نفوذ
العدو، وما أن لبث أياماً حتّى فارقته الحياة بها.
كان خلال سيره بالجموع ينفق عليهم من ماله الخاص، وقد قدمت له الحكومة
العثمانية خمسة آلاف ليرة ذهباً كمساعدة له على مواصلة جهاده ولكنه أبى
قائلاً: ( ما زلت أملك المال فلا حاجة لي به، وإذا ما نفذ فشأني شأن الناس
آكل مما يأكلون وأشرب مما يشربون ).
هكذا كان الحبوبي الإنسانَ الذي علّم النفوس كيف تصل إلى الحق والإخلاص عن
طريق التورع والزهد في حطام الدنيا، وأنّ الخلود لا يصاب إلاّ عن طريق
الإيمان بالله وبالدين وبالدفاع عن وطن المسلمين.
فارق الدنيا وهو لا يأسف على شيء كأسفه أنه سمع ورأى كافراً يدوس أرض وطنه
بصورة فاتح، وهو الذي يأنف من السماع فضلاً عن الرؤيا. مات وهو مرتاح من
ضميره بكونه خرج من الدنيا وقد أدى ما عليه فلاقى الجزاء الأوفى والجنات
الواسعة، وكان ذلك عشية الأربعاء ثاني شعبان من عام 1333هـ الموافق 1915م
في الناصرية. وحُمل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف، فكان موته كالصاعقة
ذُهِل منها كل مخلص ومتدين واستقبلته النجف وهي تبكي عنواناً لها ضاع منها،
ودُفن في مقبرة خاصة له في الايوان الكبير في مقام الامام علي بن ابي طالب
عليه السّلام .
ومن قصائده الجميلة التي يصور بها فراق الاحبة قصيدة حادي الضعون
حادي الضعون
من نازح يحدو العراقَ ضعونهُ قلب سرى لَّما اهاج شجونه
ومودع ٍ للركبِ وَدَّ بانهُ لو قد اسالَ مع الدموع عيونه
لم تقطعَ الاظعان مِيلاً في السّرُى الا وكحَّل بالسهادِ جفونه
قطعت بهم سهل الغميم وحزنه فسقى الغميم سهوله وحزونه
مِن كل اوطف ماتغنىَّ رعدهُ الا وارخص بالدموع ِ شؤونه
فترى الدموع تخاله بحراً طَمى وترى الحُمول تخالهن سفينه
وذكرت في ذي البان ميس قدودهم فغدوت من شغَف اضمَّ غصونه
قالوا اشابَ البين ُ مِفرق رأسه صدَقوا ولكنَ قد اشابَ عيوْنه
ياقلبُ حسبُك بالغرام رهينة ً شط َّ الغريم وما قضاكَ ديونه
لم ينُسني عنه السرور بعودتي ان سرّ من خلق الهوى محزونه
كلا ولا النكبات تطرق ساحتي اذ ليس غادي القلب الا دونه
وكأنني من حيّ قومي سامرٌ حَسب النقا بالاجرعينَ حجونه
فلأ نهكن القلبَ من حسراتهِ يوم التَّرحُل او يجنَ جُنونه
ما عاطشٌ اورى الاوامُ بقلبه لَهَباً وقد شرب الاوام عُيونه
حتى اذا وجد المعينُ بقربه وجد الرّ ُكيَّ وقد اضلّ معينه
فغدى يعضُ على الا ناملُ حسرة نَدَماً ويصفِق بالشمال يمينه
وغدى يكذبُ بالحياة لنفسه لَّما حدى حادي الضُعون ضُعونه
الرجوع الى
صفحة الرواد
|