|
|
|
د.ياسر عيسى الياسري |
|
|
د.ياسر عيسى الياسري |
حق مشروع .... عندما يفقد فن الدراما مشروعيته أمام مغريات الإنتاج وأسماء النجوم لاشك ان كل مشروع درامي لا بد ان تتوفر فيه عناصر مهمة لإغراء المتفرج التلفزيوني بالتوجه نحو القناة الفضائية التي تريد ان تسحبه باتجاهها واستعمل هنا كلمة إغراء بكل ما يمكن ان تعنيه الكلمة لأننا وصلنا الى مرحلة التخمة في تزايد كبير جدا للمحطات الفضائية غير مدروس الى حد ما مادامت المحطة التلفزيونية أصبحت جزءا من المشاريع التجارية او الترويج العقائدي والفكري لاتجاه معين او ميدان لدعم توجه سياسي معين مما جعل المشاهد لا يفتأ يقلب جهاز الاستقبال متحولا من محطة الى أخرى بحثا عن جديد او شيء ما يجعله يثبت على مشاهدة تلك القناة التي يعمل القائمون عليها على وضع مغريات عديدة من دون أية حسابات فنية او حتى أخلاقية في بعض الأحيان وإنما بث لأجل كسب من نوع معين أيا كان هذا الكسب ماديا أم معنويا ومع ذلك لا أجد أي عذر او مبرر للخروج على ابسط التقاليد الفنية التي رصنها التلفزيون في الوطن العربي لنفسه خلال سنوات البث الأرضي فجميع المحطات الأرضية كانت لها دورات تلفزيونية لا تتعدى الثلاثة أشهر ويكون نصيب الدراما التلفزيونية مسلسلات تبث أسبوعيا وعلى مدى ثلاثة عشر أسبوعا من قدمت من خلالها امهات المسلسلات العربية والتي ما تزال ذاكرة الجيل العربي الأول الذي شاهد التلفزيون لاول مرة محتفظة بها ولا مجال للحد\يث عنها هنا ولكن السؤال لماذا هذا العدد المحدود من الحلقات ؟ وما هي الحكمة في ذلك ؟ لاشك ان الجواب البديهي هو ان كل مسلسل يجب ان يعرض خلال دورة محددة بثلاثة أشهر كما أسلفت القول أي ان الحلقات تغطي الدورة التلفزيونية كاملة هذا على صعيد البث اما على صعيد التأليف فكل عمل درامي تحكمه أحداث رئيسية تتفرع عنها أحداث مرتبطة بها وتساهم في تقدمها نحو الحل الاخير بعد المرور بالتعقيد والأزمة او سلسلة الأزمات وفي هذه الحلقات المحددة سلفا يجد المؤلف نفسه أمام بناء يجب ان يكون مترابطا ترابطا عضويا لامجال لفك ارتباط مشهد عن آخر او أحداث لا تؤدي غرض ما او شخصيات عابرة ي لا مجال لأي حدث تركيبي يمكن إزالته بسهولة و لا يؤثر تأثيرا بالغ الخطورة على بقية أحداث العمل لذا كانت مسلسلات مشدودة البناء تجعل المتفرج ينتظر أسبوعا كاملا من اجل ان يتابع بقية العمل وهنا يأتي دور تلك الفجوة في التلقي التي تؤكد عليها كل بحوث التلقي والاتصال الجماهيري فتلك الفجوة الزمنية ما بين حلقة وأخرى هي التي تولد ذلك الإحساس بالشخصيات والأحداث التي تجري وتجعل من أفق التوقع لدى المتفرج التلفزيوني واسعا بل وتكون هناك مشاركه في الرأي ما بين مجموعات من المتفرجين حول ما سيحدث في الأسبوع المقبل وهذا ما يحمل كادر العمل وليس المؤلف والمخرج حسب مسؤوليات مضافة تجاه مشروعية الفن الذي يقدم من خلالهم الى هذا المتفرج دون التلاعب به وبمشاعره وأفكاره من خلال عمليات مد وتطويل لا طائل من ورائها وهكذا كانت نماذج درامية مهمة شكلا ومضمونا . ومع امتداد فترات البث الى ساعات أطول أصبحت الحاجة الى وجود أعمال درامية تتجاوز هذه الحلقات المحددة بالدورة التلفزيونية وأخذت بعض المسلسلات تمتد الى سبعة عشر حلقة وحتى العشرين ولكن بصورة متوازنة وبأشكال متطورة تحترم المشاهد من خلال ما تقدمه ولكن ومع دخول المنتج الخاص بشكل أساسي وكبير الى العملية الإنتاجية في التلفزيون بعد الانحسار الواضح في السينما والأرباح البطيئة لها مقارنة بما يدره جهاز التلفزيون من أرباح سريعة ولأكثر من محطة تلفزيونية ظهرت أنواع عديدة من أشكال الإنتاج منها ما يسمى المنتج المنفذ الذي يقوم بإنتاج مسلسل الى قناة بعينها او ما يسمى بالبث الحصري وظهر ذلك واضحا بعد تزايد البث الفضائي للتلفزيونات العربية ومع ظهور هذا المنتج انتقل العديد من نجوم السينما الى التلفزيون عن اقتناع او عن أي مبرر آخر وتحت أية ذريعة وهكذا استخدمت الدورة السنوية لشهر رمضان الى ميدان تسابق محموم بين المحطات الفضائية لصر اكبر ما يمكن من الأعمال لتقديمها خلال شهر رمضان هذه التخمة لا تتيح للمشاهد ان يختار او يركز في اختياراته لذا نجد الإعلانات قبل رمضان بمدة طويلة وبإعلانات عن مشاركة هذا النجم السينمائي او ذلك المخرج الكبير والمؤلف الصاعد وبالنتيجة لا يستطيع أكثر المشاهدين إدمانا على المسلسلات الدرامية العربية من متابعة جميع ما يعرض وهكذا ننتظر الى ما بعد رمضان ليتسنى للمشاهد أن يتابع بهدوء ما تم تقديمه لان جميع المسلسلات بلا استثناء تتم أعادتها وهذا ما جرى لمسلسل حق مشروع للمؤلف محمد صفاء عامر والمخرجة رباب حسين الى جانب النجم حسين فهمي ومحمد وفيق وعبلة كامل ورشوان توفيق وغيرهم من نجوم الشاشة الصغيرة الموضوع فبدايته كان حساسا للغاية فهو يناقش مسألة جذب الجماعات الدينية المتطرفة للشباب الجامعي من خلال عرض مجموعة من النماذج مع وجود دكتور صعيدي حيث اراد المؤلف تبيض صفحة الصعيد التي لطختها الدراما المصرية حيث ما انفكت بتقديم شخصية الصعيدي اما بصورة الهمجي الذي يعيش خارج العصر والحضارة على الرغم من الاعتراف ضمنيا بان الصعيد موطن الحضارة او بشكل كوميدي ويكون عرضة لسخرية أهل المدينة ولكن الذي حصل أن عامر لم يتعمق في موضوع الجماعات المتطرفة وابقي الصعيد موطنا للشر من خلال شخصية الزناتي بو جبل التي قدمها بشكل يرثى له من الأداء التكلف النجم حسين فهمي الذي كان يعاني من مجاراة بقية الممثلين في اللهجة الصعيدية او الحركات إلا ما يخص الرقص بالعصا وقد افردت رباب حسين لوحات راقصة بالعصا لحسين فهمي وبأكثر من زاوية ولقطة حتى قصة الحب بين الدكتور الصعيدي وإحدى طالباته اللواتي كن ينتمين الى مجموعة إسلامية داخل الجامعة جاءت مملة من خلال التركيز على مبادئ الصعيدي في عدم البوح بحبه وكرامة ابنة السفير السابق وظهور شخصيات جديدة في محاولة لإطالة امد معاناة المشاهد فلابد من حل في النهاية حتى الحجة كاملة (عبلة كامل ) وبكل جبروتها في بداية المسلسل تتحول الى شخصية سلبية عاجزة عن إبداء أية مقاومة بعد قتل زوجها من قبل أخيه وهو البناء الذي اشبع بحثا في الدراما فجريمة قتل الأخ أصبحت تراثا دراميا لابد له من معالجة جديدة لم ينجح المؤلف ومن بعده المخرجة في إيجاد تلك المعالجة وهكذا تشتت حق المشاهد المشروع في متابعة صنعة درامية فنية والوصول الى نهايات مقنعه وكل الحلول تؤجل الى الحلقة الأخيرة وبتدخل أخت الدكتور بشكل فج وغير مدروس في حل مشكلة حب أخيها مع بنت السفير وتدخل بعض المقربين من الدكتور الصعيدي وعائلته للتصدي الى العم الغاصب لحق اخية الزناتي ابو جبل او حسين فهمي الذي ينتهي شره برصاصة أطلقتها الحجة لتقول ثاري وأخذت بيه بس متأخر وبذلك حطم المؤلف كل الصور الايجابية التي حاول ان يقدمها عن الصعيد في مصر أما المخرجة رباب حسين فقد وقعت في تناص إخراجي لا استطيع ان احدد مدى تطابقه مع النهاية الصورية للمسلسل الكبير عصفور النار لمحمد فاضل حيث يظهر العملاق محمود مرسي (صقر الحلواني ) وهو مضروب بعيار ناري وعلى وشك الموت وهو يطلب السماح من ابنة اخيه حورية (فردوس عبد الحميد ) وكأن رباب حسين استنسخت المشهد بممثلين آخرين ولكن بأداء لا يرقى الى الكلمات الأخيرة التي لفظها صقر الحلواني لتجعل تعاطف المشاهد يتجه نحو طاغية على شفير الموت وكيف سيكون رد فعل من ظلمهم فحسين فهمي بقي مبتسما رافضا الاعتراف بأي شيء وفجأة تنقطع الصورة او تتوقف معلنة نهاية الشر ونهاية الحق غير المشروع لكل من ساهم في هذا العمل في تدمير مشروعية فن الدراما كواحد من أرقى الفنون التي أبدعها العقل البشري
******* |