|
سعد السعدون

لطالما
تم تداول إسم توفيق الحكيم في مختلف الأوساط الفنية والأدبية بوصفه أحد
رواد الرواية ومن الرواد العرب الذين ولجوا عالم الكتابة المسرحية ، فهذا
الأديب والكاتب المصري مازال يعد حتى يومنا الحالي من الأسماء البارزة في
التاريخ الأدبي الحديث ، وعلى الرغم من أنه أثرى النتاج العربي المسرحي
والروائي إلا أن ثمة مفارقة كانت تسير بالتوازي مع مسيرته الإبداعية ذلك
لأن الطريقة التي تلقى فيها الشارع الأدبي العربي نتاجاته المختلفة تبدو
غريبة إلى حد كبير فعدا كون أن ولادة أي منجز له تعد نجاحا ً عظيما ً له
بيد أنه في الوقت نفسه قد يرافق طرحه الإبداعي ثمة إخفاق ناجم عن طبيعة
النص الأدبي الذي أراد له أن يتجلى بمعمارية أدبية معينة لإيصال رؤية ما ،
الأمر الذي بلور خصوصية وتأثيرا ً من نوع خاص على الأجيال التي أعقبته في
عالم الكتابة الأدبية ، وقد تجلت هذه التأثيرات فيما بعد على نهج بعض
الكتاب ، ولاشك أن مسرحياته كنص { أهل الكهف } التي صدرت عام 1933 كانت
تشكل حدثا ً هاما ً في الدراما العربية ، من أنها تشكل بداية التنشئة
لإتجاه مسرحي عرف فيما بعد بما يسمى { بالمسرح الذهني } التي يعمل النص
خلاله على إثارة نوع من الجدل الفكري الذهني لدى القارئ والذي قد يقوده ذلك
لإيجاد قناعات وأفكار جديدة أزاء وجهات النظر المطروحة من خلال النص ،
وبالرغم من الانتاج الغزير للأديب توفيق الحكيم إلا أنن لم تترجم جميع
أعماله الدرامية إلى رؤى بصرية على خشبة المسرح نظرا ً لخصائصها الفلسفية
التي تجعل إقدام أي مخرج للتصدي لها عبر تجسيدها ضمن عرض مسرحي مهمة عسيرة
وصعبة وهذه الخاصية قد نجدها في نصوص الكاتب والفيلسوف الألماني { غوته }
التي تمتاز نصوصه بالحوار الفلسفي الذي يجعل الصعوبة قائمة لتأسيس نص العرض
، ولذلك فإن نصوصا ً قليلة هي التي وجدت طريقها نحو لغة العرض المسرحي ،
فكانت معظم مسرحياته من النوع الذي يكتب ليقرأ فيكتشف القارئ من قراءته لها
عالما ً من الدلائل والرموز التي يمكن مقاربتها من أرض الواقع بسهولة ،
وبذلك تسهم تلك النصوص في طرح المعالجات المفترضة للحياة والمجتمع وغالبا ً
ما تتميز نصوصه في وجود عناصر مترابطة تعكس حالة من العمق والوعي ، وكان
الحكيم يدرك جيدا ًما يقال حول نصوصه المسرحية فيما يتعلق بصعوبة التجسيد
لذلك فهو يعمد إلى الحديث إلى النخب الفنية وإلى وسائل الصحافة ليفصح
المزيد عن مكنونات تجربته وأهدافها الفنية فهو كان قد أدلى للصحافة بالقول
{ إنني أقيم مسرحي داخل الذهن وأجعل الممثلين أفكارا ً تتحرك في المطلق من
المعاني مرتدية بذلك أثواب الرموز لذلك إتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح
ولم أجد قنصرة تنقل مثل هذه الأعمال إلى الناس غير المطبعة } ومن خلال رصد
لمجمل أعمال الحكيم نجد أن إستلهم كثيرا ً من مصادر التراث المصري ووظفها
في رؤى معاصرة تتناسب مع سمات عصره كما إستلهم من عصور تاريخية مختلفة منها
الفرعونية والرومانية والقبطية والإسلامية ، ومن خلال ماقدمه من أعمال
تحاكي تراث هذه الفترات وجهت للحكيم العديد من الاتهامات التي أطلقها بعض
النقاد بأن له ما وصفوه بميول فرعونية لاسيما بعد صدور روايته التي تحمل
العنوان { عودة الروح } ولكن الحكيم لطالما أنكر تلك الإدعاءات مبديا ً
تمسكه بتياره الفكري العربي الذي يتجلى في نصه الروائي الذي يحمل العنوان {
عصفور من الشرق } وكان دوما ً يؤكد بأن عروبته التي يؤمن بها هي أقوى من
تلك التي يصيغها السياسيون وأنها ليست عروبة شعارات ، وفي جانب آخر من أدب
توفيق الحكيم يبرز عامل اللغة المستخدمة لديه التي شكلت في مرحلة معينة من
مسيرته مثار جدل لدى النقاد الذين يصفونها بأنها تفتقد إلى البلاغة وعناصر
التصوير فلغته التي يستخدمها هي أقرب إلى المحكية منها إلى الفصيحة ويمكن
القول أنها لغة وسيطة تراوح بين اللغتين وربما كان له قصدا ً معينا ً من
ذلك التوظيف ، بيد أن كثير من النخب الفنية والنقدية تعزوا ضعف عامل اللغة
العربية بسبب ضعف علاقته معها بإعتبار أن فترة طويلة من حياته أمضاها في
فرنسا ، غير أن التأويل يبعد أكثر من ذلك لدى البعض ليذكر أن مشكلة الحكيم
مع العربية ربما يرجع لموقف آيديولوجي أو سلبي ، وبين هذا وذاك دافع الحكيم
عن موقفه ووجهة نظره بالقول أن غبتعاده عن اللغة العربية في فترة من حياته
كان بسبب المراحل التعليمية المبكرة في حياته التي كان يلمس فيها لغة عربية
تتسم بغثاثة المعنى ، تكلف المبنى ، وكان القائمون آنذاك على تأليف كتب
الدراسة للمراحل التعليمية المبكرة يسعون فقط لإيجاد عنصر الإبهارالذي
يتمظهر لدى السامع لها لذلك آثر إلى الابتعاد عنها الأمر الذي إنعكس في لغة
الخطاب في نصوصه التي أخذت منحا ً إقترب من اللغة الوسيطة ومع كل ما قيل عن
توفيق الحكيم فإنه يبقى أحد أولئلك الذين أرسوا دعائم الحداثة الأدبية على
مستوى الكتابة المسرحية أو الروائية في عصره .
saadalsaadoon@yahoo.com
**************
مشاركاته في النخلة والجيران
العودة الى صفحة مقالات
|