د.ياسر عيسى الياسري

 

 د.ياسر عيسى الياسري

 

 
أمل المدرس . . الأداء الدرامي للصوت البشري المنفرد


كان وما يزال الصوت البشري المفرد قادرا ً على الأداء الدرامي المنفرد من خلال السيطرة على التلوين ومخارج الحروف وطريقة استخدام التقطيع والوقفات واستخدام علامات التعجب والاستفهام وغيرها من فنون الأداء الصوتي ولطالما كان الحكواتي أو ((القصخون )) باللهجة البغدادية قادرا ً على إيصال أدق التفاصيل وبشكل درامي مشوق إلى مستمعيه وتميزت الإذاعة العراقية بأصوات قل نظيرها في مجال التجسيد الدرامي من خلال الصوت البشري فقط ولن استعرض العديد من الأصوات العراقية المتميزة لأنني أريد هنا التركيز على صوت المذيعة الرائدة أمل المدرس وهي تصارع ألم الجراحات التي أصابتها قبل أشهر . . .

يتميز صوت أمل المدرس بلكنة عربية عراقية صافية من خلال اللفظ العام لمخارج الحروف فهي لم تلجأ مطلقا إلى تضخيم الضاد أو لفظ الجيم على الطريقة اللبنانية حسب ما تفعل الآن معظم المذيعات العراقيات في الفضائيات العراقية و لا أعلم كيف يسمح القيمون على تلك الفضائيات للمذيعات بطمس الهوية العراقية مما ينسحب على طمس هوية القناة والتبرير جاهز بأن اللهجة العراقية صعبة على الأذن العربية ولكنني في الوقت نفسه أشاهد الفضائيات الخليجية تتكلم في بعض برامجها باللهجة الخليجية التي تفوق صعوبتها اللهجة العراقية أو قنوات المغرب العربي التي تحتاج اللهجات فيها إلى ترجمة إلى العربية . . فكانت أمل المدرس ولفترة طويلة تشكل ظاهرة في الإذاعة العراقية وتلفزيون العراق من خلال تقديمها لبرنامج عشر دقائق تروي فيه أخبار عالمية طريفة ونادرة الحدوث وموعده كل جمعة وما يزال هذا البرنامج موجودا ً على لائحة برامج القناة العراقية فكانت قراءة أمل المدرس لتلك الأخبار يعتمد على الميزة الطبيعية للنبر في صوتها والتي اعتادت أن تستخدمها بشكل يؤثر في المستمع لها فمن الممكن أن تعرض تلك الصور مع سبتايتل وينتهي الموضوع ولا تلام القناة فالخبر يشرح نفسه وهناك اليوم عشرات البرامج التي تبث الأخبار المصورة دون تدخل الصوت البشري فكان على أمل المدرس أن توظف صوتها ليمسك بالمشاهد من أول كلمات تنطقها حيث تقول ( عزيزي المشاهد أهلا وسهلا بك حلقة جديدة من برنامج عشر دقائق ) ربما يكون المستهل ككتابة دون تلفظ عاديا جدا ً ولكن ما أن تسمع أذن المشاهد التحية الترحيبية التي تلفظها أمل المدرس حتى تتشكل لدية صورة ذهنية سريعة بأن ما سيقدم هو برنامج عشر دقائق برنامج الأخبار الطريفة خصوصا ً في فترة الحقائب الإخبارية عبر الأقمار الصناعية وعدم وجود الفضائيات التي جعلت من العالم بيت من غرف متعددة لا قرية صغيرة كما قال مارشال مكلوهان إذا ً كان محتوى البرنامج مهم ولكن من أضفى هذه الأجواء عليه الأداء الدرامي لقراءة الأخبار حيث كانت أمل المدرس لا تقرأ الخبر وإنما كانت تؤديه دراميا ً بحيث تستوفي فيه شروط القص الدرامي وكأنها رئيس الجوقة الذي كانت تعتمد عليه المسرحية الإغريقية في أخبار المتفرجين بما جرى قبل أن يدخلوا إلى المسرح وما سيجري أو يعلق على الأحداث التي جرت ووظفت المدرس تلك التقنية بحيث جعلت من البرنامج قطعة واحدة لا أجزاء متفرقة وإنما كل واحد يتجزأ إلى قصص صغيرة مستوفية الفهم بالنسبة للمشاهد صوتا ً وصورة ً و لا يرجع هذا التكامل في الأداء إلى مخرج معين لان الدور الأكبر كان للمونتير الذي يجمع الأخبار ويكون تعليق أمل المدرس لاحقا ً إذا ً نحن أمام مذيعة قادرة على إدارة البرنامج برؤية إخراجية منطلقة من الإذاعة ومنفتحة على الصورة التلفزيونية بحيث يشكل صوتها المنفرد إطارا ً دراميا ً لأخبار يمكن أن تقدم بشكل تقريري ويمكن أن تشاهد ولكن دون ما أي تفاعل فالصوت البشري بقي دائما ً يشكل أهمية خاصة في تشكيل الذائقة البشرية لأنه هو النقطة الفارقة للجوهر الإنساني الناطق الذي يعبر عن نفسه بالكلمات الملفوظة التي تؤدي إلى المعاني المطلوب إيصالها إلى المتلقي واستنادا ً على هذا التأسيس المنطقي نجد أن المدرس كانت تستخدم الكلمة وتنطقها بما وراء اللفظ المجرد للكلمة المكتوبة وتتجاوزها من الإخلال الأداء لتصل إلى المعنى الذي هو غاية المتلقي فتعجل الأداء اللفظي دراميا ً محاكيا ً لان الدراما فن محاكاة قادر على إيصال المعاني العميقة بأسهل الطرق للإنسان وبذلك حققت أمل الدرس صورة صوتية ً درامية تشتغل باستقلالية مع الصورة المرئية وهذه الحالة من النوادر بحيث يتساوى تأثير المرئي والمسموع وكأنه قطعة واحد . . وهذه الطريقة انسحبت على أداء المدرس في الإذاعة فأكثر النشرات الإخبارية الإذاعية التي كانت تقرأها تحيل المتلقي إلى طريقة برنامج عشر دقائق فيعرف أنها إذاعة عراقية لوجود صوت أمل المدرس وهذه الميزة تشتريها المحطات بالملايين بينما كانت المدرس تتقاضى الراتب المتواضع الذي يتقاضاه أي موظف عراقي آنذاك . . وفي برنامجها أستوديو عشرة الذي شكل ولأول مرة نقطة تواصل العراقيين في المنافي مع أهلهم في العراق كل سبت وعلى مدى ساعتين ينشغل الشارع العراقي المرتبط بالمنافي لكثرة الهاربين إليها و لا تسمع في الأماكن العامة إلا صوت أمل المدرس وهي تحاور لا بصفتها مذيعة بل بذات الطاقة الدرامية التعبيرية التي يختزنها صوتها في السيطرة على إدارة حوارات مباشرة على الهواء حوارات بكائية تحولها المدرس بصونها إلى دفقة حنين وغصة الم سرعان ما يحدث بعدها التطهير الأرسطي المختص بالدراما إلا أن الصوت البشري هنا في هذا البرنامج شكل مع مجموع الأصوات عبر أسلاك الهواتف تناغم أدائي لا يمكن أن يتكرر في الإذاعة العراقية والتأثير العاطفي على الناس ولكن القضية هنا أخذت منحنى آخر فيما يخص التطهير فلم يكن التطهير قادرا ً على يعدل من مواقف العراقيين تجاه تهجير منظم نحو المنافي لا يمكن أن تجد له تبرير إنساني بعيدا ً عن السياسة والنظام السياسي الذي تسبب في ذلك ولقد تنبه القائمون على الإذاعة العراقية آنذاك واقفوا البرنامج تحت ذرائع شتى . . هذه بعض المؤشرات على فرادة الأداء الدرامي للصوت البشري متمثلا ً بصوت الإذاعة العراقية أمل المدرس وكلنا أمل بشفاء ها من جروح الرصاص التي نهشت جسدها الذي أتعبته السنين والمايكروفون وهموم إذاعية ربما تكون لها بداية ولكن النهاية غير متوقعة دائما ً
 

 

*******

*yasirhass@gmail.com
 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة فنون