|
|
|
سُوف عبيد
لقد أضحى النشر الألكتروني علامة جديدة تميز الحركة الأدبية العربية منذ السنوات الأولى من القرن الحادي و العشرين سرعان ما اِنخرط في ركابها الشعراء خاصة منهم أولئك الذين لهم تكوين علمي وعملي يساعدهم على التفاعل مع تقنيات عالم الأنترنيت ومن بينهم الشاعر الدكتور مشتاق عباس معن الذي تقدم أشواطا في هذا المجال الجديد وطور بفضل مقدرته الإبداعية والتقنية النص الشعري لديه حتى صار علامة واضحة تستحق الوقوف عند مختلف خصائصه الشكلية بالإضافة إلى أدواته الفنية وأبعاده المعنوية بينما ظل الكثير من الأدباء والشعراء رافضين الاِنخراط في وسائل النشر الجديد أو أنهم لم يتمكنوا لأسباب موضوعية وذاتية من مواكبة التطورات التقنيةأما أنا فقد كنت مترددا بل خائفا من اِرتكاب المغامرة وأخيرا عزمت و شرعت في المحاولةإذن لابد من البدء من البداية...فأقول طفولتي على تخوم الصحراء الكبرى بأقصى الجنوب التونسي في منتصف القرن العشرين وحول بئر الكرمة تلك التي كنا نرد منها و لعلها كانت آخر نقطة للمياه العذبة قبل أن يدخل المرء في الفيافي القاحلة البئر كانت منبع الأخبار والأنباء سواء للكبار و الصغار أو للرجال والنساء على حد سواء و كانت اليئر مقسمة بالعدل على الجميع فالصباح للنساء والقيلولة للصبيان وللرجال المساء إلى أن حمل إلينا أحد الأعمام ذات يوم صندوقا من اللوح الصقيل بأزرار و سرعان ما أنشب كالخيط الأسود إلى البطارية فأضاء وجهه ثم طفق ناطقا بصوت فصيح مليح من وقتها أمسى ذلك الصندوق ملتقى العائلة الكبرى أمام الحوش بل نقطة اِلتقاء يومية للأقارب والزائرين أيضا كنت مشدوها أجلس قربه ولا أجد تفسيرا للأصوات الآدمية تلك التي تنبعث منه سوى أنها لبشر من الأقزام في حجم النمل أو أقل كيف يعيشون ...كيف ينامون ...كيف يأكلون تلك أسئلة كانت تلح علي بشدة و لكن دونما جواب نفس تلك الحيرة ألمت بي بعد خمسين عاما رغم تبدل الحال والمكان والزمان وذلك عندما بدأت أتعلم الكتابة على الحاسوب و أدخل عالم ...الأنترنيت فأكتشف ما تيسر لي من أغواره جلست إليه أهلا و سهلا حسنا...قال...هل ترى كليك...كليك هذه هي الشاشة أضاف : الآن سنبحر أبحرتُ ...بلى...إلى تخوم الصحراء في سوق القرية جلسنا ...بعضنا على الرمل بعضنا على الحصى بعضنا أصرّ أن يظلّ واقفا ...وجها لوجه أمام جدار الوليّ الصالح سيّدي ...ليرى بعد أذان العشاء الجدار أضاء : صاح الجميع سينما...سينما كليك...كليك حسنا...قال...الآن هل ترى هذه اللوحة الحروف هنا / الأرقام هناك رأيتُني عند درس الحساب و درس الخط أمدّ يدي للسيّدة العصا كليك...كليك الآن هذه هي الفأرة دحرجها رويدا رويدا ثم قال...كليك...كليك...هل ترى لو أنه رأى قطنا الأسود الكبير في حوشنا القديم ...على الفأر إذا هوى البقية سنراها في المرّة القادمة - اِنتهى الدرس... كليك...كليك كان علي إذن أن أحذق لمس الأزرار الدقيقة وأن أفرق بين وظائفها العديدة ثم كان علي أن أميز بين مختلف حروف الأبجدية على اللوحة لم يتوقف الأمر عند هذا المستوى الذي كنت قد تعلمت منه الحد الأدنى عند اِستعمالي ـ مضطرا ـ الهاتف المحمول وإنما كان علي كذلك أن أعرف الضروري اللازم من عمليات النسخ والإرسال و البحث عن المواقع بل إني إلى اليوم وبعد أكثر من ستة أشهر مازلت لا أستطيع كتابة مثل هذا النص بسرعة وإتقان وكان علي أن أجمع كل ما عندي من عزم لأرسل نصي الأول فكان موقع ـ المثقف ـ أول ما نشرت به و يالها من فرحة تشبه تلك الفرحة العارمة يوم نشرت لي جريدة ـ الصباح ـ التونسية أول نص كامل مع أسماء أدبية معروفة و ذلك بتاريخ غرة جانفي سنة 1970 عبر النشر بالأنترنيت أحسست بتحرري من المكان والزمان و رأيتني كأنني أطير فوق الحدود والسدود والجبال و أجتاز المحطات والمطارات والتأشيرات والجوازات و دور النشر و التوزيع والمطابع وأصل بكلماتي دافقة نابضة مباشرة إلى القارئ خاصة عندما اِستطعت أن أجعل ديواني : الأخير ـ حارق البحر ـ في موقعي الخاص وهو www.soufabid.com بحيث يمكن أن يُقرأ أو أن يُنزل بيسر في أي مكان وفي كل وقت من هنا دخلت تجربة جديدة في الكتابة و النشر أربكتني إلى حين ولكنها تجربة تشبه الحالة النفسية التي اِنتابتني وأنا أمسك بريشة الحبر في المدرسة بعدما تعودت مسك القصبة تجري بها أناملي على صقيل لوحة الخشب ... هي حالة الدهشة الجميلة أيضا وأنا أجرب الكتابة بالقلم الجاف الذي كان ثورة حقيقية عندي ضد قلم الحبر وقلم الرصاص وقتذاك فما بالك و أنا أمسك بقلم ذهبي أهدته لي زوجتي ذات يوم ْقَــــلَـمٌ وَ اللسَـانُ ذَهـب ذِكْـرَيَـاتِي بِـــتِـبْــرٍ كَـتَـبْ أَيْـنَ مِـنْــهُ يَـرَاعُ اَلـصِّـبَـا كَمْ بَـرَيْتُ دَقِيقَ اَلْـقَصَبْ وَرَسَمْتُ اَلْحُــرُوفَ عَلَى لَوْحَةٍ مِنْ صَقِيلِِ اَلْخَـشَبْ وَدَوَاةٍ كَــلَــيْلٍ سَــجَـــا لَوْنُهَا الْبَحْرُ فِيهَا اِنْسَكَبْ وَ مِنَ اَلطِّينِ قَـــوَّرْتُـــهَا حِبْـرُهَا سَاطِـعٌ كَاَلشَّـهَـبْ تَحْتَ قِــنْدِيلِ زَِيْـتٍ بَــدَا رَاقِـصًا فِي ضِيَاءِ اللَّـهَبْ وَدُخَانُ الشَّـذَى عَـــبِـــقٌ مَائِــسٌ طَيْـفُهُ كَاَلْــخَبَــبْ فِي الشِّـتَاءِ أَنِـيسٌ لَــنَـا بِـخَـيَالِ حَـكَايَـا العَـجَــبْ سَــنَوَاتٌ مَضَى عَــهْدُهَا مَا أَلَـــذَّ دِثَــارَ اَلْــكُـتُــبْ لَمْ نَجِدْ فِي اَلصِّبَا غَيْرَهَا فَـلَــبِـسْــنَـا رِِدَاءَ الأََدَبْ بِرَغْمِِ البِلَى لَا نُـبَــدِّلُــهُ لَـــوْ بِأَعْــــلَى اَلـرُّتَـــبْ وَ مَدَى العُمْرِ نَـــذْكُــرُهُ فَـلَقَـدْ كَـــانَ أَوَّلَ حُـبْ تلك وقائعي القديمة والجديدة مع الكتابة والنشر من القصبة واللوحة إلى الحاسوب والأنترنيت لقد بدأ النشر في تاريخنا بالراوي ثم بالنسخ والتدوين ثم و منذ قرنين بطباعة الكتب و الجرائد و المجلات إلى أن وصلنا في آخر القرن العشرين إلى مرحلة الطباعة عن بُعد و إلى وسائل الاِستنساخ السريع فوصولا أخيرا إلى هذه المرحلة ذات النشر والاِنتشار عبر الأنترنيت الذي أثر إلى حد ما في النصوص الأدبية ومن بينها النص الشعري خاصة من خلال الجانب الشكلي المرئي ألاحظ بعد ممارسة تجريبية لهذه المرحلة الجديدة ما يلي أولا ـ اِكتساب مساحة من حرية الكتابة كانت تعد حلما بعيد المنال ثانيا ـ وصول الكتابات إلى عدد هائل من القراء وإلى أماكن ماكانت تخطرعلى بالي مثل هيروشيما من بلاد اليابان و سيدني من قارة أستراليا ثالثا ـ حدوث تفاعل مباشر بين الكاتب وقارئه مما جعل النشر عبر الأنتريت يساهم في إرساء روابط التواصل عبر الحوار حيث جعلني أراجع بعض الكلمات بعد الملاحظة والِاقتناع رابعا ـ لئن اِختلط أحيانا الحابل بالنابل فإن المحك الزمني بما فيه من غربلة على قاعدة البقاء للأصلح والأصح سيُبقي الأجدر و سيلغي الهامشي و الرديء وستكتسب بعض المواقع المهمة شرعيتها وتصبح مراجع ذات مصداقية خامسا ـ ما تزال فاعلية الأنترنيت محدودة التأثير بسبب تفشي الأمية و محدودية الاِنتشار هنا أو هناك وذلك لأسباب مختلفة مما يجعل النشر التقليدي بواسطة الورقة والكتاب ضرورة لا يمكن الاِستغناء عليها في هذه المرحلة وحتى إلى المستقبل المنظور سادسا ـ نحن رهينة هذا الصندوق العجيب طالما أن الغير المتغلب علينا يسيطر عليه و يملك أسراره و أزراره فما علينا حينئذ إلا أن نعمل جاهدين في سبيل نشر العلم والمعرفة و الاِرتقاء بمجتمعاتنا نحو الأحسن سابعا ـ مهما أفضت إليه الاِكتشافات الشكلية عبر وسائل الاِتصال الحديثة في النصوص الأدبية بما فيها من شعر وقصة ورواية وغيرها فإن الأثر الأدبي الحقيقي هو الذي يكتبه صاحبه عن معاناة صادقة وفي معاني الإنسانية وقيمها الخالدة و بصياغة فنية متطورة ذلك هو الذي سيمثل إضافة حقيقية في تاريخ الأبداع
سُوف عبيد في 21 / 03 / 2008 برادس ـ تونس. soufabid@gmail.com
|