د.ياسر عيسى الياسري

 

 د.ياسر عيسى الياسري

 

 
دراما رمضان التلفزيونية . . . بين الجذر الديني والاجتماعي و شروط الإنتاج

بعد انقضاء أيام من الآن يكون الشهر الفضيل قد بدأ ومعه تتسابق القنوات التلفزيونية الفضائية والأرضية للإعلان عن ما في مكتباتها الصورية من مسلسلات حصرية خصيصا لشهر رمضان ولعل السنوات الأخيرة جعلت من عجلة انتاج الدراما العربية لا تدور الا من اجل رمضان بل أصبح الموسم المفضل للمنتجين في تقديم أعمالهم وتحقيق أرباح كبيرة لا يمكن ان تتوفر في أي موسم آخر من مواسم السنة ولعل هناك الكثير من الأقلام التي انتقدت قيام التلفزيون ببث هذا الكم الهائل من الدراما التلفزيونية لأسباب دينية خالصة وهي تتمحور حول حرمة الشهر الضرورات العبادية التي يتوجب على المسلم القيام بها ويس الغرض من الشهر هو قيام الليل أمام شاشة التلفزيون والاكتفاء بمشاهدة صلاة التراويح المنقولة من مكة المكرمة وعلى الهواء مباشرة وأنا هنا لا أضم صوتي الى تلك الأقلام بقدر ما احترم وجهة النظر تلك وهي صحيحة بلا أدنى شك ولكن لنعد ولو قليلا الى الجذر الديني لنشوء الدراما بغ النظر عن كونها وثنية ام توحيدية فما هي الا عبارة عن رقصات دينية خاصة تؤدى لـ إله معين وهو ديونيسوس اله الخمر والكروم او الإله الماعز حيث تتم محاكاة شكل هذا الإله من خلال ارتداء جلود الماعز وتأدية الأناشيد الدينية التي تمجد هذا الإله وتطورت بعد ذلك الى أشكال متقدمة جدا وظهر كتاب كبار امثال اسخيلوس وسفوكلس ويوربيدس ونظر لهم ارسطو في كتابه فن الشعر الا موسم تقديم الدراما الإغريقية بقي حصرا على مواسم الأعياد الدينية والاحتفالات التي تمجد دين الدولة واستمرت الحال كذلك في الدولة الرومانية لذا لا اجد في تقدم الدراما في رمضان شيء مستغرب او مستبعد لأن الدراما ومنذ نشأتها لابد ان تكون هادفة وذات مغزى اجتماعي وبدون تلك الشروط لا يمكن ان تكتمل رسالة الدراما التلفزيونية وإذا كان البعض يعترض على كون الأمثلة التي ضربتها إغريقية وثنية وما الى ذلك أحيلهم الى تقليد عربي ينشط في شهر رمضان منذ أزمنة بعيدة وهو تقليد الحكواتي الذي يقص على أسماع الناس أشهر القصص من التراث العربي ودائما تتضمن تلك القصص النواحي الأخلاقية التالية :-
1 – الشجاعة وتمجيد الشجعان
2 – الكرم وتمجيد الكرماء
3 – طاعة الله عز وجل
4 – طاعة أولي الأمر
5 – إشاعة روح الجماعة
6 – تقديم النماذج النسائية الصالحة
7 – تضمين القصة الآيات القرآنية وأحاديث نبوية حتى وان كانت القصة تجري أحداثها في أزمنة ما قبل الإسلام
وبتقديري المتواضع ان الدراما هنا موجودة من خلال التعبير الصوتي للحكواتي الذي حل محله حكواتي الأزمنة الحديثة التلفزيون فعلى ماذا ابقى التلفزيون ودراما التلفزيون في رمضان فعلى سبيل المثال لا الحصر وفي رمضان الماضي أتيحت لي فرصة تابعة أعمال عدة من الدراما التلفزيونية السورية التي أعدت خصيصا لشهر رمضان وكم كان حريا بالرقيب ان يكرم الشهر الفضيل ويمنع عرض بعض تلك المسلسلات التي لم تصل خلاعة الملابس فيها الى أي مسلسل عربي سوى المسلسلات المدبلجة سيئة الصيت ولكن الأغرب ان هناك إصرار على استخدام الإغراء كوسيلة إنتاجية على الرغم من ان الممثلات قديرات ويملكن الموهبة والقدرة الأدائية فما الداعي الى العري في الملابس والمسلسل معد لشهر رمضان ومن حق أي رجل دين ان يصدر فتوى بوجوب عدم مشاهدة مثل تلك المسلسلات التي تبث قبل الفطور حصريا بينما لم تقدم مسلسلات لا يكاد يذكر عددها ضاعت وسط زحمة البث اما الدراما المصرية فلم تلتزم بأدنى قواعد الإنتاج والتي يتم تحديدها كل سنة من قبل لجان الفحص والتقييم واذكر أنني كنت في القاهرة عندما كثر الحديث عن تحديد المنتج المنفذ للدراما التلفزيونية بسبعة عشر حلقة فقط لا غير ولكن من من المنتجين التزم بذلك ولنأخذ وبشكل عشوائي أي مسلسل رمضاني قديم او من العام الماضي فمثلا كلنا ربما يذكر مسلسل عباس الأبيض أو حارة العوانس او باب الحارة كم حلقة حقيقية وكم حلقة غير حقيقية وحتى لا اتهم بعدم العلمية أحيل القارئ الكريم الى مبدأ أو قاعدة درامية لا تنطبق عليها مقولة (( القاعدة الذهبية في الفن ان لا قاعدة )) على الإطلاق وتلك القاعدة التي أتحدث عنها هي قاعدة المشهد المركب والمشهد العضوي وحسب التعريف المبسط لكلا المشهدين نجد ان المركب وهو الذي يمكن رفعه من العمل الدرامي دون ان تتأثر بقية المشاهد او العمل بينما العضوي هو الذي لا يمكن رفعه من العمل او حذفه او الغاؤه لان القصة الدرامية بتركيبتها تقوم عليه وهنا اذكر على سبيل المثال لا الحصر فلما لم يذكر لنا مدرسنا في الكلية وقتها اسمه لان الفلم منع رقابيا وهو أي المدرس هو من منعه وللسبب التالي الذي هو عبارة عن مشهد جنسي في غرفة نوم يقع هذ المشهد في منتصف الفلم الذي يحكي قصة حب بين رجل وامرأة كانت لهم ولشخصياتهم بناء معين عند بداية القصة وعندما يصل الفلم الى مشهد غرفة النوم تحدث أشياء أساسية ضمن هذا المشهد سيقوم عليها بناء الأحداث والشخصيات بعد هذا المشهد ولان الرقابة تمنع مثل هذه المشاهد وتحذفها دون ان تؤثر على أحداث الفلم وجد الرقيب نفسه محاصر بمشهد جنسي عضوي أساسي ان حذف أصبح من العسير على متابع الفلم ان يفهم طبيعة المتغيرات التي جعلت الشخصيات تغير من نمط حياتها وعليه كان القرار اما أن يعرض الفلم كاملا او لا يعرض وبالفعل لم يعرض الفلم لا خوفا من الحساب وإنما للحفاظ على خصوصية الفلم المبني على هذا المشهد . . . وبالتالي كم سيعثر الرقيب الذي سيتولى فحص دراما رمضان التي تجاوزت الثلاثين حلقة فلو حذف الرقيب عشرون حلقة لفهم المشاهد المسلسل دون عناء الانتظار شهر كامل لا لشيء الا ليربح المنتج ومهما بلغت حرفنة وقدرة كتاب الدراما الرمضانية الا إنهم وعلى الرغم من كل تلك الخبرة يقعون في مصيدة المشاهد المركبة التي تكون مهمتها الدرامية عطلة إلا للربحية فقط كل هذا الحديث وانا أتغاضى عن الوقفات الإعلانية الرمضانية وما أكثرها من وقفات تخالف الشرع الديني والقانون الوضعي وحقوق الإنسان لأنها تمثل قمة الافتراق الطبقي بين رمضان الأغنياء ورمضان الفقراء الذين لا يجدون غير التلفزيون مسليا وحدتهم الرمضانية بعد يوم صيام شاق وبعد هل بقي من الجذر الديني للدراما التي يتهمها البعض بأنها وثنية تلك الوثنية التي كانت تمنع المشاهد الجنسية وتمنع مشاهد القتل من العرض على المسرح وهنا يدخل ضمن كلامي أي عملية ايحاء جنسي من خلال الحركة او الملابس وماذا بقي من الجذر الاجتماعي للدراما فأي نماذج تقدم واي عصابات ومافيات تمجد بشكل غير مباشر لينتصر الحق بصفارة سيارة الشرطة لقد أدخلتنا دراما رمضان في الأزمنة المظلمة للدراما التلفزيونية العربية دراما لا تحترم حرمة الشهر الفضيل ولا تحترم وقت المشاهد ولا مشاعره ولن تكون دراما رمضان لهذا العام أفضل من غيرها والإعلانات خير دليل وكل سنة وانتم ونحن بخير

 

 

*******

*yasirhass@gmail.com
 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة فنون