سعد السعدون

   ما حقيقة أزمة النقد الأدبي العربي ؟

 

تتردد بين الحين والآخرفي بعض الأوساط الأدبية والفنية العربية  ما يسمى بأزمة النقد ، وحينما يتم تداول أسباب هذه الأزمة وسبل معالجتها تختلف الآراء في آليات التشخيص والمعالجة بيد أن ما يمكن أن نرتكن إليه في ذلك ، أن الأزمة تتعلق في النقاد العرب أنفسهم من حيث اعتمادهم على مصطلحات وطرائق تعتبر اليوم بالية في تحليل أي نمط أدبي ، فالنص النقدي كما هو معروف يمثل النص اللاحق للنص الأدبي أو ربما النتيجة له أو للمنجز الفني المطروح على بساط النقد ، ومما لاشك فيه أن النقد يشتغل على النص ، وهو كتابة على الكتابة ، لكنه أيضا ً يمثل علاقة مع الحياة وهو بهذا يتقاطع مع الأدب أي أن الأدب لن يكتب فقط من الحياة ولكنه يكتب من الكتب ، كما أن النقد لا يحاور الأدب فقط في حدود المكتوب من الأدب ، بل يحاوره في علاقته هو أيضا ً مع الحياة فهو كذلك له رؤيته من العالم وله أسئلته المطروحة وله موقفه النقدي من الحياة ومن الواقع الاجتماعي ، ومن الموت ، ومن مفاهيم الجمال أيضا ً ، وعلى سبيل المثال لقد ظل النقاد طيلة عقود يحللون قصائد رواد الشعر الحر بمصطلحات أصبحت مستهلكة لكثرة تكرارها وفقدت معناها ، والآن إن دراسة الحالات الشعرية الأكثر حداثة وتعقيدا ً فإنها تتطلب مفاتيح جديدة للوصول إليها ، وفيما يتعلق بأزمة النقد الحالية فيمكن أن نضيف أسبابا ً أخرى ساهمت في تكريسها قد يكون منها ترٌفع النقاد وجلوسهم في أبراج كرستالية فمنهم من يكتب وكأنه يخاطب عالما ً آخر غير الذي يعيشه المبدع ومنهم من اختار لنفسه مجموعة من الكتاب لا يرى في سواهم إبداعا ً واستحقاقا ًومنهم من يرسل له الأديب نتاجه، لذلك ظل النقد العربي غائما ً وعائما ً ولا ضابط له سوى ثمة فوضى يجب أن يتم وضع حد لها وبما أن النقد الآن ليس بذي أهمية لا سيما في مجال الشعر لذا يجب علينا أن نترك الشعريسيل كالنهر لا يقف  بوجهه شيء لأن النقد متغير الاتجاهات فاليوم لدينا بنيوية وغدا ً أسلوبية ، ما يعني أن هذا الجنس الأدبي الجديد ( النقد ) بات بحاجة إلى ثقافة علمية مواكبة لكل ما هو جديد ، كما أنه ليس من مسؤولية الشاعر أو القاص أو الروائي أو اي مبدع أن يرسل إبداعه إلى الناقد بل على الناقد أن يبحث هو في هذا الإبداع ويبحث فيه ويقدم رأيه صريحا ً ومعللا ً الأسباب التي ساهمت في تمظهر حالة معينة أو دلالة معينة ضمن أنساق العمل الأدبي أو الفني ، والمتتبع لمسيرة النقد الأدبي العربي يمكن أن يستخلص حكما ً مفاده أن النقد في عالمنا العربي ما زال يتحرك بين مرحلة الوصف للأعمال الأدبية ومرحلة الحكم عليها ولكي يتجاوز هذا الحال لابد أن ينتقل إلى التحليل والاستنطاق والتأويل والمقاربة من الأعمال الأدبية بمحتوياتها الأسلوبية والبنائية والدلالية لكي يتمكن الناقد من رصد الظاهرة الأدبية على نحو شامل فالوقوف عند مرحلة الوصف يحول دون إستخراج حكم لقيمة النصوص ، وبانتقال النقد إلى مرحلة الاستنطاق فهو ينخرط في وضع المادة الأدبية في مرتبة رفيعة ويدرجها في وظيفة معينة ويضطلع إلى أن يكتشف النقد العربي إمكانيات جديدة يستعين بها للتحليل  ومن ثم إصدار القيمة الحقيقية للمنجز بشكل موضوعي ، ولاشك أن الثقافات لا تنمو إلا في مناخات العمل الإبداعي الذي يؤسس على أرض خصبة ، ويمكن أن نرجع أزمة النقد الأدبي إلى أزمة المثقف العربي نفسه كما أن عقلية الاستقبال التي انطوينا عليها لم تكن مؤرقة بالبحث عن المذاهب والتيارات في تجاوباتها الآنية فقد كنا نستقبل ما سبق لنا معرفته بمعنى من المعاني ، وما كان يحقق لنا نوعا ً من الفائدة في علاقات المثاقفة التي دخلنا طرفا ً فيها ، خاضعين لشروطها التاريخية التي  فرضت نفسها ، ومع بلوغنا هذه المرحلة هل نستطيع اليوم التحدث عن سؤال عربي  نقدي مشترك ؟  نحسب أن هذا السؤال مرتبط بالحالة الثقافية بمعرفة وضعنا وذواتنا ولكن من باب أو من مدخل آخر هو مدخل الأدب كفن أو كأدب يعني من بنائه ومن كونه نوعا ً له خصائصه وبهذا المعنى هو حوار مع الأدب كأدب وليس بإختزال الأدب إلى مجرد الأيدلوجيا والمضمون وهذا يعني – بإختصار – أن هناك عودة إلى المعنى لكن عبر إعطاء إمكانية للقراءة والقارئ بأن يكون مشاركا ً في انتاج النص أي وضع النقد على مسافة القراءة .

                                                                                           

 

                            

saadalsaadoon@yahoo.com 

 **************

                                      مشاركاته في النخلة والجيران

 

 العودة الى صفحة مقالات