سلام محمد البناي


أصبوحة تفاعلية في حضرة القصيدة الرقمية ورائدها الشاعر د.مشتاق عباس معن

تباريح رقمية لسيرة بعضها....ازرق       للدكتور مشتاق عباس معن

متابعة - سلام محمد البناي

سمعت مرة في حوار أجرته إحدى الفضائيات مع الشاعر د.مشتاق عباس معن بحق الشاعرة الرائدة نازك الملائكة بمناسبة انعقاد مهرجانها الأول/2007 قوله(الشعوب التي لا تحتفي برموزها لا تستحق الحياة والأمم التي لا تحترمهم لا تبني حضارة..) استذكرت هذه الكلمة في أروقة جامعة كربلاء التي احتفت بالشاعر الرائد د.مشتاق عباس معن فأحسست بنشوة عارمة نحو تلمس الحياة التي أخذت تدب في أروقتها من جديد حين تحرك الوسط الثقافي والأكاديمي للاحتفاء بالرموز الثقافية والإبداعية واحترام انجازاتهم الأدبية فالشاعر الدكتور مشتاق عباس معن ليس اسما عراقيا فحسب بل هو اسم عربي عريض له منجزه الأدبي والإبداعي وتشهد بذلك مؤلفاته التي تجاوزت الستة ونتاجاته الإبداعية التي تعدت الثلاثة فضلا عن الجوائز العربية والعالمية التي نالها خلال مسيرته الإبداعية السابقة، واليوم اتسعت ملامح اسمه الأدبي ليدخل أروقة العالمية وذلك لريادته القصيدة التفاعلية الرقمية التي اسماها بـ (تباريح رقمية لسيرة بعضها ازرق)...

وقد اتضحت ملامح هذا الاسم الإبداعي المتألق بمقدمة الأستاذ الدكتور عبود جودي الحلي الذي قدم الشاعر المحتفىبه الى الحضور في قاعة كلية التربية وبرعاية عميدها الدكتور حسين القطب مع كوكبة من مسؤولي الجامعة والمثقفين والأدباء وأساتذة الجامعة.

إذ قال الدكتور عبود الحلي بحق الشاعر : ... نحتفل اليوم بمبدع من مبدعينا، أسهم في إضافة متن أدبي عربي جديد، مع دخوله في ميدان المغامرة الرقمية، وقد أنجز نصاً شعرياً متظافراً بوسائطه التفاعلية العديدة، واستطاع من خلالها أن يزاوج بين التقنيات الرقمية الحاسوبية، وقدراته الثقافية المتنوعة. إن شاعرنا الجميل تسلل بهدوء تام الى قوى النص الفاعلة ومزج بين الكلمة والصورة، وعزم على تغيير نوعي في بنية العمل الشعري، وعمل على إدخال الفضاء الصوتي والحركي فيه، ومن ثم دمجه مع جملة من المختزلات الإدراكية، التي كنا إلى وقت قريب نجهل التعامل معها.

إن الأدب الرقمي ـ أيها الأعزاء ـ هو اليوم جنس أدبي مستقل بذاته، استطاع أن يؤكد أن الحقيقة والجمال ليسا حكراً على الكلمة فقط، وإنما فضل الكلمة لا يتجاوز سائر وسائل الإدراك الإنسانية فيه، فالصورة والتثقيف بنظام الصورة أصبحا الشغل الشاغل لهذا الأدب، وهو يهدف إلى إحداث نقلة نوعية في أداة البصر، والتعامل معها على أنها وسيلة إدراك إلى جانب كونها أداة للتعايش والتفاعل الإنساني، وننوه إلى أن تطلعات هذا الأدب لا تقف عند حد معين، فالتغيير الأخطر والأهم في نصوصه تسهم الآن في وضع حد فاصل بين نظرية المعرفة والنظام المعرفي، وكلاهما، وفي جملة من المجتمعات مازال كوناً عائماً لا تُعرف فيه الحدود.

وفي كل ذلك نعتقد أن البدايات الحقيقية هي تلك التي تحتوي على قدر عالٍ من اشتراطات الريادة، وكل ما سبقها يسجل إرهاصات تحفيزية لها، وعلى هذه القاعدة تكون البداية الحقيقية للقصيدة التفاعلية الرقمية الغربية في بداية العقد التسعيني من القرن المنصرم وبالتحديد في سنة 1990 حين بث الشاعر الامريكي (روبرت كاندل) أول نصوصه تلك.

ولم يمض وقت طويل حتى التحق العرب بركب الغربيين ذاك، فأنتج الشاعر الدكتور مشتاق عباس معن مجموعته الشعرية التفاعلية الرقمية الأولى، في هذا العام تحت عنوان (تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق) ليحقق منجزاً عراقياً عربياً في الآن نفسه.

ونجتمع اليوم ليلقي على مسامعنا الشاعر الدكتور مشتاق عباس معن محاضرة عن الأبعاد النظرية والتطبيقية لهذا المنجز الجديد ولاسيما بأبعاده التفاعلية.

وبعد هذا التقديم ... شرع الشاعر المحتفى به بمحاضرة تعريفية بالمنجز كانت على محورين الأول الإطار النظري والفلسفي للمشروع كله حيث عرض المسوغات الثقافية والمعرفية والأدبية لولادة مثل هذا الجنس مع بيان مجموعة من المعطيات الجديدة التي تحمله من حيث تقنيات البناء واليات الصياغة. أما الإطار الثاني فتضمن عرضا تطبيقيا للنص المحتفى بإنتاجه ومنتجه إذ عرضت القصيدة بواسطة جهاز(الداتاشوDATA SHOW ) وشرحا تفصيليا لكثير من جوانبه ولاسيما الصورية قال فيها:

يدعونا النص التفاعلي الرقمي الى تغيير جملة من المصطلحات التي تنسجم مع النص الورقي ومنها مصطلح الواجهة أو مغلف النص إذ كانت وظيفته في الغالب وظيفة مع النص التفاعلي إذ يدعونا الى وسمه(بأرضية النص التفاعلي) لأنها تختزل منافذ الدخول الى دلالة النص ولو على نحو إجمالي.

ولو تفحصنا أرضية النص المعروضة أمامنا لوجدناها تقدم قبل البحث في خفاياها منفذا أوليا للدلالة، ولو بحثنا في خفاياها لوجدنا أن ذلك المنفذ الأولي يتشعب الى مجموعة من المنافذ. فالمنظور البصري العام لخلفية الصفحة مع قراءة النص الموزع على أيقونات عمودية واعني(أيقنت أن الحنظل موت يتخمر) يقدم دلالة عامة لجو المجموعة الموسومة (تباريح رقمية لسيرة بعضها ازرق) أما إذا بدأنا بالبحث في خفايا هذه الصفحة لوجدناها تخبيء نصوصا تتفرع من كل كلمة مكتوبة على الأيقونات العمودية لتشكل بمجموعها طبقات نصية ظاهرة وباطنة إذ يكون لكل كلمة من هذه الكلمات محتوى دلالي مضغوط يؤدي وظائف بنائية في النص الرقمي والانتقال الرقمي في فعل التدليل يتم من خلال تحويل الدلالة الى إشارة فكلمة(أيقنت) مثلا تتحول من دلالاتها المعرفية الى حركة نظامية بصرية تكشف عن محتوى دلالي جديد يقع في منطقة الإشارة أي العلامة الدالة وهذا التحريك والكشف سيؤدي الى الانتقال بفعل اليقين الى مستويات طبقية منظورة جديدة تترجمها حركة (الماوس) وهي هنا -أي حركة الماوس في النظام الرقمي -عبارة عن حركة مدخلات حسية جديدة تتعامل مع كل محتوى على أساس كونه خاضعا لنظام اشاري موحد يربط عناصر النص مجتمعة. والنظام الاشاري بحسب الرؤية الرقمية هو عبارة عن تحويل الجدول الحسي المستمر الى مدارك حسية محدودة أي أن النظام الاشاري عندما يدخل المجال الرقمي يفسر ظاهرة الفهم ويشير الى العمليات المشتركة في المعرفة والفهم والتذكير والحكم والتفكير كما توصل الى ذلك باحثو الوسائط المتعددة في جامعة ولاية أريزونا.

 ويدفعنا هذا الأمر الى قضية انسجام المصطلحات مع ما تدل عليها من مفاهيم ففي النص الورقي كان مصطلح تراسل الحواس ينسجم مع تقنيات البناء النصي في حين لا يمكن أن ننظر الى عملية فعل التدليل الرقمي السابق بالاستناد الى منظوره الحسي على انه تراسل حواس فقط لأننا نتحدث هنا عن عملية إدراك ونظام اشاري جديد ينسجم معه مصطلح (تراسل المدركات الحسية على نحو اكبر ) وعلى هذا الأساس لم تكن أرضية النص التفاعلي عاملا تزويقيا إن نظرنا إليها واجهة أو مغلفا للمجموعة لأنها قدمت منافذ دلالية كثيرة يصفها النقاد التفاعليون بأنها يمكن أن تكون قراءة كافية لفهم النص الرقمي أن لم يرغب بالدخول الى متاهة التفرع والتشعب النصيين لان النص التفاعلي يقوم على تقنية النص المتفرع ( هيبر تكست ) ولو أردنا البحث في خفايا الإيقونات الموجودة في أرضية النص التفاعلي لوجدنا أن كل إيقونة هي عبارة عن مدخل نصي يمثل معادلا موضوعيا لحركة إشارة الماوس التي تمثل مدخلا حسيا والفارق النوعي بين المدخل الحسي والمدخل الموضوعي يتمثل في مقدار ضخ المعلومة المتفرعة فإلى جانب التوصيف الحسي هناك حركة موضوعية مسوغة لمكان وزمان وشكل وترتيب النص وهذا التزامن غير طاريء بسبب أن حركة المدخلات الضرورية لإقامة نظام رقمي هي غير حركة مداخل التفعيل المعلوماتي لبناء نص شعري داخل هذا النظام الرقمي وعلى أساس هذا الفارق تقام خاصية النص الرقمي وهي مشتملة على تفاعل دوال المدخلات الرقمية القياسية ومن المعروف ان هذه الدوال كانت تعمل على غاية تتلخص عند باحثي الأوساط المتعددة في نقل وتحويل الإحساس الواطيء المستوى الى مدارك بالحواس وتوقفنا في ما سبق عند الجانب البصري من النص التفاعلي الرقمي ولم نعرج على الجانب السمعي لأنه يحتاج الى وقفة أخرى لا تسعها هذه المحاضرة..

وبعد أن أكمل الشاعر محاضرته تلك التي اسماها بـ(الطبقات النصية في القصيدة التفاعلية الرقمية: (المنظور البصري أنموذجا)

ارتقى المنصة كوكبة من الأكاديميين والمثقفين والأدباء لقراءة شهادات بحق الشاعر وهم الشاعر والصحفي سلام محمد البناي والشاعر الدكتور امجد التميمي والقاص الدكتور إحسان محمد جواد والناقد الدكتور عادل نذير والشاعر الدكتور فائز الشرع والشاعر الدكتور حسن عبد راضي والناقد الدكتور علاء الموسوي ولضيق الوقت قرئت الشهادات الأربعة الأولى على أمل أن تطبع تلك الاصبوحة كاملة مع الشهادات الأخرى.

وقد أكد الشاعر والصحفي (سلام محمد البناي) في شهادته على أهمية المنجز وضرورة الانتباه إليه بمستوى ينسجم مع ضرورته وأهميته تلك فقال في جزء منها : (  تجربة الشاعر الدكتور (مشتاق عباس معن) في الأدب التفاعلي وبالذات في القصيدة التفاعلية تجربة جديدة وجميلة جاءت مواكبة لتطورات العصر الذي نعيشه كتب عنها كبار أساتذة الأدب العربي وأشادوا بها بقوة وكذلك أشاد بها من أشاد من بعض كتابنا والقصيدة التفاعلية الرقمية فعل أوجدته المرحلة ونمط من أنماط التواصل المعرفي الذي يجب أن يكون لها متذوقيها الذين يتكاثرون ولو قدر لها أن تنتشر بشكل أوسع لتغيرت الكثير من القناعات والرؤى ولأصبحت لازمة مطلوبة لمن يمتلك الاستعداد الفعلي والنبرة الفوقية في تحسس النص الشعري المحفز للمشاعر الإنسانية....أما الشاعر الدكتور (امجد التميمي)  فأكد ارتباط هذا التحول في تقنيات صياغة النص الإبداعي بالتطور المهول الذي انتاب العالم بعد دخوله عصر التكنولوجيا والمعلوماتية مما استدعي ذلك الى مواكبة ذلك التطور بالتحول الايجابي مؤكدا أيضا أن المستوى الثقافي هو الآخر يؤثر في عملية التحول والتطور وما كان انجاز ذلك النص من الشاعر الرائد د.مشتاق إلا استجابة للحس الثقافي العالي الآخذ بالاقتراب من مناخ المعلوماتية.

وانفرد القاص الدكتور (إحسان محمد جواد) بعرض سيرة الشاعر العلمية والإبداعية ليخلص من خلال ذلك العرض الى أن شخصا بهذه المواصفات الخلاقة ليس غريبا عليه أن يخلق إبداعا رائدا فاتحا بوابة عريضة لإنتاج ماهو أكثر جرأة وتميزا.

أما الناقد الدكتور (عادل نذير ) فربط الانجازات الحديثة بجذورها التراثية ملمحا الى أن مالا جذر له لا استقرار له فأكد بذلك استقرارية منجز الدكتور مشتاق الشعري لان جذره التراثي واضح للعيان.

وقد أكدت شهادات الشاعر الدكتور فائز الشرع والشاعر الدكتور حسن عبد راضي والناقد الدكتور علاء الموسوي على أن الريادة الشعرية التي حققها الشاعر الدكتور مشتاق عباس ليست طفرة مفاجئة إنما هي تنام ٍ طبيعي في مشغل الإبداع لديه فهو يكتب الشعر منذ 13 سنة وله من النصوص المنشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية وغيرها ناهيك عن مواقع الانترنيت وإصداره لمجموعتين شعريتين ورقيتين الأولى عام 1997 في بغداد والثانية عام 2003 بصنعاء فضلا عن نشاطاته الإبداعية والأدبية العامة، كل ذلك كان سلما طبيعيا لان يرتقي منصة الريادة عن استحقاق.

وقال الناقد الدكتور علاء الموسوي مانصه:

دوما كان المتألق الدكتور مشتاق عباس معن متميزا ومتجاوزا لكثير من الجمود والركود فحين بلغ السادسة والعشرين من عمره نال جائزة الشارقة للإبداع العربي ذلك سنة 2000 الدورة الرابعة وحين كنا نتحدث عن احتضار القصيدة العمودية باغتنا سنة 1996 بدراسة ومجموعة من النماذج العائدة لنتاجه الشعري عما اسماه هو بـ( العمودي الومضة) وحين كنا نعاني ونحن في مرحلة الماجستير من مصطلحات فقه اللغة فاجأنا بإصدار المعجم الأول في العربية عن مصطلحات فقه اللغة عن دار الكتب العلمية سنة 2001 وتلاه بمعجم عن مصطلحات فقه اللغة المقارن من الدار نفسها سنة 2003 و لاتتوقف السلسة عند هذا الحد من التميز بل القائمة تطول لو تطرقنا الى جميع حيثياتها.

بعض الشهادات

الرائد لا يكذب أهله

الدكتور:عادل نذير بيري

دأب الباحثون على ما يضفي شرعية التراث على الحداثة ليجدوا مسوغا لشكل أو مضمون جديدة وأنا على سنتهم لا أجد في هذا المقام اصدق من قول (الجاحظ) الذي يحدد عملية الإنتاج الشعري في كونها (صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير) وهذا الذي يذهب إليه الجاحظ، قبل ألف ومئتين من السنين لايتفق مع النتاج الشعري القديم وحسب لان مايقدمه المعاصرون اليوم إن هو إلا امتداد  حقيقي للمحدد التقني الذي يقترحه الجاحظ للشعر فإذا ماكانت المدلولات هي البعد الصوري للدوال في الشعر العربي القديم فان الشعر العربي المعاصر يخطو للإمام ليجعل للأشكال المرئية بعدا صوريا للمدلولات القائمة فيه.

ويبدو أن تغير طوبوغرافيا النص في زمن تتغير فيه صور الحياة أمر طبيعي جدا مادام ذلك النص هو الصورة الثانية للحياة والقيمة المستمدة منها ولم يغفل متعاطو الشعر المعاصر حقائق كهذه ولذلك كانت لهم لعبة خاصة مع المتلقي لم تمارس هذه المرة من خلال الصوت والدلالة وإنما من خلال ثنائية الأسود والأبيض على الورق فكان النظام السطري والنظام الفقري والنظام المركب وكانت الفراغات وعلامات الترقيم تحمل قراءة ذات قيمة وإذا كان تقسيم البيت الشعري قديما يتعلق بدواع أدائية يفرضها العروض أو دواع غنائية كالذي نجده في الموشحات او دواع تشكيلية كالذي نجده في المشجرات فان الأداء الكتابي للشعر العربي المعاصر يحمل هموم القاريء والمبدع على حد سواء.

فإذا كان ذلك رأي الجاحظ وهذا حال النماذج الشعرية المعاصرة فان على (جان كوهين) أن لايحدد(الانزياح) على وفق مايراه خروجا عن القواعد الصوتية والدلالية لان هناك اليوم ما لايجب أن يؤخذ بالحسبان اعني القواعد البصرية فالأداء الكتابي اليوم لايعتمد بياض الورقة وحسب، لأن لسطح المكتب على الحاسوب حصة يجب مراعاتها.

ودليل ذلك ان شباك الشعرية تهتز اليوم ثانية بكرات ريادة عراقية وهاهو الشعر من جديد ينتدب عراقيا ليرسله في طلب الكلأ الشعري فكان الرائد الشاعر الدكتور مشتاق عباس معن لايكذب أهله فجاء الشعر..وعاد الى الشعر بالقصيدة التفاعلية الرقمية وفي الحق فأنني على قلة شأني وكثرة إضاعتي اقر له بالريادة لأنني وبكل بساطة لم يتسن لي سماع شيء عن الأدب التفاعلي إلا على يديه.

وإذا كانت أقسام اللغة العربية تفتخر بأساتذتها أصحاب الألقاب العلمية الرفيعة فإننا وهذه الحال في قسم اللغة العربية /جامعة كربلاء نفخر مرتين مرة بوجود كوكبة طيبة من الأساتذة وأخرى بوجود رائد من رواد الشعر العربي المعاصر. 

تراتيل الوجع السومري

د.إحسان التميمي

الأكاديمي والأديب الشاعر والقاص والكاتب الدرامي والباحث والناقد هو ذلك الذي عرفته عن كثب منذ أن كان في مجالاته التي أبدع فيها ، غضّ الأهاب إلى أن استوى سوقه وصار يمثل الإبداع العراقي والعربي في عدة مجالات كان آخرها إبداعه القصيدة التفاعلية - الرقمية العربية الأولى في الوطن العربي والتي وسمها تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق.

وفي الحقيقة أن المرء ليحار في تقديم أي جانب من جوانب إبداع الدكتور مشتاق عباس معن على الجوانب الأخرى لأني وجدته ألمعياً في جلّها وهي سمة قلما توجد في أهل العبقرية والإبداع ، ولعل سماته الشخصية العامة هي التي أسهمت في خلق هذا المبدع المتعدد الإبداع ، فهو سريع البديهة ، متقد ، مثابر ، مستمع جداً ، لا يعرف الهوادة ، صلب قارئ نهم ، لا يستهين بآراء الآخرين ، وإن كانت بسيطة ، ذو شخصية حاضرة على المستوى العلمي والإداري ، وغالباً ما يكون (الداينمو) المحرّك لأقطاب مجموعته أو أصدقائه المقربين . وهناك عوامل أخرى كان لها الأثر الواضح في تحفيز إبداعه إلى أن يكون أكثر فاعلية من إبداع الآخرين ، إذ ولد في مدينة شعبية من مدن بغداد الحبيبة في سنة 1973 من أب وأم قادمين من الريف ومعهم إرثهم (السومري) الخالد ، جالبين معهم مفردات الجنوبية الرامزة والمحيلة إلى دلالات متعددة تنمّ عن تراكم حضاري وفكري وأدبي كبير ، فضلا عن التراكيب والجمل التي تنطوي على فنون بلاغية كامنة كما هو الحال في " الحسچة "لعراقية التي هي بمثابة  " التورية " وهكذا تلقف الصبي السابق لعمره تلك المفردات والتراكيب مفيداً من الملازمات التي صاحبت أبناء جيله بضرورة التسلح بالعلم والمعرفة لأنها البديل الأساسي للخروج من أزمات التي يمرّ بها الوطن الحبيب العراق بسبب نظام نزق وفي بداية التسعينات إلى كلية الآداب ليلتحق بقسم اللغة العربية ليكون ضمن شعبة الشرف للمتفوقين والنجباء من الطلبة فحاز على إعجاب كل أساتذته ومنهم محمد حسين آل ياسين والمرحوم الدكتور عبد الأمير الورد والدكتورة خديجة الحديثي والمرحوم الدكتور عناد غزوان وغيرهم ...وكان إلى جانب تفوقه الأكاديمي فاعلاً على مستوى النشاط الأدبي فأسس مع زملائه جملة من الروابط الأدبية وفي تلك المدة توفي والده إثر نوبة قلبية لكن ذلك لم يثنهِ عن المضي في استكمال مشروعه العلمي الكبير وكان ذلك حافراً له للإعتماد الكلي على ذاته وحين دخل الدراسات العليا أسس مع ثلة من زملائه الأدباء رابطة أدبية ضمت نخبة من الأدباء والمثقفين وكنت من بينهم اذ أصدرنا مجلة أدبية اسمها (أشرعة ) وكان الدكتور مشتاق آنذاك مدير تحريرها ومن ثم طرح علينا هذا الشاعر الألمعي مشروع (قصيدة الشعر )مستنيرا بهدي آراء المجموعة فكانت ثمرته العدد السادس من مجلة (أشرعة ) المخصص لذلك المشروع الذي بلغ صداه آفاقا متعددة في الوطن العربي وبعد حصوله على شهادة الماجستير هاجر الى اليمن في سنة 1999وبعد ذلك بدأت رحلته العلمية الجديدة إذ حصل في تلك المدة على امتيازات وجوائز ثقافية وأدبية منها : حصوله على جائزة الشارقة للإبداع في مجال النقد الأدبي سنة 2001وحصوله على جائزة هائل بن سعيد اليمنية وعلى جائزة أنجال الشيخ هزاع بن آل نهيان لأدب الطفل وانتدابه في عدة لجان تحكيمية لجوائز اليمن المحلية وحصوله على الدكتوراه في مجال اختصاصه الأول وهو الألسنية فضلا عن التأليف والنشر إذ كتب أكثر من خمسين بحثا في المجال الأكاديمي في الدوريات والمجلات العربية المحكمة وغيرها واصدر عدة مؤلفات في مدة وجيزة من حياته العلمية وبعد عودته الى ارض الوطن شغل عدة مناصب منها نائبا لرئيس تحرير مجلة (ثقافتنا) التي تصدر عن وزارة الثقافة ورئيسا لقسم علوم القران في كلية التربية ببغداد وعضوا في لجنة تعديل المناهج التربوية ومدرسا في جامعة كربلاء وان آخر مشاريعه التي أحدثت نوعا من التحول في مسار الشعر العربي المعاصر هو إنتاجه أول نص ترابطي تفاعلي في الوطن العربي ونهاية المطاف لا أجدني وفيت حق هذا المبدع الفذ وحسبي أني لم آلُ في استذكار ما عرفته عنه.

مشتاق عباس معن

في فتح أدبي عراقي جديد

 حسن عبد راضي

 منذ منتصف التسعينيات، عكف الشاعر مشتاق عباس معن على مشروعه الثقافي، منخرطاً أول الأمر في رابطة شعراء الرصافة التي كانت تضم فائز الشرع وعلي محمد سعيد ونوفل أبو رغيف والمرحوم رشيد الدليمي وراضي مهدي وبسام صالح وآخرين   ولئن ذهبت الدراسة الأكاديمية به كل مذهب وشغلته كثيراً عن ملاحقة ذلك المشروع، فإنه ظل يواصل تجاربه الشعرية، ويتواصل مع ابناء جيله والأجيال الأخرى في محاولات التجاوز المستمرة التي اتخذت منحىً تجريبياً يعتمد الجرأة المستندة إلى ثقافة عالية واطلاع ممتاز على ما أنتجته الشعرية العربية والعراقية، وعلى محاولات التجديد وبياناته، وعلى الأطر النقدية التي أطرت تلك المحاولات.    لقد كان مشروع قصيدة الشعر في أواخر التسعينيات خطوة أولى باتجاه اختراق غابة الأرز، وكان فيها من الواقعية والمصداقية ما خولها إثارة الجدل حولها، الأمر الذي ذكرنا بالجدل والمناقشات التي أثيرت حول قصائد السياب ونازك الأولى، سواء منها ما كان يبحث في مشروعية الشكل أو التسمية، أو ما كان يخوض في عمق القضية باحثاً عن أسباب التغيير في الثقافة والمجتمع لا في الشكل الشعري وحده.     ولقد لاقى مشروع قصيدة الشعر عنتاً من قبل بعض المتشددين، كما حاول البعض الاستحواذ عل المشروع وسحبه إلى منطقة أخرى خارج إطاره النظري، لكن في النهاية لم يصح إلا الصحيح، وجاء إعلان بيان المراجعة في القاهرة ليتوج تلك الجهود ويضع المشروع على سكته الصحيحة.       لكن مشتاق الشاعر لم يكتفِ بهذا الجهد الجماعي، فقد كان له جهده الخاص في مشروعه الشعري الذي دأب عليه، وكان من نتائج بحوثه وتجاربه أن فاجأ الوسط الثقافي العربي والعراقي بأول قصيدة تفاعلية رقمية، وهي – يمكن ادعاء ذلك- جنس أدبي جديد يمزج بين فن الشعر وتقنيات التفاعل الرقمي فيكون للقارئ حصة كبرى في التفاعل مع النص والدخول في تفرعاته المختلفة، الأمر الذي يقود إلى توليد نص متحرك كثير التشعبات وقادر على تجديد نفسه.       هكذا يثبت مشتاق أن الحداثة الشعرية عراقية بامتياز، وأن الشرارة الأولى لكل حركة تجديدية قد تستغرق  قرناً بأكمله تنطلق دائما من أرض الرافدين، وهذا ليس ادعاءً، بل هو أمر دلت عليه القرائن التاريخية. نفخر كثيراً بهذا الفتح الشعري العراقي، ونتمنى أن يلتفت النقاد العراقيون أخيراً إلى الشعر العراقي المعاصر وإلى محاولات التجاوز المستمر التي ينهض بها شعراء عراقيون كل جريرتهم أمام النقاد أنهم (شباب) ويمتلكون رؤى أكثر شباباً وحيوية؟

 

سلام محمد البناي

شاعر وإعلامي

العراق  

Salam_albanny@yahoo.com

 

مشاركاته في النخلة والجيران

************

العودة الى صفحة مقالات