سعد السعدون

 د. شفيق المهدي على رأس دائرة السينما والمسرح
كيف سينهض بالمهمة ؟

عرفناه مُقلا ً في مجال تقديم العروض المسرحية التجريبية على الرغم من كونه من جيل مسرحي أثبت حضوره على مدى عقود من الزمن فهو ينتمي إلى جيل يمكن أن نطلق عليه الجيل الذهبي ، لما قدمه من تجارب مسرحية اعتمدت أساليب الحداثة المسرحية الأمر الذي أدى إلى حدوث التحولات الجوهرية في مسيرة المسرح العراقي ، فالفنان والأكاديمي د. شفيق المهدي شأنه شأن نظرائه من أبناء جيله تتمكله دائما ً رغبة التحليق نحو التجديد والإبتكار وقد تجسدت إرهاصاته المسرحية في عدة عروض تصدى لها بأدوات جمالية مختلفة جلها صب  في إعادة إنتاج خطاب تأويلي يتناغم مع ما كان يحدث إبان فترة تقديمه لتلك العروض وهو بتصديه لتلك النصوص العالمية لم يكن ينشد قط محاولة إسباغ حلة جديدة على أدلجة الخطاب فحسب بل أراد تطويع مفردات مسرحية جديدة لم تأخذ حيزها الجمالي من التوظيف في مراحل مختلفة من عمر المسرح العراقي ، ولعل الكثير من متابعي المسرح العراقي ما زالوا يتذكروا جيدا ً أعماله التي خاض من خلالها نشاطا ً تجريبيا ً أشير له بالبنان في حينها حيث قدم عرضا ً بعنوان ( مشعلوا الحرائق ) للكاتب دورينمات ، كما قدم مسرحية ( الحارس ) وإستطاع المهدي في مستهل مسيرته الإخراجية أن يحقق أولى نقاط تميزه عبر إشتغالاته الجمالية التي جسد من خلالها ً بعدا ً فكريا ً تمخض عن قراءة جديدة للنص إستطاعت  أن تتخطى التقليدي والمألوف الكامن في بنية النص الظاهرية ، الأمر الذي أوجد فضاءات جديدة لتفعيل لغة العرض أعتمدت في مجملها على إستنطاق لغة الجسد وإعادة تشكيل ( الميزانسين المسرحي ) وفق معادلات بصرية جديدة من شأنها بعث وإحياء المستوى البصري للعرض الذي أثبتت التجارب اليوم أنه بات يشكل العامل الأساس لنجاح أي خطاب فني مسرحي ، ولاسيما في راهننا الحالي الذي تتلاطمه موجات العولمة بمختلف تأثيراتها الهجينة  ، ما يجعل الحاجة تتجدد بإستمرار لإيجاد خطاب أصيل يلبي حاجة الذائقة الجمالية لدى المتلقي ، ولعل ما ذهب إليه د. الفنان شفيق المهدي في عملية تفعيل آليات الدلالة المسرحية ما هو إلا إستقراء مبكر لضرورات التحديث والتطوير ، لذلك نرى المهدي دأب في عروض قادمة على إعتماد عروض إرتفعت فيها وتيرة عمل العلامة والإشارة اللتي يتشكل منها عنصر الدلالة المسرحية فضلا ً عن إهتمامه بالإيماءة والفعل الجسدي للممثل وهو بذلك يحاول إيجاد بنية مرئية جديدة تستند إلى إعادة خلق توازنات العرض والنص وفق درجة أهمية كل عنصر من تلك العناصر ، وعلى الرغم من قلة الأعمال التي قدمها المهدي لمسيرة المسرح العراقي إلا أنها تبقى من الأعمال المهمة التي أفرزت نمطا ً تجريبيا ً جديدا ً في التعامل مع مفردات العملية المسرحية ، فمن منا لايتذكر مسرحية ( مكبث ) للمؤلف العالمي ( شكسبير ) التي أنتج المهدي على أساس نصها عرضا ً غنيا ً بطاقته التأويلية وبلغة خطابه البصري والمسموع  ويعد الأخير من العروض التي ما زالت عالقة في الذاكرة الفنية ، وأبرز ما يمتاز به فناننا المبدع شفيق المهدي أنه يمتلك القدرة على التعامل مع النصوص العالمية بنفس معاصر يجعله قادرا ً على تجريدها من أطرها الضيقة التي كتبت من أجلها ، وهو بهذا يحاول تطويعها لأحداث معاصرة تمس واقعنا ، لم يكتف المهدي بتقديم تلك العروض بل أنه قدم عروضا ً أخرى عكست إهتمامه بمشروعه الحداثي كما وتنوعت إنشغالاته الأدبية والفنية والأكاديمية ، واليوم بعد التغيير الذي شهده العراق في العام 2003 وأصبح الفنان شفيق المهدي يشغل منصب مدير عام دائرة السينما والمسرح ، ترى هل سيعود الفنان المذكور لإستئناف العمل على مشروعه الفني والإبداعي الذي أطلقه قبل سنوات ليست بالقليلة لاسيما إننا اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة تقديم مثل تلك العروض المهمة للنهوض بالواقع الفني بعد أن إمتلأت الساحة العراقية بمختلف الأنشطة التي تفرض جزافا ً على الفن وهي ليست سوى هجينا ً من ( الهرج والمرج ) المؤدلج بفعل فرض الأحزاب السياسية شروطها على الفنان والمثقف ، وطالما أن فناننا المبدع د. شفيق المهدي على رأس هرم أهم مؤسسة فنية لذلك فنحن نطالبه بالعمل على إعادة دور  الفن الراقي في الحياة العراقية لاسيما وأنه قالها في أكثر من مناسبة بأن ( ليس لديه إنتماء إلا للفن وللعراق ) وفي خضم عصر الإصطفافات والمحاصصات لابد للمثقف والفنان إذا ما تسنم مهام رسمية من هذا النوع أن يساهم ببناء العراق عبر الفن والجمال والثقافة لإعادة الأواصر الوطنية والمفاهيم الحية لقاموس الحياة العراقية مهما كان عليه الواقع الحالي .

 

                                                                                       سعد السعدون – ديترويت

saadalsaadoon@yahoo.com 

 **************

                                                مشاركاته في النخلة والجيران

 

 العودة الى صفحة مقالات