د.ثائر العذاري

                               مقالات في (مفهوم البطولة)

 

الرجل والرجولة في عيون الشاعرات العربيات

(2)  الفحولة

 

ثمة خبر تناقله القدماء ولطالما درسناه لطلبتنا في الجامعة على انه من بواكير النقد عند العرب ، ذلك هو خبر (أم جندب) مع امرئ القيس وعلقمة، ولمن لا يعرف القصة أنقل بعضا منها من كتاب الأغاني:

(( كانت تحت امرئ القيس امرأة من طيء تزوجها حين جاور فيهم، فنزل به علقمة الفحل بن عبدة التميمي، فقال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أشعر منك، فتحاكما إليها، فأنشدامرؤ القيس قوله:

خليلي مرا بي على أم جندب

حتى مر بقوله:

                فللسوط ألهوب وللساق درة         وللزجر منه وقع أخرج مهذب

ويروى: "أهوج منعب

فأنشدها علقمة قوله:

ذهبت من الهجران في غير مذهب

حتى انتهى إلى قوله:

                   فأدركه حتى ثنى من عنانه         يمر كغيث رائح متحلب

فقالت له: علقمة أشعر منك، قال: وكيف؟ قالت: لأنك زجرت فرسك، وحركته بساقك،وضربته بسوطك. وأنه جاء هذا الصيد، ثم أدركه ثانياً من عنانه، فغضب امرؤ القيس وقال: ليس كما قلت، ولكنك هويته، فطلقها، فتزوجها علقمة بعد ذلك ، وبهذا لقب علقمة الفحل. ))

وبقطع النظر عن مقدار صحة هذا الخبر أو نسبته ، فإن قدمه يتيح لنا اعتماده بوصفه مفردة تنتمي الى المنظومة المعرفية العربية.

ان ما يهمنا من هذا الخبر هو هذا الاختلاط الشديد بين القيم الفنية والقيم الاجتماعية ، فحكومة أم جندب بين الشاعرين لم تستند على الاطلاق الى ابسط القيم التي يمكن ان يتفاضل بها الشعراء ، بل حكمت بينهما اعتمادا على معايير سياسة الخيل وتفضيل بعضها على بعض .

البطولة في الذهنية العربية خليط مربك من مفاهيم الرجولة والذكورة والفحولة ، مهما كان مجالها فالشاعر المجيد (فحل) مثلما لقب علقمة بن عبدة التميمي فاذا بحثت عن سبب تلقبه بهذا اللقب وجدته لا يبعد عن مفهوم الذكورة على الرغم من أنهم كانوا يريدون ابرازه بوصفه شاعرا كبيرا. وقد حاول الجاحظ نكران الخبر السابق غير انه اوقعنا في الخلط ذاته ، ففي كتاب الحيوان يكذب الخبر ويرى أن لقب (الفحل) وقع على علقمة التميمي للتمييز بينه وبين رجل آخر كان يسمى علقمة الخصي ، وهنا يزيد الجاحظ – في الحقيقة من قوة الخلط بين التفوق والذكورة .

أم جندب المرأة حين فاضلت بين شاعرين نظرت الى (فحولة) كل منهما فكان اشعرهما اكثرهما فروسية وابرعهما في سياسة خيله.

بقي في هذه المقالة أن أنبه الى أمر أظن أن هذا مكان التنبيه اليه، فأقدم الكتب العربية التي حاولت تصنيف الشعراء كتاب ابن سلام الشهير (طبقات فحول الشعراء) ولو رجعت الى المعاجم لتبحث عن معنى كلمة (فحل) لوجدت انها مفردة لا تمت الى الشعر بصلة ، بل هي كلمة مفعمة بالذكورة كانت تستخدم اصلا لوصف الحيوانات الذكور التي تستخدم للتكثير.

في عدد من المقالات التالية سنلاحظ استمرار هذا الخلط ردحا طويلا من التاريخ العربي ، حيث سنعرض لصورة المتفوق والبطل كما رسمتها الشاعرات العربيات.

*************

 alethary@yahoo.com

من منشوراته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة مقالات