|
تجربة إبداعية أشتقت من تجارب الذات
يحفل تاريخ
الإبداع الإنساني بوجود الكثير من التجارب الفنية والثقافية التي تركها لنا
كتّاب مبدعون من مختلف أنحاء المعمورة وأشترك هؤلاء في تقاسم الهم الإنساني
ليعبروا عنه بواسطة الفن الأدبي والفنون الإبداعية الأخرى وفضاءات الثقافة
المختلفة ، ولاشك أن كافة الآثار الإبداعية التي تزخر بها الذاكرة البشرية
تختلف مزاياها وخصائصها وفقا ً لمعايير فنية عديدة ، وهناك من المبدعين من
إتسمت مسيرته بغزارة الإنتاج وغيره كان مقلا ً وآخر متوسط الإنتاج بيد أن
الإختلاف النسبي بدرجة العطاء ليس من الأهمية بمكان في تحديد جودة المنتج
الإبداعي ، وهذا ينطبق على العديد من المبدعين على مستوى الشعر ، الرواية ،
القصة ، المسرحية ، الكاتب الآيرلندي أوسكار وايلد أحد أبرز الكتّاب الذين
قدموا نتاجاتهم المتنوعة بين المسرحية والقصة والرواية على الرغم من ذلك
التنوع إلا أنه كان مقلا ً نسبة إلى أبناء جيله بيد أن صدى أعماله ظلت
صادحة في فضاءات التناول النقدي ، فيتميز أدب أوسكار وايلد الروائي
والمسرحي بأنه أدب ذاتي ، أي أن الكاتب يركز على خبراته الذاتية ويعبر عنها
باعتبارها الحقائق الحياتية المُسّلم بها والتي تتحرك في واقعنا المعاش ،
وما مؤلفاته الأدبية إلا صورة صادقة عن تجاربه الحياتية وخبراته الذاتية ،
وأن أهم ما تتصف به طبيعته الذاتية التي هي الطبيعة البشرية ذاتها وفق
رؤيته ، وهو ميلها إلى إقتراف الشر في أي لحظة ، وإلى إنغماسها ومباهجها في
مباهجه ، والشر الذي يتحدث عنه وايلد هو ذلك الذي يستبطن الطبيعة البشرية ،
ولا وجود له خارجها ولا يمكن فصل أدبه عن ميله إلى الإنغماس في الشر وإلى
الإنحلال الأخلاقي ، والفساد السيكولوجي الذي يتطاول إلى أن يأتي على
الطبيعة البشرية ولعل أعماله المتمثلة في روايته ( صورة دوريان غراي ) ، (
قصة الأمير السعيد ) ، ( الزوج المثالي ) نماذج أدبية تعكس صورا ً حية
لتحولات السلوك البشري ، وأنه أزاء حالة التدني سعى بخطى ً وراء الحركة
الجمالية ووراء مبدأ الفن للفن ، وفيما يتعلق بتجربته الذاتية فإن الكاتب
مر بحالة من الإنزلاق القيمي خلال حياته لكنه سرعان ما أدرك الخطيئة وصحح
مسارات حياته ، لذلك أن أهم ما يميز أعماله هو إصراره على القيم الأخلاقية
الرفيعة وعلى ضرورة التمسك بالمبادئ الأخلاقية القائمة على ركائز الأمانة
والشرف وهو يحاول عبر أعماله أن يظهر أهم العناصر التي يمكن أن تعترض تلك
القيمة الرفيعة والمتمثل في تجلي الميل المادي الذي يضع المنافع الضيقة في
مرتبة أعلى من الأخلاق بالإضافة إلى ظاهرة الخطيئة أو ظاهرة الوقوع في شراك
الإغراء ، ومن خلال مجمل أعماله الأدبية يركز وايلد على الاشتغال على مبدأ
تجسيد الصراع القائم بين القيم الأخلاقية ونقيضها من ويمكن إستخلاص ما
مفاده أن الإنسان يبقى محكوما ً بحالة من النسبية ويستحيل أن يصبح مثالا ً
أخلاقيا ً منزها ً عن أي عيب ، وهكذا فإن أسطرة المثال الأخلاقي الأعلى
يعني تحويله إلى فكرة طوباوية ، من هنا فإن الحياة الاجتماعية التي يحياها
أناس واقعيون لا يمكن لهم أن يكونوا أمثلة أخلاقية كاملة ، بيد ان أوسكار
وايلد في هذا الاتجاه يهتم كثيرا ً بنحت شخصيات أبطاله نحو المثال الأخلاقي
الرفيع وذلك يظهر في أغلب أعماله ، إذن مهما يكن من أمر فإن إمتزاج الرغبات
بالأخلاق إمتزاجا ً تاما ً يعني إننا أمام مشروع أخلاقي مثالي غائي ، وإن
إمكانية إنتصار الرغبات على الأخلاق وعلى العقل تظل قائمة وهو شهدته مقاطع
زمنية من حياة أوسكار وايلد وكان الأخير قد جسد تلك الحالات التي مر بها في
روايته ( دوريان غراي ) التي تحتوي على وصف للسيكولوجيا التي إتصف بها
الكاتب في مراحل معينة من حياته ( السلبية ) ، التي كان لها الأثر في إعادة
تشكيل نظرة جديدة حيال الأشياء فمراحل السلوكية السلبية التي مر بها كانت
بمثابة الصدمة التي أعادت له صوابه ليصبح ذلك الكاتب المولود في دبلن –
آيرلندا والذي تلقى علومه في جامعة أوكسفورد والحاصل على مرتبة الشرف ،
والذي ظهرت موهبته الأدبية وبراعته في الشعر خلال دراسته ليصبح الناطق بإسم
الحركة الجمالية في أواخر القرن التاسع عشر فهو كان مولعا ً بالجمال في عصر
نفعي ، وذلك قد يكون السبب في أن المسؤولين وجهوا له بعض التهم الأخلاقية
وقد نصحه بعض الأصدقاء إبان ذلك الحدث بمغادرة بلده والذهاب إلى فرنسا ن
لكنه رفض عرضهم ودافع عن نفسه وأصدرت المحكمة حكمها عليه بالسجن لمدة عامين
ووقتذاك كتب خلالفترة مكوثه بالسجن خطابا ً طويلا ً وأعتبره النقاد لون من
أدب السجون ، وبعد خروجه من السجن قصد فرنسا كوجهة جديدة للإقامة وقد ظل
هناك حتى وفاته ، وتعد مسرحية ( سالومي ) السبب الرئيسي الذي جعل السلطات
يضعون أوسكار وايلد تحت مجهر المراقبة والإتهام ، ولعل أجمل ما قيل عن هذا
الكاتب من قبل ( بير بوم ) ...
(
كان الجمال موجودا ً قبل 1881 لكن أوسكار وايلد أول من رآه)
.
سعد
السعدون
أمريكا
saadalsaadoon@yahoo.com
**************
مشاركاته في النخلة والجيران
العودة الى صفحة مقالات |