|
|
|
سعد السعدون
![]()
لم تنفصل مسيرة المسرح العراقي في الداخل عن مسيرته في الخارج فكلاهما مرتا بمراحل مختلفة وبتحولات جمة على درب التجريب والبحث عن كل ما هو جديد على مستوى بناء كيان العرض سواء من الناحية الجمالية أو الناحية الفكرية ولأن الموهبة العراقية غنية عن التعريف في مجال المسرح تحديدا ً فقد سار المشتغلون في فلك المسرح ضمن رحلة طويلة تمخضت عن موقع مميز في خارطة المسرح العربي بل وحتى العالمي فالعروض التي نتابع نزرا ً يسيرا ً منها هنا على المسارح الأمريكية لاسيما في بعض الأروقة الأكاديمية تشي بما يشير بتشابه التجارب تلك التي يبحث في فضائها مبدعونا ولعل المعترك الأخير لمهرجان القاهرة الدولي الذي أسدل الستار عنه مؤخرا ً خير دليل على نوعية التجارب التي يقدمها المسرح العراقي حيث حصد العراق أهم جوائز المهرجان وسط مشاركة وتظاهرة عالمية ، والآن ونحن نعيش في خضم تجارب الحداثة المسرحية بل وما بعد الحداثة تبرز تجارب في المشهد المسرحي الإغترابي العراقي تحمل الكثير من خصائص العصر والتي يعكف عليها فنانون إكتسبوا من من الخبرة والمعرفة والموهبة ما جعلهم يكسرون طوق الصبغة المحلية لطبيعة العروض والإنطلاق نحو آفاق إنسانية أرحب على صعيد الخطاب الجمالي ، ولما لا والعقل والخيال البشري المتنور قد أنجز الكثير من مراحل التطور الأمر الذي منحنا القدرة على الشك في كل شيء بما فيه الشك في التاريخ والفكر ومرتكزات لإبداع والوعي الجمالي وجميع النظريات والمذاهب أي الشك في المفاهيم جميعها سواء الكونية أو البيولوجية منها أو علاقة الذات بالأنا الأخرى إلى آخرة من المقاربات ، فركز كل هذا مفهوما ً جديدا ً هو أن الإنسان يعني الحرية وهو سيد عالمه وذاته . لكن الشيء المهم هو أن الخطوات الأولى لمرحلة الشك في الوعي الإنساني ذاته قد أنجزت أيضا عندما بدأ كل من ماركس ونيتشه وفرويد / الشك في المفاهيم السابقة ووضعوا تأويلهم الجديد لها ، وصاغوا مفاهيم جديدة وبهذا فإنهم إعتبروا تاريخيا ً فلاسفة للشك الذي من خلاله فرضوا الحداثة في الفلسفة والفكر ووصفوا البذور الأولى لما بعد الحداثة ، والفن الحداثي والمسرح بالذات نشأ أيضا ً نتيجة للشك في مفاهيم {فاجنر } التراجيدية وفكرته حول الفن المُرٌكب والتي سبقت { ستانسلافسكي }ونظريته في واقعية الفعل وإعادة خلق الشخصية بوصفه أول من قنن النظرية الجديدة في عمل الممثل وكذلك { إنطوان آرتو }الذي إشتق نظرية مسرح القسوة من خلال مفاهيمه التي تحمل طابعا ً فلسفيا ً خاصا ً أراد من خلالها تطوير ما يسمى بنظرية العرض وفي ذلك دعوة صريحة لرفض الواقع السائد على المسرح آنذاك ومحاولة لفرض الواقع الإبداعي المرئي ، وعلى ذات النهج وفي حياتنا المعاصرة دأب رهط من مبدعينا المشتغلين في الفنون المسرحية على إجتراح الكثير من الأساليب والإتجاهات في محاولة لخلق مزيد من الأشكال الحداثوية ضمن لغة مسرحية عالية الخطاب يرتبط فيها الشكل بالمضمون وفق آليات وأنساق تتفاعل في مجملها لإيصال المعنى وحينما نتحدث عن الأنماط الحديثة لتلك التجارب الإبداعية فلابد لنا الوقوف عند تجربة الفنان العراقي المغترب حازم كمال الدين الذي أسس ورشة عمل أشبه بالمختبر المسرحي أطلق العنان من خلاله لفرقته المسرحية التي يطلق عليها { جماعة زهرة الصبار } حيث قدم الفنان الكثير من العروض المتميزة التي وجدت لها صدى ً لدى الجمهور البلجيكي والأوربي فضلا ً عن جمهورنا المغترب الذي يواكب مسيرة الفنان المذكور الذي يعد من أهم أسباب نجاح تجربته الفنية هو إطلاعه على تجارب المسرح الأوربي الحديثة من خلال دراسته للمسرح وللأدب في المعاهد والكليات الأوربية فحاول من خلال تراكم خبرة سنوات المنفى مع ما يمتلكه من تجربته المحلية العراقية أن يخلق تجربة جديدة ذات نكهة حداثية حملت أسباب نجاحها بعد أن تجلت عوامل الموهبة والمعرفة في صياغة خطابه الفني الذي أخذ صبغة إنسانية بفعل مشاركة الفنانين الأوربيين في مشغله الفني وطرحه لهموم إنسانية مشتركة فضلا ً عن هموم بلده العراق .
**************
|