مركز دراسات المجتمع العراقي

  IRAQI SOCIETY STUDIES CENTER

   ISSC



 

                       



 


الدكتور ياسين البكري

                  توصيف خارطة التنوع الديني والمذهبي في العراق  

    المقدمة

من الطبيعي في الدراسات التي تبحث في اصل الجماعات الاثنية والدينية، أن تتعدد الاراء والنظريات، وذلك راجع لعوامل، منها ما هو تاريخي يتعلق بجملة من الهجرات والغزوات التي شهدها وادي الرافدين (Mesopotamia) وما انتجته من استيطان وامتزاج سكاني بين العرقيات والديانات، ومنها ما هو آني مثل التوظيفات السياسية القومية في صراعها مع التوظيفات السياسية القومية الاخرى، واذا ما اضيف اليها ان واقع منطقة الشرق الاوسط ملتهب ومتوتر، ويشهد تداخلات عرقية ودينية متنوعة، ونزاعات كينونة تحاول ان تفرض واقعها على الارض في شكل اطار سياسي اسمه دولة، او نزاعات بين دول حول مناطق وتخوم وحدود، تستعين اطرافه دائماً بالحجج التاريخية لاثبات حقها، وهو ما يجعل البحث في هكذا امور خاضعاً للتصور السياسي، وقد يلغى عنه حيادية البحث العلمي. وزاد من تعقيد الصورة ان التدخلات الخارجية في صراع المصالح لم تنفك تتلاعب بهذه المنطقة، وتوظف الدراسات في خدمة تلك المصالح.

     وحتى الدراسات الحيادية ذات المنهج العلمي، وهو نسبي في مثل هذه الحالات، وقد يفضي الى نتائج مختلفة، لقدم الفترة التاريخية التي تبحث في اصول الجماعات العرقية والدينية، ولتعدد المناهج واختلاف المعايير مما يفرض علينا انْ نطرح اراء ونظريات دون ان نقترب من حافة تبني احداها، وعموماً فأن دراستنا لا يهمها التحقيق في صحة او عدم صحة هذه الاراء بقدر ما يهمها اعطاء توصيف لتلك الجماعات.

 

                                                      التنوع الديني والمذهبي  

اولاً: المسلمون الشيعة

     جاء في المعاجم العربية في معنى كلمة (الشيعة) المعاني نفسها تقريباً، ففي "القاموس المحيط" للفيروز آبادي، وفي مادة (شاع) جاء: شيعة الرَّجل بالكسر أتباعه وانصاره والفرقة على حدة([1]).

     وفي "مختار الصحاح"([2]): شيعة الرجل اتباعه وانصاره، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض.

     وهكذا ايضاً في "لسان العرب"([3]) وفي تهذيب اللغة([4]).

     واصطلاحاً (الشيعة) هي الفرقة الاسلامية التي تقول بتفضيل علي بن ابي طالب وموالاته.

     وهناك من يذكر ان لفظة الشيعة كانت تطلق على من شايع علي بن ابي طالب قبل موت النبي –صلى الله عليه وسلم- وبعده. ويذهب صاحب كتاب (الزينة) الى ان لفظة الشيعة كان يعرف بها على زمن النبي اربعة من الصحابة هم سلمان الفارسي وعمار بن ياسر وابي ذر الغفاري والمقداد بن الاسود([5]).

     بينما يذهب ابن النديم الى ان تسمية الشيعة ابتدأت يوم الجمل فكان علي يقول لاتباعه (شيعتي)([6]).

     ان المعاني السابقة، والتي تعود بأصل الكلمة الى زمن النبي، او الى زمن الفتنة([7])، تشير الى معاني عاطفية ودلالات سياسية مـن دون ان تفصح عـن دلالات فقهية، ستجـد تأطيراً

فقهياً مذهبياً لاحقاً على يد جعفر الصادق([8]).

     والتحديد الجعفري يأتي بمعنى مرادف للشيعة الامامية الاثنى عشرية. وغير اولئك ينقسم الشيعة بحسب التصنيفات التاريخية الى كيسانية([9]) وزيدية([10]) واسماعيلية([11]) وفطحية([12]) وواقفية([13]).

     وشيعة العراق عموماً هم الشيعة الامامية الاثنى عشرية([14]).

     والامامية (هم القائلون بوجوب الامامة والعصمة ووجوب النص)([15]).

     تعد الإمامة من اهم العقائد عند الشيعة (الامامية الاثنى عشر) وهي واجبة عندهم، وانها رئاسة عامة في امور الدين والدنيا لشخص من الاشخاص نيابة عن النبي محمد –ص-([16]).

     ان الكلام عن الامامة بشكله السابق لا يعطي صفته التميزية، ويكون مرادفاً لفظياً لمعنى (الخلافة)([17]) عند المذاهب والفرق الاسلامية الاخرى.

     ولكي يأخذ شكله الاكثر خصوصية، والاكثر تحديداً فهو عند الشيعة مقترن بشرطي (العصمة والنص) ولأن الامام حافظ للشرع ومعلم للأمة ما يجهلونه في احكام الشرع، يجب ان يكون معصوماً، فلو لم يكن كذلك لم يؤمن منه الزيادة او التنقيص. وهو بهذا الدور يجب ان يكون منصباً من الله([18]).

     وهو ما يفضي في حال تطبيقه عملياً الى ان الامام غير خاضع لمسائلة المحكومين (الامة) او تقويم اعماله، لان مصدر شرعيته ومصدر سلطته (الله) وليست الامة، والاعتقاد بعصمته تفضي للأعتقاد بصلاح كل اعماله، وعدم اتيانه ما يخالف مصلحة الامة.

     والشرط الثاني يجب ان يكون الامام منصوصاً عليه من النبي محمد –صلى الله عليه وسلم-([19]). وبنص النبي –صلى الله عليه وسلم- على (علي) يوم الغدير([20]) يكون هو الامام من بعده، وبنص كل امام على من يليه تتم سلسلة الأئمة الاثنى عشر عند الشيعة.

     ان الاعتقاد بالامامة وبشرطيها (العصمة والنص) شكل محور الصراع السياسي التاريخي للشيعة ازاء السلط التي عدوها غاصبة لحقوق أئمتهم، ومحور تشكيل وعي جمعي تاريخي بالغبن.     

     كما ان عقيدة الامامة اعطت كل سلطة تعاقبت على الحكم منذ السلطة الاموية، مبرراً للتضيق والتشكيك والحذر، وحتى القمع للشيعة طالما يقرون ابتداءً بعدم شرعيتها.

     ان عقيدة الامامة في مصدرها الالهي، وفي عصمتها تفترض نظرياً ان هناك مكانة متساوية للأئمة الاثنى عشر، لكنّ الادوار الواقعية والافتراضية وطبيعة كل دور في قربه وابتعاده عن ملامسة مشاعر وهموم الافراد في معاناتهم الاجتماعية، خلق تراتبية بين الائمة على مستوى التواصل والتعلق والارتباط بهم، وتعظيمهم من قبل الافراد الشيعة، وأهم الادوار الاجتماعية الدينية خصصت للأمام الثالث (الحسين) والامام الثاني عشر محمد بن الحسن (المهدي).

     ان حضور هذين الأمامين في المعتقد الاجتماعي المذهبي للشيعة حددتها طبيعة الوظائف الاجتماعية النفسية التي من الممكن ان يؤديانهما، وهما الحاجة الى الرمز البطولي في شخصية الحسين التي اصبحت في عين الوقت، مجالاً للتفريغ الانفعالي النفسي لكل مكونات الاحباط واليأس للوصول الى حالة التوازن. هذه الآلية الاجتماعية النفسية شكلت لدى الشيعة عنصراً مهماً لعقيدة مذهبية اجتماعية وسلوكية شعائرية سنوية ميزت مذهبهم، وهي ايام عاشوراء([21]). فمن خلال احيائها يتم استحضار البطل الخارج على اغلال الظلم، والمضحي بنفسه من اجل الهدف الأسمى، وبعملية الاستحضار هذه، وبممارستها الجماعية تتشكل آلية مهمة من الآليات المعروفة في علم النفس (بالتماهي) او (التوحد)([22])، وهذه المرة يكون التماهي والتوحد على مستوى الجماعة، فشكلت هذه الممارسة الشيعية انتفاضة سنوية مؤقتة، كان من استحضارات السلطة لها في تاريخ العراق الحديث استنفار الاجهزة الامنية، وهو ما عزز من دور هذه الوظيفة ومصداقيتها في التماهي.

     وبموازاة استحضار البطل يتم استحضار عنصر المأساة في واقعة مقتل الحسين عليه السلام، واذا كانت المأساة والبكائية قد تبدو متناقضة مع ما مفترض من مشاعر وسلوكيات احتفالية بالبطل، فأنها في البنية العميقة تحقق وظيفة اجتماعية نفسية موازية، وهي اعادة التوازن للأنسحاق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للجماعة عبر التفريغ الانفعالي.

     ان هذه الممارسة العقيدية للشيعة، اذا نظرت إليها المذاهب المخالفة على انها ابتداعات وخروقات لاصول الدين وتعظيم لأشخاص، فأنها في التحليل الاجتماعي تعد انعكاساً لتراكم تأريخي ببؤس اجتماعي واقتصادي، وظلم سياسي، وتمظهرات عن رفض لهذا الواقع، وعجز عن تغييره.

     في ذات السياق الاجتماعي السياسي النفسي سيتم التعامل مع عقيدة (المهدية) عند الشيعة.

     في الأطار العام ان عقيدة المهدي الذي يخرج في آخر الزمان ليملأ الارض عدلاً بعد ان ملئت جوراً ليست عقيدة خاصة بفرقة اسلامية معينة، بل ان فكرة (المنقذ) تجد جذورها حتى في الميثولوجيات القديمة والديانات الكبرى([23])، ووجدت حديثاً في أمم وقبائل معزولة عن الحضارة، وذات ديانات خاصة بها. وتنشأ وتجد قبولها في بيئة ذات واقع وهموم اجتماعية([24]).

     من اهم خصائص عقيدة المهدية عند الشيعة انها محددة ومشخصة في الأمام الثاني عشر محمد بن الحسن الذي غاب الغيبة الصغرى ثم الكبرى والى يومنا هذا.

     ان الرمزية الاجتماعية السياسية الاكبر في هذه العقيدة يختزل (بالامل) وهو الرصيد المدخر والمؤجل لكل احباطات الغبن الاجتماعي والقهر السياسي.

     ومن العقائد الاخرى (التقية) وهي " إظهار خلاف الواقع عند الخوف"([25]).

     ويستدل الشيعة عليها بطريقين، الاول حكم العقل بوجوب دفع الضرر، والثاني     بالقرآن (لاَ يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكَافِرينَ أَوِليآءَ مِن دُونِ آلمُؤمِنينَ وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ فَليسَ مِنَ الله في شيءٍ إلا أن تَتَّقُواْ مِنهُم تُقـةً)([26]).

     وفي سورة النحل (من كَفَرَ بِآللهِ مِن بَعد إيمِانِه إلا مَن أكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمئنَ بالإيمنِ)([27]).

     ومما روي عن جعفر الصادق التقية ديني ودين أبائي.

     والتقية كجزء من بناء اعتقادي وسلوكي لدى الشيعة نجد تفسيرها واصلها في السياسة، او في نظرية الامامة في الحكم من حيث انها لم تجد تطبيقها العملي في أي من الأئمة الاثنى عشر، فأنها اصبحت نظرية للمعارضة السياسية، أي في مواجهة قوة الحكم، والتي من مستلزماتها العمل السري، وعدم الظهور السافر في واقع اختلال توازن القوى، وهو ما استلزم اظهار خلاف الواقع خشية وقوع الاذى.

     تبقى هناك عدة ممارسات وسلوكيات اعتقادية اختص بها الشيعة مثل زيارة مراقد الأئمة المنتشرة في العراق، وحرصهم على دفن موتاهم في النجف في مقبرة (وادي السلام)، وقد يكون لهذه التسمية دلالالة اجتماعية سياسية في أن الأمن والسلام لن يكون إلا بالموت.

     أهم كتب الشيعة التي جمعت الحديث النبوي أربعة([28]):-

1.    (الكافي) جمعه، ابو جعفر محمد بن يعقوب الكليني([29]).

2.    ( من لا يحضره الفقيه) جمعه، ابو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المعروف بالصدوق.

3.    (تهذيب الاحكام) جمعه، ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي.

4.    (الاستبصار في الجمع بين ما تعارض من الاخبار) للطوسي ايضاً.

     واخيراً ففيما يخص عدد نفوس الشيعة في العراق فقد ورد في دراسة حنا بطاطو (العراق) وفي كتابه الاول (الطبقات الاجتماعية والحركات لثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية)([30]). ان عدد سكان العراق وحسب تعداد عام (1947) بلغ (4.564.000) نسمة، منهم (2.468.000) مسلمون شيعة، أي بنسبة مئوية مقدارها (54.1%).

     يتركز الشيعة في محافظات جنوب بغداد نزولاً الى البصرة. وشهدت اعدادهم تزايداً مطرداً في بغداد على أثر الهجرات الريفية في الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وعرفت تجمعاتهم السكنية بأحياء الطين، الى ان بنى لهم عبد الكريم قاسم مدينة عصرية عرفت بمدينة الثورة. وفي محافظة ديالى شرق بغداد للشيعة وجود متوازن مع ابناء المذهب السني.

 

ثانياً: المسلمون  السنة

     السنة لغة: هي العرف والعادة والطريقة([31]). والسنة مصطلحاً دينياً يأتي بمعان عدة كالقانون او بمعنى ما أخذ عن الرسول محمد –ص- من فعل وقول([32]). والسنة كفئة اجتماعية في العراق المراد بهم اهل الجماعة، وهي مذهب سياسي واعتقادي وفقهي في الاسلام. ففي الاعتقاد هم الاشاعرة نسبة الى ابو الحسن الاشعري([33]) واضع علم الكلام الخاص بعقيدة السنة والجماعة، وهو من أشهر من دونّ في هذا العلم([34]).

     وفي الفقه ينقسمون الى اربعة مذاهب هي: مذهب ابي حنيفة ومذهب الشافعي ومذهب ابن حنبل ومذهب مالك. والاطار العام تندرج تحته تفريعات، فالصوفية، مثلاً، مع انهم من اهل السنة في العراق، إلا ان لهم ما يميزهم عن الباقين.

     أهم ما يميز (السنة) عن (الشيعة) هو الموضوع السياسي الديني (الامامة، الخلافة) فمع اتفاقهم بوجوبها فان الاختلاف يكمن في كيفية التثبت منها وشروطها.

     فالسنة يقولون بأن الامامة تثبت بالشورى والانتخاب والاختيار والنظر والاجماع دون النص والتعيين، والامامة عندهم من الفروع وليست من اصول الدين والعقيدة. ومن شروط الامام عند السنة ان يكون قريشياً حسب حديث الرسول محمد –ص- (الائمة من قريش) وكذلك ( لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي من الناس اثنان)، والقريشية هنا على عمومها ولا يلزم ان يكون الامام من بني هاشم او من اولاد علي خاصة كما قالت الشيعة، كما لا يشترط عند السنة عصمة الامام، ويجوز امامة المفضول مع وجود من هو افضل منه([35]).

     والسنة تقول ان افضل الناس بعد الرسول هم ابو بكر فعمر فعثمان فعلي([36]). ان النظر (للخلافة او الامامة) في كيفية التثبت منها وفي شروطها عند (السنة) أهل مذهبهم أن يصبح المذهب الرسمي للسلطة الاسلامية، (الاموية والعباسية) وكذلك السلطة العثمانية مع افتقاد سلاطينها لشرط القريشية، إلا ان اعتناقهم المذهب الحنفي الذي لم يشترط القريشية في الحاكم، كان مخرجاً لهم من هذه الاشكالية([37])، واستمر الطابع السني للسلطة حتى عند تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام (1921).

     التكرار التاريخي الطويل للسلطة السنية المذهب في العراق اعطى للسنة سمة اهل السلطة، او قد يكون الاصح اعطى للسلطة سمة سنية قد ينظر اليها اهل هذا المذهب على انها حق تاريخي متوارث، وقد ينظر اليها اهل المذهب الشيعي على انها اغتصاب تاريخي متوارث لحقهم، وقد ينظر اليها المحايدون على انها احتكار غير مبرر.

     ان موضوعة السلطة من اهم عوامل الاختلاف والتمايز المذهبي والاجتماعي للسنة والشيعة في العراق، وبما ان السنة لم يعانوا من شرخ تاريخي اجتماعي وسياسي ونفسي كما عند الشيعة بين ما يجب ان يكون (المثال السياسي) وبين ما هو كائن (الواقع السياسي) فأن شعائرهم وعقائدهم المذهبية لم تأخذ بعداً اجتماعياً وسياسياً احتجاجياً، وبقيت عند حدود القراءة النصية والالتزام بحرفية السلوك الديني المتوارث من السلف، وهو ما أكسب اهل السنة تسمية مرادفة هي(السلفية)([38])، ومع ذلك فعند التفريع للسنة في العراق نجد (الصوفية)([39]) او ما متعارف عليهم بـ (الدراويش) الذين لهم قراءتهم الخاصة للمذهب، والتي لا تتوافق مع النصية المعروفة عن السنة، وتنتسب الى رموز وشيوخ طريقة كالرفاعية نسبة الى الشيخ احمد الرفاعي وقبره مزار معروف في محافظة ذي قار يؤمه اتباعه. والقادرية نسبة الى الشيخ عبد القادر الكيلاني([40]) وقبره مزار معروف في بغداد يؤمه اتباعه وكذلك الطريقة الكسنزانية والنقشبندية وتكاياهما منتشرة في كردستان العراق. كذلك من الرموز الخاصة بالسنة في العراق قبر ابي حنيفة النعمان، في منطقة الاعظمية، والتي اخذت اسمها منه. والاحتفال بمولد الرسول –ص- في 12 ربيع الاول من كل عام هجري.

     اهم الكتب التي جمعت الحديث النبوي، والمعتمدة عند السنة هي الصحاح الستة([41]) مع اهمية خاصة لصحيح البخاري وصحيح مسلم.

     كان عدد نفوس السنة حسب احصاء عام (1947) (1790000) نسمة من مجموع سكان العراق حينه والبالغ (4564000) نسمة، أي بنسبة مقدارها (39.2%)([42]). يتركز السنة في محافظات الموصل والانبار وصلاح الدين واربيل والسليمانية ودهوك، ولهم وجود مختلط ومتوازن تقريباً في كل من محافظات بغداد وديالى وكركوك.

 

ثالثاً: الصابئة المندائيون

     ورد في "مختار الصحاح" في باب الفعل الثلاثي (صبأ) خرج من دين الى دين، وصبأ صار صابئا، والصابئون جنس من اهل الكتاب([43]).

     وعند سيد قطب الصابئة من مشركي العرب، واهتدوا الى التوحيد فقال عنهم المشركون انهم صبأوا، أي مالوا عن دين ابائهم ولذلك سموا بالصابئة([44]). او الصابئة " الذين يمارسون الاغتسال في مياه عذبة مع سرية وباطنية في الطقوس"([45]).

     وردت تسميتهم عند ابن النديم بالمغتسلة او صابئة البطائح([46]). وذكروا في القرآن في اكثر من آية: (ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من أمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)([47]) وكذلك            (ان الذين أمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من أمن بالله واليوم الاخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)([48]) وكذلك (ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شئ شهيد)([49]).

     يعتقد الصابئة المندائيون (ان دينهم اقدم الاديان على وجه الارض وانه أُنزل بأمر ملك النور على ادم وحواء، وهو باق منذ تلك الازمنة الى يومنا هذا)([50]).

     ويقولون " ان كتبهم هي صحف سادة البشر الأولين: آدم وشيت وادريس ونوح"([51]).

     ورد في عقائدهم لدى الشهرستاني انهم يؤمنون ان للعالم صانعاً، فاطراً، حكيماً، مقدساً عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول الى جلاله([52]).

     ومع وجوب المعرفة والعجز عنها يؤمن الصابئة بالوسائط الروحانية لا الجسمانية في معرفة الله. وبذلك يقولون " اننا نحتاج في معرفة الله ومعرفة طاعته واحكامه وأوامره الى متوسط، وهذا المتوسط يجب ان يكون روحانياً لا جسمانياً، وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الارباب"([53]). ومن هنا لا يعتقد الصابئة بالانبياء، وعندهم حتى النبي يحيى ليس نبياً، أي غير مرسل من الله ولا متصل بالسماء عن طريق الوحي، بل هو معلم عظيم (ناصورائياً) أي المتبحر في العقيدة([54])، ان مفهوم الرسل عندهم ليسوا اكثر من " اناس طهروا انفسهم عن دنس الشهوات، وارضوها على الطاعات حتى توصلوا بنوع من الكشف الى المعارف.. ويستمدون معارفهم بطريق الكشف والتذوق المباشر لا بطريق الوحي…وانما هي معارفهم بواسطة الكشف والفيض الالهي ليس غير"([55]).

     يعتقد الصابئة انهم يتبعون تعاليم آدم، وبسبب قدم عهده دخلت بعض التعاليم الغريبة على دينهم، لذلك جاء النبي يحيى لتخليص وتبرئة الدين من الامور الدخيلة، وأهم كتبهم المقدسة "كنزا ربَّا" او صحف آدم([56]).

     ومن كتبهم المقدسة الاخرى، والتي اوردها عبد الرزاق محمد اسود هي([57]):-

1-      كتاب "سدرة اويهيا" او كتاب، يحيى ويتضمن حياة النبي يحيى من الولادة الى الوفاة مع تعاليمه الدينية.

2-      كتاب "القلستا" أي كتاب الفرح والطرب ويبحث في سنن الزواج واحتفالاته.

3-  كتاب "سدرا او نشماتا" أي كتاب (التعميد وسر المعمودية المقدس)، ويعتقدون انه نزل على آدم، ويتضمن امور الموت والدفن والمعاد ونصوص الصلاة التي يقرأها رجال الدين في طقوس التعميد.

4-      كتاب "الديونان"

5-      كتاب "اسفر ملواشه" أي البروج.

6-      كتاب "الانياني".

7-      تفسير "بعزه" وكتب اخرى.

     ذكر ابن كثير في تفسيره([58])، اقوال عدد من علماء المسلمين في الصابئة.

     قال فيهم سفيان الثوري هم قوم بين المجوس واليهود والنصارى وليس لهم دين. اما الحسن البصري فقال انهم كالمجوس يعبدون الملائكة ويصلون القبلة الصلاة الخمس.

     ومن الآراء الاسلامية الحديثة في الصابئة، ما ذكره محمد جواد مغنية في تفسيره بقوله: الصابئة " قوم يقرون بالله وبالمعاد وببعض الانبياء، ولكنهم يهتدون بتأثير النجوم في الخير والشر، والصحة والمرض"([59]).

     اما علي الخامنئي فيقول: " فمن جملة عقائدهم التي يدعونها ويصرون عليها التوحيد"([60]).

     بينما يشير د. حسن ظاظا " الظاهر ان الغنوصية اليهودية مع الزمن ايضاً تلونت الواناً وتجزأت طوائف، وربما كان منها طائفة الصابئة في بدايتها، وهم الذين يسمون كذلك بالمندائيين" ([61]).

     يشكل الماء عنصراً اساسياً في طقوس الصابئة حيث يعتقدون " ان الماء هو الحياة نفسها، وانه اساس كل شيء، فالعودة له والتماس معه اساس الطقوس الصابئية"([62]).

     يقطن الصابئة المندائيين جنوب العراق (محافظات العمارة والناصرية والبصرة) واهم مهنهم صياغة الذهب والفضة([63]) ولهم وجود في بغداد.

     وعددهم حسب احصاء (1947) كان (7000) سبعة الاف نسمة من مجموع سكان العراق البالغ حينها (4564000) نسمة، أي بنسبة (0.2%) من مجموع السكان([64]).

 

 رابعاً: اليزيديون    

     تعد اليزيدية من (الفرق او الطوائف او الاديان) التي اختلف فيها الباحثون في تسميتهم او في علاقتهم بالاسلام، ان كانوا فرقة اسلامية او ديناً خاصاً، او في عقائدهم واصولها وجذورها وكذلك في دور الشيطان وموقعه في عقائدهم. وقد علل احد الباحثين سبب ذلك على اساس ان التراث الديني عندهم شفاهي  في توارث الطقوس والتقاليد من جيل الى جيل دون تدوين، والى انغلاقهم، وان الكتابات التي عالجت شؤون ديانتهم جاءت من اشخاص وباحثين من خارج نطاق ديانتهم([65]).

     يذكر عبد الرزاق الحسني في كتابه " اليزيديون في حاضرهم وماضيهم" انه قد اختلف في اصل تسميتهم، فهناك من يرجعهم الى (يزيد بن أنيسة الخارجي) واخرون الى (يزيد بن معاوية) ولذلك سموا (باليزيدية)([66]).

     اما رشيد الخيون فيذكر ان التسمية الاصح هي (الايزيدية) وليس (اليزيدية) وأن لا صلة بينهم وبين يزيد بن معاوية، وذكر ان (الايزيدية) جاءت من كلمة (يزدان) او (أيزد) التي تعني (الاله المقدس) بالزرادشتية([67]).

     بينما ذهب آخرون ان هناك صلة بين اسم الايزيدية وبين كلمة (a- - zi-da) السومرية التي تعني الروح الخيرة، وغير الملوثين ممن يمشون على الطريق الصحيح([68]).

     يذكر اليزيديون انهم " لا يعبدون بشراً، ولا ابليس، بل يعبدون الله الواحد"([69]) ويؤمنون "بوجود الله، خدا او الخالق الرازق باعتباره القوة العليا الرمزية للديانة وهو متجسد في طاووس ملك او انه طاوس ملك ذاته، انه الشمس مادة الكون الاكثر طهراً"([70]).

     اذا كان اليزيديون يعبدون الله فلماذا عرف عنهم عبادتهم الشيطان ؟

     ان موقع الشيطان عند اليزيديين ينطلق من رؤية فلسفية تؤمن بان الله قوة الخير، والشيطان قوة الشر. فعبادتهم للشيطان عبادة خوف، اما عبادتهم الله فهي عبادة شكر وامتنان، هذه الثنوية بين الخير والشر جعلتهم يفرطون في عبادة الله الذي لا يفعل بهم شراً لانه صالح، بينما الشيطان مصدر الشر فيجب ارضاؤهُ([71]).

     ان هذه الفلسفة تجعل من اليزيديين ديناً مختلفاً عن الاسلام التوحيدي، ويرجع الى الديانة الثنوية كالزرادشتية والمانوية، من الامور المعروفة عنهم والمحرمة عندهم، ويتميزون فيها عن الفئات الاخرى عدم جواز لفظ اسم الشيطان، او الكلمات المقاربه مثل شر وشط، او الفاظ اللعن، ويحرمون اكل الخس واللهانة والقرنابيط، ويحرم على اليزيدي حلق شاربيه وأمور اخرى([72]).

     ومع ذلك كيف يمكن تفسير بعض التشابه العقائدي مع الاسلام، فالشيخ عدي بن مسافر الاموي من اهم رموزهم، ومرقده في لالش في الموصل مزاراً لهم، وجاء في المصادر التاريخية الاسلامية ما اجمع على صلاح وتقوى هذا الرجل، وان اسلامه لاشك فيه([73]).

     كما ان من المظاهر المشتركة بين الاسلام واليزيدية (عيد القربان) المناظر (لعيد الاضحى) عند المسلمين، وتسمية الجبل المجاور لمرقد الشيخ عدي، وعين الماء التي تنبع من تحت معبدهم بجبل عرفات، وعين ماء زمزم([74]).

     وقد تكون اليزيدية عصارة تمازج وتداخل الاعراق والديانات والثقافات العراقية عبر التاريخ. وكما عبر عنها سليم مطر في كتابه "جدل الهويات" فأن اليزيديين يتكلمون العربية والكردية، ويرتدون الازياء الرجالية العربية والازياء النسائية السريانية، وهم يحتفلون باول اربعاء من شهر نيسان بهبوط الملاك طاووس الى الارض، مثلما كان يحتفل العراقيون في بابل واشور بشهر نيسان اول اشهر السنة حسب التقويم البابلي، لانه شهر الربيع والخصب والميلاد والبداية وعيد الاله تموز. ويشتركون مع المسيحيين في الكثير من المناسبات والاعياد مثل عيد الفصح والقيامة والتعميد بالماء وقطع الخبز وزيارة الكنائس والحج لمزار الشيخ عدي المقدس عند المسيحيين في العراق، ويشتركون مع المسلمين بالصيام والختان وتقديس القرآن وبعض رجالات الدين كالحسن البصري ويحتفلون بعيد القربان أي عيد الاضحى([75]).

     فهل نحن في رواية سليم مطر امام حل تعسفي لتناقضات أشكلت على الباحثين، ام امام حقيقة اجتماعية مرنة في الاخذ من الاخرين وتجد تفسيرها في الانفتاح والتعايش الاجتماعي، أم في التلون لضرورات تحاشي قمع سياسي ؟

     لليزيديين كتابان مقدسان هما "الجلوة" وينسبونه الى عدي بن مسافر والثاني "مصحف رش" أي الاسود([76]).

     كان عدد نفوس اليزيديين حسب احصاء عام (1947) (33000) نسمة من مجموع سكان العراق حينها والبالغ (4564000) نسمة، أي بنسبة مقدارها (0.8%)([77]). ويقطن اليزيديون في مناطق سنجار وشيخان وبعشيقة ودهوك وتلعفر وزاخو وتلكيف في شمال العراق([78]).

 

 خامساً: اليهود

     ورد في مجمع البيان في تفسير القرآن عن تسمية اليهود لانهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة([79]).

     وجاء في المدخل لدراسة الاديان والمذاهب، (اليهود) هم الذين هادوا أي مالوا عن دين موسى، وهم الذين تهودوا، وقيل اليهود من الهوادة أي المودة، او التهود وهي التوبة([80]).

     وفي "مختار الصحاح" في باب (هود) هاد تاب ورجع الى الحق، والتهود التوبة والعمل الصالح، وهاد وتهود أي صار يهوديا([81]).

     وفي "القاموس المحيط" (الهود) التوبة والرجوع الى الحق([82]).

     وعرف عن اليهود انهم "اتباع موسى، ومن ابناء اسحق بن ابراهيم، الذين نزحوا الى مصر مع يعقوب بن اسحق حيث سكنوها وتكاثروا فيها، وهم جميعاً من نسل الاسباط الاثنى عشر"([83]).

     ان التعريف السابق اذا أخذ به تصبح اليهودية ديانة وعرقية في عين الوقت، ورغم ان مفهوم السلالة النقية او الدم النقي مشكوك فيه لاسباب موضوعية كالفترة التاريخية الفاصلة بين الجد الاول ومدعي التحدر منه، وما رافق تلك الفترة من تقلبات، يصعب معها الحفاظ على الجماعة العرقية دون اختلاط، ومع ذلك فأن مثل هذه التشكيكات قد لا تنطبق على اليهود لاسباب منها ان اليهودية مغلقة غير تبشيرية، ولا يهمها اضافة اتباع جدد كما في الاسلام او المسيحية، والانتساب يعود الى الام وليس الاب، وكما ورد في الدستور (الإسرائيلي) اليهودي من امه يهودية.

     كما ان اليهودية لم تكن مركز جذب لجماعات اخرى، بل ربما يمكن القول ان تاريخها منذ السبي البابلي وطبيعة النظرة وتصورات الاخرين لها، يرشحها ان تكون مركز طرد وانكفاء على الذات، لذلك ربما ينطبق مفهوم (الديانة السلالة) على اليهود نسبياً اكثر من غيرهم.

     ورد ذكر اليهود في القرآن في مواضع كثيرة، بل ان اكثر القصص القرآنية قد جاء بحقهم، وتم التميز بين انبيائهم وعامتهم الذين كان من حصتهم الذم ومعاندة انبيائهم وفعل المعاصي ووصفهم بصفات المكر والخبث والذلة والمسكنة حتى اصبحت تلك الصفات في التداول العام لا تختص بفعل جماعة معينة ازاء نبي معين وفي زمن محدد، بل عممت على كل اليهود، وفي كل الازمان.

     اما اليهود فهم يعتقدون انهم (شعب الله المختار) ولذلك فهم افضل من باقي الديانات والشعوب.

     لم يكن حضور اليهود في العراق تاريخياً على شكل ديني، بل أخذ شكلاً سياسياً صراعياً مع مملكة بابل التاريخية، وكان من نتاج هذا الصراع الاسر البابلي او ما عرف بالسبي البابلي (597 و586 ق.م)، وحافظوا على وجودهم في المنطقة على مر العصور([84]). وتشير بعض المصادر انه في بابل تمت كتابة (التوراة) كتاب اليهود المقدس، ومن هنا تأتي بعض وجوه تأثر التوراة بميثلوجيا حضارات وادي الرافدين([85])

     اهم ما اشتهر به اليهود في العراق امتهانهم للتجارة واعمال الصرافة والمال، التي برعوا فيها، وهو ما انعكس في مراكزهم السياسية، من خلال تسنم (ساسون حزقيال) لحقيبة وزارة المالية في حكومة عبد الرحمن النقيب (1920)([86]). وفي وزارات اخرى لاحقة.

     لم يعرف اليهود في العراق تعصباً دينياً ضدهم، وأن كانوا يعيشون في احياء خاصة بهم نسبياً (كالبتاويين) غير ان تلك الخصوصية لم تكن نتيجة رفض اجتماعي ضدهم، بقدر ما كانت خاصية انغلاق ديني اجتماعي باليهود انفسهم، وربما كانت تعبيراً عن تكتل طبقي. وهو من العناصر المهمة لما عرف (بالفرهود) عام (1941) والمحفز حينها بالتوترات السياسية والمتداخلة مع الدعاية النازية والنشاط الصهيوني ودور مفتي القدس امين الحسيني الذي كان في بغداد حينها، واطراف اخرى داخلية كانت تقود الموقف([87]). غير ان المفصل التاريخي المهم في حياة اليهود بالعراق تم عند اعلان دولة (إسرائيل) عام 1948 بحيث شهدوا اعمال تهديد وعنف نسبت فيما بعد لجماعات (إسرائيلية) عملت على دفعهم للهجرة الى (إسرائيل) وتم ذلك بهجرة كبيرة عام (1950-1951) بمساعدة الاجراء الحكومي باسقاط الجنسية عن اليهود([88]).

     كان عدد نفوس اليهود حسب احصاء عام (1947) (117000) نسمة من مجموع سكان العراق حينها والبالغ (4564000) نسمة، أي بنسبة مقدارها (2.6%)([89])، ثلثهم تقريباً كانوا في بغداد والباقون  كانوا منتشرين في المحافظات كافة، وكان وجودهم في البصرة ثم الموصل يلي بغداد([90]).

سادساً: السريان  المسيحيون

     يشكل السريان في العراق فئة عرقية ودينية في عين الوقت. فعرقياً هم (كلدان، واثوريون أو اشوريون) او (كلدواشور) ودينياً هم مسيحيون (ارثوذكس وكاثوليك) وقليل منهم (بروتستانت)([91]).

     تشير المصادر الى ان تاريخ دخول المسيحية الى شمال بلاد الرافدين اربل (اربيل) كان بحدود منتصف القرن الاول الميلادي، على يد المبشر (توما) أحد التلامذة الاثني عشر للسيد المسيح ([92]). ولم تدخل المسيحية جنوب بلاد الرافدين إلا في منتصف القرن الثالث الميلادي في عهد الملك الساساني شابور الاول (ت 272م) الذي غزا انطاكية وجلب معه العديد من الاسرى والسبايا اذ وطنهم في بابل ونشروا المسيحية في جنوب بلاد الرافدين([93]).

     تركزت دعوة السيد المسيح الى الصفاء الروحي والرحمة والتسامح والزهد وتطهير الروح([94]). ورد في انجيل متى: " سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن وأما انا فأقول لكم، لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الايمن فحول له الاخر"([95]). " لا تقدرون ان تخدموا الله والمال، لذلك اقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وما تشربون، ولا لاجسامكم بما تلبسون"([96]). " يعسر ان يدخل غني ملكوت السموات، واقول لكم ان مرور جمل في ثقب ابرة ايسر من ان يدخل غني ملكوت الله"([97]).

     ينقسم المسيحيون السريان الى طائفتين([98]):

1.    النساطرة: نسبة الى القديس نسطور السرياني، وهم اتباع كنيسة الشرق او كنيسة بابل.

2.    اليعاقبة: نسبة الى القديس يعقوب البرادعي السرياني، وهم اتباع كنيسة الغرب (سوريا)، ومقرهم في انطاكية.

     اللغة (السريانية) هي اللغة الفصحى لجميع الكنائس المسيحية في منطقة الشرق من خليج البصرة حتى سيناء. واللغة (السريانية) حلت محل اللغة (الارامية) التي كانت لغة السيد المسيح والمسيحيين الاوائل. (والارامية) هي التقاء اللغة (الاكدية) مع اللغة (الكنعانية)([99])، وعموماً الآرامية من اللغات السامية([100]).

     كتاب المسيحيين المقدس هو الانجيل. ولا يوجد انجيل واحد، بل اناجيل متعددة، اولها انجيل (متى) الذي دونه القديس متى باللغة الارامية، وهناك انجيل (مرقس) دونه القديس مرقس باللغة اليونانية، ومن ثم انجيل (لوقا)، دونت تلك الاناجيل قبل السنة 72م، والانجيل الرابع المعتمد هو انجيل (يوحنا) دون باليونانية بعد السنة 72م. ولهذه الاناجيل ترجمات بلغات عالمية عدة([101]).

     كانت الحيرة من المناطق المهمة التي ساهمت في توطين ونشر المسيحية بالعراق قبل الاسلام، فالمعروف ان عدداً من ملوك الحيرة كانوا يدينون بالمسيحية النسطورية([102]).

     في بداية الدعوة الاسلامية كان للمسيحيين موقف لم يتسم بالعدائية تجاه الدين الجديد، تمثل في احتضان نجاشي الحبشة للمهاجرين المستضعفين، او في رد مقوقس مصر على رسالة الرسول محمد –ص-، واهدائه للرسول مارية القبطية التي اصبحت زوجة للرسول. ونزلت في المسيحيين آيات عدة بلفظة (النصارى) كما في الآية (ولتجدن أقربهم مودَّة الذين آمنوا الذين قالوا أنا نصرى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وانهم لا يستكبرون)([103]).

     وبوجود القاعدة الاسلامية " لا اكراه في الدين"، وبوجود عهد الرسول محمد -ص- لنصارى نجران والذي منه "ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على اموالهم، وانفسهم وارضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت ايديهم من قليل وكثير، ولا يغير اسقف من اسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته وليس على دينه، ولا دم جاهلية، ولا يخسرون ولا يعسرون ولا يطأ ارضهم جيش"([104]).

     استطاع المسيحيون ممارسة طقوسهم الدينية بحرية، ولا يعني ذلك ان تلك القواعد الشرعية لا تخضع للاجتهاد، توسيعاً او تضييقاً وبحسب عوامل ومؤثرات عدة. من اعياد المسيحيين الميلاد ورأس السنة والفصح، ومن الاعياد التي تخص القرى المسيحية فقط، عيد (حافظة الزروع) وهناك عيد اخر هو عيد (سيدة الورود)([105]). يتوزع المسيحيون على محافظات بغداد والموصل والمحافظات الشمالية([106]). بلغ عدد نفوس المسيحيين العراقيين حسب احصاء عام (1947) هو (149.000) نسمة من مجموع سكان العراق البالغ حينها (4.564.000) نسمة، أي بنسبة تبلغ (3.1%)([107]).


المصادر

([1] الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، الجزء الثاني، دار الجيل، بيروت، بلا.

([2]) الرازي، محمد بن بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح، دار الرسالة، الكويت، 1983.

([3]) ابن منظور، المصدر السابق.

([4]) الازهري، ابي منصور محمد بن احمد، تهدذيب اللغة، تحقيق د. عبد السلام سرحان، الدار المصرية للتأليف والترجمة، بلا.

([5]) نقلاً عن: السيد محسن الامين العاملي، الشيعة في مسارهم التاريخي، مركز الغدير للدراسات الاسلامية، بلا مكان طبع، 2000،ص34.

([6]) ابن النديم، محمد بن اسحاق، الفهرست، مكتبة خياط، بيروت، بلا، ص171.

([7]) الفتنة هي الانقسامات والصراعات التي عرفها المسلمون على اثر مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان. للتفاصيل يرجع الى:       طه حسين، الفتنة الكبرى، جزءان، دار المعارف، مصر، 1964.

([8])يذكر السيد محسن الامين العاملي ان مذهبهم في الفروع هو مذهب الامام جعفر الصادق، ونسب مذهبهم اليه باعتبار ان اكثره مأخوذ عنه. ينظر: السيد محسن الامين العاملي، المصدر السابق، ص46.

([9]) هم جماعة المختار الثقفي، بخصوص المختار الثقفي ينظر: يوليوس فلهوزن، الخوارج والشيعة، ترجمة عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة، القاهرة، بلا، ص234.

([10]) الزيدية هم اتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب. للمزيد ينظر: عبد الرحمن الكيالي وآخرون، المصدر السابق، الجزء الثالث، ص53.

([11]) الاسماعيلية الذين يعتقدون بأمامة اسماعيل بن جعفر الصادق. للمزيد ينظر: محمود شكري الالوسي، مختصر التحفة الاثنى عشرية، المطبعة السلفية، القاهرة، 1373هـ، ص17.

([12]) الفطحية الذين يعتقدون بامامة عبد الله الافطح بن جعفر الصادق. المصدر نفسه، ص20.

([13]) الواقفية الذين يعتقدون ان الامامة تقف عند موسى الكاظم بن جعفر الصادق. المصدر نفسه، ص20.

([14]) القائلون بأمامة كل من علي بن ابي طالب والحسن والحسين ابنا علي ثم علي بن الحسين (زين العابدين) ثم محمد بن علي (الباقر) ثم جعفر بن محمد (الصادق) ثم موسى بن جعفر (الكاظم) ثم علي بن موسى (الرضا) ثم محمد بن علي (الجواد) ثم علي بن محمد (الهادي) ثم الحسن بن علي (العسكري) ثم محمد بن الحسن (المهدي المنتظر). المصدر نفسه، ص21.

([15])  السيد محسن الامين العاملي، المصدر نفسه، ص39.

([16]) المصدر السابق، ص362.

([17]) من اهم شروط الخلافة عند المذهب السني عموماً، ان ينصب بالشورى وتشترط فيه العدالة والعلم وجواز امامة المفضول مع وجود الافضل. ينظر: جواد علي كسار، بحث حول الامامة: حوار مع السيد كمال الحيدري، الطبعة السادسة، دار فراقد للطباعة، بلا مكان، 1424هـ، ص13.

([18]) السيد محسن الامين العاملي، المصدر السابق، ص363.

([19]) جواد علي كسار، المصدر السابق، ص125.

([20]) ورد عن النبي محمد –ص- يوم غدير (خم) قوله (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، وهو ما يعده الشيعة نصاً عن النبي –ص- على امامة علي. المصدر نفسه، ص128.

([21]) ايام عاشوراء هي الايام من الاول وحتى العاشر من محرم، حيث يقوم الشيعة باستذكار واعادة تمثيل مأساة الحسين واهل بيته واصحابه حينما قتلوا على يد السلطة الاموية في عهد يزيد بن معاوية في العام 61هـ.

([22]) التوحد عملية لا شعورية يكتسب بها الشخص خصائص شخص اخر تربطه به روابط انفعالية قوية. للمزيد من التفاصيل ينظر: كالفن.س.هول، مبادئ علم النفس الفرويدي، تعريب دحام الكيال، الطبعة الثالثة، مطبعة الرصافي، بغداد، 1988، ص85 وما بعدها.

([23]) للأطلاع ينظر: فالح مهدي، البحث عن منقذ دراسة مقارنة في ثماني ديانات، بيروت، دار ابن رشد للطباعة، 1981؛ د. نوري المرادي، المهدي المنتظر، "ميزو بوتاميا"، (مجلة)، مركز دراسات الامة العراقية، العدد الاول، تموز، 2004، ص74.

([24]) د. علي زيعور، التفسير الصوفي للقرآن عند الصادق، الصادقية في التصوف واحوال النفس والتشيع، دار الاندلس للطباعة والنشر، بلا مكان طبع، 1979، ص240.

([25]) السيد محسن الامين العاملي، المصدر السابق، ص407.

([26]) قرآن كريم، سورة آل عمران، الأية 28.

([27]) قرآن كريم، سورة النحل، الأية 106.

([28])السيد محسن الامين العاملي، المصدر السابق، ص501.

([29]) النجاشي، ابو العباس احمد بن علي، رجال النجاشي، الطبعة السابعة، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، 1424، ص377،ص389،ص403 .

([30]) حنا بطاطو، العراق، المصدر السابق، ص60.

تم اعتماد الارقام الاحصائية الواردة عند بطاطو، للتفصيلات الواردة فيها عن العراق والمذاهب، ولحيادية بطاطو ولعمق دراسته ولعدم وجود منظور عرقي او طائفي في الكتاب. كما ان الفترة الزمنية الفاصلة عن تعداد عام (1957) هي عشر سنوات لم تعرف احداثاً قد تؤثر على طبيعة النسب العددية، فيما عدا هجرة اليهود التي كانت نسبتهم حسب الاحصاء (2.6%) وهي نسبة لا تخل بطبيعة توزيع النسب الاخرى.  

([31]) ينظر: مختار الصحاح، باب سنن؛ كذلك ينظر: الفيروز ابادي، القاموس المحيط، مادة (سار)، المصدر السابق.

([32]) عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المصدر السابق، الجزء الثالث، ص256.

([33]) هو علي بن اسماعيل بن اسحاق ابو الحسن من نسل الصحابي ابي موسى الاشعري، ولد في البصرة سنة 260هـ وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم ثم خالفهم وجاهر بخلافتهم. قيل بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب، توفي في بغداد سنة 324هـ.

د. عبد الملك عبد الرحمن السعدي، شرح النسفية في العقيدة الاسلامية، مكتبة دار الانبار، الرمادي، 1988، ص8.

([34]) عبد الحميد الألوسي، نثر اللألي وبدء الامالي، مطبعة الشابندر، بغداد، 1330هـ، ص15.

([35]) د. عبد الملك عبد الرحمن السعدي، المصدر السابق، ص222.

([36]) المصدر نفسه ، ص205.

([37]) علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الاول، مكتبة الحيدرية، بلا مكان، او تاريخ طبع، ص49.

([38]) السلفية/ ويقصدبها في المصطلح الديني الداعون للعودة الى سيرة السلف الصالح، وقد اطلقت تسمية السلف على صحابة الرسول&nb