سعد السعدون

 

 

 

          كيف نسج عبد الكريم برشيد خيوط دراما المسرح الاحتفالي ؟

يشغل إسم الفنان والمنّظر والمؤلف عبد الكريم برشيد حيزا ً مهما ً من خريطة المسرح المغربي والعربي بالنظر لحجم إهتماماته الفنية والأكاديمية المختلفة وعطاءاته المستمرة المتميزة ، حيث يعلم معظم المهتمين بشؤون المسرح أن برشيد ماأنفك يساهم بإبداعاته الجادة والكثيرة في إثراء مسيرة المسرح المغربي بنتاجات مسرحية على مستوى التأليف تصل إلى معدل ثلاثين من النصوص المسرحية التي قدم الكثير منها على خشبات المسارح المغربية والعربية ، كذلك ساهم هو أيضا ً في تقديم بعضها بوصفه مخرجا ً ولاسيما في بداية مسيرته الفنية ، وأهم ما يشد الانتباه في منجز برشيد أنه فنان يرتكن إلى التجريب كملاذ يمكن من خلاله أن يحقق الاكتشاف وصولا ً إلى إيجاد صيغة أو منهج أصيل يمكن أن يحل محل التقليدي والسائد من الكتابات التي ينظر إليها برشيد على أنها بعيدة عن حقيقة المسرح العربي ، وبهذا أراد أن يخلق نمطا ً ذا خصوصية معينة تكون بمثابة الهوية العامة لمسرحنا العربي ، لذلك فهو وجد أن ذلك الطرح يمكن تحقيقه إذا ما عدنا قليلا ً إلى الوراء لنبش الذاكرة الشعبية العربية التي تعج بإحتفاظها الكثير من صور التعبير الاحتفالي ، وبهذه الآلية فقط يرى برشيد أنه يمكننا خلق لغة التواصل المسرحي الحي والأصيل بين المبدع والمتلقي ، وقد إستفاد برشيد في هذا الاتجاه من البحوث والمصادر التي تدعو إلى تأصيل المسرح العربي من خلال العودة إلى التراث ، إلا أن المصدر الأساسي كتب السيرة وغيرها التي يحفل بها التراث العربي .

ومن المعروف منذ فترة ليست بالقصيرة يعمل الفنان برشيد على مشروعه المسرحي فكتاباته في هذا الاتجاه ظلت ترفد مسيرة المسرح سواء على المستوى النظري أو التطبيقي ، وهو لم يصل إلى شكل فضاء نهائي وثابت ومغلق بل أنه إستمر في تطويع مفردات عمله الإبداعية لمنطق معقلن ضمن حالة خاصة من إرادة التعبير الوجداني ، وهو بذلك ظل يخضع فعل الكتابة الإبداعي إلى حالة من المخاض الأزلي التي تتحرك عبرها الأسئلة الملحة التي تفرضها قيمة النص الذي يعد الوعاء الذي يحتوي على مفردات الجدل الذي سيجسد ضمن منظومة العرض ، لذلك فإن أجواء عدم الفصل بين القديم والجديد وبين الكثير من المعاني الجوهرية الأخرى كالواقع والخيال ظلت قائمة ضمن تشكيل رؤية العرض الاحتفالي بمختلف أجوائه المفرحة أو الحزينة ، كما أن عامل الزمن ومعالجته ضمن طقسية تلك العروض في مشروع عبد الكريم برشيد له دلالته في التوظيف الفني وهو عنصر أساسي في معادلة ( المسرح الاحتفالي ) وتبقى فكرة الإحياء حاضرة بإعتبارها صفة بديهية في قوانين الطبيعة ، لقد دأب برشيد على أن يبحث عن مجموعة الأشكال التي يروم تطويعها لمشروعه المسرحي ضمن مصادر التراث الإسلامي التي قرأ عناصرها الدرامية فوجد أن التراث المدوّن والشفهي ، يمتلك الكثير من المقومات الدرامية الهائلة التي يمكنها أن تساهم في إرساء نظرية جيدة وأصيلة لمسرحنا العربي ، وقد رأى أن هذه النظرية لن تكون نهائية إلا إذا كانت لا تتنافى مع النظريات المسرحية العالمية التي تجعل من المسرح إحتفالا ً ، لذا نجده يجمع في بنية عروضه الأشكال التعبيرية الشعبية المعروفة في التراث الإسلامي وبين بعض التقنيات الغربية في مسرح ( برشت ) الذي يسمى الملحمي ، ومسرح إنطوان آرتو الذي يسمى مسرح القسوة ، فضلا ً عن المسرح الشعبي وغيرها من تقنيات التجارب والاتجاهات المسرحية الأخرى التي يمكن أن نصفها بأنها تحاول أن يبتكر نوعا ً جديد ا ً من التلقي المبني على كسر نمطية المشاهدة التقليدية ، وتمثل مسرحيات برشيد الجانب التطبيقي للدعوة الاحتفالية لأن الاحتفالية كما يذكر هو نفسه هي ليست الأبحاث النظرية وحدها وإنما هي تلك الأعمال التي تمتاز بإمتلاكها مضامين مختلفة ولها لغتها المتميزة وأدواتها التعبيرية الخاصة ، فإذا تتبعنا معظم أعمال برشيد فإننا سنجدها تدخل في إطار المسرح الاحتفالي الذي يستقي حوادثه وشخصياته وبعض تقنياته من التراث فيمكن القول أن إحتفالية برشيد قائمة على مجموعة الأشكال التعبيرية الاحتفالية المخزونة في التراث الشعبي . وهو بنجاح مشروعه يكون قد ضمن لمشروعه حضورا ً متميزا ً في فضاءات الأدب والمسرح وتبقى إستفادته من عناصر التجريب والحداثة والبحث المتواصل عن أطر جديدة وآفاق جديدة لضمان إستمرارية مشروعه الذي بات يمثل هوية بذاتها .

 

                                                                                    سعد السعدون  ديترويت

saadalsaadoon@yahoo.com

 

 **************

                                        مشاركاته في النخلة والجيران

 

 العودة الى صفحة مقالات