الشاعر والفيلسوف جميل صدقي الزهاوي

 

 

جميل صدقي الزهاوي واسمه الكامل هو (جميل صدقي بن محمد فيضي بن الملا أحمد بابان الزهاوي ) شاعر وفيلسوف عراقي كبير كردي الأصل، ولد في عام 1863م وتوفي عام 1936م. نظم الشعر بالعربية والفارسية منذ نعومة أضافره فأجاد
كان الزهاوي معروفا على مستوى العراق والعالم العربي كان جريئاً وطموحاً وصلبا في مواقفه، فاختلف مع الحكّام عندما رآهم يلقون بالأحرار في غياهب السجن وتنفيذ أحكام الإعدام بهم فنظم قصيدة في تحيّة الشهداء مطلعها

على كل عود صاحب وخليل وفي كل بيت رنة وعويل
وفي كل عين عبرة مهراقة وفي كل قلب حسرة وعليل
كأن الجدوع القائمات منابر علت خطباء عودهن نقول

كما دافع الزهاوي عن حقوق المرأة وطالبها بترك الحجاب وأسرف في ذلك
كتب فيه طه حسين: "لم يكن الزهاوي شاعر العربية فحسب ولا شاعر العراق بل شاعر مصر وغيرها من الأقطار.. لقد كان شاعر العقل.. وكان معري هذا العصر.. ولكنه المعري الذي اتصل بأوروبا وتسلح بالعلم
وهو شاعر، نحى منحى الفلاسفة، من طلائع نهضة الأدب العربي في العصر الحديث، مولده ووفاته ببغداد، كان أبوه مفتياً، وبيته بيت علم ووجاهة في العراق ، أجداده البابان أمراء السليمانية (شرقي كركوك) ونسبة الزهاوي إلى (زهاو) كانت إمارة مستقلة وهي اليوم من أعمال إيران، وجدته أم أبيه منها. وأول من نسب إليها من أسرته والده محمد فيضي. نظم الشعر بالعربية والفارسية في حداثته. وتقلب في مناصب مختلفة فكان من أعضاء مجلس المعارف ببغداد، ثم من أعضاء محكمة الاستئناف، ثم أستاذاً للفلسفة الإسلامية في (المدرسة الملكية) بالآستانة، وأستاذاً للآداب العربية في دار الفنون بها، فأستاذاً في مدرسة الحقوق ببغداد، فنائباً عن المنتفق في مجلس النواب العثماني، ثم نائباً عن بغداد، فرئيساً للجنة تعريب القوانين في بغداد، ثم من أعضاء مجلس الأعيان العراقي، إلى أن توفي. كتب عن نفسه: "كنت في صباي أسمى (المجنون) لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولتي (الجرىء) لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بآرائي الفلسفية"، له مقالات في كبريات المجلات العربية.

وله: (الكائنات) في الفلسفة، و(الجاذبية وتعليها)، و(المجمل مما أرى)، و(أشراك الداما)، و(الدفع العام والظواهر الطبيعية والفلكية)، و(رباعيات الخيام) ترجمها شعراً ونثراً عن الفارسية. وشعره كثير يناهز عشرة آلاف بيت، منه (ديوان الزهاوي)، و(الكلم المنظوم)، و(الشذرات)، و(نزغات الشيطان) ، و(رباعيات الزهاوي)، و(اللباب)، و(أوشال).


**********

من اجمل قصائده

يا موطناً


يا موطناً قد ذبتُ فيه غراما
أُهدي إليكَ تحيّةً وسلاما
لولاكَ لم أكُ في الوجود ولم أشِمْ
بَلَجَ الصباحِ وأسمعِ الأنغاما
أفديكَ من وطنٍ نشأتُ بأرضهِ
ومرحتُ فيه يافعاً وغلاما
ما كنتَ إلا روضةً مطلولةً
تحوي الورودَ وتفتق الأكماما
غازلتُ منها في الغُدوّ بنفسَجاً
وشممتُ منها في الأصيل خُزامى
وسعدتُ ألعب فوق أرضكَ ناشئاً
وشقيتُ شيخاً لا يطيق قياما
لكَ قد غضبتُ وفي رضاكَ حلمتُ أنْ
تنتابَني نُوَبُ الزمانِ جِساما
وسمعتُ من ناسٍ شريرٍ طبعُهمْ
كَلِماً على نفسي وقعنَ سهاما
لي فيكَ يا وطني الذي قد ملّني
حبٌّ يُواري في الرماد ضِراما
أمّا المنى فقد انتهتْ ومضاتُها
إلا بصيصاً لا يُزيل ظلاما
من ثَقّفتْه الحادثاتُ مُلمّةً
يلقى الخطوبَ بصدره بسّاما
كبر الأُلى من طيب أعراقٍ لهم
كانوا إذا لؤم السفيهُ كراما
بالذلّ لا أرضى وإنْ سلمتْ بهِ
روحي وأرضى بالحِمام زُؤاما
حَيِّ الذين إذا الهوانُ أصابهم
أتَخِذوا الإباءَ من الهوان عِصاما
يا حاملَ الصمصامِ لا يحمي بهِ
حقّاً، لماذا تحمل الصمصاما؟
ما في المساواة التي نشدو بها
أن الوهاد تُطاول الآكاما
يا قومَنا لا نفعَ في أحلامكمْ
فخُذوا الحقائقَ وانبذوا الأحلاما
أخشى عليكم في الحياة تدهوراً
فيه الرؤوسُ تُقبِّل الأقداما
جهل الذين على قديمٍ عَوّلوا
إنّ الزمانَ يُغيّر الأحكاما
وأشدُّ خلقِ الله جهلاً أمّةٌ
نقضتْ فظنّتْ نقضَها إبراما
إني لأربأ أنْ أكونَ مِجنّةً
في الحادثات ولا أكون حساما
ولقد يريد الظالمون لنفسهمْ
بالظلم من شرٍّ يلمّ سلاما
وتشذّ آراءٌ، فكم من مجرمٍ
ما أن يرى إجرامَه إجراما
ولقد يُغالي المرءُ في آرائهِ
حتى يُثيرَ عداوةً وخصاما
ولربما أطرى أفاعيلاً لهُ
كانت إذا استقرأتَها آثاما
لا يستطيع بناءَ مجدٍ صادقٍ
من لا يكون لكاذبٍ هدّاما
هل يخرق العاداتِ في ما جاءَهُ
إلا جريءٌ لا يخاف ملاما ؟
أ إذا نجحتَ حمدتَ نفسَكَ مُطرِياً
وإذا فشلتَ تُعاتب الأياما ؟
إن الحياةَ وغىً وقد ينبو بها
سيفُ الشجاعِ ولا يكون كَهاما
ولربَّ حربٍ تختفي أبطالُها
تحت الستارِ ولا تُثير قَتاما
ذُمَّ التعصّبَ في الجدال فإنّهُ
سَقمٌ يجرّ وراءه أسقاما
ما أنتَ إلا ذرّةٌ منسيّةٌ
في بقعةٍ من عالمٍ يترامى
كَوْنٌ تُحرّكه نواميسٌ لهُ
كانت له منذ القديمِ لِزاما
تشكو به الأيّامُ مثلكَ أسرَها
فمن السخافة لومُكَ الأياما
فيه الشموسُ كثيرةٌ، فمن الذي
في البدء أَضرمَ نارَها إضراما؟
من يحسبِ الأوهامَ منه حقائقاً
يجدِ الحقائقَ كلَّها أوهاما
أو كان من داءٍ به يصدى فقد
يَرِدُ الخِضمَّ ولا يبلّ أُواما
لا يُنكر الحقَّ المبين سوى امرئٍ
يَعمى، وشرٌّ منه من يتعامى
ولقد يكون الفوزُ حِلفاً للأُلى
غمدوا السيوفَ وجَرّدوا الأقلاما
كم ريشةٍ في كفّ أروعَ بَدّدتْ
جيشاً تَدجّجَ بالحديد لُهاما
ظنَّ ابنُ آوى أنه أَسَدُ الشَّرى
حتى إذا لقي الهِزبرَ تحامى
لا تسخرنَّ فلابنِ آوى عذرُهُ
أن لا يكونَ القَسْوَرَ الضرغاما
ولقد جعلتُ ليَ الطبيعةَ قدوةً
وتَخِذتُ منها في الحياة إماما
ما أن أرومَ وإنْ زجتْني رغبةٌ
ما ليس يمكن أن يكونَ مراما
السيلُ إمّا عبّ مندفعاً فلا
يدع الوهادَ ويغمر الآكاما
ولقد أقول الشعرَ منفعلاً بهِ
ولقد أُنبّه بالقريض نياما
بسمتْ بناتُ الشعرِ حين شببنَ لي
ففطمتُهنَّ فما أردنَ فِطاما
أسفي على الأدب الذي يبغونَ أَنْ
يكسوه من عصرٍ خلا أهداما
أخذتْ تُنغّص راحتي ضوضاؤهم
من غير أن يلقى الجدالُ نظاما
فوددتُ لو أن الذين تجادلوا
جعلوا الوفاقَ على الصواب ختاما
أنا لا أحبّ سوى مكانٍ هادئٍ
أمّا الزحامُ فلا أريد زِحاما
 

 

 

الرجوع الى صفحة الرواد