سعد السعدون

 

   سبعة عقود على رحيله ماهي ثمار مسيرة أحمد شوقي الشعرية ؟

يتجدد الاحتفال كل عام في مختلف الأوساط الأدبية والثقافية العربية بمرور ذكرى سنوية ما ترتبط بأديب أو مثقف عربي ما ، وفي هذه الأيام ونحن نعيش الذكرى الخامسة والسبعين على رحيل الشاعر العربي أحمد شوقي الملقب بأمير الشعراء ، كيف يمكن أن نستخلص أبرز النقاط المضيئة في مسيرة هذا الشاعر في الوقت الذي نشخص فيه بعض المواقف المثيرة للجدل التي مرت خلال رحلة الشاعر المذكور ، وفي هذا السياق يأتي التقيم من خلال مستويين مختلفين الأول يصب لصالح تجربته من حيث أنه سعى إلى محاولة النهوض بالقصيدة العربية إلى نوع جديد من تفعيل الإيحاء الفني ، وبعثها وأنتشالها من حالة الهبوط التي كانت تمر به ، وقد إضطلع بهذه المهمة ثلة من الشعراء وقاموا بواجبهم على أكمل وجه ومنهم ( محمود صبري البارودي ) ، ( أحمد شوقي ) ، ( جميل صدقي الزهاوي ) ، ( معروف الرصافي ) ، ( حافظ إبراهيم ) ، ( خليل مطران ) وغيرهم وقد أعادت هذه المجموعة من الشعراء عملية الإحياء والبعث إلى القصيدة العبية بدء ً من الديباجة ومرورا ً بالمتن وهنا يمكن القول أن بريق القصيدة الكلاسيكية قد أسترجع ثانية بفضل إشتغالات هؤلاء الشعراء الذين أخرجوا القصيدة العربية آنذاك من الركاكة والضعف إلى الشكل الفني الجديد وهنا يمكن إعتبار هذه المرحلة بمثابة النقلة الجوهرية التي إستطاع الشعر العربي من خلالها الوصول مرحلة التجديد والتطوير ، ولعل ذلك ما حدث بالفعل حيث شهد المشهد الشعري العربي في أوائل الثلاثينيات ولادة ثلاث مدارس أساسية رومانتيكية كبرى ، أفضت إلى إفراز ثلاث مدارس معروفة في ذاكرة الشعر العربي وهي مدرسة ( الديوان ) ، ( مدرسة ( المهجر ) ومدرسة ( أبوللو ) التي رأسها شوقي نفسه في السنة التي تولى فيها رئاسة الشرف لها ، ولا شك أن هذه الأرضية التي وفرها شوقي وزملاؤه من الشعراء الإحيائيين كانت كفيلة بأن تنشأ من خلالها التحولات التجديدية اللاحقة ، وقد يطرح ثمة تساؤل مفاده أن الشعر العربي لم يكن بحاجة لهذا التحول وكان يمكن له أن ينتقل من مرحلة الانحطاط العثمانية إلى مرحلة التجديد عن طريق إستهلاك المراحل وفق المعيار التقليدي الزمني ، وقد يكون ذلك صحيحا ً بيد أنه لم يكن ليحدث التأثير العميق على مستوى الشعر القديم الراسخ أصلا ً في ذهن الفرد العربي ومكرس في الذاكرة الثقافية العربية على نحوه المعروف ، ولايمكن من خلال عملية إستهلاك المراحل السريع أن يحدث التغيير ، كما أن بعض الإنزياحات والتماوجات عن المتن التقليدي للهيكل الشعري للقصيدة كانت موجودة بالفعل لكنها لم تتحول إلى ظاهرة جديدة في الواقع الشعري العربي ، وبعد مرور هذه العقود من الزمن على مسيرة شوقي ليس لنا إلا أن نذكر بأهمية ما فعله شوقي على مستوى المسرحية الشعرية ومساهمته الريادية التحديثية المتمثلة في إنبثاق النص المسرحي الشعري ومن هذه النصوص ( علي بيك الكبير ) ، ( قمبيز ) ( مجنون ليلى ) ( أميرة الأندلس ) ومن الملاحظ في هذه النصوص والحقبة الزمنية التي خرجت خلالها إلى الجمهور أنها كانت تحمل من الخطاب الموجه للجماهير العربية التي كانت تواجه إحتلالات كبيرة مثل ( الأنجليزي ، الإيطالي ،الفرنسي ) وهو بهذه النصوص أراد ممارسة نوع من التوعية الوطنية الموجهة ضد قوات الاحتلال ، ولم تقف إيجابيات تجربة شوقي الشعرية عند هذا الحد ، فقصيدته ( دنشواي ) التي كتبها عام 1906 التي تعاطف من خلالها مع عباس حلمي (الخديوي ) الذي كان يمثل  رمزا ًللعديد من الحركات الوطنية والقومية والجميع يعرف أن بسبب تلك القصيدة نفي إلى إسبانيا ، وما يحسب لشوقي من مواقف أنه تعامل الوطن العربي كوحدة سياسية واحدة بإعتبار أن معظمه كان محتلا ً ، ومع ذلك الدور الايجابي لشوقي سجلت تحفظات على بعض مواقفه منها ما يتعلق بثورة عرابي واتخاذه موقفا ً سلبيا ً منها ، فضلا ً عن كونه كان مقرباً من بلاط القصر ، كما أن بواكير تجربته الشعرية لم تفصح عن مقدرة شعرية تبعده عن محاولة إعادة أصداء الشعر القديم ، والدخول في عملية محاكاته ، وهنا كان ينظر له على أنه شاعر الخارج لا شاعر الداخل وأن شاعر تقليدي لم يفلح في إيجاد معادلات جديدة للقصيدة العربية ، بيد أنه ومرور الزمن إستطاع تغيير ذلك الانطباع عبر الدور الذي قام به مع لفيف من الشعراء الذين ذكرت أسماءهم عبر سياق الحديث ، وما يمكن أن نستخلصه بعد مرور كل هذه العقود السبعة والنيف أن شوقي شاعر مجتهد خاض في تحديث القصيدة الشعرية العربية وتعاطى مع مشكلات مجتمعه العربي الكبير وحاول من خلال الشعر مخاطبة الذات العربية.

 

                            

saadalsaadoon@yahoo.com 

 **************

                                           مشاركاته في النخلة والجيران

 

 العودة الى صفحة مقالات