سعد السعدون

 

 

 

الأدب المسرحي الطليعي نظرة إستباقية لعجائبية كونية

               يونسكو نموذجا ً !

 

لقد أجمع النقاد على أن مسرح ( يونسكو ) الذي يمثل التيار الطليعي هو آخر ما وصل إليه المسرح العالمي بعد الحرب العالمية الثانية بما يحمله من غرابة في الطرح الفكري ، وفي الأشكال والأطر المسرحية المغلغلة بروح التحدي الغير مألوفة في مسيرة الحركة المسرحية العالمية لذلك شكٌل مسرح اللامعقول ثورة تجديدية في الشكل والأسلوب ، ويمكن القول أن أهم شكل للتجديد في مسرح اللامعقول يكمن في الاستخدام الفني في للغة ولعناصر البنية الدرامية الأخرى ، ويؤكد (مارتن أسلن)

في هذا الاتجاه إن إصطلاح دراما اللامعقول يجب أن يُفهم على أنه نوع من الاختزال الفكري لنمط معين من التشابه في التناول والطريقة والتقليد وفي الأسس الفنية والفلسفية المشتركة سواء كان إدراكها بوعي أو بلا وعي ومن التأثيرات الناجمة عن رصيد مشترك من التراث ولهذا فإن تسمية من هذا النوع تساعد في الفهم ومقياس صلاحها هو مدى مساعدتها لنا على فهم وإستيعاب العمل الفني وهي ليست تصنيفا ً ملزما ً ، فقد تحتوي مسرحية على بعض العناصر التي يمكن فهمها جيدا ً وفق هذه التسمية ، ولا يمكن أن نلمس في الأدب المسرحي الطليعي إتجاها ً خالصا ً فلا شيء تراجيدي خالص وكل شيء كوميدي وكل شيء واقعي ولا واقعي تلك المعادلة في مسرح اللامعقول ما يعني إننا أمام قوالب مزدوجة تعتمد التناقض بمعنى أنك تشهد طرح المستحيل لكنه في الوقت نفسه قابل للتحقيق ، لقد كان العبث الذي يدعو إليه يونسكو يتعارض مع القواعد السائدة وذلك ما يتجسد على لسان أحد شخصياته المسرحية قوله ( أن التفكير ضد العصر يعني البطولة أما قول ذلك فهو الجنون بذاته ) . إذن فمسرح (يونسكو) يرفض التعاطي مع المحدد والمنطقي ويتجه إلى المعنى الرحب الذي يقوم على الصورة والفكر معا ً والتي يمكن للعقل إدراكها وغالبا ً ما تأتي الأشكال التعبيرية الخاصة عند العبثيين مليئة بالمتناقضات فهي تتجلى كالأحلام صورة رمزية لها أكثر من معنى ولا يفصح عنه معنى محدد يمكن لمسه ذلك لأنه يتخذ شكل الحلم بغرائبيته وسرياليته ، وإستنادا ً لهذه المواصفات التي تشكل العناوين الأساسية للنص الطليعي ، يعد ( يوجين يونسكو ) أحد رواد أدب اللامعقول الذين ركزوا نتاجاتهم على عرض صور الاغتراب واللا جدوى وعبثية الحياة في ظل إنسحاق الإنسان وتحطم القيم والمبادئ الإنسانية ويعود إليه الفضل في الإعلان عن مسرح الطليعة وتوضيح مفهومه وقوانينه للعالم وذلك حينما قدم محاضراته في المعهد الدولي للمسرح عام 1959 متحدثا ً في الوقت نفسه عن تجربته الخلاقة مع المسرح الطليعي ، وما يميز مسرح (يونسكو) أن القارئ له يجهل في كثير من الأحيان حقيقة ما يعرض أمامه من أفكار لاسيما إذا كان متلقي عادي ، فمسرح اللامعقول يدفع بالأخير نحو الدهشة ويفتح آفاق التأويل وخصوصا ً في أعمال ( يونسكو )

الذي طالب من خلال برنامجه الطليعي بتطهير النص المسرحي من كل ما يمكن أن يهدد طابع الثبات في حياة المجتمع لقد كان مسرح ( يونسكو ) ثورة على السائد المتمثل في الواقع الذي خلفته الحرب العالمية الثانية وتداعياتها ، وكأنه يطلق  نبوءته لقادم الأيام فمنذ ذلك التاريخ حتى اليوم إزدادت مشكلات واقعنا حتى اكتسبت صفة عجائبية أخرجته من إطاره التقليدي لإطار اللامعقول فكيف يمكن للمبدعين اليوم إعادة تقديم مسرح ( يونسكو ) برؤية العصر للتعبير عن جرائم رجال عصرنا وصلفهم ، فمفاهيم مثل : -

( الوطن ، الدين ، الأرض ، الاقتصاد ، صراع الأقوياء ) ليست سوى ذرائع وأقنعة تبرر لهؤلاء جرائمهم ، ولابد من الإشارة أن كثيرين كتبوا نصوصا ً مسرحية تنتمي لما يسمى للمسرح الطليعي

أمثال ( هارولد بنتر ، البير كامو ، سارتر ، أوسكار وايلد ) وغيرهم بيد أن ريادة هذا النمط الفني تعود إليه فمازالت نصوصه أرضا ً خصبة للاشتغال المسرحي لما تنطوي عليه من صفات ومزايا   أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها خير ما يعبر عن سوريالية عصرنا الذي نعيش فمن منا لم يقرأ

ضحايا الواجب أو الكراسي أو غيرها من نصوصه الخالدة .

 

 

                                                                                           سعد السعدون

أمريكا 

                            

saadalsaadoon@yahoo.com 

 **************

                                      مشاركاته في النخلة والجيران

 

 العودة الى صفحة مقالات