سليم الجصاني

 

دلالات انتقال حاضرة الاسلام الى الكوفة

 

ـ من أهم ما اتخذه"ع" من قرارات هو نقل موطن الخلافة الإسلامية من المدينة المنورة إلى العراق إذ تعد هذه الخطوة غير مسبوقة

ـ تعد الكوفة قلب العالم الإسلامي الذي اتسعت رقعته ليشمل الشام ومصر والبصرة وخراسان وأمصار أخرى 

أثارت مسألة انتقال الخلافة الإسلامية من المدينة إلى الكوفة تساؤلات كثيرة ,تسأل تارة عن مغزى هذه الانتقال , وتارة أخرى فإنها قد أثارت ردود فعل مناوئه تبناها الدعاة إلى عودة الخلافة الإسلامية إلى موطنها الأصلي وقد تبنى هذه المسألة جمع من المسلمين.

فقد عرف في تاريخ الإسلام إن الرسول ـ صلى الله عليه واله وسلم ـ انتقل من مكة إلى المدينة المنورة ليؤسس للدولة الإسلامية ذات الدستور وليعط الرسول الكريم "ص"  لهذه المدينة القدسية والأهمية في نفوس المسلمين عامة ,وقد أعقبه بعد وفاته" ص " من جاء من بعده الذين بقوا على اتخاذهم للمدينة المنورة عاصمة للدولة الإسلامية التي أخذت شيئا فشيئا بالاتساع لتضم حواضر متعددة لقوميات وديانات متعددة .

وبعد ذلك جاء إجماع المسلمين بصورة انتخابية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب "ع" الذي حفظ لهذه الأمة هيبتها وأسس لتطورها ورقيها ,فعلي "ع" عرف برؤاه و أراءه القيمة وقراراته الصائبة السديدة إبان تواجده مع الرسول الكريم"ص" وما أعقب ذلك.

ولعل من أهم ما اتخذه"ع" من قرارات هو نقل موطن الخلافة الإسلامية من المدينة المنورة إلى العراق إذ تعد هذه الخطوة غير مسبوقة من سابقيه, وعند تتبع هذه الخطوة نجد إن فيها  من الكياسة وبعد النظر ما يلحظ في أسبابها ولعل هذه الأسباب تقسم على قسمين:ـ

أولها مرحلي والثاني لما يعقب هذه المرحلة من تطورات .وان الحديث عن هذه الأسباب بقسميها يمكن إجماله في الأتي:ـ

1ـ حرب الجمل : لعل أهم الأسباب المنظورة التي أدت إلى الانتقال المؤقتة من المدينة المنورة إلى مقربة من البصرة هو خروج طائفة ممن قالوا ببيعة الأمير "ع" ثم نكثوها وتجمعهم بالقرب من البصرة وتأجيج الناس على الخليفة الذي أنتخب أول مرة في الإسلام مما جعله "ع" يعزم على الذاهب إلى إخماد الفتنة بنفسه يعود لعدة أسباب منها :ـ

أـ حرص الإمام "ع" على تواجده في مقدمة جنده لتقديم الدعم النفسي والسياسي والعسكري لهم .

ب ـ انتقال الأمير "ع" من المدينة في مجموعة صغيرة تمثل القيادة لتأخذ لها النصرة من قبائل العراق الموجودة هناك ومن ثمة تجنب المشقة لانتقال جيش إسلامي من المدينة إلى العراق أي تجنب المشقة المادية والجسدية والزمنية, وان مثل هذه المسألة أي مسالة جمع عسكر من القبائل الكوفية لهذه القيادة المنتقلة من المدينة إلى العراق يحتاج إلى تواجد لشخصية ذات ثقل إسلامي كبير .

ج ـ حرص الامام "ع" على تواجده المادي امام المناوئين وفي مقدمتهم طلحة والزبير ليذكرهم بخصوصيته "ع" وببيعتهم له"ع" وبالاحاديث النبوية التي قيلت في حقه ... وان قتالهم له "ع" يعني قتالهم لرسول الله "ص" ,وليذكر الخارجين على الخلافة الاسلامية ويدمغهم بالحجة وليقم عليهم الدليل كي لا تبقى لهم حجة في ذلك .

2ـ نصرة قبائل الكوفة : لقد اسس طائفة من محبي الامام علي "ع" دعائم المولاة لهذه الشخصية في الكوفة بعد فتحها فيما يحسبه هؤلاء المحبون انه امر الهي امر به الباري وبلغه نبي الامة نبينا محمد "صلى الله عليه واله وسلم ".

3ـ اهمية الموقع :لعل اهمية الموقع لاتقتصر على الجانب الجغرافي للمدينة حسب او انها تعتمد على الجانب العسكري , بل ان اهمية مدينة الكوفة ترجع الى هذه الاسباب  فضلا عن اسباب اخرى يمكن اجمالها في :ـ

أـ الموقع العسكري للمدينة : تعد مدينة الكوفة ذات موقع عسكري مهم ولاسيما بعد خلع الامام علي "ع" لمعاوية ورفض الاخير لمبايعة خليفة المسلمين علي "ع" وقتها. مما ادى الى حدوث انقسام في الصف الاسلامي ولّد جبهة معارضة او منشقة يتزعمها معاوية ومقرها الشام , هذه الجبه الدامية التي استمرت سنوات عدة تربو على سنين اربع ,استنزف فيها الكثير من موارد المسلمين البشرية والاقتصادية والفكرية .وشكلت فيما بعد عداء متوارثا في كل من البلدين العراق والشام فضلا عن التداعيات الاخرى.

وان هذه الجبهه كان لابد لها من موقع عسكري مناسب لها , فكان ان رصدت الكوفة كي تكون مصدا وهذا جاء من قبل الذهنية العسكرية التي هضمها الامام علي بن ابي طالب "ع" في حروبه وغزواته المتعاقبة مع رسول الله "صلى الله عليه واله وسلم ".

ب ـ الموقع السياسي : وهو موقع تلحظ اهميته مما أشير اليه سابقا ومما رصدته مدونات التاريخ العربي والاسلامي.

ج ـ الموقع الجغرافي : تعد الكوفة آنذاك في قلب العالم الإسلامي الذي اتسعت رقعته ليشمل الشام ومصر والبصرة وخراسان وأمصار أخرى.

لذا كانت الكوفة تمسك بزمام الاتصال بين خراسان وثغورها من جهة ,وبين الثغور التي تطل على بلاد الروم من جهة أخرى ,ولعلنا نعلم إن تنقل الأخبار وقتها يتطلب الوقت الكثير كي يصل من مكان الى مكان اخر تحمله متون الدواب ,وان وصول الخبر الى الكوفة اقل منه بكثير من وصوله الى وسط شبه الجزيرة  العربية ونعني المدين المنورة هذا من جهة ومن جهة اخرى ما تحمل هذه المدينة من موارد طبيعية كونها كونها تستقر على نهر الفرات ويجاورها عن قرب نهر دجلة الامر الذي يكفل لهذه المدينة ماءها ومرعاها وزراعتها , هذه الزراعة الممتدة في تاريخها الى عصور سبقت العصر الاسلامي اذ انها موغلة في القدم حيث كان يطلق على ارض العراق بارض السواد لما فيها من خيرات , والكوفة كانت تشكل جلّ العراق وقتها فضلا عن البصرة .

د ـ الموقع الحضاري: تعد الكوفة وريثة الحضارات البابلية والسومرية وغيرها ولتمازج الثقافات على هذه الارض وتزاوجها الامر الذي ادى الى اتساع ذهنية الانسان الكوفي لما هضمه من حضارت وحواضر ثقافية ولما يحتك به من ثقافات فارسية وهندية ورومية ومناذرية وغيرها، وانه امر فيما اتصور اسس لنشوء التنظيرات العلمية فيما بعد وانجب التطور المعرفي لدى المسلمين.

4 ـ التهيئة لظهور الامام المهدي "ع" : لقد اتخذت مسائل التبشير بظهور الامام المهدي جوانب عدة اولها ما قال به الرسول الكريم (ص) من حتمية الظهور وان عاصمة هذا الظهور هو العراق بشكل عام والكوفة بشكل خاص، ثم اعقب ذلك التأسيسات التي رسخها الامام علي(ع) بتأسيس الكوفة الفكرية والثقافية والادارية.

من كل هذا نجد دقة القرار الذي اتخذه الامام علي(ع) في نقله لمقر الخلافة الى العراق وتحديدا الى الكوفة .

 

 مشاركاته في النخلة والجيران

  التكرار في القرآن الكريم درس بلاغي

  المصدر عند الصرفيين

 دلالات انتقال حاضرة الاسلام الى الكوفة

************

العودة الى صفحة مقالات